الرقابة في الكويت تمنع أكثر من 4 آلاف كتاب

المثقفون في صدمة... والوزارة: وظيفتنا تطبيق القانون

TT

الرقابة في الكويت تمنع أكثر من 4 آلاف كتاب

مبكراً، بدأت معركة الرقابة على الكتب في الكويت هذا العام؛ عادة تشتعل قبيل افتتاح معرض الكويت الدولي للكتاب، الذي يُقام عادة في منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام. ولكن قبل نحو شهرين من هذا المعرض، صُدم المثقفون بحجم الكتب التي وضِعت في قائمة الممنوع، واتساع مروحة المنع لتشمل كل أصناف الإبداع الإنساني.
وفي ندوة أقيمت الأسبوع الماضي في جمعية المحامين الكويتية، قال أحد النواب المشاركين إنه حصل من وزارة الإعلام، وبشكل رسمي، على قائمة الكتب الممنوعة، مضيفاً: «تفاجأت أنه تم منع 4390 عنوان كتاب، ووردت الإجابة في 16 كرتوناً، تحتوي أسماء كل الكتب والمؤلفين، وأسباب المنع خلال 5 سنوات». أما وزارة الإعلام المعنية بتطبيق الرقابة على الكتب، فتقول إنها جهة تنفيذية تسهر على تطبيق القانون الذي ينظم عمل الرقابة، وهي غير معنية بسنّ التشريعات الناظمة لحرية التعبير.
هذه الإجابة لم تقنع المثقفين، ورأوا في مداخلاتهم عبر «الشرق الأوسط» أن الرقيب هو المشكلة التي أدت لمجزرة الكتب، وأنه ليس فقط يفتقد الحجة والمنطق، كما يفتقد الصلاحية في فرض وصايته على الناس، هو أيضاً يُطبق النصوص بشكل تعسّفي جائر.

- بثينة العيسى: منطق الوصاية
تقول الروائية الكاتبة الكويتية بثينة العيسى: «تقوم فكرة الرقابة على الخوف، وهي فكرة طفولية ترى أن المجتمع بحاجة إلى حماية، وأن من واجب الدولة أن تقوم على حراسة أفكاره وعفته وشرفه. والمجتمع ليس مجموعة من القصّر، والدولة ليست أماً مربية. وهذا الخوف سمح للدولة بأن تتجاوز منطق الحماية إلى منطق الوصاية، ولهذا السبب أصبحت وزارة الإعلام قادرة على منع عشرات الدواوين الشعرية لحماية المجتمع من كلمة (نهد)! وبسبب عجزهم عن التأويل والقراءة السياقية، أصبحت كل كتابة تستخدم كلمة (ملاك) أو (شيطان) رمزياً هي كتابة خادشة للمقدّسات الدينية!».
وتضيف: «لقد بلغ المنع في الكويت أشد مراحله تطرفاً، وتحوّل الخوف إلى شكل من أشكال فوبيا الكتب. وإذا كان التشريع البرلماني يسمح بمساءلة وزير الإعلام عند إجازته لكتاب، فإنه لا يسمح بذلك في حالة منعه لكتاب! وستجد الوزارة في سياسة (امنع كل شيء) حماية للوزير من المساءلة السياسية؛ الأمر بهذه البساطة!».
وماذا بشأن القانون؟ تقول العيسى: «الوزارة لا تطبق القانون. فهذا القانون شُرّع منذ 2006، ولكن مجزرة الكتب الأخيرة شهدناها في السنوات الخمس الأخيرة. وهناك كتب كانت مجازة قبل عشرين عاماً (مائة عام من العزلة لماركيز أنموذجاً) أصبحت فجأة ممنوعة، ناهيك عن مخالفة الدستور الكويتي الذي كفل لنا حرية التعبير والمعتقد، لكن وزارة الإعلام تتبنى منطق فرعون: لا أريكم إلا ما أرى، ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد». وتكمل: «إن الاعتوار الأعظم في هذه المنظومة الرقابية المؤسفة هو أنها تفرغ عملية القراءة من المعنى السياقي؛ عندما يصل إلى اللجنة تقرير الرقيب وقد كتب فيه (ولا تقربوا الصلاة)، سترجح كفة المنع تلقائياً. والإشكالية الثانية هي خلو لجنة الرقابة من أساتذة الأدب والفلسفة، مما يجعل القراءة السياقية شبه مستحيلة، وهو الأمر الذي يودي بالكتاب إلى المنع».

