صفقات احتكارية تهدد تنافسية الإعلام المصري الخاص

تردّي معايير البرامج الحوارية وسط فوضى مستمرة منذ الثورة

وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»
وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»
TT

صفقات احتكارية تهدد تنافسية الإعلام المصري الخاص

وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»
وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»

بات المشهد الإعلامي في مصر يحمل شكلاً جديداً يرسم معه خريطة مستقبل القنوات الفضائية الخاصة، فبعد سنوات ثبات ملامح القنوات الفضائية الخاصة المملوكة لرجال أعمال، جرت أخيراً تغييرات متلاحقة للإدارات والوجوه الإعلامية، وإطلاق قنوات جديدة، وإغلاق أخرى، وظهور مذيعين واختفاء آخرين، بلا أسباب واضحة.
ومؤخراً استحوذت مجموعة «إعلام المصريين»، المملوكة لشركة «إيغل كابيتال للاستثمارات» على مجموعة «فيوتشر ميديا» المالكة لشبكة قنوات CBC، ورغم عدم إصدار بيان رسمي عن الصفقة؛ فإن العاملين بالقناة أكدوا لـ«الشرق الأوسط»، أن رجل الأعمال المصري محمد الأمين، باع أسهمه بالكامل لـ«إعلام المصريين».
وبموجب الصفقة تضاف شبكة قنوات CBC، إلى ممتلكات شركة «إعلام المصريين» التي يرأس مجلس إدارتها تامر مرسي، وتتضمن شبكتي قنوات «أون»، و«الحياة»، و«راديو النيل»، وصحيفة «اليوم السابع»، وتم تعيين ياسر سليم، نائباً لرئيس مجلس إدارة الشركة.
كانت «إعلام المصريين» مملوكة لرجل الأعمال المصري أحمد أبو هشيمة، قبل أن تستحوذ «إيغل كابيتال» برئاسة وزيرة الاستثمار السابقة داليا خورشيد، على أسهمه في نهاية عام 2017.
وبالتزامن مع الصفقة بدأت شركة «دي ميديا» المالكة لمجوعة قنوات DMC، ويرأس مجلس إدارتها رجل الأعمال طارق إسماعيل، التفاوض للحصول على الوكالة الإعلانية الخاصة بشبكة قنوات CBC. و«دي ميديا» تمتلك الوكالة الإعلانية لشبكة قنوات DMC، والحياة، وONTV، مما يعني أن جميع الفضائيات الآن تتبع إدارة واحدة، على الأقل اقتصادياً.
وتظل شبكة قنوات النهار، المملوكة لعلاء الكحكي، بعيدة عن هذه الصفقات، رغم أنها كانت مطروحة في فترات سابقة. وتفسر مصادر من داخل الشبكة ذلك بأنها «شبكة مستقرة قائمة على فكر تجاري وإعلاني»، وإن كان هذا «لا يعني أنها لا تواجه أزمات مالية في ظل انكماش الكعكة الإعلانية».
وترى مصادر أخرى أنه «في ظل الخريطة الجديدة للإعلام، فإن (النهار) ستكون مضطرة إلى الاندماج في إحدى الشبكات الأخرى أو الخروج من السوق الإعلامية».
لكن في النهاية فإن مراقبين للسوق الإعلامية يرون أن «الإعلام سيعاني أزمة أكبر في الفترة المقبلة، في ظل انعدام التنافسية نتيجة سيطرة جهة واحدة عليه، وهذا سيؤدي إلى انخفاض حصته في سوق الإعلانات لصالح المنافس الوحيد على الأرض وهي قناة (MBC مصر)».
ويرى محمد السيد صالح، رئيس تحرير صحيفة «المصري اليوم» السابق، أن «ما يحدث يعتبر مجموعة خطوات للخلف»، موضحاً أنه «لا توجد خطة واضحة، وتم إنفاق المليارات من جانب أجهزة في مصر لشراء قنوات وإنشاء أخرى، ثم أغلقت». وقال صالح لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك حالة من التخبط ناتجة عن فقدان الخبرة والرؤية»، مشيراً إلى أن «وجود قنوات متنوعة كان يمنح مساحة لتراكم الخبرات الإعلامية وتنوعها»، معتبراً ما يحدث من إغلاق للقنوات وإيقاف لمذيعين بمثابة «تجفيف للأصوات الإعلامية سيكون له آثار سلبية على المشهد الإعلامي».
