هل تساعدنا الفلسفة على تشخيص أمراضنا المزمنة؟

الفيلسوف الفرنسي سبونفيل يدعو إلى محاربة الظلامية الدينية والعدمية الإلحادية معا

أندريه كونت سبونفيل  -  غلاف الكتاب
أندريه كونت سبونفيل - غلاف الكتاب
TT

هل تساعدنا الفلسفة على تشخيص أمراضنا المزمنة؟

أندريه كونت سبونفيل  -  غلاف الكتاب
أندريه كونت سبونفيل - غلاف الكتاب

عنوان هذا الكتاب هو: «حب الحياة أو استطعام مذاق الحياة». وبالتالي فهو خادع إلى حد ما؛ فالواقع أنه يطرح مسائل فلسفية عميقة. قد تقولون: وهل نحن بحاجة إلى الفلسفة لكي نحب الحياة؟ إننا نحبها بشكل فطري عفوي ولسنا بحاجة إلى أحد لكي يعلمنا كيف نحبها أو لا نحبها. ألا نحب الأكل والشرب وملذات الحياة؟ ألا نحب الآنسات والسيدات الجميلات؟ ألا نحب المناظر الطبيعية والبحر والجبال؟ ألا نحب الصيف والثمار؟ فلماذا يا أخي تحشر لنا الفلسفة في الموضوع وتعقد القصة من أولها إلى آخرها؟ يا أخي اتركنا مرتاحين بالله عليك وأعفنا من فلسفاتك وفذلكاتك التي لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد.. ولكن المشكلة هي أن الفيلسوف الفرنسي أندريه كونت سبونفيل هو الذي يقول ذلك وليس أنا. وبالتالي فصبوا جام غضبكم عليه لا علي واتركوني في همي وغمي.. أنا لست فيلسوفا. أنا مجرد مترجم للفلسفة أو ناقل لأفكار الفلاسفة. وناقل الكفر ليس بكافر.
على أي حال لقد أمضيت وقتا ممتعا برفقة هذا الفيلسوف من خلال قراءة كتابه هذا الذي يتجاوز الأربعمائة صفحة من القطع الكبير. وهو كتاب يشمل مجموعة كبيرة من المقالات المتفرقة التي كانت قد نشرت في الصحف والمجلات سابقا ثم جمعها المؤلف بين دفتي كتاب. وعلى عكس ما يظن الكثيرون فإن هذه الطريقة من التأليف لها مزاياها التي لا تنكر. فأنت تنتقل فيها من موضوع إلى موضوع، ومن زهرة إلى زهرة، ومن بستان إلى بستان، دون أن تكل أو تمل؛ فالتنويع يساعد القارئ على مطالعة الكتاب دون أي ضجر أو ملل. فمثلا ينتقل المؤلف من فصل بعنوان «نهاية التاريخ» إلى فصل بعنوان «مونتيني»، إلى آخر بعنوان «نهاية العالم»، ثم «التفلسف»، و«موزار وبيتهوفن»، و«يسوع وبوذا»، و«حقوق الإنسان»، «روح العلمانية»، ثم «عودة الأديان»، و«ما هي الحقيقة؟» و«هل يمكن جعل الرأسمالية أخلاقية؟»، و«معنى الحياة: هل للحياة معنى أم لا؟» ثم «الجنة والجحيم»، إلى آخره.. عشرات المواضيع المتفرقة يطرقها المؤلف في هذا الكتاب.
لنحاول أن نستجلي بعضها هنا ولنتحدث أولا عن موضوع التفلسف. فقد دعي المؤلف مع بعض المفكرين الآخرين إلى ندوة تهدف إلى معالجة موضوع عودة الفلسفة إلى الساحة الفرنسية بقوة غير مسبوقة. وقد فوجئ بهذا العنوان وقال لهم: الشيء المدهش ليس عودة الفلسفة؛ فالفلسفة لم تختف لكي تعود. إنها حاضرة في التاريخ الغربي منذ ألفين وخمسمائة سنة. إنها أبدية خالدة. وهذا هو الشيء الذي ينبغي أن يدهشنا. الشيء الذي ينبغي أن يثير استغرابنا هو: لماذا لم تمُت الفلسفة؟ لماذا لا تزال تحظى بكل هذا الحضور في المجتمعات الغربية المتقدمة؟ الدين تراجع وانحسر ولكن ليس الفلسفة، على الأقل في المجتمعات الأوروبية المتقدمة. نقول ذلك رغم أن الفلسفة فعالية تجريدية وعرة في الغالب وصعبة على الفهم. يكفي أن نفتح كتب الفلسفة لمدة خمس دقائق لكي نتيقن من ذلك. بل وأنها مملة أحيانا ومضجرة، كما أنها بلا أي فائدة تقنية أو مردود اقتصادي. ومع ذلك فالفلسفة لا تزال تقف على رأس العلوم في الغرب. إنها أنبل العلوم، علم العلوم، تماما كما كان اللاهوت الديني يمثل أم العلوم في العصور الوسطى المسيحية. ولكن منذ قرنين أزاحته الفلسفة عن عرشه وحلت محله في المجتمعات الأوروبية الحداثية المعلمنة.
