الثري الصيني جاك ما يترك المليارات ليعود إلى مهنة التدريس والأعمال الخيرية

حَلُم بتعلم الإنجليزية وحاز درجات دكتوراه عدة وجوائز عالمية... وحقق 420 مليار دولار لمجموعة «علي بابا»

الثري الصيني جاك ما يترك المليارات ليعود إلى مهنة التدريس والأعمال الخيرية
TT

الثري الصيني جاك ما يترك المليارات ليعود إلى مهنة التدريس والأعمال الخيرية

الثري الصيني جاك ما يترك المليارات ليعود إلى مهنة التدريس والأعمال الخيرية

أعلن «جاك ما» Jack Ma الصيني، مؤسس مجموعة «علي بابا» للتجارة الإلكترونية، عن خطته للانسحاب التدريجي من الشركة بحلول العام 2020. ولقد نجح «جاك» – وهذا هو التحوير لاسمه الأصلي باللغة الصينية – بتطوير الموقع ليصبح من أكبر المواقع في التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت، حيث إنه يخدم حاليا أكثر من 79 مليون مستخدم من حول العالم، يخدمهم 66 ألف موظف يعملون بدوام كامل في الشركة التي تبلغ قيمتها السوقية نحو 420.8 مليار دولار. وللعلم، تقدّم مجموعة «علي بابا» خدمات تقنية متنوعة على مستوى العالم، في حين قدّرت ثروة جاك ما نحو 38.6 مليار دولار أميركي في شهر أغسطس (آب) الماضي، ما يجعله أحد أغنى أغنياء العالم.

قرّر جاك ما، الملياردير الصيني ومؤسس مجموعة «علي بابا» للتجارة الإلكترونية، في وقت سابق من سبتمبر (أيلول) الحالي التفرغ للعمل الخيري في المجال التعليمي كونه معلماً سابقاً وشغوفاً في هذا الجانب. ووضع خطة للانسحاب التدريجي من الشركة تاركاً المجال للرئيس التنفيذي الحالي دانييل زانغ لخلافته عبر انتقال قيادة المجموعة خلال الفترة المقبلة. ومن جهة ثانية، شدّد جاك على أنه سيبقى جزءاً من الشركة خلال هذه الفترة، بيد أنه سيقلص دوره ومسؤولياته بشكل تدريجي إلى حين إتمام عملية الانتقال الإداري، وفي حينه سيتخلى عن منصب رئيس مجلس الإدارة في 10 سبتمبر 2019. وسيكمل فترته الحالية في مجلس إدارة «علي بابا» لغاية موعد الاجتماع السنوي العام للشركة في العام 2020. ثم إنه لم يترك قيادة المجموعة لأبنائه، كما هو مألوف في الشركات الصينية العائلية، بل فضل تركها للشخص المناسب من حيث المؤهلات وليس الوراثة، ليعكس منهجية الحوكمة والشفافية.
يذكر أن جاك كان قد تخلّى عن منصب الرئيسي التنفيذي للشركة عام 2013. ويأتي قراره الأخير اللافت مع مرور 19 سنة على تأسيس مجموعة «علي بابا» القابضة. ويرى رغم الأعمال اللامع أن من واجبه السماح للجيل الأصغر سناً والأكثر موهبة بتولي أدوار قيادية لإكمال رسالته المتمثلة بتسهيل أداء الأعمال في أي مكان. وأكد أن المعلم داخله يشعر بالفخر الشديد بفريق المجموعة وثقافتهم الغنية، رغبة منه بتجاوز الطالب للمعلم. وبذا يسير جاك ما على خطى بيل غيتس، مؤسس شركة «مايكروسوفت»، الذي ودّع إمبراطوريته التقنية بالتدريج بدءا من العام 2006 إلى العام 2014. من أجل التركيز على الأعمال الخيرية العالمية.