ونتيجة لاندماج شبكة ON مع شبكة قنوات DMC، أعلنت شركة «إعلام المصريين» في نهاية يوليو (تموز) الماضي إغلاق قناة ON live، وتسريح عدد كبير من العاملين فيها، واستبدال قناة On sport 2 بها، بالتزامن مع إغلاق قناة DMC SPORT، واستقالة الإعلامية منال الدفتار من رئاسة قناة DMC news. ووفقاً للمصادر، فإن السيناريو المقترح حالياً هو تقسيم القنوات والشبكات لتهتم واحدة بالترفيه وواحدة بالرياضة وواحدة بالمنوعات، حيث ترددت أنباء عن احتمال إغلاق قناة «إكسترا نيوز»، أو دمجها في قناة DMC news، وهي القناة التي لم تظهر حتى الآن، رغم مرور عامين على الإعلان عنها.
وتزامن إغلاق قناة On live مع إيقاف برامج على قناة «العاصمة»، المملوكة أيضاً لشركة «إعلام المصريين»، وحمّل الفنان والإعلامي تامر عبد المنعم، مسؤولية توقف برامج قناتَي «الحياة» و«العاصمة» لرئيس مجلس إدارة القناتين ياسر سليم، وقال في فيديو بثه على حسابه الشخصي على «فيسبوك»، إن «ياسر سليم يبرر قراراته بأنها أوامر من جهات معينة، ونحن تعاملنا مع هذه الجهات، ولم نر منها مثل هذه التصرفات».
وانتقد الدكتور محمد المرسي، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إغلاق قنوات مهمة تسعى لرفع الوعي، والإبقاء على قنوات أخرى، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «إغلاق قنوات مهمة تسعى لزيادة نسبة الوعي هي خطوة للخلف، وتراجع في مجال الإعلام الإخباري»، متسائلاً: «كيف يتم إغلاق قناة صُنفت بأنها القناة الإخبارية رقم واحد في مصر، لصالح قناة رياضية؟»، مؤكداً أن «هناك أمراً غير واضح في فكر القيادات الإعلامية، وعلامات استفهام حول التكتلات الإعلامية الجديدة ورأس المال، وتسريح العاملين».
من جانبه، قال الدكتور محمد سعيد محفوظ، الذي ترأس تحرير قناة ON live في فترة سابقة لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف لم يراعِ أحد الجانب النفسي للصحافيين والإعلاميين». وتابع: «لمصلحة مَن يتم ذلك، ولمصلحة مَن نطرد الأكفاء، لتستقطبهم قنوات معادية تعمل ضد مصلحة الوطن، ونحن في حرب أساسها الوعي والفكر؟»، معتبراً ما حدث في «أون لايف» خطوة للوراء وإهداراً لكنز إعلامي.
ويكتنف الغموض مصير بعض الإعلاميين بعد إيقاف برامجهم، حيث توقف برنامج الإعلامي عمرو أديب على قناة ON في أبريل (نيسان) الماضي، وبعد أخبار وشائعات كثيرة، وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد. وتوقف برنامج الإعلامي إبراهيم عيسى على قناة ON E مع غيره من البرامج التي أصدرت شركة «إعلام المصريين» قراراً بإيقافها في مايو (أيار) الماضي.
ومن بينها برنامج «نقطة تماس» للإعلامي يوسف الحسيني، الذي كان يُبث على قناة ON Live، وبرنامج «بين السطور» للإعلامية أماني الخياط، إضافة إلى إيقاف الإعلامية لبنى عسل، والإعلامي الدكتور معتز بالله عبد الفتاح، وبرنامج «الحياة اليوم» الذي كان يقدمه الإعلامي تامر أمين، لتبدأ شركة «إعلام المصريين» الإعلان عن تعاقدها مع توفيق عكاشة لمدة 3 سنوات، لتقديم برنامج على قناة «الحياة»، ونقل لبنى عسل وخالد أبو بكر أيضاً إلى قناة «الحياة» عبر عقد لمدة 3 سنوات لتقديم برنامج «الحياة اليوم»... كما تعاقدت مع الإعلامي جورج قرداحي لتقديم برنامج على قناة ON E. بينما بدأت قناة DMC في إطلاق برامج جديدة معتمدة على وجوه شابة، واختفى عدد من الإعلاميين بينهم وائل الإبراشي وخيري رمضان دون معلومات عن وجهتهم المقبلة.
