بين رفض الزبونات دمقرطة الـ {هوت كوتير} ورغبة المصممين في عصرنتها

تصاميمها لخريف 2014 وشتاء 2015 تخاطب امرأة تحت الحب الزمن الجميل

ديور
ديور
TT

بين رفض الزبونات دمقرطة الـ {هوت كوتير} ورغبة المصممين في عصرنتها

ديور
ديور

هل لا تزال «الهوت كوتير» ضرورية مقارنة بعدد زبوناتها التي تشير الأرقام أنهن في أحسن الحالات، لا يتعدين الألف في العالم؟. وهل يمكن تطويرها وتفكيكها من طقوس تجاوز عمرها الـ150 عاما؟. وهل يمكن إنزالها من برجها العاجي وإدخالها مناسبات الأيام العادية؟ هذه، وأسئلة كثيرة غيرها، طرحها أسبوع الـ«هوت كوتير» لخريف 2014 وشتاء 2015 في أسبوع الموضة، فالخميس الماضي، آخر أيام الأسبوع، لم يضع نقطة النهاية عليه؛ حيث لا تزال أصداؤه تتردد إلى حد الآن، خصوصا أن عرض «رالف آند روسو»، كان مسك الختام.
فما نجحت فيه هذه الدار، التي كانت أول دار أزياء بريطانية تشارك في الأسبوع الباريسي بدعوة من غرفة الموضة الفرنسية منذ نحو قرن، أنها ذكرتنا بما تعنيه كلمة الـ«هوت كوتير» من فنية عالية وتصاميم غير عادية مغزولة بالأحلام التي تغذيها الأساطير ورغبة امرأة مقتدرة أن تعيش الحياة بكل المتع التي تتيحها لها إمكانياتها. كانت التصاميم فخمة تعبق بسحر الخمسينات من القرن الماضي، تخاطب امرأة تحن إلى الزمن الجميل من دون أي رغبة لها في التنكر لحاضرها أو مستقبلها. كل ما في الأمر أن هذه المرأة ترفض مفهوم الديمقراطية رفضا تاما، بالتالي لن تقبل بأزياء عادية، مهما حاول البعض تسويقها لها باسم الحداثة أو التطوير لمواكبة العصر، هذا التناقض بين ما تريد هذه الزبونة ورغبة بعض المصممين في تطوير و«عصرنة» مفهوم الـ«هوت كوتير»، طرح نفسه بقوة هذا الموسم، لا سيما مع محاولات بعض كبريات بيوت الأزياء مثل ديور، أن تنزل هذا الجانب من برجه العاجي لتدخله إلى العادي واليومي من خلال أزياء مبتكرة وأنيقة، لكنها تفتقد جانب الحلم. هذه المحاولة بدأها آخرون في مواسم سابقة، مثل كارل لاغرفيلد، عندما أدخل قماش الدينم والجينز ثم الأحذية الرياضية إليه، لكن ما يحسب له أنه دائما ينجح في الحفاظ على رموز «شانيل» وصياغتها بلغة شابة وحيوية تجعل من الصعب انتقاده حتى من قبل الجدات، فهناك دائما تايور من التويد مخصص لهن يسكتهن أو فستان سهرة طويل يجمع أناقة أيام زمان برموز الدار، لكن ليس كل المصممين يتمتعون بقدرات كارل لاغرفيلد على التلون مع كل التغييرات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وما ينجح فيه بسهولة، يجد آخرون صعوبة في ترجمته وإقناع المرأة به، فالمعادلة بين الكلاسيكي الحالم والعصري العملي تحتاج إلى الكثير من الإقناع والشجاعة، مثلما اكتشف راف سيمونز، مصمم دار ديور، الذي حاول أن يكسر الكليشيهات من خلال تشكيلة تعبق بروح مستقبلية مع نفحات خفيفة من الماضي. صمم متحف رودان، مكان عرضه، على شكل مستدير وكأنه مركبة فضائية بأرضية بيضاء نجحت الورود البيضاء التي غطت كل الجدران في التخفيف من برودتها المستقبلية والوظيفية وإضفاء بعض رومانسية زمان عليها، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن السيد ديور كان يعشق الورود ولا يستغنى عنها في عروضه.
