الرقابة في الكويت تمنع أكثر من 4 آلاف كتاب

المثقفون في صدمة... والوزارة: وظيفتنا تطبيق القانون

TT

الرقابة في الكويت تمنع أكثر من 4 آلاف كتاب

مبكراً، بدأت معركة الرقابة على الكتب في الكويت هذا العام؛ عادة تشتعل قبيل افتتاح معرض الكويت الدولي للكتاب، الذي يُقام عادة في منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام. ولكن قبل نحو شهرين من هذا المعرض، صُدم المثقفون بحجم الكتب التي وضِعت في قائمة الممنوع، واتساع مروحة المنع لتشمل كل أصناف الإبداع الإنساني.
وفي ندوة أقيمت الأسبوع الماضي في جمعية المحامين الكويتية، قال أحد النواب المشاركين إنه حصل من وزارة الإعلام، وبشكل رسمي، على قائمة الكتب الممنوعة، مضيفاً: «تفاجأت أنه تم منع 4390 عنوان كتاب، ووردت الإجابة في 16 كرتوناً، تحتوي أسماء كل الكتب والمؤلفين، وأسباب المنع خلال 5 سنوات». أما وزارة الإعلام المعنية بتطبيق الرقابة على الكتب، فتقول إنها جهة تنفيذية تسهر على تطبيق القانون الذي ينظم عمل الرقابة، وهي غير معنية بسنّ التشريعات الناظمة لحرية التعبير.
هذه الإجابة لم تقنع المثقفين، ورأوا في مداخلاتهم عبر «الشرق الأوسط» أن الرقيب هو المشكلة التي أدت لمجزرة الكتب، وأنه ليس فقط يفتقد الحجة والمنطق، كما يفتقد الصلاحية في فرض وصايته على الناس، هو أيضاً يُطبق النصوص بشكل تعسّفي جائر.

- بثينة العيسى: منطق الوصاية
تقول الروائية الكاتبة الكويتية بثينة العيسى: «تقوم فكرة الرقابة على الخوف، وهي فكرة طفولية ترى أن المجتمع بحاجة إلى حماية، وأن من واجب الدولة أن تقوم على حراسة أفكاره وعفته وشرفه. والمجتمع ليس مجموعة من القصّر، والدولة ليست أماً مربية. وهذا الخوف سمح للدولة بأن تتجاوز منطق الحماية إلى منطق الوصاية، ولهذا السبب أصبحت وزارة الإعلام قادرة على منع عشرات الدواوين الشعرية لحماية المجتمع من كلمة (نهد)! وبسبب عجزهم عن التأويل والقراءة السياقية، أصبحت كل كتابة تستخدم كلمة (ملاك) أو (شيطان) رمزياً هي كتابة خادشة للمقدّسات الدينية!».
وتضيف: «لقد بلغ المنع في الكويت أشد مراحله تطرفاً، وتحوّل الخوف إلى شكل من أشكال فوبيا الكتب. وإذا كان التشريع البرلماني يسمح بمساءلة وزير الإعلام عند إجازته لكتاب، فإنه لا يسمح بذلك في حالة منعه لكتاب! وستجد الوزارة في سياسة (امنع كل شيء) حماية للوزير من المساءلة السياسية؛ الأمر بهذه البساطة!».
وماذا بشأن القانون؟ تقول العيسى: «الوزارة لا تطبق القانون. فهذا القانون شُرّع منذ 2006، ولكن مجزرة الكتب الأخيرة شهدناها في السنوات الخمس الأخيرة. وهناك كتب كانت مجازة قبل عشرين عاماً (مائة عام من العزلة لماركيز أنموذجاً) أصبحت فجأة ممنوعة، ناهيك عن مخالفة الدستور الكويتي الذي كفل لنا حرية التعبير والمعتقد، لكن وزارة الإعلام تتبنى منطق فرعون: لا أريكم إلا ما أرى، ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد». وتكمل: «إن الاعتوار الأعظم في هذه المنظومة الرقابية المؤسفة هو أنها تفرغ عملية القراءة من المعنى السياقي؛ عندما يصل إلى اللجنة تقرير الرقيب وقد كتب فيه (ولا تقربوا الصلاة)، سترجح كفة المنع تلقائياً. والإشكالية الثانية هي خلو لجنة الرقابة من أساتذة الأدب والفلسفة، مما يجعل القراءة السياقية شبه مستحيلة، وهو الأمر الذي يودي بالكتاب إلى المنع».

