كيم يحيي الذكرى الـ70 لتأسيس كوريا الشمالية بلا صواريخ عابرة للقارات

رحب بوفد صيني رفيع... والرئيس الموريتاني وممثل فرنسي شهير كانا ضمن الحضور

كيم جونغ أون يرحّب برئيس الوفد الصيني الرفيع أمس (أ.ف.ب) - جانب من العرض العسكري في بيونغ يانغ أمس (أ.ب)
كيم جونغ أون يرحّب برئيس الوفد الصيني الرفيع أمس (أ.ف.ب) - جانب من العرض العسكري في بيونغ يانغ أمس (أ.ب)
TT

كيم يحيي الذكرى الـ70 لتأسيس كوريا الشمالية بلا صواريخ عابرة للقارات

كيم جونغ أون يرحّب برئيس الوفد الصيني الرفيع أمس (أ.ف.ب) - جانب من العرض العسكري في بيونغ يانغ أمس (أ.ب)
كيم جونغ أون يرحّب برئيس الوفد الصيني الرفيع أمس (أ.ف.ب) - جانب من العرض العسكري في بيونغ يانغ أمس (أ.ب)

التزم الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون الحذر خلال العرض العسكري الذي عقدته بلاده أمس بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيسها، ووازن بين عرض للقوة لم يشمل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات تفاديا لاستفزاز سيول وواشنطن، كما أبدى اهتماماً خاصاً بضيفه الصيني تعبيراً عن امتنانه لدعم بكين.
بدوره، أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالعرض العسكري «الخالي من الصواريخ النووية». وقال في تغريدة على «تويتر»: «هذه رسالة قوية وإيجابية للغاية من جانب كوريا الشمالية»، مضيفاً: «شكراً لك أيها الزعيم كيم. لا شيء أفضل من حوار جيّد بين شخصين يقدّر أحدهما الآخر».
وشارك في العرض العسكري آلاف الجنود والمدفعية والدبابات، وحرص كيم على التركيز على صداقته مع الصين برفعه يد موفد الرئيس شي جينبينغ لتحية الحشد بعد العرض العسكري. وتحتفل كوريا الشمالية في التاسع من سبتمبر (أيلول) من كل سنة بتأسيس «جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية» في 1948. وكانت هذه الدولة الشيوعية وُلِدت من تقسيم شبه الجزيرة باتفاق بين واشنطن وموسكو في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.
وعادةً ما يشكِّل إحياء ذكرى الأحداث الكبرى محطات أساسية في جدول الأعمال السياسي لكوريا الشمالية. وهي تمثل فرصة لعرض آخر المعدات، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. لكن المبالغة في عرض العضلات كان يمكن أن يضرّ بالجهود الدبلوماسية الحالية بعد اللقاء بين كيم والرئيس الأميركي دونالد ترمب في سنغافورة في يونيو (حزيران)، وقبل ثالث قمة مع الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن في بيونغ يانغ المتوقعة في منتصف سبتمبر. وبعد 21 طلقة مدفعية، مرَّت عشرات من وحدات المشاة في ساحة كيم إيل سونغ، بعضها مزود بنظارات للرؤية الليلية أو بقاذفات صواريخ مضادة للدروع «آر بي جي»، أمام كيم جونغ أون حفيد مؤسس كوريا الشمالية والثالث الذي يحكم البلاد من أفراد هذه العائلة.
وقد جلس بالقرب منه على المنصة لي جانشو، أحد الأعضاء السبعة في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني. وشاركت في العرض عربات مصفحة لنقل الجنود وقاذفة صواريخ ودبابات، بينما رسمت طائرات حلّقت فوقها الرقم «70». كما حلّقت طائرات ينبعث منها دخان أحمر وأبيض وأزرق، وهي ألوان العلم الكوري الشمالي، فوق برج جوشي الذي أقيم لتخليد الفلسفة السياسية لكيم إيل سونغ.
