إعلاميو ليبيا يدفعون ثمن الفوضى

صحافة عمرها 150 عاماً تتعرض لـ«التغييب القسري»

مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)
مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)
TT

إعلاميو ليبيا يدفعون ثمن الفوضى

مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)
مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)

يدفع إعلاميو ليبيا ثمن الفوضى التي تضرب بلادهم منذ 2011، وتعرضت تجربة العمل الصحافي البالغ عمرها في هذا البلد نحو 150 عاماً، للتغييب القسري. فبعد رحيل نظام معمر القذافي، ظهر المئات من الشبان المتحمسين لخوض مرحلة إعلامية جديدة، وطي صفحة «البوق الواحد» في الإعلام التي اتسم بها العهد السابق، لكن، ومنذ عام 2012، تعرضت وسائل الإعلام الجديدة لموجة كراهية أدت إلى تشريد عشرات الصحافيين، ما بين القتل والاختفاء والهجرة للخارج.
ولم يتوقف البحث عن المدون الليبي عبد المعز بانون، في عموم البلاد. واختفى بشكل مفاجئ في العاصمة طرابلس قبل نحو عامين، ليوضع اسمه مع قائمة طويلة من أسماء إعلاميين تم قتلهم أو تغييبهم قسراً منذ اندلاع الانتفاضة المسلحة قبل نحو سبع سنوات.
يقول الإعلامي فرج غزالي، الذي يعمل في قناة «ليبيا اليوم»، وهي من قنوات القطاع الخاص: «لم يعد في الإمكان العمل من داخل البلاد. هذا أمر أصبح محفوفاً بالمخاطر. تعرض كثير من أصدقائي وزملائي إما للقتل وإما للاختطاف. هناك زملاء نبحث عنهم منذ سنوات دون أن نعرف إلى أين انتهى مصيرهم، ومن هؤلاء يوسف الدعيكي، وعبد المعز بانون».
والدعيكي مفقود، مع عشرات الإعلاميين الآخرين منذ 2011. وكان في السابق يعمل في إذاعة مدينة «بني وليد» المحلية. وتقع المدينة قرب طرابلس. وظلت إذاعتها، مع إذاعة مدينة «سرت» المجاورة لها، تواصلان البث وتذيعان مواد إعلامية رافضة لتدخل حلف الناتو في ليبيا.
قلبت أحداث ما يعرف بـ«الربيع العربي»، كل شيء رأساً على عقب. في البداية كان الشبان الليبيون يتطلعون إلى مرحلة إعلامية جديدة. فمع بداية عام 2012 جرى إصلاح ماكينات طباعة الصحف واستيراد أخرى، وانتشار صحف «التابلويد»، مع إعادة تشغيل الإذاعات المسموعة والمرئية، وتحديث الاستوديوهات، وخوض دورات تدريبية، والعمل بحرية أكبر، بيد أن هذا كله انتهى مع توغل الميليشيات وسيطرتها على مقاليد الدولة.
ثم دخلت على المشهد مجاميع متطرفة أكثر دموية، منذ عام 2014، مثل تنظيم «داعش»، ليتحول الإعلاميون، سواء من الليبيين أو الأجانب، لهدف مستباح من الجميع، ما أقلق المجتمع المحلي والدولي. وأصدر «المركز الليبي لحرية الصحافة»، و«منظمة مراسلون بلا حدود»، صفارة إنذار مشتركة ضد تصاعد الانتهاكات بحق الصحافيين.
حتى بالنسبة إلى الإذاعات المحلية الكثيرة المنتشرة في المدن الليبية، اكتفت بالاهتمام بالشأن المحلي، ومحاولة عدم المساس بخطوط معينة، خصوصاً في غرب البلاد، حيث تقع السلطة الفعلية في يد المسلحين. ويوضح الإعلامي الليبي، عبد العزيز الرواف: «نستطيع أن نقول، بكل ووضح، إن ليبيا حالياً من دون صحافة سواء رسمية أو خاصة».
ويقدر الغزالي عدد الإعلاميين الليبيين المشهورين، ممن اختاروا العمل انطلاقاً من قنوات ليبية لها مكاتب في القاهرة، بين 30 و40 صحافياً وإعلامياً. إلا أن المركز الليبي لحرية الصحافة يقول إن عدد الصحافيين الذين اختاروا الفرار من جحيم الاعتداءات، إلى المنافي، يصل إلى نحو 83 حالة منذ سنة 2014.
