الدور التاريخي للفلسفة التنويرية

أسست للدولة الحديثة التي تحترم مواطنيها بغض النظر عن الطائفة أو المذهب

جان جاك روسو  -  ديدرو
جان جاك روسو - ديدرو
TT

الدور التاريخي للفلسفة التنويرية

جان جاك روسو  -  ديدرو
جان جاك روسو - ديدرو

لو سألني أحدهم: بم يتمايز الغرب عن سواه؟ لأجبته: بازدهار الفلسفة وكثرة الفلاسفة الكبار الذين تتالوا وراء بعضهم البعض على مر العصور. فنحن إذا ما استعرضنا اللحظات الأساسية لهذه الفلسفة منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو وحتى برتراند رسل وبول ريكور وهابرماس وسواهم من الفلاسفة المعاصرين وجدنا خيطا متواصلا لا ينقطع على مدار 2500 سنة.. قلت «لا ينقطع» وأنا مخطئ في الواقع. وذلك لأنه انقطع طيلة فترة العصور الوسطى المسيحية: أي من القرن الخامس بعد الميلاد إلى القرن الخامس عشر: ألف سنة! في هذه القرون العشرة هيمن اللاهوت الديني على العقول هيمنة مطلقة كما هو حاصل حاليا في العالم العربي وطرد الفلسفة متهما إياها بالهرطقة والزندقة والوثنية والكفر. ولكنه بدءا من القرن الثالث عشر وبتأثير من العرب راح يعدل موقفه قليلا ويصالح بين العقيدة المسيحية والفلسفة الأرسطوطاليسية. ونتجت عن ذلك فلسفة القرون الوسطى.
ثم بعد القرن السابع عشر ظهرت فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر. وكان أهم روادها فولتير، وديدرو، وجان جاك روسو، الخ. وكلهم اشتبكوا في معارك حامية مع الأصولية المسيحية التي كانت مسيطرة على العقول آنذاك. وقد تحررت الفلسفة عندئذ من هيمنة اللاهوت المسيحي عليها وأصبحت مستقلة بذاتها. ومعروف أن الفلسفة كانت خادمة لعلم اللاهوت المسيحي طيلة العصور الوسطى، ولم تستطع التحرر من قيوده وأصفاده إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.
هذا وقد هيمن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط على فلسفة التنوير وقدم للفكر الغربي أهم كتاب فلسفي في العصور الحديثة: نقد العقل الخالص. ويمكن القول بأن كانط هو أستاذ الغرب بعد ديكارت من الناحية العقلانية والمنهجية. فهذا الفيلسوف تحدث عن كل شيء تقريباً: عن العلم، والدين، والأخلاق، والسياسة. والبعض يقول بأنه أرهص بالعصور الحديثة واستبق عليها. والدليل على ذلك أن أفكاره النبوئية الاستشرافية طبقت عمليا بعد موته بقرن أو أكثر. فكتابه عن «مشروع السلام الدائم» ظهر عام 1795 وعصبة الأمم تشكلت عام 1920. وهذا أكبر دليل على أن الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. في البدء كانت الكلمة، ولكن ليس أي كلمة!
بل ويرى الكثيرون أن كل التقدم الحاصل في العالم سياسياً وقانونياً وأخلاقياً يعود إلى هذا الفيلسوف العملاق. ومعلوم أن الرئيس الأميركي وودرو ويلسون كان من تلامذته الخلص. وقد أسس «عصبة الأمم» التي أصبحت «الأمم المتحدة» لاحقاً بناء على قراءة أفكاره. فكتاب كانط الداعي إلى «السلام الدائم بين الأمم» هو الذي أسس العقلانية السياسية والدبلوماسية الدولية القائمة على مبادئ الحق والقانون لا على شريعة الغاب والذئاب.