- دخيل الخليفة: رقابة على الرقابة!
الروائي دخيل الخليفة يقول: «نعيش حالة من التناقضات في قضايا حرية التعبير التي كفلها الدستور الكويتي، وهذه التناقضات تحددها ثقافة وزير الإعلام في العادة، فحينما تسلم الراحل الشيخ جابر العلي حقيبة الوزارة حدثت طفرة ثقافية كونه رجلاً واعياً (...) وحدث الأمر نفسه مع الراحل الشيخ سعود الناصر، فترك الوزارة باستجواب وطرح ثقة (...) خطورة الأمر أن هدم حرية الرأي والتعبير يتم عبر المشرع للحريات (مجلس الأمة)، وليس الحكومة!».
أما مبررات الوزارة، فيراها الخليفة «كلاماً مجانياً»، فقراءة رواية أو ديوان شعر «لا تشكل انحطاطاً في قيم المجتمع الذي اعتاد حرية الرأي والتعبير، ويمتلك صحافة حرة منذ عشرات السنين، ويمارس طقوسه بكل حرية، لكن الأخطر أن الوزارة لم تمتثل للقضاء في أحكام صدرت لصالح مبدعين، منهم الروائي سعود السنعوسي، بل استأنفت الحكم (...) كما منعت كتباً وروايات عالمية بقيت لسنوات طويلة مفسوحة في الكويت والخليج، وهذه (رقابة على الرقابة)!».
وبرأيه، المشكلة تكمن في أن «الرقيب موظف عادي، يخشى العقوبات، ولا يفهم أحياناً سياق الجملة أو بعدها اللغوي، ولذلك يمنع الكتاب لوجود مفردات مثل: ساق، البدون، نهد، حضن دافئ، خمر، ملائكة الحب... إلخ. كما أن الفقرات الواردة في شأن الرقابة مطاطية قابلة للتطويع، لذا نحتاج إعادة صياغة لقانون المطبوعات والنشر، فضلاً عن إحالة الكتب المخالفة إلى القضاء، وليس ترك الأمر لرحمة الرقيب».
ويضيف: «لعل الأمر المثير للسخرية هو صمت جمعيات النفع العام المعنية بالثقافة وحريات المجتمع، خصوصاً تلك المعنية بالثقافة (...) بحثاً عن مكاسب شخصية! بالإضافة إلى حالة الخداع التي مارستها بعض وسائل الإعلام أخيراً، وهي التي كانت سابقاً منبعاً للدفاع عن الحريات».

- سعود السنعوسي: مجازر الرقيب لا تعطل الإبداع
الروائي الكويتي الحاصل على جائزة «البوكر» العربية سعود السنعوسي كانت له تجربة مع الرقيب، فقد تم منع روايته «فئران أمي حصة»، لكنه يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أستطيع القول إن مجازر الرقيب معطلة للإبداع، رغم كل الإحباط الذي تتسبب به لكل المعنيين بالشأن الثقافي؛ فعل المنع قد يؤدي إلى فعل إبداعي مقابل لا يأبه بمجازر الرقيب بالنسبة للبعض، وإن شكل عائقاً بالنسبة للبعض الآخر».
ويضيف: «الأزمة تتجاوز أن يكون المتضرر هو الكاتب أو القارئ أو الناشر أو صاحب المكتبة، لأن المتضرر الأكبر هو الكويت، التي على يبدو أنها تستنفد رصيد سنوات طويلة من دعم الثقافة وصنوف الإبداع بسبب قصر نظر وزارة الإعلام، وتعنت لجنة الرقابة بقراراتها، وفق فهمٍ قاصر للقانون، وعدم قراءة النصوص، والاكتفاء بقراءة تقارير الرقيب، بجملها المبتورة المجتزأة من سياقاتها».
وهو يرى أن الأزمة تكمن في قانون المطبوعات 2006، مستطرداً: «ولكن حتى القانون لا ينص على ما يقوم به الرقيب اليوم، فالقانون موجود منذ 2006 ومجزرة المنع حدثت في السنوات الأخيرة فقط. وهذا معناه أن الأمر نسبي، ويعتمد على لجنة الرقابة ومزاجها وفهمها الملتبس للحياء العام أو النظام العام، ولعل تقارير الرقيب التي انتشرت أخيراً خير دليل على تخبط وزارة الإعلام، وضحالة ومحدودية الرقيب في تعامله مع النصوص».