ويبدو أن أمل العودة للعمل من داخل ليبيا ما زال بعيداً، فقد قامت مجموعة من الإعلاميين الليبيين بتأسيس رابطة لهم في مصر الأسبوع الماضي، بهدف توحيد الجهود لوضع خطط ورؤى إعلامية وإنشاء آليات ووسائل تقنية تشكّل قاعدة بيانات انسيابية بين الإعلاميين. كما نقل إعلاميون آخرون عائلاتهم إلى مقرات أعمالهم الجديدة في المنافي.
وتستطيع اليوم أن تتأسى لحال الصحافة والإعلام في ليبيا، فقد مرّت التجربة طوال قرن ونصف القرن بعدة محطات ناجحة، أعقبتها انتكاسات كبيرة. ويقول الإعلامي الليبي عبد العزيز الرواف: «من يريد أن يتحدث عن الصحافة في ليبيا، يجب أن يتطرق إلى أكثر من فترة». ويضيف أن «الفترة الأولى كانت مع بداية ظهور الصحافة في ليبيا، وهي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما كانت ليبيا ولاية عثمانية. وشهدت هذه الفترة صدور صحيفة (طرابلس الغرب) عام 1866، وصحيفة (الترقي) عام 1897».
أما الفترة الثانية، فبدأت مع الاستعمار الإيطالي لليبيا، حيث ظهرت وقتذاك صحف حاولت أن تدعم جهود الليبيين في التخلص من الاستعمار، منها مجلة «ليبيا المصورة» عام 1935. أما الفترة الثالثة فهي مرحلة الاستقرار والنهضة الإعلامية للصحافة الليبية. واستمرت هذه الفترة نحو 17 عاماً من حكم الملك إدريس السنوسي. ويقول الرواف: «في فترة حكم الملك هذه، غاب مقص الرقيب بشكل كبير، وجرى إطلاق العنان لحرية الفكر والإبداع، حيث وصل عدد المطبوعات الليبية في تلك السنوات إلى أكثر من 35 صحيفة ومجلة يومية وأسبوعية».
وبعد ذلك جاء حكم القذافي في سنة 1969. ويصف الرواف هذه الفترة بأنها فترة كساد للصحافة الليبية، فلم توجد بها أي صحيفة خاصة، بل كلها مملوكة للدولة ومؤدلجة بالفكر السياسي، ومؤيدة لنمط الحكم على طول الخط، ولم تعد توجد على الساحة سوى بضعة صحف فقيرة المحتوى... ومع هذا نذكر أنه بداية من عام 2007 ظهرت محاولات مع تيار ليبيا الغد لنشر صحف ومطبوعات تتمتع بهامش ما للحرية، غير أنها سرعان ما اختفت من ساحة الإعلام الليبي.
وفي ما يتعلق بمرحلة ما بعد 2011، يوضح الرواف قائلاً: «نستطيع أن نقول إنه حدثت فيها طفرة مطبوعات وإذاعات وقنوات خاصة ملأت الفضاء الليبي، حتى إن الصحف وصلت إلى 100 صحيفة يومية وأسبوعية، غير أن هذه الطفرة بدأت في التلاشي منذ عام 2013، حين بدأت قبضة الإرهاب بالتغول في المشهد الليبي، واختفت كل هذه الصحف والمطبوعات، ولجأت قلة من الصحافيين إلى النشر الإلكتروني من خلال مواقع إخبارية ليبية، أغلبها من خارج ليبيا».
ومن بين الصحف الورقية اليومية التي كانت تصدر في عهد القذافي: «الزحف الأخضر»، و«الشمس» و«الجماهيرية»... وجرى بعد 2011 استخدام المطابع والبنية التحتية لكل هذه الصحف في استحداث تجارب جديدة، لكنّ هذا لم يستمر. ويقول الغزالي: «لم يعد في الإمكان إصدار صحف ورقية من داخل ليبيا. يتم التنكيل بك والقبض عليك فوراً. الصحافي مطارد أكثر من أي أحد آخر. حتى بالنسبة إلى من تحولوا للتدوين على مواقع الإنترنت... إذا كتبت باسمك الحقيقي أي انتقادات يتم القبض عليك أو تغييبك. أي شخص يهاجم الميليشيات ضروري يتم اعتقاله أو تغييبه».