ولكن للأسف فإن أميركا خرجت أكثر من مرة على هذه المبادئ المثالية التي كانت تتبعها في عهد الرئيس الكبير ويلسون. أما الفيلسوف الكبير الآخر الذي ظهر بعد كانط مباشرة فهو هيغل. فقد قدم للغرب المنهج الجدلي في التفكير. ولخص هيغل في شخصه كل معارف عصره إلى درجة أن المؤرخين شبهوه بأرسطو، بل وقالوا عنه بأنه أرسطو العصور الحديثة. ويمكن القول بأن العقل الغربي بلغ ذروة اكتماله ونضجه على يد كانط وهيغل وبقية مفكري الفلسفة المثالية الألمانية. وهي أعظم فلسفة ظهرت في العصور الحديثة. وذلك لأنها استطاعت التوفيق بين العلم والإيمان، أو الفلسفة والدين. ثم بالأخص لأنها بلورت تفسيراً عقلانياً، جديداً، مستنيراً، للدين المسيحي، وفرقت بين جوهره وقشوره. لأول مرة عادت المسيحية إلى صفائها الأولي وأصبحت إنجيلية حقيقية وفية لمبادئ السيد المسيح. لأول مرة فهم الناس أن هناك تفسيرا آخر ممكنا للدين المسيحي غير ذلك التفسير الطائفي المتعصب للأصوليين والإخوان المسيحيين. لأول مرة فهموا أن هناك تفسيرا روحانيا وأخلاقيا بل وتحريريا رائعا للدين. الدين ليس إرهابا ولا إرعابا ولا قيودا وأصفادا. لا إكراه في الدين! لأول مرة استطاعوا التفريق بين الدين ورجال الدين الذين قد يخونونه ويفعلون عكسه إرضاء لمآربهم وشهواتهم وانحرافا عن مبادئه ومثله العليا. وهذا شيء تكرر كثيرا على مدار التاريخ في كلتا الجهتين الإسلامية كما المسيحية. ولولا ذلك لما انفجر مارتن لوثر بالإصلاح الديني الشهير في أوروبا.. وهنا لا بد من أن نشيد بالدور الكبير الذي لعبه جان جاك روسو، أستاذ كانط ومعلمه، عندما فكك الاعتقاد القديم وحرر المسيحية من الدوغمائيات المتحجرة. بل واشتبك مع مطران باريس في معركة فكرية من أعلى طراز. وخاطر بنفسه إذ فعل ذلك ووضعها على حد السكين. ولهذا السبب أصبح مطاردا ملاحقا من مكان إلى آخر، ومن الوديان إلى الجبال. انظروا كتابه الرائع «رسائل من الجبل»، حيث هز سويسرا وفرنسا وأوروبا كلها هزا! ولذلك رثاه هولدرلين في قصيدة عصماء. والأنكى من ذلك هو أنه كتبه وهو محاصر من كل الجهات. وكأن عبقريته لا تشتعل إلا في لحظات التحدي الأقصى والخطر الأعظم. ذلك أن معركة الحقيقة تتطلب تضحيات بل وتضحيات جساما. والحال أنه ما كان يخشى الموت وإنما كان يخشى شيئا واحدا فقط: أن يقتلوه قبل أن ينهي تأليف كتبه الأساسية ويضرب ضربته الفلسفية الكبرى. هذا ما كان يخشاه جان جاك روسو أكثر من الموت. بعد أن ينهي مهمته ليفعلوا به ما يشاءون. كم مثقفاً عربياً يتجرأ الآن على الاشتباك مع الشيوخ الظلاميين وتفنيد خرافاتهم وتفسيرهم القديم المهترئ للدين؟ وهو تفسير إخونجي انغلاقي متعصب عفى عليه الزمن. أنه محصور كليا داخل السياجات الدوغمائية المغلقة أو الأقفاص الطائفية والفتاوى اللاهوتية المتحنطة. ولكن بسبب الجهل المتفشي في أوساط العوام فانه لا يزال ساري المفعول، ولو إلى حين.. انظروا كيف يصولون ويجولون على الفضائيات! شيء مخيف. بل وشيء مخجل أيضا. كثير من برامج التعليم العربية ينبغي أن ترمى في سلة المهملات لأنها خرجت كل هؤلاء الجحافل من الظلاميين المتوحشين الهمجيين.
نعرف الكتب الصفراء التي أنتجتهم والمدارس الأصولية التي فرختهم. كل هذا نعرفه جيدا بل والعالم كله أصبح يعرفه. ذلك أن هذه المعركة أصبحت عالمية ولم تعد محلية أو خصوصية. ولذلك أقول: مادة التربية الدينية أهم الآن وأخطر من مادة الفيزياء الذرية. إنها أكثر تفجيرا وانفجارا. من يسيطر عليها يسيطر على العالم العربي كله من المحيط إلى الخليج. من يسيطر عليها يمكن أن يوجهنا جميعا إما في اتجاه الاستنارة والتقدم وإما في اتجاه الظلامية والتأخر.! ينبغي حذف كل الكتب الإخونجية والفتاوى