- طلال الرميضي: مسطرة الرقيب
طلال الرميضي، أمين عام رابطة الأدباء الكويتيين، يقول: «الرابطة طالبت وزارة الإعلام بضرورة أن تكون هناك مرونة وعدم تعسف من قبل الرقيب. لا شك أن نصوص التشريعات وضعت محاذير عامة يتفق معها الجميع، حيث لا يختلف أحد في كون (الذات الإلهية) مصونة، وكذلك مقام الرسول الكريم، وما يمس الآداب العامة، كنشر (الإباحية)، أو الإساءة للأفراد والجماعات أو الدول الصديقة، وهي محل إجماع المثقفين، لكن مورد الاختلاف هو في (مسطرة الرقيب)، وقد لاحظنا أن كتباً لا تستحق المنع تم منعها في الكويت، ولذلك نحن مستمرون في إيصال وجهة نظر الأدباء عبر الطرق القانونية إلى الوزارة المعنية».
ويضيف: «رابطة الأدباء الكويتيين تناقش باستمرار الأعمال الممنوعة في ندواتها، وهي تستضيف ممثلين يعبرون عن وجهات نظر مختلفة تجاه تلك الأعمال. وفي المقابل، تقوم الرابطة بقبول عضوية بعض الكتاب، حتى لو كانت كتبهم ممنوعة، لأن جودة القبول في الرابطة هي للعمل الأدبي، وليس لفسحه أو منعه».
وبشأن القانون، يقول الرميضي: «إن القانون سليم، ووضع معايير عامة، ولكن الملاحظات تنصّب على الرقيب نفسه. ولعل ما يثير حفيظة الرقيب هو تدخل السياسيين في الشأن الثقافي، عبر الاستجوابات المتكررة لوزير الإعلام قبيل معرض الكتاب».

- فهد الهندال: لماذا يصبح الكتابُ مأزقاً؟
يرى الناقد الناشر الكويتي فهد الهندال أن «موضوع الرقابة في الكويت لا ينفصل عن بقية القضايا المتعلقة بالشأن التنموي، على المستويين الثقافي والإبداعي، كما أنه نقطة جوهرية في مبدأ الحريات المتعلقة بحرية الرأي والتعبير الذي نصت عليه مواد الدستور الكويتي، وأي وضع يتعارض مع هذا المبدأ فهذا يعني أن هناك خللاً تشريعياً، أو قصوراً في فهم مواد الدستور ومذكرته التفسيرية».
ويضيف: «تشكّل اليوم قضية الرقابة على الكتب في الكويت جوهر موضوع الرقابة، كونها تتصل بمصادر ومراجع المعرفة والثقافة والإبداع، على اعتبار أن القراءة هي أساس تقدم المجتمعات ونموها وتطورها، وعليها تأسست وقامت حضارات إنسانية كبرى، منها حضارتنا العربية والإسلامية، محركها التفكير الواعي والحس المسؤول في بناء المجتمع، وحمايته من الغلو والتشدد، وصيانته بالتعددية الثقافية والحرية المسؤولة».
ويتابع: «لقد شكّل الكتابُ على مر التاريخ الإنساني مأزقاً للدولة والمجتمع على حد السواء، فهل تتحمل الدولة ما يمكن أن يشكّله الكتاب، كرمز للفكر الناقد والمحلل للتاريخ والحاضر والمستقبل؟ وهل يمكن أن يواجه المجتمع نفسه في كتابات أبنائه المعبرين عن حالهم القلقة، وربما المحبطة، حيال ما يرونه من تدني سقف طموحاتهم وأحلامهم، تحت حجة حماية الفضيلة بتضييق الخناق عليهم؟ لقد كانت الكتابة، كما هي القراءة، جزءاً من التنمية، لمعرفة الإنسان واكتسابه الخبرة المطلوبة في هذه الحياة، وتمييز الخطأ من الصواب، فالقراءة تربية حياتية لا يمكن خضوعها تحت أشكال الوصاية والحجر بدعوى الحفاظ على الأخلاق وعادات المجتمع، فلتكن القراءة عادة حميدة جديدة نوعّي بها الأجيال القادمة، بما ينمي مستقبلها وفكرها ومسؤوليتها».

- جهاز الرقابة على الكتب في الكويت
تضم اللجنة الموكل لها تقييم وفسح الكتب تسعة أشخاص، بينهم سبعة من خارج الوزارة، وتقوم هذه اللجنة بتحديد المحاذير أو المخالفات التي يتضمنها الكتاب، وتتكون اللجنة من:
الوكيل المساعد لقطاع الصحافة (رئيساً).
مدير إدارة المطبوعات والنشر (نائباً).
الدكتور عبد الرحمن أحمد الأحمد.
الدكتور معدي مهدي العجمي.
جديع فهيد العجمي.
فيصل عبد الهادي المحميد.
بدر الظفيري (ممثل وزارة الأوقاف).
خلف شقير العتيبي.
بدر ناصر بوقبة.
مراقب عن مطبوعات الكتب.


مقالات ذات صلة

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كتب كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب عبد الله العروي

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث».

د. نادية هناوي
ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أدريانا كاريمبو (غيتي)

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات وبقيت 5 أيام من دون طعام.

«الشرق الأوسط» (باريس)

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.