ولا يُعرف حتى الآن مصير الإعلامية لميس الحديدي، التي كان من المنتظر أن يعود برنامجها «هنا العاصمة» على قناة CBC مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري، لكنها لم تظهر على الشاشة، رغم إذاعة القناة «برومو» البرنامج، وإعلان الحديدي نفسها عن عودتها. ووفقاً لمصادر داخل القناة، فإن «الحديدي فوجئت بتوقف البرنامج بعد وصولها إلى الاستوديو». وترددت أنباء بأن هناك مفاوضات مع الحديدي لضمها إلى قناة ON TV، وهو ما أغضب محمد الأمين مالك ومؤسس قنوات CBC، وربما يكون سبباً في قبوله بيع القناة.
الكاتب الصحافي محمد أمين، كتب سلسلة مقالات عن أزمة الإعلام، تحت عنوان «جناة على الإعلام»، وقال: «أصبح الإعلاميون في حالة اكتئاب، وتغيرت الملكيات في عدة شهور أكثر من مرة من شركة إلى أخرى، كما تغير المحتوى سلبياً وتراجع التأثير، بالإضافة إلى تحكم في الإعلام مَن لا يفهم فيه»، متسائلاً: «ألا يضر ذلك مصر؟».
وفي مقال تحت عنوان «البحث عن الجناة»، قال أمين، إن «مصر ليس فيها إعلام بمعنى الكلمة»، مضيفاً: «نعيش سقوط دولة الإعلام، والاستحواذ على القنوات وبيعها، ونلعب بالهواة... من يحفظ لمصر قوتها الناعمة من الفوضى؟».
ويرى المرسي، أن الأزمة «ليس وليدة اللحظة»، ويقول إن «الإعلام المصري يعاني أزمة منذ مدة طويلة؛ لكنها تفاقمت أخيراً فيما بعد أحداث ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، خصوصاً بالنسبة إلى برامج الـ(توك شو)»، واصفاً الوضع بأنه «حالة من الفوضى التي تسمح لأي شخص بالظهور على شاشات الفضائيات، والحديث في أي موضوع دون أي محاسبة أو رقابة».
ولم تفلح الهيئات الإعلامية والصحافية التي تم تشكيلها قبل نحو عام من الآن في إنهاء حالة الفوضى أو الأزمة التي يعاني منها الإعلام، ويقول محمد المرسي، إنه «رغم وجود الهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، والمجلس الأعلى للإعلام، فإن حالة الفوضى الإعلامية ما زالت مستمرة».
بينما أرجع محفوظ، الذي يرأس مؤسسة «ميديا توبيا»، (مؤسسة مهتمة بتدريب الإعلاميين الشباب)، مشكلة الإعلام إلى «غياب الرؤية»، وقال إنه «لا توجد رؤية شاملة للإعلام تقودها الدولة ويدعمها الإعلاميون وتنفذها تنظيمات مؤسسية، يديرها أشخاص أكفاء، ولم يضع أحد خطة للإعلام، وما الذي تحتاج إليه الدولة منه»، متسائلاً: «كيف يمكن لإعلام كسيح أن يساعد في تحقيق أهداف الدولة؟».
ورفض محفوظ ربط أزمة الإعلام بالملكية والاحتكار، وقال: «هذه النقطة ربما تكون رقم 10 في أسباب الأزمة، فالأمر يحتاج إلى رؤية وخطة واضحة أولاً قبل الحديث عن الملكية، وأن يكون هناك دعم للأكفاء بدلاً من إحباطهم وإرسالهم إلى منازلهم»، وأضاف: «للأسف هناك إدارة غير رشيدة للمشهد الإعلامي، ومن يتولون الأمر الآن يدخلونه باعتباره مشروعاً خاسراً وليس مشروعاً استثمارياً يمكن أن ينجح».
في المقابل، يظل الإعلام الرسمي للدولة سواء اتحاد الإذاعة والتلفزيون «ماسبيرو» أو الصحف القومية بعيداً عن تلك الخريطة الجديدة، ويقول المرسي في هذا الصدد، إن «أزمات الإعلام الرسمي معروفة، وتتلخص في المديونيات، والإدارة وتطوير المضمون»، إضافة إلى «الصورة الذهنية التي ترسخت عند المواطن على مدار سنوات، بأن هذا النوع من الإعلام لا يقدم جديداً ولا يقدم الصورة الحقيقية».