- دخيل الخليفة: رقابة على الرقابة!
الروائي دخيل الخليفة يقول: «نعيش حالة من التناقضات في قضايا حرية التعبير التي كفلها الدستور الكويتي، وهذه التناقضات تحددها ثقافة وزير الإعلام في العادة، فحينما تسلم الراحل الشيخ جابر العلي حقيبة الوزارة حدثت طفرة ثقافية كونه رجلاً واعياً (...) وحدث الأمر نفسه مع الراحل الشيخ سعود الناصر، فترك الوزارة باستجواب وطرح ثقة (...) خطورة الأمر أن هدم حرية الرأي والتعبير يتم عبر المشرع للحريات (مجلس الأمة)، وليس الحكومة!».
أما مبررات الوزارة، فيراها الخليفة «كلاماً مجانياً»، فقراءة رواية أو ديوان شعر «لا تشكل انحطاطاً في قيم المجتمع الذي اعتاد حرية الرأي والتعبير، ويمتلك صحافة حرة منذ عشرات السنين، ويمارس طقوسه بكل حرية، لكن الأخطر أن الوزارة لم تمتثل للقضاء في أحكام صدرت لصالح مبدعين، منهم الروائي سعود السنعوسي، بل استأنفت الحكم (...) كما منعت كتباً وروايات عالمية بقيت لسنوات طويلة مفسوحة في الكويت والخليج، وهذه (رقابة على الرقابة)!».
وبرأيه، المشكلة تكمن في أن «الرقيب موظف عادي، يخشى العقوبات، ولا يفهم أحياناً سياق الجملة أو بعدها اللغوي، ولذلك يمنع الكتاب لوجود مفردات مثل: ساق، البدون، نهد، حضن دافئ، خمر، ملائكة الحب... إلخ. كما أن الفقرات الواردة في شأن الرقابة مطاطية قابلة للتطويع، لذا نحتاج إعادة صياغة لقانون المطبوعات والنشر، فضلاً عن إحالة الكتب المخالفة إلى القضاء، وليس ترك الأمر لرحمة الرقيب».
ويضيف: «لعل الأمر المثير للسخرية هو صمت جمعيات النفع العام المعنية بالثقافة وحريات المجتمع، خصوصاً تلك المعنية بالثقافة (...) بحثاً عن مكاسب شخصية! بالإضافة إلى حالة الخداع التي مارستها بعض وسائل الإعلام أخيراً، وهي التي كانت سابقاً منبعاً للدفاع عن الحريات».

- سعود السنعوسي: مجازر الرقيب لا تعطل الإبداع
الروائي الكويتي الحاصل على جائزة «البوكر» العربية سعود السنعوسي كانت له تجربة مع الرقيب، فقد تم منع روايته «فئران أمي حصة»، لكنه يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أستطيع القول إن مجازر الرقيب معطلة للإبداع، رغم كل الإحباط الذي تتسبب به لكل المعنيين بالشأن الثقافي؛ فعل المنع قد يؤدي إلى فعل إبداعي مقابل لا يأبه بمجازر الرقيب بالنسبة للبعض، وإن شكل عائقاً بالنسبة للبعض الآخر».
ويضيف: «الأزمة تتجاوز أن يكون المتضرر هو الكاتب أو القارئ أو الناشر أو صاحب المكتبة، لأن المتضرر الأكبر هو الكويت، التي على يبدو أنها تستنفد رصيد سنوات طويلة من دعم الثقافة وصنوف الإبداع بسبب قصر نظر وزارة الإعلام، وتعنت لجنة الرقابة بقراراتها، وفق فهمٍ قاصر للقانون، وعدم قراءة النصوص، والاكتفاء بقراءة تقارير الرقيب، بجملها المبتورة المجتزأة من سياقاتها».
وهو يرى أن الأزمة تكمن في قانون المطبوعات 2006، مستطرداً: «ولكن حتى القانون لا ينص على ما يقوم به الرقيب اليوم، فالقانون موجود منذ 2006 ومجزرة المنع حدثت في السنوات الأخيرة فقط. وهذا معناه أن الأمر نسبي، ويعتمد على لجنة الرقابة ومزاجها وفهمها الملتبس للحياء العام أو النظام العام، ولعل تقارير الرقيب التي انتشرت أخيراً خير دليل على تخبط وزارة الإعلام، وضحالة ومحدودية الرقيب في تعامله مع النصوص».