نشأته وحياته

جاك ما من مواليد 16 أكتوبر (تشرين الأول) 1964 – أي يبلغ عمره الآن 54 سنة – في مدينة هانغتشو في مقاطعة جيجيانيغ بشرق الصين. ومنذ طفولته أظهر رغبة جامحة في تعلم اللغة الإنجليزية، إذ كان يركب دراجته كل صباح لمدة 45 دقيقة باتجاه فندق لإرشاد السياح الأجانب حول المنطقة. ومن ثم، تعلم اللغة الإنجليزية واستخدمها معهم لمدة 9 سنوات، وصار صديقاً بالمراسلة لأحد السياح الذي أطلق عليه اسم «جاك» بسبب صعوبة نطق اسمه الصيني الأصلي.
درس «جاك» التربية والتعليم في جامعة هانغتشو لإعداد المعلمين، وتخرج فيها في العام 1988 حاصلاً على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية، بعد فشله مرتين في تجاوز امتحانات القبول فيها. ومن ثم، عمل محاضراً في اللغة الإنجليزية والتجارة الدولية في جامعة هانغتشو ديانزي، ومن ثم انضم إلى جامعة تشونغ كونغ لدراسات الأعمال، وتخرّج فيها عام 2006 بدرجة ماجستير في إدارة الأعمال.
بعد ذلك تقدم جاك لأكثر من 30 وظيفة مختلفة لكنه ووجه بالرفض في كل منها. وكان بين الوظائف التي تقدم لها قسم الشرطة حيث تم قبول 4 متقدمين من أصل 5، وشركة «كي إف سي» KFC لبيع الدجاج المقلي التي تقدم للعمل بها 24 شخصاً وكان الوحيد الذي رفض طلبه أيضاً. وتقدم كذلك إلى كلية الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية 10 مرات ولكن طلبه رفض في كل مرة. بل حتى عندما تقدم مع ابن عمه لوظيفة نادل في فندق، وانتظر تحت أشعة الشمس الحارقة لنحو الساعتين، حصل ابن عمه على الوظيفة رغم حصوله على تقييم أقل من تقييم جاك في امتحان القبول!
من كل هذه التجارب تعلمّ جاك درساً مهماً في حياته، وهو أن عليه ألا يستسلم أبدا للفشل، بل يجب التعلم منه. وانتهى مشوار خيبات الأمل، عندما عمل أخيراً في جامعة محلية كمدرس للغة الإنجليزية لقاء 12 دولاراً في الشهر.

محطة الإنترنت المفصلية

عام 1994 سمع جاك عن الإنترنت، وسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية مع مجموعة من الأصدقاء الذين ساعدوه في التعرف عليها. وهناك فوجئ بأنه عثر على الكثير من المعلومات في الإنترنت، ولكن ليس من شركات صينية. وهكذا، قرّر جاك مع مجموعة من الأصدقاء تأسيس موقع يسمح لمصدّري المنتجات وضعها في الإنترنت لتمكين المشترين من اختيارها مباشرة من دون الحاجة إلى وسيط. وحقاً، أطلق الموقع في الساعة التاسعة و40 دقيقة صباحا، لتبدأ رسائل البريد الإلكتروني من المستثمرين الصينيين بالوصول في حدود الساعة 12 ونصف ظهرا. وكانت تلك هي اللحظة التي خبِر فيها جاك ما، فعلاً، القدرات الهائلة الكامنة للإنترنت. من هذه المحطة، بدأ له أن مشواره العملي سيكون كفاحاً شاقاً من أجل النجاح، تماماً مثل مشواره التعليمي، وحقاً، كان من أوائل من فكروا بتأسيس شركة إنترنت من الصين، التي كانت تتأهب في حينه لدخول العصر الرقمي.