الخوف الذي تعلَّم الرقص: الوجه الإنساني لمايكل جاكسون

كلّ شيء في مكانه... ما عدا الداخل (IMDB)
كلّ شيء في مكانه... ما عدا الداخل (IMDB)
TT

الخوف الذي تعلَّم الرقص: الوجه الإنساني لمايكل جاكسون

كلّ شيء في مكانه... ما عدا الداخل (IMDB)
كلّ شيء في مكانه... ما عدا الداخل (IMDB)

يَعرض «مايكل» لأنطوان فوكوا وبطولة جعفر جاكسون، في «متروبوليس» والصالات التجارية اللبنانية، سيرةَ مايكل جاكسون من مقاربة إنسانية موجعة تُحاكي طفلاً دُفِع باكراً إلى المسرح قبل أن يعرف معنى الطفولة. يتناول الفيلم مايكل بعيداً عن صورة النجم المُكتمل، ويُقدّمه مُثقَلاً بالخوف الذي سبق أن شكَّله قبل أن تُعيد الشهرة صياغته.

طفل فقير من أميركا السوداء، خرج من بيت ضيّق إلى مسارح واسعة، وانتقل تحت وَقْع سُلطة الأب إلى قبضة الجمهور، حاملاً في عينيه قلقاً عميقاً لا تفلته الكاميرا.

بين نظرة خائفة وخطوة واثقة... يولد نجمٌ لا ينجو من نفسه (IMDB)

يعود الفيلم إلى الجرح الأول عبر تصوير علاقة مشدودة بأب صارم، يتحوَّل فيها الحزام إلى أثر في الذاكرة، وتترسَّخ تربية ترى العالم ساحة قاسية لا مكان فيها للضعفاء. خلف هذه الصرامة، يتكوَّن خوفٌ عميق من الهزيمة داخل مجتمع أبيض شديد الحدَّة. خوفٌ يدفع الأب إلى حماية أبنائه بأساليب ضاغطة، فتصبح الحماية انضباطاً قسرياً والطموح حالة استنفار مستمرّة. عند هذه النقطة، يبدو الضرب لغة مبكرة يتعلَّم عبرها الطفل أنّ جسده ليس ملكه بالكامل، والحبّ قد يأتي مشروطاً بالربح والتصفيق.

أثر «جاكسون 5» في داخل مايكل يتجاوز فكرة الفرقة. كان الاسم الجماعي يبتلع الاسم الفردي. لم يكن مايكل جاكسون وحده. كان جزءاً من كتلة عائلية، من مشروع أكبر منه، وصوت يُطالب دائماً أن يلمع كي ينجو الجميع. الانغماس داخل العائلة صَقَل موهبة مذهلة، ودفع في المقابل ثمناً نفسياً باهظاً، فتأخَّرت ولادة الذات. يتلاشى تعريف الطفل حين لا يُسمَح له بأن يُخطئ وحده، ويُختزل إلى صورة مفروضة عليه، فيُصفَّق له حين يكون معجزة، ويُحاسَب في البيت لأنه عامل صغير في مصنع عائلي.

طفولة مؤجَّلة تمشي على خشبة العالم (IMDB)

ينجح جعفر جاكسون في التقاط ما وراء الحركة والصوت. قوته الحقيقية في النظرات الخائفة قبل محاكاة الرقص. عيناه تحملان حذراً دائماً، كأنهما تستأذنان العالم قبل كلّ خطوة. حتى حين يبتسم، تبقى في الوجه بقايا طفل ينتظر العقاب. ومن خلاله، يُقدّم الفيلم مايكل إنساناً يؤجّل المواجهة لأنه لم يتدرَّب عليها. لذلك تبدو رغبته في الانفصال عن سُلطة الأب عبر محامٍ دليلاً نفسياً على تعثّره في مخاطبة المصدر الأول للخوف. احتاج إلى وسيط ليُعبّر عمّا لم يجرؤ على قوله مباشرة. أن يكون ذاته.

تحت هذه النار وُلد الفنّ. فالأغنيات في الفيلم مسارب يفتحها الجرح ليجد طريقه إلى الخارج. الإيقاع طريقة للهرب والصوت محاولة للسيطرة على ألم قديم. لم يُرمِّم الفنّ طفولة مايكل، لكنه منحها شكلاً يمكن للجمهور أن يُصفِّق له. كلّ أغنية انبثقت من عمق مُعلَّق بين الذاكرة والخوف. بين الحاجة إلى الحبّ والرغبة في التحرُّر من شروطه.

