7 آلاف قتيل فلسطيني و800 ألف مستوطن يغلقون الطريق إلى حل الدولتين

نتنياهو يريد حرباً دبلوماسية وأمنية تنهي حلم الحركة الوطنية الفلسطينية

TT

7 آلاف قتيل فلسطيني و800 ألف مستوطن يغلقون الطريق إلى حل الدولتين

مع أن اليمين الإسرائيلي الحاكم، نجح في إطلاق رصاصة القتل على ما تبقى من بنود تحتاج إلى تطبيق في «اتفاقيات أوسلو»، وتمكن من وضع عراقيل جمة في طريق تسوية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، في مقدمتها مضاعفة عدد المستوطنين أربع مرات (من 100 ألف مستوطن سنة 1992، أي قبل أوسلو، إلى 400 ألف اليوم)، فقد احتفل بالذكرى المئوية الخامسة والعشرين لهذه الاتفاقيات، شاكياً من أنها ما زالت تلحق أضراراً بمصالح إسرائيل، ويطالب بإلغائها. وبالمقابل، لا يسمع في أوساط المجتمع الإسرائيلي صوت القيادات السياسية التي ما زالت تؤمن بمبادئ تلك الاتفاقيات. وهي تشكو تبعات سياسة اليمين على عملية السلام ومستقبل الأجيال القادمة، وتولول بأن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تحول اليهود إلى أقلية في دولتهم. لكن هذا التيار، لا ينجح في وضع قضية السلام على أجندة المجتمع، ويبدو عاجزاً كسولاً، وحتى نائماً في هذا المجال، لدرجة أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، لم يعد يشعر بوجود معارضة.
لقد تجاهل نتنياهو، في جلسة حكومته، أمس (الأربعاء)، اليوبيل الفضي لاتفاقيات أوسلو، واختار الترحيب بقرار الإدارة الأميركية إغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، علماً بأن إسرائيل، اعترفت بموجب تلك الاتفاقيات، بمنظمة التحرير لأول مرة. فكأنه يغلق هذه الدائرة ويحتفي بالضربة الأميركية المعنوية للمنظمة وما تمثله.
لكن مجلس المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، حليف نتنياهو في الحكم، لم يتجاهل المناسبة، وأصدر بياناً خاصاً ذكّر فيه الجمهور بأن اتفاقيات أوسلو مرت بأكثرية ضئيلة في حينها (61 مؤيداً مقابل 51 معارضاً في البرلمان الإسرائيلي)، و«قسمت الشعب اليهودي ومزقته إرباً». واعتبرها «أسوأ اتفاقيات وقّعتها إسرائيل عبر تاريخها». و«ثبت فيها أن العرب لم يقصدوا حقاً أن يطبقوا هذه الاتفاقيات ويجنحوا إلى السلام، بل رأوا فيها خطوة في مسيرة طويلة لتدمير إسرائيل. فقد اقترح عليهم إيهود باراك أن يقيموا دولة على 91 في المائة من الأرض فرفضوا. واقترح عليهم إيهود أولمرت كل المناطق تقريباً ورفضوا، وضاعفوا عمليات الإرهاب. وأقاموا سلطة تدير شؤونهم كلها تقريباً، فكانت سلطة فاشلة بكل المقاييس، تمول عائلات الإرهاب». وقال بيان المجلس «عندما انسحبنا من قطاع غزة اختاروا سلطة (حماس)، التي لا تكترث لأحوالهم المعيشية. وبدلاً من ذلك تهتم بشراء الأسلحة وبناء الأنفاق العسكرية». وأضاف مجلس المستوطنات، إن «اتفاقيات أوسلو لم تعد قائمة اليوم». واستخلص بأن المستوطنات «هي الحل». وأنها «المفتاح لتحقيق الهدوء وتطور المنطقة». فالعرب برأي المجلس «يستطيعون العيش في المكان من دون دولة. لم تعد هناك مناطق (أ) و(ب) و(ج)، وعلى إسرائيل أن تدخل كل المناطق. وينبغي أن نجد آليات وأنظمة تتيح إدارة شؤونهم اليومية».