انطلاق «علي بابا»

وبعد سنة، عام 1995، جمع جاك مع زوجته وصديق له مبلغ 20 ألف دولار لتأسيس أول شركة لهم، وهي شركة متخصصة بإيجاد موقع للشركات الصينية سماها «صفحات الصين». وفي غضون 3 سنوات فقط، حصلت الشركة على عوائد بقيمة 5 ملايين يوان صيني، أي ما يعادل 800 ألف دولار أميركي في ذلك الوقت. ثم ترأس جاك شركة تقنية المعلومات التابعة لمركز الصين الدولي للتجارة الإلكترونية التابع لقسم وزارة التجارة والتعاون الاقتصادي بين العامين 1998 و1999.
وبعد ذلك أسّس موقع «علي بابا» بصحبة 18 صديقاً، وشغل منصب الرئيس التنفيذي للمجموعة التي تشمل موقع «علي بابا»، وموقع «إي تاو»، وخدمات «علي بابا» للحوسبة السحابية، وموقع «تي مول»، وموقع «جوهواسوان»، وموقع «1688 دوت كوم» وموقع «علي إكسبريس» المتخصص ببيع المنتجات بأسعار الجملة للأفراد والتجار حول العالم، وخدمة «علي بابا» للدفع المسماة «علي باي» AliPay. كذلك أسس موقع «تاو باو» الذي عرض موقع «إي باي» eBay أن يشتريه، لكن جاك ما رفض ذلك وحصل على استثمار مالي من الشريك المؤسس لـ«ياهو» بقيمة مليار دولار.
اختار جاك اسم «علي بابا» للموقع معتمداً على رواية «علي بابا والأربعون لصاً» من منطلق استخدام شخصية «علي بابا» ككلمة سر تفتح أبواباً لكنوز تفوق الوصف، وفي ذلك تعبير واضح عن قدرة شركته على فتح أبواب الثراء للشركات الصغيرة والمتوسطة حول العالم.
ومن ثم، حصلت مجموعة «علي بابا» على تمويل أجنبي بقيمة 25 مليار دولار في نهاية العام 1999 وبداية العام 2000، من أجل تطوير التجارة الإلكترونية المحلية وإيجاد منصة تجارة إلكترونية متقدّمة للشركات الصينية الصغيرة والمتوسطة. واستطاعت المجموعة دخول سوق الأسهم في بورصة نيويورك بنهاية العام 2014 وجنت أكثر من 25 مليار دولار في الاكتتاب، وهي أكبر قيمة اكتتاب في تاريخ سوق الأسهم الأميركي. وفي العام 2012، تجاوز حجم التعاملات التجارية في موقع «علي بابا» تريليون يوان صيني (نحو 146 مليار دولار أميركي).
في ضوء هذا النجاح المبهر، تحدث جاك ما مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في بداية العام 2017 حول كيفية إيجاد مليون وظيفة جديدة في الولايات المتحدة خلال 5 سنوات، مع أنه في الوقت نفسه يعارض سياسات ترمب التجارية، ويعتقد أنه إذا توقفت التجارة... ستبدأ الحرب. وهنا نشير إلى أن جاك ما كان قد أعلن في العام 2010 عن قراره تخصيص 0.3 في المائة من العوائد السنوية لمجموعة «علي بابا» لصالح مشاريع حماية البيئة في مجالي تطوير نقاء المياه والهواء، وذلك بهدف مساعدة المزيد من الناس على جني المال بصحة أفضل، وأن يكون المال مفيداً لأولئك الأشخاص وللمجتمع ككل. ونبع هذا الاهتمام بعد مرض أحد أفراد عائلة زوجته بسبب التلوث البيئي.
وفي هذا السياق العائلي، نذكر أن جاك أبٌ لـ3 أولاد من زوجته كاثي جانغ ينغ، وله أخ أكبر منه وأخت أصغر منه. ومن اهتماماته أنه استثمر في محمية طبيعية في الصين تبلغ مساحتها 27 ألف فدان. وبلغ عدد ساعات الطيران التي أمضاها في الجو 800 ساعة خلال العام 2016. وازدادت إلى 840 ساعة في العام 2017. ويتوقع أن يمضي أكثر من 1000 ساعة في الجو هذا العام للترويج لمزايا التجارة الحرة والعولمة.