بيد أن الديكور، ببساطته وبياضه، مؤشرا على أن الأزياء نفسها ستكتسب روحا مستقبلية، وهو ما كان، خصوصا فيما يتعلق بمجموعة مستوحاة من ركاب الفضاء بسحابات وجيوب كبيرة.
ما يحسب لراف سيمونز أنه لم يتنكر تماما للماضي فقد عاد إليه في مجموعة فساتين درامية افتتح بها العرض، أخذتنا إلى القرن الثامن عشر، ظهر أيضا في مجموعة من المعاطف أخذتنا إلى السبعينات من القرن الماضي، وهكذا، كان هناك تنوع كبير لم ينقذه من التشتت سوى التطريزات الدقيقة والقناعة بإمكانيات الدار، وبأن كل قطعة تمت بحرفية عالية في ورشاتها في أفينو مونتين، على يد أناملها الناعمة والمتمرسة. تخرج من العرض وأنت معجب بشجاعة راف سيمونز ورغبته المحمومة في التطوير، لا سيما وأن التشكيلة قد تجد هوى في نفوس الجيل الجديد من زبونات الـ«هوت كوتير»، لكنه إعجاب ممزوج ببعض القلق على مفهوم الـ«هوت كوتير» كجانب يثير الحلم وكمختبر للبحث عن الجمال والأناقة، وليس مجرد مختبر للتطوير والبحث عن الجديد، أو تعلم لغات عصرية تفهمها زبونات الأسواق النامية، رغم أن لا أحد ينكر أهميتهن وقوتهن الشرائية.
ما قدمه راف سيمونز، باستثناء المجموعة التي افتتح بها عرضه والمكونة من فساتين طويلة بتنورات ضخمة تستحضر بلاطات القرن الثامن عشر والملكة ماري أنطوانيت، كان أقرب إلى الأزياء الجاهزة، بما في ذلك المعاطف التي شدت الانتباه، فهي لم تخرج عن نطاق الأنيق العادي، في موسم لا يحتاج أن تكون فيه الأزياء عملية، بقدر ما تكون مترفة، فنية وفخمة كما كانت دائما، أزياء تبقى بالنسبة للعامة حلما بعيد المنال أو وسيلة ترفيهية يتابعونها بانبهار واستغراب، لا علاقة لها بواقعهم، لأنها تخص أشخاصا ينتمون إلى عالم آخر.
وحتى زبونات هذا القطاع، تشعر من خلال متابعة ملامحهن والانطباعات المرسومة على وجوههن، بأن لا الزمن غيّرهن ولا تسارع إيقاع الحياة، فهن لا يزلن يطمحن إلى أزياء فنية وفريدة من نوعها، أقرب إلى الجواهر، يستثمرن فيها، وليس مجرد فساتين عصرية تذهب موضتها بعد موسم أو موسمين.
هذه الرؤى والرغبات المتناقضة، تضع المصممين تحت ضغط كبير، فهم يدركون بأن زبونتهم تتوقع منهم الجديد والاستثنائي، الذي يخاطب عصرها من دون أن يتنصل من الماضي الجميل تماما، بينما هم يرغبون في التطوير وفرضه على الساحة عوض الاستكانة إلى أمجاد الماضي، وهذا ما يحاول البلجيكي راف سيمونز القيام به منذ عامين تقريبا، عندما التحق بدار «ديور»، كان المطلوب منه إجراء عملية تجميل تضفي عليها المزيد من الجمال والحيوية من دون أن يغير ملامحها الأصلية، بل العكس يبني عليها ويبرزها بأسلوبه، وهو ما نجح فيه إلى حد كبير، أو على الأقل فيما يتعلق بالأزياء الجاهزة والإكسسوارات والـ«كروز» والـ«بريفول» وغيرها، بينما لا يزال يتلمس طريقه في الـ«هوت كوتير»، مشكلته أنه ينتمي إلى المدرسة البلجيكية التي تؤمن بأن الأناقة تعني الهدوء وليس البهرجة، وربما هذا هو السبب الذي يجعله لم يتمكن بعد من التحكم في لغة الـ«هوت كوتير»، أو لا يتقن ممارسة طقوسها التقليدية التي تقوم على عنصري الإبهار والحلم.