- طلال الرميضي: مسطرة الرقيب
طلال الرميضي، أمين عام رابطة الأدباء الكويتيين، يقول: «الرابطة طالبت وزارة الإعلام بضرورة أن تكون هناك مرونة وعدم تعسف من قبل الرقيب. لا شك أن نصوص التشريعات وضعت محاذير عامة يتفق معها الجميع، حيث لا يختلف أحد في كون (الذات الإلهية) مصونة، وكذلك مقام الرسول الكريم، وما يمس الآداب العامة، كنشر (الإباحية)، أو الإساءة للأفراد والجماعات أو الدول الصديقة، وهي محل إجماع المثقفين، لكن مورد الاختلاف هو في (مسطرة الرقيب)، وقد لاحظنا أن كتباً لا تستحق المنع تم منعها في الكويت، ولذلك نحن مستمرون في إيصال وجهة نظر الأدباء عبر الطرق القانونية إلى الوزارة المعنية».
ويضيف: «رابطة الأدباء الكويتيين تناقش باستمرار الأعمال الممنوعة في ندواتها، وهي تستضيف ممثلين يعبرون عن وجهات نظر مختلفة تجاه تلك الأعمال. وفي المقابل، تقوم الرابطة بقبول عضوية بعض الكتاب، حتى لو كانت كتبهم ممنوعة، لأن جودة القبول في الرابطة هي للعمل الأدبي، وليس لفسحه أو منعه».
وبشأن القانون، يقول الرميضي: «إن القانون سليم، ووضع معايير عامة، ولكن الملاحظات تنصّب على الرقيب نفسه. ولعل ما يثير حفيظة الرقيب هو تدخل السياسيين في الشأن الثقافي، عبر الاستجوابات المتكررة لوزير الإعلام قبيل معرض الكتاب».

- فهد الهندال: لماذا يصبح الكتابُ مأزقاً؟
يرى الناقد الناشر الكويتي فهد الهندال أن «موضوع الرقابة في الكويت لا ينفصل عن بقية القضايا المتعلقة بالشأن التنموي، على المستويين الثقافي والإبداعي، كما أنه نقطة جوهرية في مبدأ الحريات المتعلقة بحرية الرأي والتعبير الذي نصت عليه مواد الدستور الكويتي، وأي وضع يتعارض مع هذا المبدأ فهذا يعني أن هناك خللاً تشريعياً، أو قصوراً في فهم مواد الدستور ومذكرته التفسيرية».
ويضيف: «تشكّل اليوم قضية الرقابة على الكتب في الكويت جوهر موضوع الرقابة، كونها تتصل بمصادر ومراجع المعرفة والثقافة والإبداع، على اعتبار أن القراءة هي أساس تقدم المجتمعات ونموها وتطورها، وعليها تأسست وقامت حضارات إنسانية كبرى، منها حضارتنا العربية والإسلامية، محركها التفكير الواعي والحس المسؤول في بناء المجتمع، وحمايته من الغلو والتشدد، وصيانته بالتعددية الثقافية والحرية المسؤولة».
ويتابع: «لقد شكّل الكتابُ على مر التاريخ الإنساني مأزقاً للدولة والمجتمع على حد السواء، فهل تتحمل الدولة ما يمكن أن يشكّله الكتاب، كرمز للفكر الناقد والمحلل للتاريخ والحاضر والمستقبل؟ وهل يمكن أن يواجه المجتمع نفسه في كتابات أبنائه المعبرين عن حالهم القلقة، وربما المحبطة، حيال ما يرونه من تدني سقف طموحاتهم وأحلامهم، تحت حجة حماية الفضيلة بتضييق الخناق عليهم؟ لقد كانت الكتابة، كما هي القراءة، جزءاً من التنمية، لمعرفة الإنسان واكتسابه الخبرة المطلوبة في هذه الحياة، وتمييز الخطأ من الصواب، فالقراءة تربية حياتية لا يمكن خضوعها تحت أشكال الوصاية والحجر بدعوى الحفاظ على الأخلاق وعادات المجتمع، فلتكن القراءة عادة حميدة جديدة نوعّي بها الأجيال القادمة، بما ينمي مستقبلها وفكرها ومسؤوليتها».

- جهاز الرقابة على الكتب في الكويت
تضم اللجنة الموكل لها تقييم وفسح الكتب تسعة أشخاص، بينهم سبعة من خارج الوزارة، وتقوم هذه اللجنة بتحديد المحاذير أو المخالفات التي يتضمنها الكتاب، وتتكون اللجنة من:
الوكيل المساعد لقطاع الصحافة (رئيساً).
مدير إدارة المطبوعات والنشر (نائباً).
الدكتور عبد الرحمن أحمد الأحمد.
الدكتور معدي مهدي العجمي.
جديع فهيد العجمي.
فيصل عبد الهادي المحميد.
بدر الظفيري (ممثل وزارة الأوقاف).
خلف شقير العتيبي.
بدر ناصر بوقبة.
مراقب عن مطبوعات الكتب.