وقال مئير ادور، رئيس «لجنة مصابي الإرهاب - المغور»، إن «اتفاقيات أوسلو مجرد وهم، وهي لم تعد قائمة. مناطق السلطة الفلسطينية هي مجرد مسخ مدجج بنحو 20 ألف مقاتل فلسطيني حملناهم البنادق والمجنزرات. وقد حان الوقت لتصحيح الأضرار التي نجمت عن هذه الاتفاقيات. يجب أن نزوّد المبعوثين الأميركيين جارد كوشنير وجيسي غرينبلات، بالمعلومات عن حدود قدرتنا على التحمل كي لا يتم تكرار التجربة. محظور توسيع الإدارة الذاتية للسلطة ومحظور تحويلها إلى دولة. بل يجب سحب مسؤولية الأمن من السلطة في المنطقة (أ). وينبغي أن لا ينسى أحد أنه منذ حرب 1967 وحتى أوسلو، قتل 415 إسرائيلياً، ومنذ أوسلو قتل 1700 إسرائيلي. فمع سلام كهذا، لا نحتاج إلى أعداء».
ونشرت منظمة «قيادة يهودية» اليمينية، دراسة جاء فيها، إن اتفاقيات أوسلو تسببت بخسائر كبيرة لإسرائيل، على النحو التالي: 88 مليار شيقل (الدولار يساوي 3.6 شيقل) تحويلات للسلطة الفلسطينية، 37 ملياراً زيادة ميزانية الشاباك (جهاز المخابرات العامة)، 300 مليار زيادة موازنة الجيش، 112 ملياراً زيادة مصاريف وزارة الأمن الداخلي وسرقة السيارات، 220 ملياراً مصاريف وضع حراس في الأماكن العامة والمطاعم والبنوك، وغيرها من المواقع التي تم استهدافها بالعمليات المسلحة، 4.7 مليار بناء الجدار العازل، 12 ملياراً تعويضات دفعت لذوي العائلات الثكلى، 150 ملياراً خسائر إسرائيل من السياحة في فترات العمليات، 9.5 مليار تكلفة إخلاء قطاع غزة من المستوطنات والمستوطنين. المجموع 933 مليار شيقل. عملياً، فإن 11.4 في المائة من موازنة الدولة يذهب خسائر بسبب اتفاقيات أوسلو.
وكتب المحرر العسكري في «هآرتس»، عاموس هرئيل، إن اتفاقيات أوسلو انهارت في المقام الأول؛ لأنها لم تنجح في أن توفر للإسرائيليين مستوى الأمن الشخصي الذي وعدتهم به حكومة رابين - بيرس أثناء التوقيع عليها. سلسلة أحداث قاتلة، مثل المذبحة التي نفذها باروخ غولدشتان ضد المصلين المسلمين في الحرم الإبراهيمي، وموجة العمليات الانتحارية لـ«حماس» في الحافلات، واغتيال إسحق رابين، كل ذلك أغرق حلم أوسلو بالدم والنار والدخان. كلما زادت العمليات قل تأييد الاتفاقيات، وكذلك تأييد الجمهور الإسرائيلي لإخلاء مناطق أخرى، التي من دونها لم يكن بالإمكان التوصل إلى اتفاق نهائي. في عام 2000، عندما بذل كلينتون وإيهود باراك جهوداً أخيرة لإعادة العملية إلى مسارها في مؤتمر كامب ديفيد، وبعد ذلك في مفاوضات طابا، حدث انفجار أكبر: الانتفاضة الثانية. الأمل دفن عميقاً أكثر تحت الأنقاض. نحو 1500 إسرائيلي وأكثر من 7 آلاف فلسطيني قتلوا في السنوات التي مرت منذ مراسيم التوقيع على العشب الأخضر في البيت أبيض. هكذا تلاشت الثقة بين الطرفين ودمرت تقريباً كل احتمالية للعودة والدفع بالمفاوضات. وانتقد هرئيل اليسار الإسرائيلي الذي ينشر مقالات الرثاء، لكنه يقلل من الأهمية الكبيرة للعنصر الأمني في الاتفاق. رابين اختار مسار أوسلو بدرجة غير قليلة من الشك الشخصي، بسبب ترابط