ما يلفت الانتباه أكثر، أنه يصمم للدار التي أرست الكثير من جماليات ذلك الزمن، أي أن أرشيفها ورموزها الكثيرة تحت يديه، وكل ما عليه هو أن يغرف من إرثها وتجديده بشكل عصري، عوض محاولات تحديثها بشكل جذري وسريع. إذا كان هناك شيء يشفع له، فهو رغبته في أن يقدم للمرأة، بغض النظر عن عمرها، خزانة متكاملة لكل المناسبات، وإذا كان هناك شيء يؤاخذ عليه، فهو عدم فهمه سيكولوجية زبونة «الهوت كوتير»، فهي ليست مجرد امرأة مواكبة للموضة، وتجري وراء آخر صيحاتها، بل هي امرأة ترفض الديمقراطية ولا تقبل بالمنافسة، وبالتالي لا تريد أن يفقد هذا الجانب نخبويته، ويتحول إلى ناد تدخله أيا كانت، فهذه النخبوية هي ما تميزه وتبرر أسعاره وفنيته في عيونها.
إن رفضها للديمقراطية اتضحت معالمه منذ عام 2008، الذي تزامنت الأزمة الاقتصادية العالمية فيه مع انتعاش غير مسبوق للمنتجات المرفهة، بما فيها الأزياء الراقية التي تقدر أسعار القطعة فيها بمئات الآلاف من الدولارات، أو أكثر، السبب أن هذه الزبونة المقتدرة، لا تريد أن تظهر بفستان يمكن لغريمتها الوصول إليه بسهولة، بقدر ما تريد تحفا تثير الرغبة فيها من جهة، والحسد من جهة ثانية، فالتحدي بالنسبة لها أن تحصل على أزياء تجمع كل هذه العناصر.
دار «شانيل» فهمت هذا الاتجاه جيدا، وقدمت تشكيلة تضج بالبذخ الباروكي الممزوج بهندسية عملية وسهلة، لم يبخل فيها المصمم كارل لاغرفيلد بالتطريز السخي، ولا بأفكار جديدة تجسدت هذه المرة في استعماله قماش النيوبرين، الذي لم يستعمل من قبل في الأزياء الراقية، جاء اختياره لهذا القماش مثاليا لصياغة أشكال هندسية تليق بالمعماري السويسري الفرنسي، لو كوربوزييه، أحد رواد التصميم الوظيفي الحديث، الذي ألهم هذه التشكيلة، لأن هذا المعماري كان من مناصري الأسلوب الوظيفي العملي، فإن لاغرفيلد أخذه إلى قصر فرساي حتى يتيح لنفسه إمكانية التطريز السخي والبذخ الواضح في كل قطعة.
لاغرفيلد أكثر من يعرف بأن للـ«هوت كوتير» تقنيات وطقوس لا يمكن الخروج عنها باسم التجديد والتحديث، رغم أن الجيل الجديد من الزبونات بتن يفرضن أسلوبهن إلى حد ما، وإن كن لا يفرقن عن غيرهن من ناحية رغبتهن في تصاميم حالمة وفخمة تخضع لمقاييس الماضي، على أن يقتصر التحديث فيها على القصات والتفاصيل.