كلّما اقترب الضوء اتّسعت المسافة إلى الداخل (IMDB)

يلتقط الفيلم مشهد بكائه في السيارة بكثافة. يُخبّئ مايكل الدمع خلف نظارات شمسية بينما ينتظره مُعجَبون في الخارج. يَعبُر أمامهم مبتسماً كأنه في أسعد لحظاته، ثم تُتابع السيارة طريقها وسط مساحات شاسعة. تبدو اللقطة كأنها تقول إنّ الحرّية بدأت تتحرّك لكنّ طريقها ليس مُمهَّداً. الحريَّة على شكل اصطدام موجع مع العائلة والابتزاز العاطفي. ومع سردية التضحيات التي تجعل نجاحه خبزاً يومياً للجميع، بينما تبدو نجاته الفردية كأنها خروج عن هذا التوازن.

وتكشف علاقة مايكل بالحيوانات جانباً آخر من طفولته المؤجَّلة. القرد والزرافة والأفعى، بدائل رمزية عن أصدقاء لم يحظَ بهم. حين لا يلتقي الطفل أطفالاً حقيقيين في طفولته، يبحث عن كائنات لا تطلب منه أداءً ولا تُحاسبه على نغمة. في الحيوانات يجد علاقة أقلّ قسوة من البشر، وفي الأطفال المرضى الذين يزورهم في المستشفيات يلمح انكساراً يعكس ما في داخله، فتُترجم مبادرته تمويل مركز الحروق وقربه الحنون من الصغار، وعياً عميقاً بالألم الجسدي والنفسي.

يُحسن أداء الدور ويؤجّل ما لا يُؤدَّى (IMDB)

إنما الصورة تظلُّ ناقصة على هذا النحو. فالفيلم يختار مايكل الجريح والرحيم والمُحاصَر، ويترك خارج إطاره أسئلة شائكة تتعلَّق بالاتهامات اللاحقة التي طاردته. ربما لا يجوز أن تُستَخدم الطفولة المُعذَّبة مثل صكّ براءة كامل، ولا أن تُختصر شخصية معقَّدة في الاتهام وحده. فالاكتفاء بهذه الزاوية يُحوَّل الإنسان إلى ملفّ قضائي ويطمس شبكة العوامل النفسية والاجتماعية التي شكَّلت مساره. القراءة الأكثر إنصافاً تقتضي النظر إلى الجرح الذي أنجب حساسية مفرطة، وإلى الظلال التي لا يُضيئها الفيلم، من دون إنكار أيّ منهما أو تبرير الآخر. لكنَّ العمل اختار المرور بمحاذاة التناقُض بين الحسّ الإنساني العالي واتهامات تتحدَّث عن أذى موجَّه إلى قاصرين، تاركاً نفسه مُعلّقاً بين تجنُّب المواجهة والانحياز نحو حماية صورة النجم.

أجمل ما في «مايكل» أنه يفتح باب التعاطف، وأضعف ما فيه أنه يُغلق أبواباً أخرى قبل أن يواجهها. يلامس منطقة الألم ويحاول فَهْم الإنسان، ليُظهر اختباء الخوف وراء الأسطورة، وطفولةً لم تكتمل داخل رجل هزَّ العالم.


الأكاديمية الأميركية تمنع ترشّح الممثلين المُولَّدين بالذكاء الاصطناعي لجوائز الأوسكار

تمثال أوسكار معروض في متحف الأكاديمية في لوس أنجليس (د.ب.أ)
تمثال أوسكار معروض في متحف الأكاديمية في لوس أنجليس (د.ب.أ)
TT

الأكاديمية الأميركية تمنع ترشّح الممثلين المُولَّدين بالذكاء الاصطناعي لجوائز الأوسكار

تمثال أوسكار معروض في متحف الأكاديمية في لوس أنجليس (د.ب.أ)
تمثال أوسكار معروض في متحف الأكاديمية في لوس أنجليس (د.ب.أ)

أعلنت أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية الأميركية، أمس الجمعة، أن الممثلين الذين يتم توليدهم بواسطة الذكاء الاصطناعي مستبعدون من الترشح لجائزة الأوسكار، وذلك في إطار حملة للحد من استخدام هذه التقنية في السينما، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشمل القواعد الجديدة أن يكون الممثل إنساناً حقيقياً، وليس نسخة مولدة بالذكاء الاصطناعي، كي يصبح مؤهلاً لنيل أرفع جوائز عالم السينما، كما تشترط أن تكون السيناريوهات من تأليف شخص حقيقي، وليس برنامجاً آلياً.