مقالات ذات صلة

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كتب كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب عبد الله العروي

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث».

د. نادية هناوي
ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أدريانا كاريمبو (غيتي)

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات وبقيت 5 أيام من دون طعام.

«الشرق الأوسط» (باريس)

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».


حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية إطلاق حملة ترويجية للمقاصد السياحية في مصر، تتضمن تصوير مقاطع فيديو للسائحين يوثقون فيها تجاربهم، ويتحدثون عن انطباعهم حول المقصد السياحي المصري الذي زاروه.

وتتضمن الحملة مقاطع فيديو في أماكن متنوعة، من بينها مقاصد تاريخية مثل المعابد والأهرامات ومناطق السياحة الثقافية عموماً، وكذلك مقاطع فيديو في السواحل المصرية؛ حيث السياحة البيئية والشاطئية والعلاجية وسياحة المؤتمرات.

وتأتي هذه الحملة، التي تنفذها الهيئة العامة للتنشيط السياحي بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، في إطار توجيهات وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، بضرورة توثيق ونقل تجارب السائحين من مختلف الجنسيات بشكل يومي خلال زيارتهم الحالية لمصر، بما يعكس ما تنعم به البلاد من أمن وأمان واستقرار، ويبرز استمتاع الزائرين بتجاربهم السياحية، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وفق بيان للوزارة، الجمعة.

وتسعى الحملة الإعلامية المصوّرة، التي انطلقت الخميس، إلى إبراز الأجواء الإيجابية والحركة السياحية بالوجهات المصرية؛ حيث تعتمد على تصوير مقاطع فيديو قصيرة مع السائحين بشكل يومي في عدد من الوجهات السياحية المختلفة، يتم نشرها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة للوزارة والهيئة والاتحاد والغرف السياحية.

كما تهدف المقاطع إلى التعرف على ردود فعل السائحين وانطباعاتهم، بما يُسهم في رصد مؤشرات الحركة السياحية في ظل الأحداث الإقليمية الراهنة، ودعم الجهود المبذولة للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للزائرين، وتعزيز تجربة السائح بالمقصد السياحي المصري.

فيديو من الحملة الترويجية أمام الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

وأكد رئيس الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن المقاطع التي يتم تصويرها مع السائحين تؤكد أن الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري ما زالت تعكس شعورهم بالأمن والأمان خلال الزيارة، مشيراً إلى أن الهيئة تحرص على نقل تجارب أكبر عدد من السائحين في الوجهات السياحية المصرية المختلفة.

ولفتت سوزان مصطفى، رئيس الإدارة المركزية للتسويق السياحي بالهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، إلى أن هذه المقاطع تتيح نقل صورة حية ومباشرة للحركة السياحية في مصر، من خلال عرض التجارب الحقيقية للسائحين وانطباعاتهم خلال زيارتهم، وإبراز ما يتمتع به المقصد السياحي المصري من مقومات سياحية متنوعة وبيئة آمنة ومستقرة.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، هذه الحملة «من أهم أدوات الترويج حالياً، وهي خطوة توثق تجربة السائحين في المقصد السياحي المصري».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «السائح لم يعد يعتمد على الإعلانات التقليدية، ولكنه ينجذب أكثر للتجارب الحقيقية، فحين نقدم تجارب حية وواقعية تنتقل بسهولة للسائحين الآخرين، وكأن السائح بمنزلة سفير لمصر في الخارج؛ يتحدّث عنها ويبرز تجربته فيها، بما يجذب سائحين آخرين إليها».

الغردقة من المقاصد السياحية المصرية الجاذبة للأجانب (وزارة السياحة والآثار)

وعدّ كارم أن «الهدف الأساسي من هذه الحملة توجيه رسالة بأن مصر دولة آمنة مستقرة تتمتع بالتنوع السياحي من حضارة وتاريخ وطبيعة، ما يُسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية للمقصد السياحي، وهو ما أتوقع أن ينعكس على زيادة معدلات الزائرين ومعدلات الإشغالات والإقبال على المقصد السياحي المصري».

ويُمثل قطاع السياحة أحد مصادر الدخل القومي المهمة لمصر، ووصل عدد السائحين الذين زاروا مصر العام الماضي إلى نحو 19 مليون زائر، وهو رقم قياسي لم تحققه من قبل، وتطمح مصر لجذب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031، من خلال برامج ترويجية متنوعة، من بينها برنامج أطلق قبل فترة بعنوان «تنوع لا يضاهى» لتأكيد تنوع الأنماط السياحية التي تتمتع بها مصر، ومن بينها السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية والترفيهية وسياحة المؤتمرات والسفاري.