التكفيرية والأفكار التضليلية التي تحتقر الأديان الأخرى وتزدريها من برامج التعليم العربية. وبالتالي فالفلسفة التنويرية هي التي كشفت للناس عن جوهر الدين الحقيقي. وهي التي نظفت الدين من أفكار الكراهية والحقد والتعصب الأعمى. وهي التي قضت على الحزازات المذهبية والحروب الطائفية في كل أنحاء أوروبا. وهي التي جعلت التعايش ممكنا بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين بعد أن كان جحيما لا يطاق. وهي التي أسست الدولة المدنية العلمانية الحديثة التي تحترم كرامة جميع مواطنيها ولا تفرق بينهم على أساس طائفي أو مذهبي. ولذلك انطلقت أوروبا انطلاقة صاروخية بعد عصر التنوير وصنعت أعظم حضارة على وجه الأرض. وهذا ما سيحصل في العالم العربي لاحقا عندما ينتصر التنوير العربي على العصر الداعشي الإخونجي الظلامي الحالي. عندئذ سوف ينكشف جوهر الإسلام المطموس حاليا من قبل حركات التطرف والظلام. وعندئذ سيتم الفرز الكبير بين الجوهر والقشور وسيتبين لجميع الناس ذلك الفرق الكبير بين إسلام الأنوار - وإسلام الإخوان.
أخيرا ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن التغيير الفكري يسبق التغيير السياسي وليس العكس. فالثورة الفرنسية لم تندلع قبل ظهور فولتير وديدرو وجان جاك روسو والموسوعيين وإنما بعدهم جميعا. لا ينبغي وضع العربة قبل الحصان وإنما خلفه. بعد أن تمكن هؤلاء المفكرون الأفذاذ من تفكيك الأصولية الدوغمائية وفكر الإخوان المسيحيين أصبح الطريق مفتوحا، معبدا، أمام الثورة التغييرية السياسية. لا ريب في أن تركيز الصديق فاضل السلطاني على مسألة الحامل السلطوي أو الرافع السياسي الذي يجسد الأفكار فعليا ويغير الواقع عمليا شيء ضروري جدا وهام. ولكن في البدء كانت الكلمة، كان الفكر النير الوهاج. ما الذي آخذه على المثقفين العرب حاليا ما عدا كوكبة صغيرة مشعة؟ شيئا واحدا: إهمال المسألة الدينية وتركها لقمة سائغة للتكفيريين يصولون فيها ويجولون. لو ظهر عندنا مفكرون حقيقيون من أمثال سبينوزا وفولتير وديدرو وكل فلاسفة الأنوار لما استطاع الظلاميون السطو على «الربيع العربي» وتجييره لصالحهم. كنا دخلنا في عصر الحداثة العربية الإسلامية فورا. وكنا تخلصنا كليا من هذا الفكر الظلامي التكفيري الذي يرتكز على مشروعيات قديمة راسخة رسوخ الجبال. لم يتجرأ أحد على تفكيك هذه المشروعيات «الإرهابية» التي لا تزال تهيمن على الفضاء التعليمي والثقافي العربي من أقصاه إلى أقصاه. إنه لعار علينا نحن المثقفين العرب أننا لا نزال نحني الرأس أمامه صاغرين، طائعين. فولتير لم يحن رأسه أمامه وإنما اشتبك معه في معركة ضارية لا تبقي ولا تذر. بعدئذ ظهرت الطبقة البورجوازية وحملت لواء هذا الفكر التنويري الجديد وضربت بسيفه وأسقطت المشروعيات التكفيرية القديمة بالفعل لا بالقول فقط. وأحلت محلها المشروعيات التنويرية ذات النزعة الإنسانية. وهنا نلمس لمس اليد ذلك التقاطع الرائع بين التغيير الفكري والتغيير السياسي. ولكن في البدء كانت الكلمة.. هذا الشيء لم يحصل حتى الآن في الساحة العربية. وإنما الذي حصل هو العكس تماما: تواطؤ أغلبية المثقفين مع الجماعات الإخونجية والانبطاح أمامها. لهذا السبب أقول لا يوجد ربيع عربي ولا من يحزنون. ولهذا السبب فلن تقوم للعرب قائمة إذا استمر الوضع بهذا الشكل ولن يحظوا بأي احترام على مسرح التاريخ بين الأمم.



مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».


دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
TT

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

وأوضح الباحثون في النتائج التي نُشرت الجمعة، بدورية «Nature Medicine» أن هذا الدواء المبتكر قد يمثل نقلة نوعية في علاج اضطرابات الدهون والأمراض الأيضية المرتبطة بها.

وعند تناول الطعام، يحوّل الجسم السعرات الحرارية الزائدة، خصوصاً من الكربوهيدرات والسكريات والدهون والكحول، إلى جزيئات تُعرف بالدهون الثلاثية، وهي شكل من أشكال الدهون التي تُخزَّن في الخلايا الدهنية لاستخدامها مصدراً للطاقة بين الوجبات، إلا أن ارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والتهاب البنكرياس، ما يجعل التحكم فيها ضرورة صحية ملحّة.

ويعتمد توازن دهون الدم على تناغم دقيق بين إنتاج الدهون في الكبد والأمعاء وبين تكسيرها وإزالتها من مجرى الدم. وعندما يختل هذا التوازن، تتراكم الدهون الثلاثية، ممهّدة الطريق لأمراض مثل اضطراب دهون الدم، والتهاب البنكرياس الحاد، ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي.

وأحد المفاتيح الرئيسية في هذا النظام هو بروتين يُعرف بمستقبل الكبد «إكس» (LXR)، الذي ينظم عدداً من الجينات المسؤولة عن تصنيع الدهون والتعامل معها. و يؤدي تنشيط هذا المستقبل لارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول، ما جعل استهدافه دوائياً فكرة جذابة، لكنه محفوف بالمخاطر؛ إذ يشارك هذا المستقبل أيضاً في مسارات وقائية للكوليسترول بأنسجة أخرى من الجسم.

ولتجاوز هذه المعضلة، طوّر الفريق مركباً دوائياً يُؤخذ عن طريق الفم، يُعرف باسم «TLC‑2716»، يتميز بقدرته على تثبيط نشاط مستقبل (LXR) بشكل انتقائي في الكبد والأمعاء فقط، دون التأثير على المسارات الوقائية للكوليسترول في باقي الجسم. ويُصنَّف الدواء كـ«ناهض عكسي»، أي أنه لا يكتفي بمنع تنشيط المستقبل، بل يدفعه لإرسال إشارة معاكسة لتأثيره المعتاد.

