جزائريون يعتبرون «قلة احترام» اعتراف فرنسا بأعمال التعذيب خلال الاستعمار

جزائريون يعتبرون «قلة احترام» اعتراف فرنسا بأعمال التعذيب خلال الاستعمار

رئيس «حركة مجتمع السلم» عاب على الرئيس الفرنسي اعتذاره لزوجة موريس دون آلاف الشهداء الجزائريين
السبت - 5 محرم 1440 هـ - 15 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [ 14536]
صورة تعود إلى سنة 1956 لجنود الاحتلال الفرنسي في القصبة بالجزائر (أ.ب)
الجزائر: بوعلام غمراسة
بينما تعاملت تنظيمات «الأسرة الثورية» في الجزائر بصمت غير عادي مع اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باستخدام «التعذيب» خلال حزب الجزائر، أعاب أكبر حزب إسلامي جزائري على الرئيس الفرنسي «استثناء» آلاف الجزائريين «ممن يحملون أسماء محمد وعبد الله»، من اعترافه بالتعذيب، والقتل على يدي الجيش الاستعماري خلال احتلال الجزائر في القرنين الـ19و الـ20. وكان ماكرون قد قدم أول من أمس اعتذار فرنسا لأرملة موريس أودان، وهو فرنسي شيوعي ناضل من أجل استقلال الجزائر، على خطفه وقتله عام 1957.

وصرّح عبد الرزاق مقري، رئيس «حركة مجتمع السلم»، بأن أودان «كان من دون شك من أبطال الثورة التحريرية الجزائرية، ونحن نعتز به، حتى وإن كان اسمه موريس. لكن حينما يعتذر الرئيس الفرنسي لعائلة موريس أودان فقط، فإن ذلك يظهر حقيقة العنصرية الفرنسية، وعدم اعتباره ملايين الجزائريين، الذين عُذّبوا وقُتلوا، بشراً».

وأضاف مقري في معرض حديثه عن قضية جرائم المستعمر الفرنسي، الذي ما زالت تثير جدلاً كبيراً بعد مرور 56 عاماً على استقلال الجزائر «سيدرك الرئيس الفرنسي يوماً ما بأن الانتهاكات، التي وقعت للإنسان الجزائري، الذي يدعى محمد وعبد الله والدراجي والعياشي والهواري، وعائشة وفاطمة والعارم، والبتول وإيدير، وما شابه، هي كذلك جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب لا تتقادم بمرور الزمن. إن تصرف ماكرون هذا يدل كذلك على قلة احترام للمسؤولين الجزائريين، ولكل الشعب الجزائري».

من جهته، قال محمد صالحي، القيادي في حزب «العدل والبيان»، متسائلاً «هل هو اعتراف بالذنب أم مناورة تاريخية؟ إنه أمر جميل أن يعترف ماكرون باسم الدولة الفرنسية بقتل المجاهد الفرنسي موريس أودان، تحت التعذيب من طرف المجرم الجنرال أوساريس. لكن فرنسا قتلت عشرة ملايين جزائري طيلة فترة الاستعمار، ولم تقتل مناضلاً واحداً يدعى موريس أودان، رحمه الله، حتى تعتذر لأرملته وحدها، بينما ما يزال الملايين من أراملنا وأيتامنا، ينتظرون اعتذار الدولة الفرنسية».

وزار ماكرون ظهر الخميس منزل أودان بحي «بانيوليه» في ضاحية باريس، حيث سلم لزوجته جوزيت (87 سنة) وولديها بياناً، أكد فيه «أن فرنسا أقامت خلال حرب الجزائر (1954 – 1962) نظاماً استخدم فيه التعذيب، وأدى خصوصاً إلى وفاة المعارض الشيوعي موريس أودان»، حسب ما ذكره قصر الإليزيه. وعدت هذه الخطوة من جانب ماكرون «شجاعة لم يسبقه إليها أي رئيس فرنسي قبله»، فيما يخص ماضي فرنسا الاستعماري بالجزائر، الذي كان بالنسبة لعدد من الباحثين في التاريخ بمثابة «إبادة شعب».