ثم يضيف أندريه كونت سبونفيل قائلا: الفلسفة ابتدأت قبل خمسة وعشرين قرنا بسؤال سقراط الشهير: اعرف نفسك بنفسك. وهذا يعني أنه لا يمكن أن تتحرر من تراكماتك التراثية إلا بعد أن تعرف ذاتك؛ فوحدها الحقيقة تحرر، وحدها الحقيقة تحريرية. ولكن كيف يمكن أن أعرف نفسي من دون أن أعرف الكون الذي يحيط بي والبشرية التي أنتمي إليها والمجتمع الذي ولدت فيه؟ هكذا نلاحظ أن سؤال سقراط يطرح كل الأسئلة ولا يسجننا في برجنا العاجي، على عكس ما نتوهم لأول وهلة. فكل واحد منا ولد في بيئة ما ولغة ما ودين ما بل ومذهب ما داخل الدين نفسه. ولكي أعرف نفسي حقا فأنا مضطر لمعرفة كل هذه الأشياء دفعة واحدة؛ لأنها هي التي كونتني وشكلت شخصيتي منذ نعومة أظفاري. من هنا صعوبة معرفة النفس وضرورتها في آن. إنها عبارة عن حفر أركيولوجي في الأعماق. من هنا عظمة الفلسفة والفلاسفة. فمجتمع من دون فلسفة هو مجتمع سطحي بثقافة سطحية. إنه مليء بالأفكار الدوغمائية المتحجرة التي لا تقبل النقاش. إنه مؤدلج أكثر من اللزوم. من هنا قول بعضهم: لا ديمقراطية ولا حرية من دون فلسفة.
ثم ينتقل المؤلف إلى موضوع معاكس تماما إذا جاز التعبير هو: عودة الدين. المقصود أولا عودة الدين إلى الغرب ذاته. وهنا يصور المؤلف المشهد الأوروبي بشكل دقيق حقا. فقد فوجئ عندما طرح عليه أحد الصحافيين هذا السؤال: هل سيكون هناك ملاحدة بعد مائتي سنة؟ فأجابه نعم. لماذا فوجئ؟ لأن السؤال يرشح بمدى التغيير الذي طرأ على الحساسية الثقافية الفرنسية مؤخرا. فعندما كان المؤلف في بداية شبابه، أي في الستينات أو السبعينات من القرن الماضي، كان السؤال المطروح معاكسا. كانوا يتساءلون: هل حقا سيبقى متدينون على وجه الأرض في نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين. كانوا يعتقدون أن الجميع سيصبحون ملاحدة أو على الأقل علمانيين حداثيين. وكانت الأوساط الثقافية الفرنسية وبالأخص الباريسية لا تضم إلا أقلية قليلة من المتدينين أو المهتمين بالدين. لم يكن هناك مثقف واحد تقريبا يؤمن بالدين على الأقل في صيغته التقليدية الموروثة. كان سارتر يسيطر على الساحة وكذلك الماركسية والبنيوية.. كانت المسألة تبدو محسومة بعد أن أصدر نيتشه إعلانه الشهير عن «موت الدين المسيحي في الغرب وغياب الله كليا عن المسرح التاريخي. وفجأة إذا بالدين يعود بقوة إلى المسرح. من كان يتخيل ذلك قبل عشرين سنة فقط؟».. هذا هو السؤال الذي يطرحه أندريه كونت سبونفيل وبكل دهشة واستغراب. لنتفق على الأمور هنا: أن يعود الدين إلى المجتمعات الإسلامية أو الشرقية فهذا أمر طبيعي بل وعادي جدا. فهو أولا لم يغب عن الساحة يوما ما لكي يعود. وهو ثانيا لم يتعرض للتفكيك الفلسفي الذي تعرض له الدين في الغرب على مدار ثلاثمائة سنة متواصلة. أما في فرنسا وعموم أوروبا فمن رابع المستحيلات أن يعود الدين بشكله التقليدي الأصولي، أو هكذا كانوا يتوهمون. كيف يمكن أن يعود بعد كل ما فعله بيير بايل وسبينوزا وفولتير وروسو وديدرو وكانط وفيخته وهيغل ونيتشه ذاته؟ كيف يمكن أن يعود إلى الساحة الأوروبية بعد كل ما فعله ماركس الذي قال: «إن نقد الدين هو بداية كل نقد»؟ كيف يمكن أن يعود بعد أن طبقوا المنهجية النقدية التاريخية على كل حرف وفاصلة في النصوص المقدسة للمسيحية؟ مستحيل. ومع ذلك فقد عاد! كيف؟ يقول لنا أندريه كونت سبونفيل: «في الستينات لو قال لنا أحدهم بأن البابا سوف يستقبل في باريس من قبل مئات الألوف من الشبيبة المسيحية لما صدقناه بل ولربما ضحكنا عليه واعتبرناه خفيف العقل. ومع ذلك فهذا ما حصل. لو قالوا لنا بأن الأصوليين في الدين الآخر سوف يستخدمون الدين بشكل سياسي فعال بل ويهددون المثقفين ليس فقط في البلدان العربية الإسلامية وإنما عندنا في فرنسا بالذات لما صدقناهم. ومع ذلك فهذه هي الحقيقة المرة. فماذا نفعل؟ هل نصرخ: عد يا فولتير! أو عد يا ابن رشد فالمتعصبون أصبحوا على الأبواب»!
ثم يطرح أندريه كونت سبونفيل هذا السؤال: «ما العمل؟ هل نحارب الدين؟ أبدا لا. معاذ الله. فذلك يعني الخطأ في العنوان وتحديد نوعية الخصم، كما أن ذلك يدفع المتدينين إلى التصلب أكثر فأكثر وإلقاء أنفسهم في أحضان المتعصبين الظلاميين. هل نلتحق بالكنيسة الكاثوليكية لمحاربة متطرفي الإسلام؟ معاذ الله أكثر! فهذا يعني إشعال الحروب الصليبية من جديد. وهذا آخر ما نفكر فيه. فنحن لم نقض على الأصولية المسيحية ومحاكم التفتيش لكي نعود إليها مرة أخرى. لقد أمضينا مائتي سنة في محاربتها قبل التمكن من الإجهاز عليها. وبالتالي فمن رابع المستحيلات أن نعود إليها». في الواقع يوجد صراع في زمننا الحاضر، ولكنه على عكس ما يظن البعض ليس بين الحضارات ولا بين الأديان ولا حتى بين المتدينين والملحدين. وإذن بين من ومن يحدث هذا الصراع الذي يتوقف عليه مصير كوكبنا الأرضي؟ على هذا السؤال يجيب الفيلسوف الفرنسي اللامع قائلا: «إنه بين المثقفين الأحرار المتسامحين سواء أكانوا متدينين أم لا، وبين الأشخاص الدوغمائيين المتحجرين والمتعصبين بشكل أعمى لا يقبل النقاش. قد يكون هذا التعصب دينيا وقد يكون آيديولوجيا لا فرق. فالشيوعيون ما كانوا يقلون تعصبا وتحجرا فكريا عن المتدينين المتطرفين. في الواقع فإن الحدود الفاصلة بين الطرفين ليست ميتافيزيقية وإنما سياسية، ليست دينية وإنما أخلاقية».
