الهند وسياسة «التوجه شرقاً... والجوار أولاً» من خلال التكتلات الآسيوية

تدفع بمبادرة الـ«بمستيك» من أجل تهميش باكستان ووقف تمدد الصين

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)
TT

الهند وسياسة «التوجه شرقاً... والجوار أولاً» من خلال التكتلات الآسيوية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في القمة الرابعة لمبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك) (رويترز)

في ظاهرة جيوسياسية لافتة في شبه القارة الهندية توجه سبعة رؤساء دول، خمسة من جنوب آسيا (بنغلاديش، وبوتان، والهند، ونيبال، وسريلانكا) واثنان من جنوب شرقي آسيا (ميانمار، وتايلاند)، إلى نيبال لحضور القمة الرابعة لـ«مبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي (بمستيك)». ولطالما تم تجاهلها إلى أن نشّطها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، في إطار سياساته القائمة على «التوجه نحو الشرق» و«الجوار أولاً». اللافت أن باكستان ليست من الدول الأعضاء في تلك المبادرة.

ما الذي يربط المجموعة؟
تهدف المبادرة إلى أن تكون دول الخليج جسراً يربط بين جنوب وجنوب شرقي آسيا، إذ يعيش نحو 22 في المائة من سكان العالم في الدول السبع المحيطة بالخليج الذي يقترب إجمالي الناتج المحلي لها مجتمعة 2.7 مليون تريليون دولار. وقد حافظت هذه الدول على متوسط نمو سنوي يتراوح بين 4.3 في المائة و7.5 في المائة ابتداءً من عام 2012. كذلك فإن التجارة في ربع سلع العالم تمر عبر الخليج سنوياً.
حتى هذه اللحظة لم يتم تحقيق الكثير داخل هذا التكتل الآسيوي، لكن تطمح نيودلهي لوضع أسس للتعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الإقليمية المشتركة، في الشحن، والفضاء، والطاقة، والنقل، والسياحة.
رغم الإحصاءات المبهرة، لم تحقق المجموعة الكثير، حيث لم يلتقِ قادة الدول السبع سوى ثلاث مرات في 2004 و2008 و2014. بعدها حظيت بزخم عندما دعت الهند دول المجموعة إلى منتدى عُقد في ولاية غوا عام 2016. منذ ذلك الحين تحاول الهند، التي تعد أكبر دولة اقتصادياً وعسكرياً في المجموعة، دعم المنتدى كبديل لـ«اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي»، الذي يضم ثماني دول منها أفغانستان، وبوتان، وبنغلاديش، والهند، والمالديف، ونيبال، وباكستان، وسريلانكا، الذي تأسس عام 1985.

ما سر اهتمام الهند بهذه المجموعة؟
تمثل مجموعة الـ«بمستيك» جسراً يربط بين جنوب آسيا وجنوب شرقي آسيا. وللدولتين الواقعتين جنوب شرقي آسيا، وهما ميانمار وتايلاند، موقعاً مهماً في خطط التواصل الطموحة الهندية الخاصة بمنطقة الشمال الشرقي. ميانمار هي الدولة الوحيدة في جنوب شرقي آسيا التي تربطها حدود برية مع الهند، ويعد الطريق السريع، الذي يربط بين الهند وميانمار وتايلاند، واحداً من المشروعات الأساسية التي يتم التخطيط لها في إطار سياسة الحكومة الهندية «التوجه نحو الشرق». وفي الوقت الذي يعرقل فيه التخاصم والتعارض بين الهند وباكستان العمل السلس لـ«اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي»، يمكن لمجموعات مثل الـ«بمستيك» تطوير مفهوم التعاون الإقليمي بطريقة مختلفة. هناك أسباب جيوسياسية وراء حرص الهند على تفعيل المجموعة ومنها أن العلاقات الهندية - الباكستانية حجرة عثرة في طريق الهند نحو التحول إلى قوة إقليمية، وباكستان ليست عضواً في تلك المجموعة. كذلك تمثل الصين حجرة عثرة أخرى على حد قول المحللين.

الهند تعمل على تهميش «اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي»
هناك توجه في بعض الدوائر نحو رؤية مصالح الهند في مجموعة الـ«بمستيك» كجزء من استراتيجيتها لعزل باكستان، وجعل تلك المجموعة بديلة للاتحاد. من الأسباب الرئيسية التي تدفع الهند نحو التقرب من دول الجوار المشارِكة في مجموعة الـ«بمستيك»، هو العمل على تهميش «اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي» الذي يقيّد طموحات وتطلعات الهند الاقتصادية المتنامية، وكذلك الدور الذي يمكن أن تضطلع به في تحسين طريقة الحكم الإقليمي. السبب وراء هذا التحول هو تزايد إدراك نيودلهي لعدم سماح التناحر الهندي الباكستاني بتحقيق تعاون إقليمي ذي معنى داخل إطار الاتحاد، حيث تجب الموافقة بالإجماع على كل القرارات الكبرى في الاتحاد، ولأن الهند وباكستان نادراً ما تقبلان عروض ومقترحات بعضهما البعض، لم يحدث تقدم يذكر على مستوى تحقيق التقارب الاقتصادي بين دول جنوب آسيا. وقد رفضت باكستان بنفسها خلال قمة عام 2014 مشروع القمر الاصطناعي الذي طرحته الهند في الوقت الذي حظي فيه المشروع بموافقة باقي الدول الأعضاء. تبدو الهند حالياً عازمة على دعم مبادرات إقليمية لا تشمل باكستان مثل الـ«بمستيك». ويموت الاتحاد موتاً بطيئاً منذ رفضت الهند المشاركة في القمة، التي كان من المقرر عقدها عام 2016 في باكستان، وذلك عقب هجمات إرهابية كبرى شهدتها الهند. كذلك تمكنت نيودلهي من إقناع كل من أفغانستان، ونيبال، وبنغلاديش، وبوتان برفض المشاركة في تلك القمة مما أدى إلى إلغائها.