وبعد ذلك، مرّت الصواريخ التي تشكل ذروة العروض تقليديا. لكن لم يعرض منها سوى صاروخي «كومسونغ - 3» العابر للقارات والمضاد للسفن، و«بونغاي - 5» وهو صاروخ أرض - جو. ولم يظهر أي من صواريخ «هواسونغ 14 و15» التي يمكن أن تبلغ أراضي الولايات المتحدة، وأدّى اختبارهما العام الماضي إلى تغيير المعطيات الاستراتيجية.
وقال تشاد أوكارول، مدير مجموعة «كوريا ريسك غروب»، لوكالة الصحافة الفرنسية إن الوضع يوحي «بأن الكوريين الشماليين حاولوا فعلا التخفيف من الطابع العسكري» للحدث. وأضاف: «ليست هناك صواريخ عابرة للقارات بعيدة المدى ولا متوسطة المدى، ولم يكن وجودها سيشكل نبأً سارّاً في هذه الأجواء التي تفرض التزام كوريا الشمالية نزع الأسلحة النووية في نهاية المطاف». وقال: «أعتقد أن ذلك سيلقى ترحيبا».
وبعد العرض العسكري، قام مدنيون بالمرور أمام المنصة. وهتفوا وهم يلوّحون بباقات زهور: «يعيش الزعيم».
وكان كيم جونغ أون أعلن في أبريل (نيسان) الماضي استكمال تطوير التسلح النووي للبلاد، وجعل من «البناء الاقتصادي الاشتراكي» الأولوية الاستراتيجية الأولى.
ووجّهت دعوات إلى عدد كبير من دول العالم، لكن وحده الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز قبل الدعوة. وفي المنصة الرئيسية جلس أيضاً النجم السينمائي الفرنسي جيرار دوبارديو.
وبعد مرور المدنيين، حيّا كيم والمسؤول الصيني الحشد، وقام الزعيم الكوري الشمالي برفع يد ضيفه الصيني. والصين هي الشريك التجاري والحليف الرئيسي لكوريا الشمالية. وبعد سنوات من الفتور بسبب التجارب الباليستية والنووية لكوريا الشمالية، تحسنت العلاقات بشكل كبير هذه السنة ما سمح لكيم بلقاء الرئيس الصيني ثلاث مرات في الصين. ولم تتحقق تكهنات بتوجه شي إلى كوريا الشمالية، وتعود آخر زيارة قام بها رئيس صيني إلى عام 2005. واعتبر أوكارول أن بيونغ يانغ تسعى إلى إبراز علاقتها مع بكين على ما يبدو. وأضاف أن «لهذا الأمر انعكاسات على المفاوضات بين واشنطن وبيونغ يانع بالتأكيد، لأن الصين تبقى طرفاً فاعلاً مهما جداً، ووجودها هنا بوفد على هذا المستوى الرفيع يهدف إلى تذكير الولايات المتحدة بذلك».
وتريد واشنطن «نزعاً نهائياً وقابلاً للتحقق للأسلحة النووية» لكوريا الشمالية التي تعهدت العمل على إخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي، وهو ما قد يخضع لتفسيرات كثيرة. وتراوح العملية مكانها منذ أسابيع، إذ يطالب الشمال سيول بإعلان رسمي بانتهاء الحرب بينهما، فيما رئيس كوريا الجنوبية مون عالق بين جاره المعزول وحليفه واشنطن. وقال أستاذ دراسات كوريا الشمالية في جامعة دونجاك بسيول: «يعتقد كيم دونغ أون على الأرجح أن الوقت الحالي ليس وقتا مناسبا لاستفزاز ترمب بشكل غير ضروري». وفي كلمته أمس، أشاد الرئيس الشرفي لكوريا الشمالية كيم يونغ نام بالبلاد وجيشها كـ«الأقوى في العالم»، دون أن يذكر الأسلحة النووية.
ورغم ذلك، فإن بيونغ يانغ لم تلغِ بعض المظاهر الاستفزازية في العرض العسكري؛ فقد حملت كثيراً من الدبابات والآليات في العرض شعارات كتب على مقدمتها «دمروا العدوان الأميركي الإمبريالي. العدو اللدود لشعب جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية».
على صعيد متصل، ذكر تلفزيون الصين المركزي أن الزعيم الكوري الشمالي أبلغ مبعوث شي أن كوريا الشمالية «متمسكة باتفاق نزع السلاح النووي الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة». وأضاف أن كيم أبلغ المبعوث الصيني أن بيونغ يانغ تأمل أن تلتزم الولايات المتحدة بالجانب الخاص بها من الاتفاق.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...