المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين

تقنيات مكافحة الاحتيال ترصد طباعتهم ونقراتهم ومسحاتهم

المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين
TT

المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين

المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين

عندما تتصفحون موقعاً إلكترونياً وترون أن سهم الفأرة يختفي لبضع ثوان، فقد يكون الأمر ناتجاً من خلل في الكومبيوتر، أو ربما يكون ذلك الاختفاء ناجماً عن اختبار متعمد للتحقق من هويتكم.
- رصد ومتابعة
الطريقة التي تضغطون وتمسحون وتطبعون فيها على شاشة هاتفكم أو لوحة مفاتيح جهازكم قد تكون فريدة ولا شبيه لها تماماً، كما بصمة إصبعكم أو ملامح وجهكم. لذا يعمد عدد متزايد من المصارف والتجار اليوم إلى تعقب حركات زوارهم أثناء استخدامهم المواقع الإلكترونية والتطبيقات؛ بهدف مكافحة عملية الاحتيال.
يستخدم البعض هذه التقنية لتفادي الاعتداءات الآلية والتحويلات المريبة فقط، في حين يذهب آخرون أبعد من ذلك، عبر جمع عشرات ملايين الملفات الشخصية التي من شأنها أن تحدد هوية الزبائن من خلال الطريقة التي يلمسون ويحملون وينقرون فيها على أجهزتهم.
لا يعرف الأشخاص الذين يتعرضون للمراقبة أي شيء عن عملية جمع البيانات. إذ تستطيع الشركات عبر استخدام أجهزة استشعار موجودة في هواتفكم أو رموز على المواقع الإلكترونية، أن تجمع آلاف نقاط البيانات التي تعرف بالـ«القياسات البيولوجية السلوكية» للمساعدة في التأكد مما إذا كان المستخدم الرقمي هو حقاً الشخص الذي يدعيه.
يعتبر المسؤولون الأمنيون أن هذه التقنية هي وسيلة فاعلة للحماية، وبخاصة أن عمليات اختراق واسعة للبيانات تحصل كل يوم؛ إذ يحصل اللصوص الإلكترونيون على مليارات كلمات المرور وغيرها من المعلومات الشخصية الحساسة، التي يمكن استخدامها للسرقة من حسابات الزبائن المصرفية وفتح حسابات أخرى لأغراض احتيالية.
وقال أليسدير فولكنر، أحد مؤسسي شركة «ثريت ميتريكس» التي تطور برامج لضبط عمليات الاحتيال لكبار الشركات التجارية والمالية «الهوية هي العملة الرقمية الأساسية، وهي تستخدم سلاحاً على نطاق صناعي»، لافتاً إلى أن الكثير من زبائن شركته يستخدمون اليوم أو يختبرون أدوات القياسات البيولوجية السلوكية.
يرى المدافعون عن الخصوصية، أن هذه الأدوات مريبة بعض الشيء؛ لأن قلة من الشركات فقط تكشف لزبائنها عن توقيت وكيفية تعقب نقراتهم ومسحاتهم.
وقالت جينيفر لينتش، محامية في منظمة «إلكترونيك فرونتيير فاونديشن» في حديث لوسائل الإعلام الأميركية «إن الخلاصة التي توصلنا إليها عن عالم التكنولوجيا في عملنا، هو أنه كلما جمعت الشركات بيانات أكثر، ستبحث عن استخدامات أكثر لها. إن المسافة الفاصلة بين استخدام هذه البيانات لضبط عمليات الاحتيال وبين معرفة معلومات شديدة الخصوصية عنكم ضئيلة جداً».
- تدقيق مصرفي
بدأ المصرف الملكي في اسكوتلندا، وواحد من المصارف القليلة التي ستفصح عن جمعها للبيانات المتعلقة بالقياسات البيولوجية السلوكية، في اختبار هذه التقنية على حسابات مصرفية خاصة بزبائنه الأثرياء منذ عامين، وهو اليوم يعمل على توسيع النظام ليشمل 18.7 مليون حساب لديه، بحسب ما أفاد كيفين هانلي، مدير الابتكار في المصرف.
عندما يسجل الزبائن دخولهم في حسابات المصرف الملكي الاسكوتلندي، يبدأ البرنامج في تسجيل أكثر من 2000 حركة تفاعلية مختلفة. إذ يعمل على قياس الزاوية التي يحمل بها المستخدمون هواتفهم، والأصابع التي يستخدمونها للنقر والمسح، والضغط الذي يمارسونه عليها وسرعة مسحهم على شاشاتها. أما على الكومبيوتر، فيسجل البرنامج إيقاع ضرباتهم على لوحة المفاتيح والطريقة التي يحركون بها الفأرة.
يستخدم المصرف الاسكوتلندي برنامجاً صممته شركة «بيو كات» في نيويورك، مهمته العمل على إنشاء ملف شخصي حول حركات كل فرد، لتتم لاحقاً مقارنته بحركات الزبون في كل مرة يعود فيها إلى الحساب المصرفي. وتقول شركة «بيو كاتش»، إن النظام يستطيع رصد المحتالين بدقة تصل إلى 99 في المائة.
قبل بضعة أشهر، التقط البرنامج إشارات غير مألوفة صادرة عن حساب أحد عملاء المصرف الأغنياء. بعد تسجيل الدخول، استخدم الزائر عجلة التحريك في الفأرة، وهي حركة لم يقم بها صاحب الحساب من قبل. بعدها، طبع الزائر على شريط الأزرار الرقمية الموجود في أعلى لوحة المفاتيح، وليس على اللوحة الجانبية المخصصة للأرقام التي اعتاد صاحب الحساب استخدامها. عندها، قرعت أجراس الإنذار في نظام المصرف فمنع أي مبالغ مالية من مغادرة حساب الزبون. وبحسب هانلي، تبين لاحقاً بعد التحقيق في الحادثة، أن الحساب كان فعلاً يتعرض للقرصنة.
