وزير داخلية المغرب: 1122 مغربيا يقاتلون مع «داعش»

قال إن بعضهم يشغل مناصب قيادية في التنظيم

وزير الداخلية المغربي يلقي كلمته عن المقاتلين المغاربة في صفوف «داعش» خلال الجلسة العامة لمجلس النواب أمس (تصوير مصطفى حبيس)
وزير الداخلية المغربي يلقي كلمته عن المقاتلين المغاربة في صفوف «داعش» خلال الجلسة العامة لمجلس النواب أمس (تصوير مصطفى حبيس)
TT

وزير داخلية المغرب: 1122 مغربيا يقاتلون مع «داعش»

وزير الداخلية المغربي يلقي كلمته عن المقاتلين المغاربة في صفوف «داعش» خلال الجلسة العامة لمجلس النواب أمس (تصوير مصطفى حبيس)
وزير الداخلية المغربي يلقي كلمته عن المقاتلين المغاربة في صفوف «داعش» خلال الجلسة العامة لمجلس النواب أمس (تصوير مصطفى حبيس)

كشف محمد حصاد، وزير الداخلية المغربي، أمس أن عدد المغاربة الذي ذهبوا للقتال في سوريا والعراق وصل إلى 1122 شخصا، يضاف إليهم المغاربة الذين ذهبوا من أوروبا، ويقدر عددهم بما بين 1500 و2000 مقاتل. وأشار حصاد إلى أن أكثر من مائتي مغربي قتلوا هناك، وأن إمكانية تعرض هؤلاء المقاتلين للموت تتجاوز نسبة 30 في المائة.
وقال حصاد، الذي كان يتحدث أمس في الجلسة العامة لمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) ردا على أسئلة النواب حول التهديدات الإرهابية التي تتعرض إليها البلاد، إن 128 من المقاتلين المغاربة عادوا إلى وطنهم، ويجري التحقيق معهم بعد أن ألقي القبض عليهم جميعا.
وتعد هذه المرة الأولى التي تقدم فيه إحصاءات رسمية بشأن عدد المقاتلين المغاربة في العراق وسوريا. وأوضح الوزير المغربي أن عددا كبيرا من المقاتلين المغاربة يتولون مراكز قيادية في هذه التنظيمات المتطرفة، ولا يخفون نيتهم تنفيذ مخطط إرهابي لاستهداف المغرب، لأن عددا كبيرا منهم لم يكن ينشد القتال إلى جانب العراقيين والسوريين، بل التدريب هناك واكتساب الخبرة الكافية.
وسرد حصاد المواقع القيادية التي يشغلها المغاربة في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) دون ذكر أسمائهم، وهي منصب أمير عسكري بمنطقة إدلب، وقاض شرعي في الدولة (بمثابة وزير العدل)، وأمير اللجنة المالية (وزارة المالية)، وأمير منطقة جبل تركمان (محافظ)، وأمير للحدود الترابية (وزير الداخلية)، ثم عضو اللجنة الإعلامية المكلف بالإعلام، وهو المنصب الذي يشغله إلياس المجاطي، ابن فتيحة المجاطي أرملة كريم المجاطي عضو تنظيم القاعدة، الذي قتل في السعودية عام 2005.
ولاحظ حصاد أن هناك إقبالا كبيرا للمغاربة المجندين في صفوف هذه التنظيمات على تنفيذ العمليات الانتحارية، وقال إن أكثر من 20 مغربيا نفذوا عمليات انتحارية، مضيفا أن المعلومات المتوافرة تفيد بلجوء عدد من الإرهابيين في المشرق إلى اتخاذ خطوات عملية للتنسيق مع المجموعات الإرهابية التي تنشط بدول شمال أفريقيا من أجل تنفيذ عملياتها في المغرب، واستشهد على ذلك بوجود تسجيلات صوتية على الإنترنت للمقاتلين المغاربة في «داعش»، يتوعدون فيها بشن هجمات على البلاد، ويخصون شخصيات عامة بالتهديد المباشر. وأضاف أن المعلومات المتوافرة تفيد بامتلاكهم قائمة تضم أسماء هذه الشخصيات، في إشارة إلى شريط الفيديو الذي هدد فيه هؤلاء المقاتلون بعض شيوخ السلفية المغاربة المعارضين للدولة الإسلامية وللقتال بجانبها، بينهم الشيخ عمر الحدوشي.
وقال حصاد إن وجود مقاتلين أوروبيين، من أصل مغربي، في هذه التنظيمات يعد أمرا مقلقا جدا، لأن هذه التنظيمات تستطيع إرسال هؤلاء المغاربة الذين يتوفرون على جوازات سفر أوروبية أو أميركية ويدخلون المغرب من دون تأشيرة.
وسرد وزير الداخلية الإجراءات العامة التي اتخذتها بلاده للتصدي للتهديدات الإرهابية، دون الإفصاح عن تفاصيلها، حتى لا يسهل على الإرهابيين التحايل عليها أو استغلالها. وقال حصاد إن التهديد الإرهابي لا يمكن القضاء عليه في شهر أو شهرين، بل يتطلب سنتين أو أربع سنوات، وهو ما دفع السلطات العمومية إلى بلورة استراتيجية أعطيت أهمية قصوى فيها للعمل الاستخباراتي، والتنسيق بين كل المصالح المتدخلة في هذا الميدان، سواء على المستوى المركزي والمحلي أو خارج البلاد، بالإضافة إلى بلورة سياسة استباقية تمثلت في تفكيك خلايا إرهابية كانت توجد في المراحل الأخيرة لتنفيذ عملياتها، مؤكدا أن وزارة الداخلية تتوفر على مخطط متكامل يخص كل مستوى من مستويات اليقظة، ويتضمن التنسيق بين مختلف المصالح الأمنية، ويحدد بدقة مهمة كل مصلحة على مستوى الوقاية والتدخل، وتشديد مراقبة المطارات والموانئ، وحراسة الحدود الشرقية.