خفض الدهون

وأظهرت التجارب قبل السريرية على الحيوانات أن الدواء نجح في خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم وتقليل تراكم الدهون في الكبد. وفي نماذج كبد بشرية مخبرية، لوحظ انخفاض تراكم الدهون، مع تراجع الالتهاب والتليف الكبدي. كما أظهرت دراسات السلامة أن الدواء يتركز في الكبد والأمعاء فقط، ما يقلل مخاطره على بقية الأنسجة.

وشملت التجربة السريرية من المرحلة الأولى بالغين أصحاء، تلقوا الدواء يومياً لمدة 14 يوماً. وركّزت على تقييم السلامة والتحمّل، حيث أثبت الدواء نجاحه في تحقيق هذه الأهداف دون تسجيل آثار جانبية مُقلقة.

أما على صعيد الفاعلية، فقد خفّض الدواء الدهون الثلاثية بنسبة 38.5 في المائة عند أعلى جرعة (12 ملغ)، كما أدى لانخفاض الكوليسترول المتبقي بعد الوجبات بنسبة 61 في المائة، رغم أن المشاركين كانت لديهم مستويات دهون شبه طبيعية في الأساس. كما ساعد الدواء في تسريع إزالة الدهون الثلاثية من الدم عبر خفض نشاط بروتينين معروفين بتأخير هذه العملية.


«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
TT

«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)

أخيراً نالت قلعة راشيا، رمز الاستقلال اللبناني، الاهتمام الذي تستحق، وتحوَّلت إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب، ونيل السيادة، بأدوات عصرية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والهولوغرام والتوثيق الدقيق.

ترميم متقن، وإعادة جمع للمستندات والصور والصحف، كما الملابس والحاجيات والأثاث، لجعل القلعة أشبه ما يمكن، بما كانت عليه في تلك الفترة الفاصلة من تاريخ لبنان والمنطقة.

هولوغرام الرئيس رياض الصلح (متحف الاستقلال)

موقع القلعة مرتفع وخلاب، يُشرف على منحدرات محيطة بها من 3 جهات، وعلى قمة حرمون. وهي مبنى تاريخي شُيِّد على مراحل، تنطوي على آثار رومانية، وبرج صليبي أقيم لمراقبة قوافل التجار الآتين من فلسطين عبر وادي التيم، ومن دمشق إلى القدس، كما بنى الفرنسيون السور الشرقي للقلعة عندما دخلوها عام 1920.

لهذا، فإن تحويل المكان برمزيته العالية وموقعه على مفترق طرق، إلى «متحف الاستقلال» في هذه الفترة التي تفتت بها دول، وتخشى أخرى من العدوى، هو أمر في غاية الأهمية.

فبعد أن كانت قلعة راشيا شبه فارغة، رغم بنيانها الرائع بقناطره وشرفاته وردهاته، ها هي تصبح موضع جذب سياحي وشبابي.

في الطابق السفلي حيث العقد الصليببي القديم، أُعيد تأهيل المدخل الجميل، وزوّد بجهاز ذكي، تطرح عليه، مع بدء الزيارة، ما يخطر على بالك من أسئلة. فهو مجهز ليجيبك بأي معلومة تحتاجها. في هذا الطابق أيضاً تُشاهد عرضاً مشوقاً عن تاريخ القلعة التي بُنيت على مراحل، ومرت عليها سلطات وعهود، تركت آثارها في المبنى.

مرحلة الاستقلال ليست سوى الجزء الأخير من تاريخ المكان. فقد شهد جانباً من الثورة العربية الكبرى التي قام بها الموحدون الدروز ضد الفرنسيين عام 1925. وها هي خيمة قائد الثورة السلطان باشا الأطرش تنتصب هنا، لتذكرنا بما سبق الاستقلال من مقاومات ونضالات.