وشرح «كان أحدهم يحاول تحديد مستفيد جديد، وتحويل مبلغ من سبعة أرقام. استطعنا التدخل في الوقت الصحيح ومنع ما كان سيحصل». سجلت هذه القضية حالة استثنائية؛ لأن سلوك المستخدم ليس ثابتاً، فالناس يتصرفون بشكل مختلف عندما يشعرون بالتعب أو في حالات الإصابة أو التشتت أو العجلة. كما أن الطريقة التي يطبع فيها الناس في المكتب تختلف عن طريقة طباعتهم وهم جالسون على الكنبة في المنزل.
- مراقبة السلوك
يجول برنامج المراقبة السلوكية عبر آلاف العناصر لاحتساب تكهن غير أكيد حول ما إذا كانت الهوية التي يدعيها المستخدم صحيحة. وقد ساهم تطوران كبيران في زيادة استخدام هذا البرنامج: توافر طاقة كومبيوترية زهيدة وأجهزة الاستشعار المتطورة التي تستخدم اليوم في صناعة الهواتف الذكية. ورأى هانلي أن سرية النظام تلعب دوراً كبيراً في جاذبيته. إذ تتطلب القياسات البيولوجية التقليدية كبصمة الإصبع أو حدقة العين أدوات مسح خاصة للمصادقة. لكن الخصائص السلوكية يمكن ضبطها في الخلفية دون الحاجة إلى قيام العملاء بأي خطوة للاشتراك.
تحاول «بيو كاتش» من وقت إلى آخر استنباط انفعالات معينة. إذ تستطيع تسريع عجلة الاختيار التي تستخدمونها لإدخال بيانات كتواريخ ومواعيد على هاتفكم، أو جعل سهم الهاتف يختفي لجزء من الثانية.
وقالت فرنسيس زيلاني، مديرة قسم الاستراتيجية والتسويق في «بيو كاتش»، «يتفاعل الجميع بشكل مختلف مع هذه الأمور. يحرك بعض الناس الفأرة من جنب إلى جنب، في حين يحركها آخرون إلى أعلى وأسفل، ويلجأ البعض إلى النقر على لوحة المفاتيح». ولأن ردة الفعل الخاصة بالمستخدم فريدة جداً، من الصعب على أي محتال أن يقلدها. كما أن تقنية المراقبة هذه لا تفرض على العملاء الحواجز الظاهرة والمزعجة التي ترافق الاختبارات الأمنية عادة؛ لأنهم ببساطة لا يعرفون بوجودها. أنتم لا تحتاجون هنا إلى الضغط بإبهامكم على قارئ البصمة في هاتفكم أو إلى طباعة أي رمز للمصادقة.
وقال نيل كوستيغان، الرئيس التنفيذي في «بيهافيو سيك»، ومركزها في بالو التو، كاليفورنيا، طورت برنامجاً يستخدمه مصرف «نورديك»، «لسنا مضطرين إلى وضع الناس في غرفة ودفعهم إلى الطباعة في ظل شروط مخبرية متطورة. كل ما علينا فعله هو مراقبتهم دون جلبة أثناء قيامهم بنشاطاتهم الاعتيادية في حساباتهم». في عالم الأعمال، يسمون هذه العملية تجربة «دون احتكاك»، أما المراقبون المعنيون بالخصوصية، فيعتبرونها خطيرة. تستطيع الأنظمة البيولوجية أحياناً أن ترصد بعض الحالات الطبية أيضاً. ففي حال ظهرت على أحد الزبائن رعشة في يده ما بعد أن كانت يداه سليمتين في السابق، قد يدفع هذا الأمر الشركة التي تتولى تأمين سيارته إلى القلق؛ الأمر الذي قد يسبب مشكلة حقيقية في حال كان المصرف الذي يتعامل معه الزبون، والذي رصد الرعشة عبر برنامجه الأمني، هو الجهة المسؤولة عن التأمين. في معظم الدول، لا توجد قوانين تحكم وتنظم جمع واستخدام البيانات البيومترية السلوكية.
حتى أن القوانين الأوروبية الجديدة المعنية بالخصوصية تستثني الإجراءات المعنية بالأمن والحماية من الاحتيال. يضع قانون جديد للخصوصية الرقمية في كاليفورنيا القياسات البيولوجية السلوكية على لائحة تقنيات التعقب التي يجب على الشركات أن تصرح بها في حال كانت تجمع البيانات، لكنه لن يدخل حيز التنفيذ قبل عام 2020.
تملك شركة «بيو كاتش» ملفات شخصية لنحو 70 مليون شخص وتراقب ستة مليارات عملية تحويل في الشهر، حسب زيلاني، الرئيس التنفيذي للاستراتيجية في الشركة. وبدأت شركة «أميركان إكسبرس»، أحد المستثمرين في «بيو كاتش» أخيراً باستخدام هذه التقنية في طلبات قبول الحسابات الجديدة.
بدورها، أدخلت عشرات الجهات التقنية، من الشركات الناشئة الصغيرة إلى الشركات العملاقة كـ«آي بي إم». بيومتريات سلوكية إلى برامجها الأمنية التي تبيعها لشركات تجارة التجزئة والمصارف.


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حوّل المهام الروتينية التقليدية إلى عمليات ذكية وسريعة لتسريع الإبداع

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تهدف وحدات «إنفيديا» لتوفير تجربة إنتاجية ذكية للأعمال الإبداعية بأداء مضاعف وموثوقية أعلى في تطبيقات التصميم والمونتاج.

خلدون غسان سعيد (جدة)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.