صفقات احتكارية تهدد تنافسية الإعلام المصري الخاص

تردّي معايير البرامج الحوارية وسط فوضى مستمرة منذ الثورة

وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»
وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»
TT

صفقات احتكارية تهدد تنافسية الإعلام المصري الخاص

وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»
وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»

بات المشهد الإعلامي في مصر يحمل شكلاً جديداً يرسم معه خريطة مستقبل القنوات الفضائية الخاصة، فبعد سنوات ثبات ملامح القنوات الفضائية الخاصة المملوكة لرجال أعمال، جرت أخيراً تغييرات متلاحقة للإدارات والوجوه الإعلامية، وإطلاق قنوات جديدة، وإغلاق أخرى، وظهور مذيعين واختفاء آخرين، بلا أسباب واضحة.
ومؤخراً استحوذت مجموعة «إعلام المصريين»، المملوكة لشركة «إيغل كابيتال للاستثمارات» على مجموعة «فيوتشر ميديا» المالكة لشبكة قنوات CBC، ورغم عدم إصدار بيان رسمي عن الصفقة؛ فإن العاملين بالقناة أكدوا لـ«الشرق الأوسط»، أن رجل الأعمال المصري محمد الأمين، باع أسهمه بالكامل لـ«إعلام المصريين».
وبموجب الصفقة تضاف شبكة قنوات CBC، إلى ممتلكات شركة «إعلام المصريين» التي يرأس مجلس إدارتها تامر مرسي، وتتضمن شبكتي قنوات «أون»، و«الحياة»، و«راديو النيل»، وصحيفة «اليوم السابع»، وتم تعيين ياسر سليم، نائباً لرئيس مجلس إدارة الشركة.
كانت «إعلام المصريين» مملوكة لرجل الأعمال المصري أحمد أبو هشيمة، قبل أن تستحوذ «إيغل كابيتال» برئاسة وزيرة الاستثمار السابقة داليا خورشيد، على أسهمه في نهاية عام 2017.
وبالتزامن مع الصفقة بدأت شركة «دي ميديا» المالكة لمجوعة قنوات DMC، ويرأس مجلس إدارتها رجل الأعمال طارق إسماعيل، التفاوض للحصول على الوكالة الإعلانية الخاصة بشبكة قنوات CBC. و«دي ميديا» تمتلك الوكالة الإعلانية لشبكة قنوات DMC، والحياة، وONTV، مما يعني أن جميع الفضائيات الآن تتبع إدارة واحدة، على الأقل اقتصادياً.
وتظل شبكة قنوات النهار، المملوكة لعلاء الكحكي، بعيدة عن هذه الصفقات، رغم أنها كانت مطروحة في فترات سابقة. وتفسر مصادر من داخل الشبكة ذلك بأنها «شبكة مستقرة قائمة على فكر تجاري وإعلاني»، وإن كان هذا «لا يعني أنها لا تواجه أزمات مالية في ظل انكماش الكعكة الإعلانية».
وترى مصادر أخرى أنه «في ظل الخريطة الجديدة للإعلام، فإن (النهار) ستكون مضطرة إلى الاندماج في إحدى الشبكات الأخرى أو الخروج من السوق الإعلامية».
لكن في النهاية فإن مراقبين للسوق الإعلامية يرون أن «الإعلام سيعاني أزمة أكبر في الفترة المقبلة، في ظل انعدام التنافسية نتيجة سيطرة جهة واحدة عليه، وهذا سيؤدي إلى انخفاض حصته في سوق الإعلانات لصالح المنافس الوحيد على الأرض وهي قناة (MBC مصر)».
ويرى محمد السيد صالح، رئيس تحرير صحيفة «المصري اليوم» السابق، أن «ما يحدث يعتبر مجموعة خطوات للخلف»، موضحاً أنه «لا توجد خطة واضحة، وتم إنفاق المليارات من جانب أجهزة في مصر لشراء قنوات وإنشاء أخرى، ثم أغلقت». وقال صالح لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك حالة من التخبط ناتجة عن فقدان الخبرة والرؤية»، مشيراً إلى أن «وجود قنوات متنوعة كان يمنح مساحة لتراكم الخبرات الإعلامية وتنوعها»، معتبراً ما يحدث من إغلاق للقنوات وإيقاف لمذيعين بمثابة «تجفيف للأصوات الإعلامية سيكون له آثار سلبية على المشهد الإعلامي».