مجموعة الـ«بمستيك» ساحة معركة جديدة في الحرب الهندية - الصينية
الصين عضو مراقب في «اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي». خلال القمة الأخيرة للاتحاد في كاتماندو في عام 2014، اقترحت نيبال، بدعمٍ من باكستان، منح الصين عضوية كاملة في الاتحاد وهو ما لم تتقبله الهند. وكتب المحلل الهندي هارش بانت يقول: «لطالما نظرت الهند إلى جنوب آسيا باعتبارها الباحة الخلفية لها، ولم تكن لتسمح لطرف ثالث بالوجود. ترى نيودلهي أن بكين تتطلع لبسط نفوذها في جنوب آسيا من خلال الاتحاد، وهذا سبب آخر جعل رئيس الوزراء الهندي يعيد إحياء مجموعة الـ(بمستيك)، التي على عكس الاتحاد لديها نزعة مناهضة للصين». إضافة إلى ذلك، أصبح المحيط الهندي المحور الاستراتيجي الذي يشهد تنافساً شديداً بين الصين والهند.
كما كتب المحلل السياسي الآخر أتول تاكور في نيودلهي يقول: «تمر 60 في المائة أو أكثر من واردات الصين من النفط عبر المحيط الهندي، وعليها المرور عبر مضيق ملقا الذي يخضع لسيطرة البحرية الأميركية. لذا تحتاج الصين إلى نقاط عبور بديلة في ميانمار وسريلانكا وباكستان والمالديف وبنغلاديش. لذلك يعد خليج البنغال حيوياً بالنسبة إلى الصين، التي يتنامى نفوذها، لتأمين طريقها نحو المحيط الهندي. لا يُرضي ذلك الهند، التي تعتبر جنوب آسيا مجال نفوذها الحصري. تمثل مجموعة الـ(بمستيك) ساحة معركة جديدة في الحرب الهندية - الصينية من أجل الهيمنة، حيث تأمل الهند في دفع الصين من خلال تلك المجموعة نحو الانسحاب من المحيط الهندي. الاستثمار الهندي غير المسبوق في قوتها البحرية دليل على رغبتها تلك. لذا لم تأت فكرة دعم الـ(بمستيك) في دوائر صناعة القرار ووضع السياسات الهندية من فراغ».
على الجانب الآخر اتجهت الصين بقوة نحو تمويل وإنشاء بنية تحتية في جنوب وجنوب شرقي آسيا من خلال مبادرة الحزام والطريق تقريباً في كل دول مجموعة الـ«بمستيك» باستثناء بوتان والهند. وقد استحوذت على ميناء هامبانتوتا في سريلانكا في إطار حق انتفاع مدته 99 عاماً كسداد للديون، وتسعى بحماس نحو تنفيذ مشروع إقامة ميناء في المالديف. كذلك انخرطت الصين في ميناء تشيتاغونغ في بنغلاديش.
وذكر كاتب العمود سوبهاجيت روي لدى صحيفة «إنديان إكسبريس»: «مثّلت تلك الهيمنة الدبلوماسية الصينية دافعاً لدول مجموعة الـ(بمستيك) لتعزيز تجمعها والتصدي للنفوذ الصيني. يعد حلف شمال الأطلسي ميتاً، وكذلك مجموعات أخرى من الدول الأوروبية. وتسود التوترات مجلس التعاون الخليجي واتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي، وتعاني مجموعة (بي بي آي إن)، التي تضم بنغلاديش وبوتان والهند ونيبال، من مشكلات أيضاً. الاختلاف الوحيد هو الوضع بالنسبة إلى مجموعة (بريكس)».

تحديات
من المتوقع أن تواجه الهند تحديات في الداخل والخارج، وسوف تمثل تلك التحديات معضلات سياسية. تعد الهند حالياً أكبر مساهم في ميزانية مجموعة الـ«بمستيك»، وربما تحتاج الهند إلى النظر في تخصيص المزيد من الموارد لها. وقد أوضح هارش بانت قائلاً: «من الأمور التي سوف يتعين على الهند التعامل معها إثبات خطأ الانطباع بأن الـ(بمستيك) كتلة تخضع لهيمنة الهند، وهي مشكلة واجهها اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي لفترة طويلة من قبل. تثير الهيمنة البنيوية للهند على جنوب آسيا الاستياء، وقد وجدت نيودلهي صعوبة في التغلب على تلك المشكلة. في الواقع كان الشك متبادلاً في الاتحاد، ففي الوقت الذي كانت تشعر فيه الهند بالقلق من تعاضد دول الجوار الأصغر ضدها، كانت تلك الدول الأصغر تشعر بالقلق من احتمال أن يؤدي المزيد من التكامل والتقارب إلى هيمنة الهند».



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».