النساء أكثر قدرة على التكيّف بعد فقدان الزوج

الرجال أكثر عرضة لمشكلات صحية بعد فقدان الزوجة (جامعة بوسطن)
الرجال أكثر عرضة لمشكلات صحية بعد فقدان الزوجة (جامعة بوسطن)
TT

النساء أكثر قدرة على التكيّف بعد فقدان الزوج

الرجال أكثر عرضة لمشكلات صحية بعد فقدان الزوجة (جامعة بوسطن)
الرجال أكثر عرضة لمشكلات صحية بعد فقدان الزوجة (جامعة بوسطن)

أفادت دراسة دولية بأنَّ فقدان الزوجة يرتبط بتدهور صحة الرجل الجسدية والنفسية وزيادة خطر الإصابة بالخرف والوفاة، في حين أظهرت النساء قدرةً أكبر على التكيُّف مع هذه التجربة الصعبة المتمثلة في فقدان الزوج.

وأوضح الباحثون، من جامعة بوسطن الأميركية بالتعاون مع جامعة تشيبا اليابانية، أن الدراسة تبرز الفروق الكبيرة بين الجنسين في التأثيرات الصحية والنفسية للترمل، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «Journal of Affective Disorders».

ويشير مصطلح «الترمل» إلى فقدان أحد الزوجين نتيجة الوفاة، وهو حدث حياتي صادم يحمل تأثيرات عاطفية ونفسية وجسدية واسعة. وركَّزت الدراسة على رصد التأثيرات النفسية والصحية للترمل على الزوجين.

واستند الباحثون لبيانات نحو 26 ألف مشارِك من كبار السن في اليابان، من بينهم 1076 شخصاً فقدوا أزواجهم، وتمَّ تتبع 37 مؤشراً للصحة والرفاهية عبر 3 مراحل زمنية في أعوام 2013 و2016 و2019.

وأظهرت النتائج أن الرجال الذين فقدوا زوجاتهم كانوا أكثر عرضةً مقارنة بالرجال غير المترملين للإصابة بمشكلات صحية عدة، أبرزها ارتفاع خطر الإصابة بالخرف، وزيادة احتمالات الوفاة، وتراجع القدرة على أداء الأنشطة اليومية، وارتفاع معدلات الاكتئاب، وانخفاض مستويات السعادة والدعم الاجتماعي.

ورغم أنَّ هذه التأثيرات بدأت تتراجع تدريجياً مع مرور الوقت، فإنها كانت واضحةً بشكل خاص خلال السنة الأولى بعد فقدان الزوجة.

في المقابل، وجدت الدراسة أن النساء المترملات شهدن انخفاضاً مؤقتاً في مستوى السعادة بعد فقدان الزوج، لكنهن لم يظهرن زيادة في أعراض الاكتئاب أو تدهوراً في الصحة العامة، بل إن كثيراً منهن أبلغن عن تحسُّن في مستوى السعادة والرضا عن الحياة خلال السنوات اللاحقة.

كما لاحظ الباحثون أن كلا الجنسين أصبح أكثر نشاطاً اجتماعياً بعد الترمل، إلا أن الرجال فقط أبلغوا عن تراجع الدعم الاجتماعي الحقيقي، ما يشير إلى أن زيادة التواصل الاجتماعي لا تعني بالضرورة الحصول على الدعم العاطفي الكافي.

ويرى الباحثون أن هذه الفروق قد تعكس الأدوار الاجتماعية التقليدية المرتبطة بالجنسين في كثير من الثقافات، حيث ترتبط حياة الرجال غالباً بالعمل، ويعتمدون بشكل كبير على الزوجة للحصول على الدعم العاطفي وتنظيم الحياة اليومية، ما يجعلهم يواجهون صعوبةً أكبر في التكيُّف بعد فقدان الشريك.

في المقابل، تتحمَّل النساء غالباً مسؤولية رعاية أزواجهن صحياً، ما قد يجعل الترمل بالنسبة لبعضهن يمثل أيضاً تحرُّراً من أعباء الرعاية الطويلة.

وأكد الباحثون أن السنة الأولى بعد فقدان الزوجة تمثل فترةً حرجةً خصوصاً للرجال، ما يستدعي زيادة الدعم من الأسرة والأصدقاء ومقدمي الرعاية الصحية. كما شدَّدوا على أهمية مراقبة مشاعر الوحدة خلال هذه الفترة، والعمل على تقديم برامج دعم اجتماعي ونفسي تراعي الفروق بين الرجال والنساء في مواجهة الحزن والترمل.