ونتيجة لاندماج شبكة ON مع شبكة قنوات DMC، أعلنت شركة «إعلام المصريين» في نهاية يوليو (تموز) الماضي إغلاق قناة ON live، وتسريح عدد كبير من العاملين فيها، واستبدال قناة On sport 2 بها، بالتزامن مع إغلاق قناة DMC SPORT، واستقالة الإعلامية منال الدفتار من رئاسة قناة DMC news. ووفقاً للمصادر، فإن السيناريو المقترح حالياً هو تقسيم القنوات والشبكات لتهتم واحدة بالترفيه وواحدة بالرياضة وواحدة بالمنوعات، حيث ترددت أنباء عن احتمال إغلاق قناة «إكسترا نيوز»، أو دمجها في قناة DMC news، وهي القناة التي لم تظهر حتى الآن، رغم مرور عامين على الإعلان عنها.
وتزامن إغلاق قناة On live مع إيقاف برامج على قناة «العاصمة»، المملوكة أيضاً لشركة «إعلام المصريين»، وحمّل الفنان والإعلامي تامر عبد المنعم، مسؤولية توقف برامج قناتَي «الحياة» و«العاصمة» لرئيس مجلس إدارة القناتين ياسر سليم، وقال في فيديو بثه على حسابه الشخصي على «فيسبوك»، إن «ياسر سليم يبرر قراراته بأنها أوامر من جهات معينة، ونحن تعاملنا مع هذه الجهات، ولم نر منها مثل هذه التصرفات».
وانتقد الدكتور محمد المرسي، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إغلاق قنوات مهمة تسعى لرفع الوعي، والإبقاء على قنوات أخرى، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «إغلاق قنوات مهمة تسعى لزيادة نسبة الوعي هي خطوة للخلف، وتراجع في مجال الإعلام الإخباري»، متسائلاً: «كيف يتم إغلاق قناة صُنفت بأنها القناة الإخبارية رقم واحد في مصر، لصالح قناة رياضية؟»، مؤكداً أن «هناك أمراً غير واضح في فكر القيادات الإعلامية، وعلامات استفهام حول التكتلات الإعلامية الجديدة ورأس المال، وتسريح العاملين».
من جانبه، قال الدكتور محمد سعيد محفوظ، الذي ترأس تحرير قناة ON live في فترة سابقة لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف لم يراعِ أحد الجانب النفسي للصحافيين والإعلاميين». وتابع: «لمصلحة مَن يتم ذلك، ولمصلحة مَن نطرد الأكفاء، لتستقطبهم قنوات معادية تعمل ضد مصلحة الوطن، ونحن في حرب أساسها الوعي والفكر؟»، معتبراً ما حدث في «أون لايف» خطوة للوراء وإهداراً لكنز إعلامي.
ويكتنف الغموض مصير بعض الإعلاميين بعد إيقاف برامجهم، حيث توقف برنامج الإعلامي عمرو أديب على قناة ON في أبريل (نيسان) الماضي، وبعد أخبار وشائعات كثيرة، وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد. وتوقف برنامج الإعلامي إبراهيم عيسى على قناة ON E مع غيره من البرامج التي أصدرت شركة «إعلام المصريين» قراراً بإيقافها في مايو (أيار) الماضي.
ومن بينها برنامج «نقطة تماس» للإعلامي يوسف الحسيني، الذي كان يُبث على قناة ON Live، وبرنامج «بين السطور» للإعلامية أماني الخياط، إضافة إلى إيقاف الإعلامية لبنى عسل، والإعلامي الدكتور معتز بالله عبد الفتاح، وبرنامج «الحياة اليوم» الذي كان يقدمه الإعلامي تامر أمين، لتبدأ شركة «إعلام المصريين» الإعلان عن تعاقدها مع توفيق عكاشة لمدة 3 سنوات، لتقديم برنامج على قناة «الحياة»، ونقل لبنى عسل وخالد أبو بكر أيضاً إلى قناة «الحياة» عبر عقد لمدة 3 سنوات لتقديم برنامج «الحياة اليوم»... كما تعاقدت مع الإعلامي جورج قرداحي لتقديم برنامج على قناة ON E. بينما بدأت قناة DMC في إطلاق برامج جديدة معتمدة على وجوه شابة، واختفى عدد من الإعلاميين بينهم وائل الإبراشي وخيري رمضان دون معلومات عن وجهتهم المقبلة.
ولا يُعرف حتى الآن مصير الإعلامية لميس الحديدي، التي كان من المنتظر أن يعود برنامجها «هنا العاصمة» على قناة CBC مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري، لكنها لم تظهر على الشاشة، رغم إذاعة القناة «برومو» البرنامج، وإعلان الحديدي نفسها عن عودتها. ووفقاً لمصادر داخل القناة، فإن «الحديدي فوجئت بتوقف البرنامج بعد وصولها إلى الاستوديو». وترددت أنباء بأن هناك مفاوضات مع الحديدي لضمها إلى قناة ON TV، وهو ما أغضب محمد الأمين مالك ومؤسس قنوات CBC، وربما يكون سبباً في قبوله بيع القناة.
الكاتب الصحافي محمد أمين، كتب سلسلة مقالات عن أزمة الإعلام، تحت عنوان «جناة على الإعلام»، وقال: «أصبح الإعلاميون في حالة اكتئاب، وتغيرت الملكيات في عدة شهور أكثر من مرة من شركة إلى أخرى، كما تغير المحتوى سلبياً وتراجع التأثير، بالإضافة إلى تحكم في الإعلام مَن لا يفهم فيه»، متسائلاً: «ألا يضر ذلك مصر؟».
وفي مقال تحت عنوان «البحث عن الجناة»، قال أمين، إن «مصر ليس فيها إعلام بمعنى الكلمة»، مضيفاً: «نعيش سقوط دولة الإعلام، والاستحواذ على القنوات وبيعها، ونلعب بالهواة... من يحفظ لمصر قوتها الناعمة من الفوضى؟».
ويرى المرسي، أن الأزمة «ليس وليدة اللحظة»، ويقول إن «الإعلام المصري يعاني أزمة منذ مدة طويلة؛ لكنها تفاقمت أخيراً فيما بعد أحداث ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، خصوصاً بالنسبة إلى برامج الـ(توك شو)»، واصفاً الوضع بأنه «حالة من الفوضى التي تسمح لأي شخص بالظهور على شاشات الفضائيات، والحديث في أي موضوع دون أي محاسبة أو رقابة».
ولم تفلح الهيئات الإعلامية والصحافية التي تم تشكيلها قبل نحو عام من الآن في إنهاء حالة الفوضى أو الأزمة التي يعاني منها الإعلام، ويقول محمد المرسي، إنه «رغم وجود الهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، والمجلس الأعلى للإعلام، فإن حالة الفوضى الإعلامية ما زالت مستمرة».
بينما أرجع محفوظ، الذي يرأس مؤسسة «ميديا توبيا»، (مؤسسة مهتمة بتدريب الإعلاميين الشباب)، مشكلة الإعلام إلى «غياب الرؤية»، وقال إنه «لا توجد رؤية شاملة للإعلام تقودها الدولة ويدعمها الإعلاميون وتنفذها تنظيمات مؤسسية، يديرها أشخاص أكفاء، ولم يضع أحد خطة للإعلام، وما الذي تحتاج إليه الدولة منه»، متسائلاً: «كيف يمكن لإعلام كسيح أن يساعد في تحقيق أهداف الدولة؟».
ورفض محفوظ ربط أزمة الإعلام بالملكية والاحتكار، وقال: «هذه النقطة ربما تكون رقم 10 في أسباب الأزمة، فالأمر يحتاج إلى رؤية وخطة واضحة أولاً قبل الحديث عن الملكية، وأن يكون هناك دعم للأكفاء بدلاً من إحباطهم وإرسالهم إلى منازلهم»، وأضاف: «للأسف هناك إدارة غير رشيدة للمشهد الإعلامي، ومن يتولون الأمر الآن يدخلونه باعتباره مشروعاً خاسراً وليس مشروعاً استثمارياً يمكن أن ينجح».
في المقابل، يظل الإعلام الرسمي للدولة سواء اتحاد الإذاعة والتلفزيون «ماسبيرو» أو الصحف القومية بعيداً عن تلك الخريطة الجديدة، ويقول المرسي في هذا الصدد، إن «أزمات الإعلام الرسمي معروفة، وتتلخص في المديونيات، والإدارة وتطوير المضمون»، إضافة إلى «الصورة الذهنية التي ترسخت عند المواطن على مدار سنوات، بأن هذا النوع من الإعلام لا يقدم جديداً ولا يقدم الصورة الحقيقية».



«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.