جوائز وتكريم

يعتبر جاك ما أول شخصية من الصين تتصدّر غلاف مجلة فوربس» الأميركية. ولقد حصل على جوائز كثيرة، وجرى تكريمه في الكثير من المناسبات، كإضافته إلى قائمة «أكبر 10 شخصيات اقتصادية» للعام 2004 من قبل التلفزيون المركزي الصيني، واختيار المنتدى الاقتصادي العالمي إياه في العام 2005 كقائد عالمي شاب، واختيار مجلة «فورتشن» إياه ليكون من ضمن «أكبر 25 شخصية أعمال مؤثرة في آسيا» عن العام 2005، ووقوع مجلة «بيزنز ويك» عليه كـ«شخصية الأعمال» للعام 2007، واختياره من قبل «بارونز» ضمن قائمة «أفضل 30 رئيساً تنفيذياً في العالم»، وإدراج اسمه في مجلة «تايم» كواحد من أكثر 100 شخصية مؤثرة، وذلك بعد تجاوز مزاد «تاوباو» الإلكتروني في الصين انتشار مزاد «إي باي»، ثم أعادت المجلة اختياره ليكون في هذه القائمة مرة أخرى في العام 2014.
أيضاً اختارت مجلة «بيزنز ويك» جاك ما واحداً من «أكثر الناس قوة في الصين»، وفي العام 2005 اختارته مجلة «فوربس الصين» واحداً من «أكثر 10 رواد الأعمال احتراماً في الصين». كذلك حصل على جائزة «شخصية العام الاقتصادية» و«قيادي العقد» من التلفزيون المركزي الصيني، كما اختير في العام 2010 واحداً من أبطال آسيا في الأعمال الخيرية بسبب مساهماته الكثيرة في جهود إغاثة الأزمات والفقر.
وراهناً، جاك عضوا في مجلس إدارة مصرف «سوفت بانك» الياباني للاستثمار، وشركة «الإخوة هواييه» للإعلام، ويعمل قيّماً لبرنامج الطبيعة في الصين في العام 2009. ولقد انضم في العام 2020 إلى مجلس الإدارة العالمي للبرنامج، وأصبح رئيس مجلس إدارة البرنامج في العام 2013. ثم إنه حصل في العام نفسه على المرتبة 30 بين أقوى شخصيات العالم وفق تقييم «فوربس» السنوي، وحصل على «جائزة ريادي الأعمال للعام على المستوى الآسيوي» في 2013. وحقق المرتبة الثانية في قائمة «فورتشن» لأعظم 50 شخصية قيادية في العام 2017.
وبالنسبة للشهادات الأكاديمية الفخرية، منح جاك دكتوراه فخرية من جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا في العام 2013، تلتها دكتوراه فخرية أخرى في العلوم والريادة التقنية من جامعة دي لا سال في الفلبين، ودكتوراه فخرية ثالثة في العلوم الاجتماعية بسبب مساهماته في قطاعي التقنية والمجتمع من جامعة هونغ كونغ، وأخيراً، دكتوراه فخرية من جامعة تل أبيب في فلسطين المحتلة.

دروس «المعلم» جاك

ختاماً، من قصة حياة جاك ما، وعمله، درس أول للأجيال الشابة فحواه أن أي شيء ممكن مع الإرادة، ذلك أنه بدأ من الصفر وأصبح مليارديراً، بغياب عائلة غنية من حوله تدعمه أو تعليم من أفضل الجامعات، أو حتى سيارة تنقله من مكان لآخر. وثمة درس ثان هو أنه يمكن بناء إمبراطورية في مرحلة الشباب إذ أن جاك انطلق في عالم النجاح عندما كان في الثلاثينات من عمره، وحصل على الكثير من الجوائز عندما كان في الأربعينات. وأما الدرس الثالث فهو أن وجود الموارد المسبقة ليس عنصراً أساسيا عندما يكون للمرء حلم كبير جداً ولديه الرغبة الأكيدة بتحقيقه... وطرق جميع الأبواب للبدء بتنفيذه.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.