وقالت الأكاديمية: «في فئة التمثيل، لن تُقبل إلا الأدوار المذكورة في قائمة الممثلين الرسمية للفيلم، والتي تم إثبات أن ممثلين حقيقيين أدوها بموافقتهم».

وأضافت: «في فئات الكتابة، تنص القواعد على أن تكون السيناريوهات من تأليف بشري لتكون مؤهلة».

ويأتي هذا القرار بعد أيام من الكشف عن نسخة مولدة بالذكاء الاصطناعي للممثل الراحل فال كيلمر أمام عدد من أصحاب دور العرض، وذلك بعد مرور عام على وفاة نجم «توب غان».

وظهرت نسخة رقمية شابة من كيلمر في الإعلان الترويجي لفيلم الحركة As Deep as the Grave.

وأُنجز هذا المشروع بدعم من عائلة كيلمر التي كانت متحمسة، وسمحت باستخدام أرشيفه المصور الذي استُخدم لإعادة تجسيده على الشاشة في مراحل مختلفة من حياته.

ولا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي من أكثر القضايا حساسية في صناعة الترفيه، وكان محور إضرابات عام 2023 شلت هوليوود، حيث حذر ممثلون وكُتّاب من أن التكنولوجيا غير الخاضعة للرقابة تهدد مصدر رزقهم.

وتشمل التحديثات الأخرى لقواعد الأكاديمية تغييراً في طريقة ترشيح الأفلام لجائزة أفضل فيلم أجنبي.

وحتى هذا العام، كان يُسمح فقط للأفلام التي ترشحها هيئة وطنية رسمية بالمنافسة، وهو ما كان يمثل مشكلة لأي فيلم نقدي أُنتج في دولة استبدادية.

فعلى سبيل المثال، تم ترشيح فيلم It Was Just an Accident للمخرج الإيراني جعفر بناهي في وقت سابق من هذا العام على أنه يمثل فرنسا التي قدمته.

وبموجب القواعد الجديدة، يمكن ترشيح فيلم ناطق بغير الإنجليزية في فئة الأفلام الدولية إذا كان قد فاز سابقاً بجائزة في مهرجان سينمائي دولي كبير، مثل كان، وبرلين، وبوسان، والبندقية، وتورونتو.

وفي هذه الفئة، يُعتبر الفيلم هو المرشح، وليس الدولة، ويُحفر اسم مخرجه بعد عنوان الفيلم على اللوحة الصغيرة التي تلصق بتمثال الأوسكار، إلى جانب اسم الدولة إن وُجدت، وفق ما أعلنت الأكاديمية.


مصر لتعزيز السياحة في القاهرة التاريخية وصحراء المماليك

القاهرة التاريخية ضمن مواقع التراث العالمي (وزارة السياحة والآثار)
القاهرة التاريخية ضمن مواقع التراث العالمي (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر لتعزيز السياحة في القاهرة التاريخية وصحراء المماليك

القاهرة التاريخية ضمن مواقع التراث العالمي (وزارة السياحة والآثار)
القاهرة التاريخية ضمن مواقع التراث العالمي (وزارة السياحة والآثار)

تسعى مصر إلى تعزيز التجربة السياحية في القاهرة التاريخية عبر خطوات وإجراءات عدَّة، من بينها ترميم مسارات الزيارة وتطويرها لهذه المنطقة المفتوحة، التي تشمل القاهرة الفاطمية، وصحراء المماليك، والفسطاط، وهو ما تناوله لقاء وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، مع القائم بأعمال السفير الأميركي بالقاهرة روبرت سيلفرمان لتعزيز التعاون في مجالي السياحة والآثار.

تناول اللقاء استعراضاً لأعداد الحركة السياحية الوافدة إلى مصر من الولايات المتحدة، وسبل دعمها وتنميتها، لا سيما في ضوء ما يشهده المقصد السياحي المصري من تنوع في المنتجات والأنماط السياحية المختلفة وتطورها.