وتراجعت ليبيا في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2018 إلى المركز 162 من أصل 180 بلداً، وفقاً لما ذكره «المركز الليبي لحرية الصحافة»، قائلاً أيضاً إنه جرى تسجيل 46 اعتداءً جسيماً بحق الصحافيين في 2017 في 16 مدينة، وهو «رقم يمثل جزءاً قليلاً من الاعتداءات والجرائم التي يعيشها الصحافيون بشكل يومي». ويضيف أن حوادث العنف ضد الصحافيين تتم بدوافع سياسية في أغلبها، بالإضافة إلى فرض القيود على الوصول للمعلومات والضغوط المتزايدة في غرف الأخبار.
- أبرز القنوات التلفزيونية الليبية
تمتلك حكومة الوفاق المدعومة دولياً، قناتين تلفزيونيتين، هما «الوطنية» و«الرسمية»، ولهما مكاتب في غرب ليبيا.
وهناك قناة «النبأ» المملوكة لقيادي في الجماعة الليبية المقاتلة، المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالإضافة إلى قناة «التناصح» التي تتبع دار الإفتاء الليبية، ومتهمة ببث خطاب يدعو للكراهية والعنف.
وتبث كل من «النبأ» و«التناصح» من خارج ليبيا، مثلهما مثل قنوات «ليبيا 24»، و«ليبيا الأحرار»، و«الوطن»، و«قناة 218» العادية، و«218 نيوز»، و«قناة ليبيا روحها الوطن». وكلها تتبع القطاع الخاص.
أما في شرق ليبيا، حيث توجد مقرات للحكومة المؤقتة المنافسة لحكومة الوفاق، فتوجد قناتان، واحدة موالية للجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر، وتحمل اسم «ليبيا الحدث»، وتبث من بنغازي، وأخرى تتلقى الدعم من الحكومة المؤقتة بمدينة البيضاء، اسمها «قناة ليبيا»، لكنها ضعيفة، لأسباب تتعلق بالموارد المالية. وثالثة تحمل اسم «المستقبل» موالية للبرلمان الذي يعقد جلساته في بلدة طبرق. ومن الطريف أن قناة الدولة الرسمية في عهد القذافي، المعروفة باسم «الجماهيرية»، ما زالت تعمل، لكن من خارج ليبيا، وتبث برامج وأخباراً ودعاية مؤيدة للنظام السابق.
وعلى العموم ظهر منذ عام 2011 العديد من المسميات الإعلامية واختفت، لأسباب سياسية أو مالية. فإحدى أشهر القنوات التي كانت تبث من مدينة بني وليد، في الفترة من 2012 إلى 2015، ومؤيدة للنظام السابق، من داخل ليبيا، أغلقت أبوابها بعد أن عجزت عن سداد رواتب العاملين فيها. بينما تعرضت قنوات أخرى في طرابلس للضرب بالقذائف الصاروخية، بسبب معارضتها لحكم الميليشيات.
إذاعة «سرت»...
- من القذافي إلى «داعش»
في أيامه الأخيرة اعتمد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي على إذاعة «سرت» المحلية في إدارة المعركة، قبل أن يتعرض موكبه للقصف. وتوجد تسجيلات نادرة في أرشيف تابع لأنصار الرئيس الليبي السابق، يظهر فيها صوته وهو يوجه نداءات لمقاتلين موالين له يتمركزون حول مقر إقامته في المدينة.
وفي أحد التسجيلات كان يحث المقاتلين على عدم هدر الذخيرة، للصمود أطول فترة ممكنة أمام الحصار الذي ضربه من حوله المنتفضون المسلحون المدعومون من الناتو.
ومن المواقف المثيرة للانتباه أن إذاعة «سرت» على سبيل المثال ورثها، لبعض الوقت، تنظيم «داعش» حين احتل المدينة في عامي 2015 و2016. وحوّلها إلى منبر دعائي لمنظّريه القادمين من مكتب زعيم التنظيم بالعراق أبو بكر البغدادي. وكان من ضيوف الإذاعة الدائمين، تركي البنعلي، القاضي الشرعي العام لدى «داعش».



استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.