ثم يتغلغل الفيلسوف الفرنسي أكثر فأكثر في تشخيص الوضع ويقول ما معناه: أثناء الثورة الطلابية لمايو (أيار) 1968 رفع الثوار الباريسيون الشعار التالي: «كل شيء ممكن حتى اللاشيء، حتى العدم»! وهنا يكمن وجه الخطر والخطورة على الحضارة الغربية. فقد ابتدأنا نفهم هذا الشعار بعد مرور سنوات عديدة على الثورة الطلابية المذكورة. ابتدأنا ندرك أن ما يهدد هذه الحضارة هو العدمية بالذات. وأسوأ شيء يمكن أن يحصل لنا هو أنه لا يعود لدينا شيء نواجه به ظلامية المتدينين إلا عدمية الملاحدة. إنها الكارثة الكبرى! عندئذ سوف تنتصر البربرية الوحشية على الحضارة. عندئذ ستموت الحضارة. فما الحل؟ ما العلاج؟ كيف نواجه هذا الوضع الخطير؟
يرى كونت سبونفيل أنه ينبغي علينا أن نحارب على جبهتين اثنتين لا جبهة واحدة: ضد الظلامية الدينية من جهة، وضد العدمية الإلحادية من جهة أخرى. وفيما يخص السياسة الخارجية ينبغي علينا، نحن الغربيين، أن ندعم الديمقراطيين العرب والمسلمين؛ أي التحديثيين المستنيرين. أما على الصعيد الداخلي فالسؤال المطروح هو التالي: هل يحق لي أنا غير المتدين والذي لم يعد مسيحيا أن أشطب على ألفي سنة من الحضارة الأوروبية التي كانت مجبولة بالمسيحية؟ هل ينبغي أن أمتنع عن نقل القيم الأخلاقية ذات الأصول المسيحية غالبا إلى أطفالي بحجة أنها دينية؟ وهي القيم التي ورثتها عن آبائي وأجدادي أو تلقيتها في طفولتي؟ بكلمة أخرى: هل لأني غير متدين بل وحتى ملحد ينبغي أن أنكر عظمة الإنجيل؟ هل يحق لي إنكار عبقرية القديس أوغسطين والقديس توما الأكويني وباسكال وديكارت ولايبنتز وكانط وكيركيغارد وبيرغسون لأنهم كانوا مسيحيين؟ بالطبع لا وألف لا. ينبغي العلم بأن محاربة التعصب الديني الأعمى لا تعني محاربة الدين ذاته. ولا يعني النضال من أجل العدمية الإلحادية والنسيان الحضاري لمنجزات الماضي. أخيرا سأقول ما يلي وهنا يكمن عمق تفكيري وكلمتي الأخيرة: ينبغي أن نناضل من أجل السلام بين الشعوب، من أجل حرية الاعتقاد واللااعتقاد، أو حرية التدين وعدم التدين على حد سواء. بكلمة واحدة: ينبغي أن نناضل من أجل الأنوار والعلمانية المنفتحة على المتدينين المستنيرين. فالمتدينون لهم كل مكانتهم في هذه المعركة الحاسمة بشرط أن يتخلوا عن الأصولية والتعصب الأعمى القاتل. أما غير المتدينين أو حتى الملاحدة فلهم مكانتهم أيضا بشرط أن يتخلوا عن حقدهم على الأديان والمتدينين الطيبين. وللبيان حرر!
أخيرا ماذا يمكن أن نقول عن مشروع أندريه كونت سبونفيل؟ شخصيا أجد تشخيصه مقنعا والعلاج الذي يقترحه موفقا. فقط أريد أن أوضح نقطة واحدة، وهي أنه تحدث كفيلسوف لا كمؤرخ. بمعنى أنه نسي حجم التفاوت التاريخي الذي يفصل بين المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الأوروبية؛ فالجماهير الغفيرة حتى ولو استقبلت البابا إبان الأيام العالمية للشبيبة المسيحية بمئات الألوف أو بالملايين لم تكن مدفوعة بنزعة أصولية ولا تعصب أعمى. ولم ترفع شعارات طائفية إطلاقا. وإنما عبرت عن رغبتها في الإيمان بشيء ما، بالتمسك والاستعصام بقيم ما تطمئنها وتنقذها من براثن النزعة العدمية التي تكتسح الحضارة الأوروبية التي خرجت من الدين كليا. وعلى أي حال فإن المؤلف واع بذلك كل الوعي. ولهذا السبب قال بأن الأصولية الظلامية التكفيرية هي التي تهدد العالم الإسلامي، هذا في حين أن العدمية الظلامية الإباحية هي التي تهدد العالم الأوروبي. بمعنى آخر فإن مرضهم معاكس تماما لمرضنا: تعددت الأسباب والموت واحد!



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».