يحدثنا الدكتور عبد السلام ماريني، مدير عام مؤسسة الوليد بن طلال، التي قامت بجهد كبير لإعادة بث الحياة في جوانب المتحف، بالتعاون مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور، عن حرص المؤسسة على أن تكون الخيمة بالمواصفات نفسها التي كانت للسلطان باشا الأطرش، وهذا تطلب بحثاً وجهداً خاصين. يومها اقتحم الدروز القلعة وتمكنوا من الدخول على الفرنسيين، وكادت القلعة تسقط، لكن جنود الانتداب طلبوا دعماً من قيادتهم في الشام، فأرسلت الطائرات التي قصفت راشيا وأحرقتها وقتلت 400 من الثوار. وفي المتحف لوحة بأسمائهم تخلّد ذكرى بطولاتهم الوطنية، على طريق تحرير بلادهم.

تستكمل حكاية الاستقلال نابضة، مجسدة، في الطابق الثاني من القلعة. هنا في ليل 11 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1943، كان الحدث التاريخي الفاصل. فقد احتجزت سلطة الانتداب الفرنسيّة رئيس الجمهورية اللبنانيّة الشيخ بشارة الخوري، ورئيس مجلس الوزراء رياض الصلح والوزراء: كميل شمعون، وعادل عسيران، وسليم تقلا، والنائب عبد الحميد كرامي، جرّاء معركة تعديل الدستور، التي قرّرت خلالها السلطة اللبنانيّة إنهاء الانتداب الفرنسي.

مكتب الرئيس رياض الصلح وقلمه وطربوشه (متحف الاستقلال)

غرفة رئيس الوزراء رياض الصلح أعيد تأثيثها، لتعود كما كانت يوم سُجن فيها. وها هو يقف منتصباً أمامك، بفضل تقنية الهولوغرام، يشرح ظروف اعتقاله وما عاشه في سجنه، وكيف اقتيد مع رفاقه من بيروت إلى راشيا، ولم يكن أي منهم يحمل سلاحاً، ولا يطلب منصباً، بل كل ما كانوا يبتغونه هو الحرية. دقيقتان ونصف دقيقة تقف فيها أمام رياض الصلح، كأنه حاضر اليوم. و«هو أمر لم يكن بالسهل تقنياً. فاستعادة الصوت والهيئة والطلة لشخص غادرنا، ولم يبقَ من آثاره الكثير، كان تحدياً كبيراً»، يقول الدكتور ماريني، وكذلك استعادة الأثاث والحاجيات، من أسرّة وملابس ومقتنيات. فقد أريد لهذه الأمكنة أن تكون حيوية، وكأنما هؤلاء الثوار لا يزالون فيها. هذا نراه أيضاً في غرفة الرئيس بشارة الخوري، الذي يحدث زائريه أيضاً بالهولوغرام، وهو ما يُضفي على المتحف صفة الطرافة ويجعله أكثر جذباً للشباب والتلامذة الصغار. وهم الجمهور المستهدف بشكل أساسي.

نمر على غرفة التحقيقات والاتصالات والتنصت بأجهزتها التي كانت تُستخدم في تلك الفترة، وغرفة الضابط الفرنسي بمستلزماتها. هناك أيضاً حجرة الجنود الفرنسيين، وأخرى للإعلام جمعت فيها أعداد الصحف التي صدرت عام 1943 أي عام الاعتقال، ليطّلع الزائر على كيفية سرد الأخبار حينها. وثمة تسجيلات لمقابلات أُجريت مع أشخاص عاصروا المرحلة، بينهم امرأة تروي كيف كانت نساء راشيا يطبخن للسجناء، ويرسلن لهم الطعام. وقد فارقتنا هذه السيدة، ولحسن حظنا أنها سجلت شهادتها قبيل وفاتها.