وبثَّ الجانبان توقيت افتتاح مشروع ترميم قبة السلطان قايتباي بصحراء المماليك في القاهرة التاريخية، الذي تم الانتهاء منه وتنفيذه بالتعاون بين المجلس الأعلى للآثار والسفارة الأميركية بالقاهرة، ويُعد هذا المشروع نموذجاً للتعاون الدولي في مجال الحفاظ على التراث الحضاري وصون المواقع الأثرية ذات القيمة التاريخية المتميزة، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

وبحث وزير السياحة مع القائم بأعمال السفير الأميركي فرص التعاون في تنفيذ عدد من مشروعات الترميم الإضافية بعدد من المواقع الأثرية في منطقة القاهرة التاريخية، خصوصاً في حي الجمالية، إلى جانب تطوير ورفع كفاءة الخدمات المقدمة بها، بما يُسهم في تحسين التجربة السياحية للزائرين وتعظيم الاستفادة من هذه المواقع.

وزير السياحة والقائم بأعمال السفير الأميركي (وزارة السياحة والآثار)

وتعد منطقة القاهرة التاريخية ضمن مواقع التراث العالمي على قائمة «اليونيسكو» منذ عام 1979، وتضم العديد من المساجد التاريخية، والوكالات، والقصور، وقلعة صلاح الدين الأيوبي، فضلاً عن سور القاهرة التاريخي وأبوابه المختلفة المطلة على الجبانات وعلى صحراء المماليك.

وعن الأبعاد التاريخية لصحراء المماليك، قال الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إن صحراء المماليك، أو قرافة المماليك، أو القرافة الشرقية كانت المنطقة الممتدة من قلعة الجبل إلى العباسية حتى أوائل القرن «الثامن الهجري» وكانت عبارة عن ميدان فسيح أعد للعب الكرة وعرف بميدان القبق وميدان العيد. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «في النصف الأول من القرن الثامن الهجري بدأ ملوك مصر وأمراؤها في إنشاء المساجد والخوانق بهذه المنطقة وألحقوا بها مدافن لهم».

وطالب ريحان بترميم كل آثار جبانة المماليك وتحويلها إلى متنزه ومسار سياحي خاص للزيارة المحلية والعالمية وتزويدها بالخدمات السياحية من كافيتريات ومطاعم وبازارات ومراسم للفنانين.

جانب من القاهرة التاريخية (المعهد الفرنسي بمصر)

وتشمل القاهرة التاريخية أيضاً مناطق الفسطاط، ومقياس النيل في جزيرة الروضة، ومسجد عمرو بن العاص، والكنيسة المعلقة، ومعبد بن عزرا، وجامع ابن طولون، والقلعة، والمنشآت الفاطمية بالقاهرة ومقابرها، ومقام الإمام الشافعي، ومقام السيدة نفيسة، وضريح قايتباي، وفق وزارة السياحة والآثار.

وأوضح ريحان أن «قبة قايتباى تقع ضمن مجموعة السلطان قايتباي بصحراء المماليك وهي مجموعة معمارية أثرية شهيرة في القاهرة مبنية على الطراز الإسلامي تعود إلى عصر المماليك الجراكسة. وتضم المجموعة منشآت عدَّة تتمثل في مسجد، ومدرسة، وملحقاتها، وقبة، وسبيل، وكتاب، ومقعد للسلطان، وحوض لسقاية الدواب، وربع لإقامة الصوفية»، وأشار إلى إنشاء المجموعة خلال الفترة من 877هـ/1472م إلى 879هـ/1474م بأمر السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي المحمودي الأشرفي أحد حكام عصر المماليك الجراكسة.

تقع المجموعة حالياً في منطقة آثار صحراء المماليك بالقاهرة، وبجوارها مواقع أثرية أخرى مثل خانقاه الأشرف برسباي، وخانقاه الناصر فرج بن برقوق، وخانقاه الأشرف إينال، ومسجد الأمير قرقماس.

ووفق ريحان «تتميز القبة بزخارف هندسية وكتابات بالخط الكوفى تظهر إبداعات الفنان المسلم في ذلك العصر وقدرته على الجمع بين الرموز الدينية والقيم الجمالية؛ فهي نموذج فريد للهندسة المعمارية الإسلامية تعكس فلسفة فنية اعتمدت على التكرار الهندسي، مستمدة من آيات القرآن الكريم، وفكرة اللانهائية في العقيدة الإسلامية».