في المقابل، رحب الطيب زيتوني، وزير المجاهدين، في تصريحات للصحافة المحلية باعترافات ماكرون بشأن مسؤولية فرنسا في أعمال التعذيب والقتل بالجزائر، وقال إن «جرائم الاستعمار لا ينكرها إلا جاهل بالتاريخ». غير أن منظمات «الأسرة الثورية» لم يصدر عنها أي موقف، وبخاصة «منظمة المجاهدين» التي تمثل وزناً سياسياً كبيراً في البلاد. ونقل عن أمينها العام سعيد عبادو (90 سنة)، الذي يوجد بالمستشفى منذ مدة، بأن ما صدر عن الرئيس الفرنسي «ليس كافيا». فالجزائريون، حسب عبادو: «لن يرضوا بأقل من اعتراف رسمي وعلني بأن فرنسا ارتكبت خطأ عندما احتلت الجزائر، وأن يكون ذلك مرفوقاً باعتذار للشعب الجزائري، ودفع تعويض مادي لهم».

كما لم يصدر موقف عن حزب الأغلبية، «جبهة التحرير الوطني»، الذي فجّر ثورة التحرير، ولا عن «منظمة أبناء الشهداء» و«منظمة أبناء المجاهدين».

في سياق ذلك، نقلت وكالة الأنباء الجزائرية عن المؤرخ الفرنسي الشهير بنيامين ستورا، المتخصص في أحداث استعمار الجزائر، أن «اعتراف الدولة الفرنسية بمسؤوليتها إزاء اغتيال المناضل من أجل القضية الجزائرية، موريس أودان بتاريخ 11 يونيو (حزيران) 1957، سيترك أثراً يستحيل محوه بالنسبة لمن عاشوا الاحتلال». مبرزاً أن «اعترافات ماكرون بأن التعذيب كان توجهاً مؤسساتياً، ليس حكماً نهائياً بخصوص الثورة الجزائرية، وإنما هو سرد لأحداث أثبتها المؤرخون، وسيترك باب الجدال بين المواطنين مفتوحاً للتخلص من اجترار الماضي والجروح الراسخة في الأذهان، وبالتالي تشجيع المشاركين في الحرب والشهود على الإفصاح عن معاناتهم».

وزار ماكرون الجزائر أول مرة في فبراير (شباط) 2017، عندما كان مرشحاً للرئاسة، وقال في مقابلة مع فضائية خاصة، إن «الاستعمار الفرنسي بالجزائر كان جريمة ضد الإنسانية تستحق الإدانة». وقد فهم الجزائريون من كلامه يومها أنه مستعد لتقديم الاعتذار عن «الجريمة الاستعمارية» في حال أصبح رئيساً. كما ألح جزائريون أثناء لقائهم ماكرون في شوارع العاصمة الجزائرية لما زارها رئيساً في نهاية العام نفسه على ما أطلق عليه «واجب الذاكرة»، فرد عليهم قائلاً «لدي نظرة رجل من جيلي، نظرة رئيس تم انتخابه على أساس مشروع انفتاحي. أنا أعرف التاريخ، لكنني لست رهينة للماضي. لدينا ذاكرة مشتركة، ويجب أن ندرك ذلك». كما أوضح أيضاً أن بلده «يعتزم بناء محور قوي مع الجزائر، محور البحر المتوسط يمتد إلى أفريقيا. صحيح أن العراقيل موجودة وعلينا تخطيها مع كل الفاعلين في مجتمعينا؛ ولذلك ينبغي علينا أن نشتغل على ملفات التعليم وتطوير الاقتصاد والمبادلات الثقافية. مفتاح مستقبلنا هم شباب البلدين».
الجزائر فرنسا أخبار الجزائر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة