صفقات احتكارية تهدد تنافسية الإعلام المصري الخاص

تردّي معايير البرامج الحوارية وسط فوضى مستمرة منذ الثورة

وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»
وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»
TT

صفقات احتكارية تهدد تنافسية الإعلام المصري الخاص

وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»
وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد بعد تركه قناة «ON»

بات المشهد الإعلامي في مصر يحمل شكلاً جديداً يرسم معه خريطة مستقبل القنوات الفضائية الخاصة، فبعد سنوات ثبات ملامح القنوات الفضائية الخاصة المملوكة لرجال أعمال، جرت أخيراً تغييرات متلاحقة للإدارات والوجوه الإعلامية، وإطلاق قنوات جديدة، وإغلاق أخرى، وظهور مذيعين واختفاء آخرين، بلا أسباب واضحة.
ومؤخراً استحوذت مجموعة «إعلام المصريين»، المملوكة لشركة «إيغل كابيتال للاستثمارات» على مجموعة «فيوتشر ميديا» المالكة لشبكة قنوات CBC، ورغم عدم إصدار بيان رسمي عن الصفقة؛ فإن العاملين بالقناة أكدوا لـ«الشرق الأوسط»، أن رجل الأعمال المصري محمد الأمين، باع أسهمه بالكامل لـ«إعلام المصريين».
وبموجب الصفقة تضاف شبكة قنوات CBC، إلى ممتلكات شركة «إعلام المصريين» التي يرأس مجلس إدارتها تامر مرسي، وتتضمن شبكتي قنوات «أون»، و«الحياة»، و«راديو النيل»، وصحيفة «اليوم السابع»، وتم تعيين ياسر سليم، نائباً لرئيس مجلس إدارة الشركة.
كانت «إعلام المصريين» مملوكة لرجل الأعمال المصري أحمد أبو هشيمة، قبل أن تستحوذ «إيغل كابيتال» برئاسة وزيرة الاستثمار السابقة داليا خورشيد، على أسهمه في نهاية عام 2017.
وبالتزامن مع الصفقة بدأت شركة «دي ميديا» المالكة لمجوعة قنوات DMC، ويرأس مجلس إدارتها رجل الأعمال طارق إسماعيل، التفاوض للحصول على الوكالة الإعلانية الخاصة بشبكة قنوات CBC. و«دي ميديا» تمتلك الوكالة الإعلانية لشبكة قنوات DMC، والحياة، وONTV، مما يعني أن جميع الفضائيات الآن تتبع إدارة واحدة، على الأقل اقتصادياً.
وتظل شبكة قنوات النهار، المملوكة لعلاء الكحكي، بعيدة عن هذه الصفقات، رغم أنها كانت مطروحة في فترات سابقة. وتفسر مصادر من داخل الشبكة ذلك بأنها «شبكة مستقرة قائمة على فكر تجاري وإعلاني»، وإن كان هذا «لا يعني أنها لا تواجه أزمات مالية في ظل انكماش الكعكة الإعلانية».
وترى مصادر أخرى أنه «في ظل الخريطة الجديدة للإعلام، فإن (النهار) ستكون مضطرة إلى الاندماج في إحدى الشبكات الأخرى أو الخروج من السوق الإعلامية».
لكن في النهاية فإن مراقبين للسوق الإعلامية يرون أن «الإعلام سيعاني أزمة أكبر في الفترة المقبلة، في ظل انعدام التنافسية نتيجة سيطرة جهة واحدة عليه، وهذا سيؤدي إلى انخفاض حصته في سوق الإعلانات لصالح المنافس الوحيد على الأرض وهي قناة (MBC مصر)».
ويرى محمد السيد صالح، رئيس تحرير صحيفة «المصري اليوم» السابق، أن «ما يحدث يعتبر مجموعة خطوات للخلف»، موضحاً أنه «لا توجد خطة واضحة، وتم إنفاق المليارات من جانب أجهزة في مصر لشراء قنوات وإنشاء أخرى، ثم أغلقت». وقال صالح لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك حالة من التخبط ناتجة عن فقدان الخبرة والرؤية»، مشيراً إلى أن «وجود قنوات متنوعة كان يمنح مساحة لتراكم الخبرات الإعلامية وتنوعها»، معتبراً ما يحدث من إغلاق للقنوات وإيقاف لمذيعين بمثابة «تجفيف للأصوات الإعلامية سيكون له آثار سلبية على المشهد الإعلامي».
ونتيجة لاندماج شبكة ON مع شبكة قنوات DMC، أعلنت شركة «إعلام المصريين» في نهاية يوليو (تموز) الماضي إغلاق قناة ON live، وتسريح عدد كبير من العاملين فيها، واستبدال قناة On sport 2 بها، بالتزامن مع إغلاق قناة DMC SPORT، واستقالة الإعلامية منال الدفتار من رئاسة قناة DMC news. ووفقاً للمصادر، فإن السيناريو المقترح حالياً هو تقسيم القنوات والشبكات لتهتم واحدة بالترفيه وواحدة بالرياضة وواحدة بالمنوعات، حيث ترددت أنباء عن احتمال إغلاق قناة «إكسترا نيوز»، أو دمجها في قناة DMC news، وهي القناة التي لم تظهر حتى الآن، رغم مرور عامين على الإعلان عنها.
وتزامن إغلاق قناة On live مع إيقاف برامج على قناة «العاصمة»، المملوكة أيضاً لشركة «إعلام المصريين»، وحمّل الفنان والإعلامي تامر عبد المنعم، مسؤولية توقف برامج قناتَي «الحياة» و«العاصمة» لرئيس مجلس إدارة القناتين ياسر سليم، وقال في فيديو بثه على حسابه الشخصي على «فيسبوك»، إن «ياسر سليم يبرر قراراته بأنها أوامر من جهات معينة، ونحن تعاملنا مع هذه الجهات، ولم نر منها مثل هذه التصرفات».
وانتقد الدكتور محمد المرسي، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إغلاق قنوات مهمة تسعى لرفع الوعي، والإبقاء على قنوات أخرى، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «إغلاق قنوات مهمة تسعى لزيادة نسبة الوعي هي خطوة للخلف، وتراجع في مجال الإعلام الإخباري»، متسائلاً: «كيف يتم إغلاق قناة صُنفت بأنها القناة الإخبارية رقم واحد في مصر، لصالح قناة رياضية؟»، مؤكداً أن «هناك أمراً غير واضح في فكر القيادات الإعلامية، وعلامات استفهام حول التكتلات الإعلامية الجديدة ورأس المال، وتسريح العاملين».
من جانبه، قال الدكتور محمد سعيد محفوظ، الذي ترأس تحرير قناة ON live في فترة سابقة لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف لم يراعِ أحد الجانب النفسي للصحافيين والإعلاميين». وتابع: «لمصلحة مَن يتم ذلك، ولمصلحة مَن نطرد الأكفاء، لتستقطبهم قنوات معادية تعمل ضد مصلحة الوطن، ونحن في حرب أساسها الوعي والفكر؟»، معتبراً ما حدث في «أون لايف» خطوة للوراء وإهداراً لكنز إعلامي.
ويكتنف الغموض مصير بعض الإعلاميين بعد إيقاف برامجهم، حيث توقف برنامج الإعلامي عمرو أديب على قناة ON في أبريل (نيسان) الماضي، وبعد أخبار وشائعات كثيرة، وقّع أديب عقداً مع قناة «MBC مصر» لتقديم برنامج جديد. وتوقف برنامج الإعلامي إبراهيم عيسى على قناة ON E مع غيره من البرامج التي أصدرت شركة «إعلام المصريين» قراراً بإيقافها في مايو (أيار) الماضي.
ومن بينها برنامج «نقطة تماس» للإعلامي يوسف الحسيني، الذي كان يُبث على قناة ON Live، وبرنامج «بين السطور» للإعلامية أماني الخياط، إضافة إلى إيقاف الإعلامية لبنى عسل، والإعلامي الدكتور معتز بالله عبد الفتاح، وبرنامج «الحياة اليوم» الذي كان يقدمه الإعلامي تامر أمين، لتبدأ شركة «إعلام المصريين» الإعلان عن تعاقدها مع توفيق عكاشة لمدة 3 سنوات، لتقديم برنامج على قناة «الحياة»، ونقل لبنى عسل وخالد أبو بكر أيضاً إلى قناة «الحياة» عبر عقد لمدة 3 سنوات لتقديم برنامج «الحياة اليوم»... كما تعاقدت مع الإعلامي جورج قرداحي لتقديم برنامج على قناة ON E. بينما بدأت قناة DMC في إطلاق برامج جديدة معتمدة على وجوه شابة، واختفى عدد من الإعلاميين بينهم وائل الإبراشي وخيري رمضان دون معلومات عن وجهتهم المقبلة.
ولا يُعرف حتى الآن مصير الإعلامية لميس الحديدي، التي كان من المنتظر أن يعود برنامجها «هنا العاصمة» على قناة CBC مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري، لكنها لم تظهر على الشاشة، رغم إذاعة القناة «برومو» البرنامج، وإعلان الحديدي نفسها عن عودتها. ووفقاً لمصادر داخل القناة، فإن «الحديدي فوجئت بتوقف البرنامج بعد وصولها إلى الاستوديو». وترددت أنباء بأن هناك مفاوضات مع الحديدي لضمها إلى قناة ON TV، وهو ما أغضب محمد الأمين مالك ومؤسس قنوات CBC، وربما يكون سبباً في قبوله بيع القناة.
الكاتب الصحافي محمد أمين، كتب سلسلة مقالات عن أزمة الإعلام، تحت عنوان «جناة على الإعلام»، وقال: «أصبح الإعلاميون في حالة اكتئاب، وتغيرت الملكيات في عدة شهور أكثر من مرة من شركة إلى أخرى، كما تغير المحتوى سلبياً وتراجع التأثير، بالإضافة إلى تحكم في الإعلام مَن لا يفهم فيه»، متسائلاً: «ألا يضر ذلك مصر؟».
وفي مقال تحت عنوان «البحث عن الجناة»، قال أمين، إن «مصر ليس فيها إعلام بمعنى الكلمة»، مضيفاً: «نعيش سقوط دولة الإعلام، والاستحواذ على القنوات وبيعها، ونلعب بالهواة... من يحفظ لمصر قوتها الناعمة من الفوضى؟».
ويرى المرسي، أن الأزمة «ليس وليدة اللحظة»، ويقول إن «الإعلام المصري يعاني أزمة منذ مدة طويلة؛ لكنها تفاقمت أخيراً فيما بعد أحداث ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، خصوصاً بالنسبة إلى برامج الـ(توك شو)»، واصفاً الوضع بأنه «حالة من الفوضى التي تسمح لأي شخص بالظهور على شاشات الفضائيات، والحديث في أي موضوع دون أي محاسبة أو رقابة».
ولم تفلح الهيئات الإعلامية والصحافية التي تم تشكيلها قبل نحو عام من الآن في إنهاء حالة الفوضى أو الأزمة التي يعاني منها الإعلام، ويقول محمد المرسي، إنه «رغم وجود الهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، والمجلس الأعلى للإعلام، فإن حالة الفوضى الإعلامية ما زالت مستمرة».
بينما أرجع محفوظ، الذي يرأس مؤسسة «ميديا توبيا»، (مؤسسة مهتمة بتدريب الإعلاميين الشباب)، مشكلة الإعلام إلى «غياب الرؤية»، وقال إنه «لا توجد رؤية شاملة للإعلام تقودها الدولة ويدعمها الإعلاميون وتنفذها تنظيمات مؤسسية، يديرها أشخاص أكفاء، ولم يضع أحد خطة للإعلام، وما الذي تحتاج إليه الدولة منه»، متسائلاً: «كيف يمكن لإعلام كسيح أن يساعد في تحقيق أهداف الدولة؟».
ورفض محفوظ ربط أزمة الإعلام بالملكية والاحتكار، وقال: «هذه النقطة ربما تكون رقم 10 في أسباب الأزمة، فالأمر يحتاج إلى رؤية وخطة واضحة أولاً قبل الحديث عن الملكية، وأن يكون هناك دعم للأكفاء بدلاً من إحباطهم وإرسالهم إلى منازلهم»، وأضاف: «للأسف هناك إدارة غير رشيدة للمشهد الإعلامي، ومن يتولون الأمر الآن يدخلونه باعتباره مشروعاً خاسراً وليس مشروعاً استثمارياً يمكن أن ينجح».
في المقابل، يظل الإعلام الرسمي للدولة سواء اتحاد الإذاعة والتلفزيون «ماسبيرو» أو الصحف القومية بعيداً عن تلك الخريطة الجديدة، ويقول المرسي في هذا الصدد، إن «أزمات الإعلام الرسمي معروفة، وتتلخص في المديونيات، والإدارة وتطوير المضمون»، إضافة إلى «الصورة الذهنية التي ترسخت عند المواطن على مدار سنوات، بأن هذا النوع من الإعلام لا يقدم جديداً ولا يقدم الصورة الحقيقية».



المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
TT

المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)

يتوافد آلاف المصريين على محيط مسجد السيدة زينب، وسط القاهرة، لإحياء الليلة الكبيرة، الثلاثاء الموافق 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، قادمين من أماكن متفرقة على مستوى الجمهورية، بعد أسبوع من الاحتفالات التي أقامها زوار المسجد وبعض الطرق الصوفية في محيطه.

اعتاد طارق محمد (42 عاماً)، مهندس كمبيوتر حر، أن يحضر مولد السيدة زينب كل عام مع أصدقائه، حيث يستمتعون بحلقات الذكر والأناشيد الدينية وحلقات الصوفية والسوق المفتوح للسلع المختلفة في محيط المسجد، فضلاً عن الأجواء المبهجة الموجودة في المولد، وفق قوله لـ«الشرق الأوسط»

مضيفاً أنه عادة ما يسعى لحضور المولد للاستمتاع بالأجواء الروحية الموجودة به، وكذلك للاستماع إلى حلقات الذكر والأناشيد والابتهالات المتنوعة التي تقيمها الطرق الصوفية في أماكن متفرقة بمحيط المسجد، كما يحضر أحياناً بعض الألعاب أو الحلوى لأطفاله.

ويُعبر المصريون من فئات متنوعة عن محبتهم للسيدة زينب، حفيدة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، بطرق شتى، وأطلقوا عليها العديد من الألقاب، مثل «رئيسة الديوان» و«أم العواجز» و«المشيرة» و«نصيرة الضعفاء»، يذهبون إلى مولدها في مسجدها الأثري العتيق.

الأضواء تحيط مسجد السيدة زينب في المولد (فيسبوك)

وعدّ الشيخ شهاب الدين الأزهري، المنتمي للطريقة الصوفية الشاذلية، موالد الصالحين وأهل البيت «مظاهرة حب لآل البيت، خصوصاً مولد الحسين ومولد السيدة زينب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها «مناسبة لاجتماع المصريين في مثل هذه الأيام في حلقات الذكر والتسابيح والعبادة والإطعام. والمصريون يتلهفون على الزيارة للعظة، ومن أجل المودة، ومن لا يستطيع زيارة النبي يزوره في أهل بيته، وفي الموالد جمع من العلماء يعلمون الناس كيفية الزيارة، وسيرة المحتفى في المولد».

ولفت الأزهري إلى أن «مصر بها نحو 40 فرداً من آل البيت، على رأسهم السيدة زينب وسيدنا الحسين، وربما يعود الاحتفال الشعبي الكبير في مولد السيدة زينب تحديداً للاعتقاد السائد بأن مصر محروسة ومحفوظة ببركة دعاء آل البيت لها، خصوصاً السيدة زينب التي دعت لمصر دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله، نصرتمونا نصركم الله)».

وتزخر مصر بالعديد من الموالد الشهيرة التي يزورها الآلاف، ووصل العدد في مولد السيد البدوي في طنطا (دلتا مصر) إلى نحو مليوني زائر، وهناك أيضاً مولد الحسين ومولد فاطمة النبوية ومولد السيدة نفيسة من آل البيت.

وترى أستاذة علم الاجتماع، الدكتورة هدى زكريا، أن «الموالد فرصة لتحقق الشخصية المصرية حالة من الذوبان الروحي في هذا الزخم الشعبي، فهذه الاحتفالات لا تأخذ طابعاً دينياً بقدر ما تحمل طابعاً اجتماعياً، ويحضرها المسلمون والمسيحيون، تماماً كما نجد في موالد العذراء مسلمين ومسيحيين جنباً إلى جنب».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «السيدة زينب وحدها حالة خاصة، لأنها عانت بشدة حين قتل جنود يزيد بن معاوية أخويها، وحين خيّرها يزيد أن تسافر إلى أي بلد، اختارت مصر، واحتفى بها جموع المصريين، وقالت فيهم دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله أكرمتمونا أكرمك الله)، وحتى اليوم يعتبر المصريون أنفسهم أخذوا بركة دعاء السيدة زينب».

ولدت السيدة زينب في السنة السادسة للهجرة بالمدينة المنورة، سمّاها النبي (صلى الله عليه وسلم) زينب إحياء لذكرى خالتها زينب التي توفيت في السنة الثانية للهجرة، وقد نشأت في رعاية جدها (صلى الله عليه وسلم) حتى انتقل إلى جوار ربه تعالى، ثم رحلت أمها السيدة فاطمة الزهراء أيضاً بعد 6 أشهر، وقد أوصتها أمها وهي على فراش الموت بأخويها (الحسن والحسين) بأن ترعاهما، فكانت تلقب بعقيلة بني هاشم، وقد أحسنت الوصية فدافعت عن أبناء أخيها الحسين بعد كربلاء، إذا سافرت إلى مصر، وقضت فيها فترة حتى توفيت فيها عام 62 هجرية.

وأشارت أستاذة علم الاجتماع إلى أن «الروح الصوفية المنتشرة في أوساط كثيرة بين المصريين تساعد على إحياء هذه الموالد وبثّ الروح فيها وحالة الذوبان الروحي التي تشهدها، فالطرق الصوفية تعدّ الآلية الدينية الروحية التي جمعت كل الأديان على أرض مصر لتتعايش في سلام ومحبة، وفيها يكمن عمق ونبل ملامح الشخصية المصرية، وهو ما ينعكس بشكل احتفالي في الموالد».


احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
TT

احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)

تنطلق خلال أيام بالقاهرة احتفالات عدة بذكرى مئوية ميلاد المخرج الكبير يوسف شاهين (25 يناير 1926- 27 يوليو 2008) والتي تشهد عرض فيلم وثائقي عنه، وإقامة حفل لموسيقى أفلامه، كما يحتفي به مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية بإصدار طبعة جديدة لكتاب للناقد إبراهيم العريس عنه، وتحتفي به «أفلام مصر العالمية» التي أسسها شاهين، وأنتج من خلالها أفلامه، حيث تقيم احتفالاً بمكتبه في شارع «شامبليون» بوسط القاهرة، كما تواصل ترميم أفلامه وإصدارها في نسخ رقمية جديدة.

وأعلنت قناة «الوثائقية» التابعة للشركة المتحدة عن عرض فيلم وثائقي خلال أيام عبر شاشتها بعنوان «شاهين... ابن النيل» يوثق سيرة يوسف شاهين بصفته أحد أهم صناع السينما في مصر والعالم.

ويستعرض الفيلم رحلة شاهين منذ البدايات الأولى بمدينته الإسكندرية، وشغفه بالفن وسفره لدراسة السينما بأميركا وعودته لمصر لتقديم أول أفلامه «بابا أمين» 1950 الذي انحاز فيه لقيمة الأسرة، ثم فيلمه الثاني «ابن النيل» 1951 الذي حمل رؤية واقعية لأخطار الفيضان على حياة المصريين البسطاء، لتتوالى أفلامه ومن بينها «الناصر صلاح الدين» 1963 كما يتطرق لإصراره بوصفه مفكراً سينمائياً، على مواجهة هزيمة 1967 عبر أفلام «الأرض» 1970، و«العصفور» 1972، كما يتطرق الفيلم لحرص المخرج الراحل على عرض فصول من سيرته الذاتية ومزجها ببعض المحطات التاريخية على غرار «إسكندرية ليه»، و«إسكندرية كمان وكمان»، و«إسكندرية نيويورك»، ويتحدث بالفيلم حشد من رفاق رحلته من صناع السينما ونجوم الفن والنقاد.

بينما اختار معرض القاهرة الدولي للكتاب أن يحتفي بمئوية شاهين في افتتاح دورته 57 بحفل موسيقي كبير يقام 23 يناير (كانون الثاني) الحالي بمسرح المنارة (شرق القاهرة) في افتتاح استثنائي غير معتاد، ويقود الأوركسترا المايسترو نادر عباسي، ويشارك بها كورال الاتحاد الفيلهرموني لتقديم موسيقى وأغاني أفلام المخرج الكبير.

ويقيم مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية دورته الخامسة عشرة 30 مارس (آذار) - 5 أبريل (نيسان) 2026، تحت عنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، وكشف المهرجان عن ملصق دورته الذي يحمل صورة شاهين والمستوحى من شخصيته وعالمه الديناميكي، حيث يتنقل شاهين في فضاء بصري يجمع معالم بعض الدول الأفريقية ليعكس وحدة القارة وشخصية شاهين التي كانت، ولا تزال رمزاً للحركة والحرية والفكر المتمرد في الفن السابع، بحسب بيان المهرجان.

وقالت عزة الحُسيني مدير مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية إن المهرجان أعَد لاحتفالية ضخمة تليق بمسيرة المخرج الكبير تتضمن ندوات وعروض أفلام بالتعاون مع أفلام مصر العالمية، وبحضور بعض نجوم أفلامه.

ملصق الفيلم الوثائقي عن يوسف شاهين (قناة الوثائقية)

وأضافت الحُسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «المهرجان أيضاً سيقيم معرضاً لأفيشات وصور أفلامه»، واصفة المخرج الراحل بأنه «ليس شخصية فريدة كفنان سينمائي فقط، بل هو مخرج مرموق حظي بتقدير عالمي، وحاز السعفة الذهبية من مهرجان كان عن أفلامه، وقدم أفلاماً كشفت كثيراً من تمرده، علاوة على أفلام عبَّر فيها عن سيرته الذاتية، وهو نسق لم يكن موجوداً في أفلامنا من قبل».

وفي السياق تحتفي شركة أفلام شاهين «مصر العالمية» بمئوية ميلاد يوسف شاهين عبر احتفالات عدة تبدأ من مكتبه بشارع شامبليون بوسط القاهرة الذي شهد مولد أفلامه، وسوف يستقبل في مئويته صناع أفلام ونجوماً شاركوه مسيرته ومخرجين عملوا معه، بتنظيم من ابنة شقيقته المخرجة والمنتجة ماريان خوري.

من جانبه، أكد المنتج السينمائي جابي خوري أن «مئوية يوسف شاهين بها جانب احتفالي في مصر وخارجها، وجانب آخر يُعْنَى بالحفاظ على إرثه السينمائي»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يعنيني بالدرجة الأولى هو الحفاظ على تراث يوسف شاهين بكل أشكاله».

يوسف شاهين على ملصق الدورة الـ15 لمهرجان الأقصر (مهرجان الأقصر)

ويضيف: «نقوم بتحويل هذا التراث لنسخ ديجيتال حتى يستفيد به الباحثون وصناع الأفلام، بما يتضمنه من سيناريوهات أفلامه، والمقالات التي كُتبت عن أعماله، والكتب التي صدرت عنه، وحواراته، وهذا ما نسعى إليه لنحقق خطوة مهمة هذا العام، إلى جانب ترميم بقية أفلامه».

وكان مهرجان الجونة السينمائي قد احتفى في دورته الماضية بمئوية يوسف شاهين، حيث أقام ديكوراً على شكل قطار على غرار فيلم «باب الحديد» تضمن شاشة كبيرة لعرض بعض أفلامه، كما أقام ندوة موسعة تحدث فيها مخرجون عرب تأثروا بأعمال يوسف شاهين، واحتفى مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ46 بمئوية شاهين بعرض فيلمي «المهاجر» و«الناس والنيل» في نسخ مرممة حديثاً.

وحاز المخرج يوسف شاهين شهرة عالمية، وشارك بأفلامه في مهرجانات دولية، وتم اختيار 12 من أفلامه ضمن أفضل 100 فيلم مصري في استفتاء مهرجان القاهرة السينمائي عام 1996، وأخرج شاهين على مدى مسيرته 39 فيلماً أثار بعضها جدلاً كبيراً، وحازت بعض أفلامه جوائز مهمة، من بينها «الدب الفضي» من مهرجان برلين 1979 عن فيلم «إسكندرية ليه»، و«السعفة الذهبية» لمهرجان كان عن مجمل أعماله، و«التانيت الذهبي» لمهرجان قرطاج 1970 عن فيلم «الاختيار».


«آثار معاصرة»... رؤية جديدة للمعالم التاريخية في معرض قاهري

المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
TT

«آثار معاصرة»... رؤية جديدة للمعالم التاريخية في معرض قاهري

المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)

في أروقة «بيت السناري» الأثري وسط القاهرة، تصطف لوحات وأعمال فنية متنوعة تقدم رؤية معاصرة للآثار القديمة، سواء كانت هذه الآثار مادية أو معنوية أو رمزية، ضمن المعرض الفني «آثار معاصرة» الذي تنظمه مبادرة «وحدات الحياة» بالتعاون مع سفارة النمسا بالقاهرة.

المعرض الذي افتتح في 11 يناير (كانون الثاني) الجاري، ويستمر حتى 24 من الشهر نفسه في المركز الثقافي «بيت السناري» التابع لمكتبة الإسكندرية، ضم أعمالاً متنوعة لـ21 فناناً من 10 دول، هي: مصر والمملكة العربية السعودية والنمسا والولايات المتحدة الأميركية، ورومانيا، والنرويج، وبلجيكا، والهند، وتايوان، وآيرلندا.

ويقدم الفنانون المشاركون أعمالاً تعكس مقاربات معاصرة تنطلق من مرجعيات تراثية وبصرية ممتدة، ضمن رؤية فنية تسعى إلى إعادة طرح العلاقة بين الماضي والحاضر في سياق فني عالمي.

لوحات المعرض تنتمي لأساليب فنية متنوعة (بيت السناري)

ويضم المعرض أعمال كل من: لينا أسامة، مهني ياؤود، فائق رسول، تانيا رشيد، شروق بنت فهد، عبد السلام سالم، أليكس سيجيرمان، أفيجيت موكيرجي، بريت بطرس غالي، كارمين بيترارو، سيسيليا فونج، يوليا موركوف، لين بيشيا، مايكل هايندل، بيتر بلودو، روايري أوبراين، سكايلر سميث، سابينا ديلاهاوت، توم شوانج، وهيروين سينز.

وأوضحت الفنانة لينا أسامة، منسقة المعرض ومؤسسة مبادرة «وحدات الحياة» هي والفنان مهني ياؤود أن المبادرة انطلقت عام 2016 لتنظيم المعارض الدولية، انطلاقاً من إيمانهما المشترك بأن «الفن أفضل وسيلة للتواصل بين الشعوب وتصحيح المفاهيم الخاطئة والتبادل الثقافي والحوار المشترك عبر لغة بصرية تتجسد في المعارض الفنية التي أقيمت تحت عناوين مختلفة وبشكل شبه دوري».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض الحالي في بيت السناري استغرق التحضير له نحو عام ونصف العام، والشريك الرئيسي فيه سفارة النمسا، بالإضافة إلى سفارة رومانيا ومؤسسة المحروسة».

ولفتت إلى أن كل الفنانين جاءوا من حضارات عريقة ومتأثرين بتراث بلدانهم، وجاءت أعمالهم بمثابة إعادة صياغة ومعالجة وتشخيص لهوية تلك البلدان، ويتضمن المعرض تنوعاً لافتاً في الأساليب والتقينات من رسم وتصوير فوتوغرافي ونحت معاصر، و«تكست آرت» وتجهيز في الفراغ لمهني ياؤود ولوحات جدارية لشروق بنت فهد متأثرة بالكثير من التاريخ وتعبر عن الهوية العربية، بالإضافة إلى أعمال الحفر لعبد السلام سالم، وفوتوغرافيا تانيا رشيد، وهي نمساوية عراقية لها أسلوبها الخاص.

وعن المعارض السابقة التي قدمتها المبادرة تقول لينا إن «أول معرض أقيم في 2016 وكان بعنوان (عن الذات والآخر وقصص أخرى) وضم 9 فنانين وسافر إلى النمسا في العام نفسه، وفي السنة التالية نظمنا معرضاً باسم (جينات متوارية) عن الجينات المخفية في البشر والتي تسمح بالتشابه أكثر من المتخيل، وضم هذا المعرض نحو 20 فناناً من جنسيات كثيرة بين مصر وإيطاليا والمغرب وأقيم في مركز الجزيرة للفنون وفي جوتة».

أعمال المعرض تناولت حضور معالم أثرية في حياتنا المعاصرة (بيت السناري)

وفي متحف التراث الأمازيغي في المغرب، نظمت المبادرة معرضاً بعنوان «ابن بطوطة حلم عابر للأوطان» يعتمد على فكرة التجوال والترحال الجغرافي وشارك فيه فنانون من دول مختلفة، ومن مصر شارك عمر الفيومي ومحمد عبلة وأحمد صقر ومن السودان صلاح المر، كما أقامت المبادرة معرضاً في متحف الحضارة المصرية بعنوان «7 درجات من لون البشرة»، شاركت فيها 9 فنانات من دول مختلفة مثل مصر ورومانيا وآيرلندا وموزمبيق وغيرها، كما توضح مؤسسة المبادرة.

افتتاح المعرض في بيت السناري التابع لمكتبة الإسكندرية (بيت السناري)

وبالنسبة للوحة التي شاركت بها في المعرض الأحدث تقول لينا: «نظمنا من قبل معرض ابن بطوطة للترحال عبر الجغرافيا؛ فأعتبر هذا المعرض الجديد (آثار معاصرة) ترحالاً عبر الزمن، ومن هذا المنطلق قدمت عملاً به كثير من الرموز والتكوينات المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة ومحاولة ربطها بالواقع المعاصر عبر فتاتين تقفان بجوار بعضهما البعض وتم تضفير شعرهما في ضفيرة واحدة، مستندة في ذلك إلى الموروث الشعبي وإلى رمزية الياسمين، تلك الشجرة التي تطرح زهوراً كل ليلة، وتسقط هذه الزهور في الصباح ليتجدد الأمر بلا توقف».

إحدى لوحات المعرض (بيت السناري)

وصاحب افتتاح المعرض الفني فقرات موسيقية وغنائية قدمتها كل من لينا عمر التي تسعى إلى توظيف الغناء والعزف على الغيتار وكتابة الأغاني كوسيلة لتحويل المشاعر إلى تعبير فني صادق، يستند إلى حضور أدائي لافت على خشبة المسرح. وفق بيان لـ«بيت السناري» بالقاهرة.

كما قدمت الفنانة بسمة البنداري رؤية موسيقية معاصرة تنطلق من التراث الغنائي المصري، عبر مشروع فني يمزج بين الروح الشرقية وإيقاعات الفلامنكو، من خلال مصاحبة العود للغيتار، في حوار موسيقي مع عازف العود إيهاب زكريا.