وسجل وزير الداخلية المغربي أن المجهودات التي تبذلها المصالح الأمنية من أجل التصدي للمحاولات التي تستهدف أمن البلاد تعترضها سلوكات بعض الجمعيات و«الكيانات الداخلية» التي لم يسمها، تعمل تحت غطاء الدفاع عن حقوق الإنسان، ولا تتوانى عن توجيه اتهامات لهذه المصالح بارتكاب سلوكات لا أساس لها من الصحة، مثل الاختطاف والتعذيب والاعتقال التعسفي، وقال إن هدفها إضعاف حرص قوات الأمن والتأثير على معنوياتها، وضرب مصداقية عملها، وزرع نوع من التشكيك في الإجراءات المتخذة. وأضاف «هذا السلوك يندرج في إطار حملة مدروسة تخدم مصالح أجندات معينة للمس بمعنويات الأجهزة الأمنية، حيث يجري إعداد ملفات وتقارير مغلوطة في سعي إلى دفع بعض المنظمات الدولية إلى اتخاذ موافق معادية لمصالح المغرب بما فيها الموقف من قضية الوحدة الترابية للبلاد».
وأضاف حصاد أن هذه الجمعيات تحظى بدعم مالي كبير وعدد من المنافع التي تتلقاها من جهات خارجية، لم يكشف عنها، مستغلة جو الانفتاح الذي ينعم به المغرب وهامش الحريات، وقال إن هذه المحولات لن تثني السلطات عن استكمال المسار الديمقراطي الحقوقي الذي تمضي فيه البلاد.
وأوضح حصاد أن إعلان الدولة الإسلامية شكل تحولا نوعيا على مستوى التهديد الإرهابي الموجه إلى الكثير من دول العالم، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مشيرا إلى أن خطورة هذا التهديد تكمن في كون المشروع الذي يحمله تنظيم الدولة الإسلامية يستهدف كل دول العالم الإسلامي، وهي استراتيجية بدأ تنفيذها في سوريا، ثم انتقلت إلى العراق، ويخطط التنظيم الآن إلى الاستيلاء على بعض الدول المجاورة.
وقال الوزير المغربي إن ما يثير التخوف هو تزايد عدد المقاتلين الملتحقين بالتنظيم، لا سيما الحاملين لجنسيات عربية - أوروبية، ناهيك عن الخطر الذي يشكله وجود مجموعات مسلحة في بعض دول شمال أفريقيا، مثل مالي وليبيا وبصفة أقل الجزائر والصحراء بصفة عامة، تتقاسم مع هذا التنظيم نفس الأهداف، الأمر الذي يؤزم الوضع ويدعو إلى توخي الحيطة والحذر أكثر، حسب قوله.
واستعرض وزير الداخلية الإجراءات التي اتخذتها عدد من الدول العربية والأجنبية، للتأكيد على أن الخطر لا يتهدد المغرب وحده. وقال إن حكومة فرنسا قدمت قبل أيام مشروع قانون يتعلق بسن تدابير تتعلق بمحاربة الإرهاب، تشمل المنع الإداري لمغادرة البلاد لتفادي الالتحاق ببؤر التوتر، بالإضافة إلى تعقب من يطلقون عليهم «الذئاب المنفردة»، أي الأشخاص الفرديون الذين ينفذون عمليات إرهابية من دون الانتماء إلى أي تنظيم، ثم تعزيز أساليب مكافحة الترويج والإشادة بالإرهاب في شبكة الإنترنت.
وفي السعودية، قال حصاد إنه جرى الإعلان عن حالة الإنذار القصوى في صفوف القوات المسلحة، وتجنيد أكثر من 30 ألف عسكري على مستوى الحدود مع العراق لتعويض النقص الحاصل بعد انسحاب القوات العراقية، كما أن هناك دراسة لإقامة جدار إلكتروني في الحدود مع العراق، أسوة بما قام به المغرب في الحدود مع الجزائر.
أما في بريطانيا، يضيف حصاد، فتقرر سحب الجنسية من الذين قرروا الذهاب إلى سوريا، كما قررت الحكومة مراقبة شبكة الإنترنت لإغلاق كل المواقع الإلكترونية التي يحتمل أن يخدم محتواها الخلايا الإرهابية، وكذا رفض جوازات السفر لمن قرروا السفر إلى سوريا والعراق. أما الولايات المتحدة فقررت تقوية تعزيزاتها الأمنية في المطارات ومراقبة المسافرين إليها.
وأوضح وزير الداخلية المغربي أنه خلال لقاء جمع 28 من وزراء الداخلية الأوروبيين، نظم في السابع من يوليو (تموز) الحالي، جرى الاتفاق على إجراءات تقنية من أجل تطوير أجهزة كشف وتعقب المقاتلين في سوريا والعراق، وتعزيز نظام المعلومات يسمح للدول الأعضاء بتبادل المعلومات حول الأشخاص الذين يشكلون خطرا على الأمن الداخلي.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.