هذا يعني أن تطوير تقنيات هذا الفن مطلوب على أن تبقى الطقوس نفسها، لا تتأثر بالعولمة أو تسارع إيقاع الحياة وانفتاح أسواق جديدة، ولا بظهور زبونات شابات، فقد يكون هذا القطاع، هو الوحيد الذي لا يتطلب السرعة ويكمن سحره في البطء والتأني الذي تستغرقه القطعة الواحدة من الألف إلى الياء، من مقابلة المصمم للتوصل إلى صيغة مناسبة للتصميم، ثم التفصيل على المقاس إلى إجراء البروفات وغيرها من الخطوات اللازمة لاكتمال أي زي، إضافة إلى كل هذا، فإن عدم توافرها في المحلات، بل في معمل المصمم يعطي التجربة ككل خصوصية تجعل المرأة تشعر بالزهو، وبأنها عضو لا يمكن الاستغناء عنه في هذا النادي النخبوي.
لو لم يتغير إيقاع الأسبوع مع جيورجيو أرماني، إيلي صعب، رالف آند روسو، ستيفان رولان، لقلنا إننا نعيش فترة انتقالية لمفهوم الـ«هوت كوتير» مع راف سيمونز، مثلما حصل في الستينات والسبعينات من القرن الماضي مع إيف سان لوران مثلا، فقد كادت ديناميكية الأسبوع أن تتغير، بأن تتحول تصاميمه من الاستثنائي والدرامي إلى العملي، وربما الوظيفي، وهذا أمر لا يعيب راف سيمونز أو يقلل من شأنه، بل العكس، لأن مجرد المحاولة خطوة شجاعة، إضافة إلى أن الموازنة بين الحداثة والفخامة لا تزال من المعادلات الصعبة، لأن الأول يتطلب الكثير من الواقعية مع نظرة مستقبلية، والثاني يتطلب التشبث بالماضي وسحر أساطيره. أما الوصفة الناجحة فهي المزج بينهما بجرعات متوازنة، لأن أي شيء يخرج عن حد ينقلب إلى ضده، بدليل أن عرض دار «فالنتينو» الذي كان درسا في الحرفية الإيطالية العالية والدقة في التفاصيل والفنية، افتقد عنصر الإثارة، لأن صوت الماضي طغى على كل شيء فيه.
كان العرض رومانسيا وراقيا وفنيا ذكرنا بأن الدار الإيطالية تريد أن تحافظ على إرثها وتحتفل بفنية روما وتاريخها الغني، من خلال إيحاءات من أعمال الفنانة ألما تاديما، وصور آلهة روما القديمة ملفوفة بأقمشة مترفة ومنسابة تتماوه مع لون الجسم أحيانا، لكن، على الرغم من كل هذا افتقد العرض إلى عنصر الحلم، الذي كان من الممكن أن يضيف إليه الكثير من الحيوية.
اعترف المصممان غراتزيا تشيوري وبيير باولو بيكيولي أنهما استلهما من الفن الكلاسيكي قبل الرافائيلي وترجماه في خطوط بسيطة استحضرت أحيانا إلهات الإغريق، خصوصا في الفساتين التي زينتها زخرفات مطرزة بالذهب وانسدلت على أقمشة الموسلين والتل، وحددتها أحزمة عريضة. في الكثير من الأحيان، حافظت هذه الأقمشة على شفافيتها، عندما تعمد المصممان ألا يبطناها.
هذه الشفافية تناقضت بتناغم مع بعض القطع ذات الياقات العالية والأكمام الطويلة، ما يجعلها مناسبة جدا لنساء الشرق الأوسط، ومع ذلك فإن إغراقها في الفنية والاعتماد على فكرة واحدة لم يخدما الأزياء، لأنها بدت جامدة أحيانا مثل تماثيل روما، تبدو رائعة من بعيد أو لالتقاط صور تذكارية لها، لكنها لا تغري بامتلاكها. أما إذا كانت فكرة المصممين، التعبير عن ثقافة العصر باستضافة كيم كارداشيان، بفستانها الطويل والضيق وصدره المفتوح بشكل فاضح، فإنهما لم يتوفقا، لأنها بدت نشازا بين كل تلك الأزياء التي تقطر بالفنية وعبق التاريخ والحشمة.



«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.