أسباب عدة. لقد أدرك، ربما متأخراً، الضرر الأخلاقي الذي يسببه استمرار الاحتلال للجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي. «الجيش الإسرائيلي يجب أن يتوقف عن كونه جيش احتلال والعودة ليكون جيش الدفاع»، قال لمراسلين بعد سنة تقريباً من توقيع الاتفاق الأول. لكن العمليات الانتحارية تفاقمت، «ومن هنا فصاعداً، لا يوجد زعيم إسرائيلي يثق بحلم أوسلو بدرجة تمكن من التقدم نحو اتفاق دائم. بنيامين نتنياهو انسحب من مناطق في الضفة تحت ضغط أميركا، في اتفاق الخليل وفي اتفاق واي (الأمر الذي يحاول أن يتم نسيانه الآن)؛ انسحب اريئيل شارون بشكل أحادي الجانب من قطاع غزة ومن شمال السامرة. لكن مسيرة أوسلو نفسها تجمدت. حدث هذا بالأساس لأن معادلة بسيطة وواضحة، حسب عدد كبير من الإسرائيليين، كانت قد ترسخت: في كل مرة تنسحب فيها إسرائيل من منطقة صغيرة ستتحول إلى خشبة قفز مستقبلية لعمليات إرهابية ضدها».
ويتطرق هرئيل إلى الدور الإسرائيلي في إفشال أوسلو فيقول «لقد كان لفشل أوسلو بالطبع مساهمة إسرائيلية بارزة. فأيضاً عندما سارت الأمور بشكل جيد، لم تسارع إسرائيل إلى التقدم في المفاوضات مع الفلسطينيين، وطوال الوقت واصلت إسرائيل استيطان الضفة والأحياء المقدسية شرق الخط الأخضر وشماله. أكثر من الـ800 ألف إسرائيلي الذين يعيشون الآن خلف الخط الأخضر يصعّبون التوصل إلى اتفاق دائم، حتى لو كانت أغلبيتهم الحاسمة موجودة في الأحياء المقدسية وفي الكتل الاستيطانية. قبل نحو شهرين تحدثت مجلة (نيويوركر) عن القلق الذي أظهره زعماء إدارة أوباما عندما نظروا في 2015 إلى الخريطة التي تجسد إلى أي درجة نجحت المستوطنات والبؤر الاستيطانية في القضاء على خيط تواصل جغرافي للدولة الفلسطينية العتيدة. كان هذا استيقاظاً متأخراً جداً. ضباط الإدارة المدنية شخّصوا التوجه الكامن خلف مد (أصابع) المستوطنات في الضفة شرقاً قبل سنوات كثيرة من ذلك. وكما سبق وحلل الوف بن، يمكن الافتراض أن الحلم الحقيقي لنتنياهو هو شن حرب استنزاف دبلوماسية وأمنية هدفها نهاية آمال الحركة الوطنية الفلسطينية».
ولكن أحد المهندسين الأساسيين لاتفاقيات أوسلو، أوري سفير، الذي شغل منصب مدير عام ووزارة الخارجية وكان مفاوضاً رئيساً، يرى حتى اليوم أن «اتفاقيات أوسلو كانت حدثاً تاريخياً، ويقول إن اليمين يحاربها لأنها أحدثت تحولاً سياسياً وآيديولوجياً يتناقض مع عقيدته التي تخلد الحروب. فاليمين يؤمن بضرورة الحفاظ على أرض إسرائيل كلها، بما فيها الضفة الشرقية للأردن، للسيادة الإسرائيلية، ونحن جئنا بحل يؤدي لقيام دولة فلسطينية. هو لم يحسب حساباً للعرب ونحن تقاسمنا البلاد مع العرب. هو لم يخجل من كونه محتلاً شعباً آخر ونحن قررنا وقف هذه الحالة المخجلة. نحن انطلقنا من منطلق أننا أقوياء بما يكفي لنصنع السلام وهم كانوا وما زالوا أضعف من أن يصنعوا السلام. أوسلو كان انتصاراً لنا وهزيمة لهم، فلم يتقبلوا هذا الحسم».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.