إحدى باحات القلعة المهابة (متحف الاستقلال)

حرص المشرفون على المتحف على ألَّا تكون زيارته عابرة، بل تحتاج وقتاً وتمعناً. ويمكن أن يقضي الزائر ساعتين ونصف ساعة مستمعاً، قارئاً، متفرجاً، متأملاً، لينتهي به الأمر إلى غرفة متَّسعة تصلح لمجموعات الزائرين الذين يودون التباري في ما بينهم، لاختبار معلومات تعلموها خلال جولتهم. وفي المتحف غرفة مخصصة للاجتماعات والحوارات.

نائب المنطقة، وائل أبو فاعور، سعيد وهو يتحدث عن هذا الإنجاز لبلدته التي أُعيد رصف أحيائها القديمة، والسوق الأثرية، ودرج الاستقلال وهو يصل السوق بالقلعة، كما تمت إنارتها.

«هذا يشكل مشروعاً متكاملاً بحيث يتمكن الزائر للمتحف من الاستمتاع بطبيعة راشيا، وسحر موقعها، كما يزور قلعتها ويفهم تاريخها، وقد استكملت هويتها»، يقول النائب أبو فاعور. «في المتحف يعيش الزائر لحظة الاستقلال، كما هي، سياسياً ووطنياً. لقد حرصنا على بلورة وتقديم الحكاية الأكثر تعبيراً عن المرحلة، وعن تلاقي الإرادات الوطنية اللبنانية». كما يحدثنا النائب أبو فاعور عن أمله في أن يلعب المتحف دوراً توجيهياً وتربوياً، على مدار السنة وليس في عيد الاستقلال فقط. «ويجري العمل حالياً مع وزارتي التربية والثقافة، لتحفيز المدارس على تنظيم رحلات لطلابهم لزيارة المتحف، والاستفادة منه».

وكانت «مؤسسة الوليد بن طلال» قد أخذت قراراً بترميم القلعة منذ عام 2009. لكن فكرة المتحف لم تكن قد نضجت بعد، كما أن تجميع المقتنيات الشخصية لرجالات الاستقلال وتوثيق تفاصيل إقامتهم في القلعة لم يكن بالأمر اليسير. «التواصل مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور أتى أُكُله، وكذلك التعاون مع البلدية، وتجاوب وزير الثقافة غسان سلامة الذي اشتغل على قانون يؤمّن الحفاظ على متاحف لبنان»، حسب د. ماريني.

من مقتنيات غرفة الاتصال في المتحف (متحف الاستقلال)

أما إعادة توثيق حكاية الاستقلال، فقد احتاجت عودة إلى كتب ووثائق، منها مذكرات الرئيس بشارة الخوري، وكتاب لجبران جريج، أحد الذين كانوا قد اعتقلوا في قلعة راشيا، وروى في كتابه كيف كانت ظروف السجناء، كذلك تمت مراسلة جهات فرنسية مختصة، لمعرفة اسم الضابط الذي كان مشرفاً على المكان، والحصول على صورته، ووثائق أخرى.

وحرصاً على الاستفادة من تجارب سبقت، تم التواصل مع عدد من المتاحف في فرنسا وألمانيا، و«مدام توسو» في بريطانيا. أما التحدي الحقيقي فكان إنجاز الهولوغرام للرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، حيث يجب أن تأتي المقاييس مطابقة لما كانت عليه الشخصية، وكذلك الحركة ونبرة الصوت، والملابس. «الهولوغرامات في المتاحف موجودة، لكن المتقن منها قليل وله تكاليفه العالية، حيث تُحسب بالثانية التي يتحدث فيها الشخص. ونحن حرصنا على أن نقدِّم أفضل ما يمكننا، لذا وقع اختيارنا على إيطاليا لتنفيذ الهولوغرامين»، يقول د. ماريني.

تكتمل الزيارة بإطلالة من شرفة المتحف على بيوت راشيا القرميدية الساحرة، ووادي التيم بجماله الخلاب، وجبل حرمون بروحانيته الشفافة، لتشعر أن المجيء إلى هنا واجب وطني بحق.