مراجعة حظر الوقوف في المدرجات خطوة للأمام تستوجب الحذر

القانون يرتبط بكارثة في ملعب هيلزبره تسببت بوفاة 96 مشجعا أواخر الثمانينات

جماهير فريق كريستال بالاس ترفع لافتات تطالب بإلغاء حظر الوقوف في المدرجات
جماهير فريق كريستال بالاس ترفع لافتات تطالب بإلغاء حظر الوقوف في المدرجات
TT

مراجعة حظر الوقوف في المدرجات خطوة للأمام تستوجب الحذر

جماهير فريق كريستال بالاس ترفع لافتات تطالب بإلغاء حظر الوقوف في المدرجات
جماهير فريق كريستال بالاس ترفع لافتات تطالب بإلغاء حظر الوقوف في المدرجات

بالتأكيد يحمل قرار وزيرة الرياضة الإنجليزية تريسي كراوتش بمراجعة الحظر المفروض على وقوف الجماهير داخل المدرجات في ثناياه مؤشراً على حدوث تحول كبير من السياسة التي لطالما التزمت بها الحكومة على امتداد 24 عاماً بفرض حظر كامل وقاطع على وقوف الجماهير في المدرجات في مباريات أكبر مجموعتين من مجموعات الدوري الإنجليزي.
وعلى ما يبدو فإن التوجه العام داخل دوائر صنع السياسات الحكومية يميل نحو التخفيف من حدة الحظر والشروع في السماح بوقوف الجماهير من جديد. ومن الصعب تخيل أن كراوتش تستعد لفتح مثل هذه القضية بالغة الحساسية والتي ستتضمن مشاركة الأندية ومسؤولي الدوري والسلطات المعنية بالسلامة وذوي ضحايا كارثة ملعب هيلزبره المكلومين وروابط المشجعين، فقط لتعيد التأكيد على الحظر.
من ناحية أخرى فإنه من الواضح بالتأكيد أن الحظر الحالي يحمل قدراً كبيراً من الشحن العاطفي، بجانب أنه من الجلي تماماً السبب وراء رفض الحكومات المتعاقبة التفكير في مراجعته من قبل. من جانبه، كان القاضي تايلور قد أوصى بفرض هذا الحظر على وقوف الجماهير في الملاعب في جميع المجموعات الأربع لمسابقة الدوري بحلول عام 1994 ـ إلا أنه جرى تعديله عام 1992 بحيث يجري تطبيقه على أول مجموعتين من المسابقة فقط ـ وذلك في تقريره الثاني والأخير في يناير (كانون الثاني) 1990. بعد مصرع 95 شخصاً في حادث مروع في مدرج مخصص للوقوف في أحد مدرجات ملعب هيلزبره أبريل (نيسان) السابق. عام 1993. أصبح توني بلاند، الذي كان في الـ18 من عمره عندما ذهب إلى الاستاد لتشجيع «ليفربول» في مباراة قبل النهائي ببطولة كأس الاتحاد الإنجليزي في مواجهة «نوتنغهام فورست»، الضحية رقم 96 عندما جرى غلق أجهزة حفظ الحياة التي يتصل بها جسده عام 1993، وذلك بعد أربع سنوات مروعة كابدها والداه وشقيقته.
وفي أعقاب تفحصه حالة المدرج إياه والظروف على الأرض في أماكن أخرى، اتخذ تايلور قراره بأنه من أجل حفظ سلامة الجماهير وضمان إمكانية السيطرة عليها، يجب جعل الجلوس إجبارياً، بجانب إجراء عملية إصلاح تنظيمي كامل للمعايير المفروضة على الاستادات. وفي الوقت الذي تزايدت الضغوط باستمرار من جانب المشجعين وبعض الأندية لمعاودة السماح بوقوف الجماهير داخل الاستادات، أجرت «مجموعة دعم أسر ضحايا هيلزبره» تصويتا في الفترة الأخيرة حول القضية، وخلصت إلى أن غالبية الأسر صوتت لصالح استمرار الحظر.
ويعتقد أقارب الضحايا أن فرض الجلوس الإجباري أسهم في رفع مستوى السلامة، ما يعتبر واحدة من التداعيات الإيجابية للكارثة التي حلت بهم. وعلى مدار السنوات المظلمة التي شن فيها أقارب الضحايا حملة ضد إساءة تطبيق أحكام العدالة في أعقاب الكارثة، وجد أقارب الضحايا بعض العزاء في أنه على الأقل تحسن مستوى السلامة داخل الاستادات بدرجة كبيرة.
وعلى مدار سنوات، رفضت الحكومة دراسة مراجعة الحظر لأنها خشيت الدخول في خلاف مع الأقارب المكلومين للضحايا حول القضية ـ حتى في الوقت الذي رفض وزراء متلاحقون مراجعة التحقيق الذي أجري عام 1991 والذي استغرق الأمر من أسر الضحايا 21 عاماً كي يسقطوه. كما ساد اعتقاد في الدوائر الحكومية طيلة هذه السنوات حول أنه ليس ثمة منفعة يمكن جنيها من وراء إلغاء قرار الحظر، وإنما سيجري النظر إلى معاودة السماح بوقوف الجماهير داخل الاستادات باعتباره عودة إلى الصورة القديمة السلبية للكرة الإنجليزية خلال ثمانينيات القرن الماضي وما شهدته من كوارث وأعمال شغب.
ومع ذلك، فإن مجموعات المشجعين بقيادة «رابطة مشجعي كرة القدم» شنت حملات على امتداد سنوات لمراجعة الحظر، مشيرة إلى أن الوقوف في حد ذاته لم يكن سبب الكارثة، وإنما ظروف بعينها داخل هيلزبره. وازدادت قوة هذه الحملة منذ نجاح «سلتيك» في إقرار أسلوب للجلوس عام 2016.
ويتمثل السبب الرئيس وراء نجاح هذه الحملة في حشد قدر كبير من التأييد والمصداقية ببساطة في أن المشجعين لم يألفوا قط أسلوب الجلوس الذي أوصى به تايلور، فقد استمروا في الوقوف، في جميع مباريات الدوري الممتاز تقريباً، ومع هذا يبقى من الغريب أنه منذ شهرين فقط رفضت كراوتش فكرة إعادة النظر في الحظر القائم بحسم شديد، واصفة أنصار فكرة رفع الحظر عن الوقوف بأنهم «أقلية مرتفعة الصوت». وأضافت أن «الأندية هي الأخرى غير مقتنعة بالأمر». ودعت الوزيرة آنذاك لفرض أكثر قوة «للتنظيمات الرامية للتعامل مع الوقوف المستمر» داخل المدرجات، والذي كان من الصعب رصده بالنظر إلى الآلاف الذين يقفون داخل المناطق المخصصة للمقاعد أثناء مباريات الدوري الممتاز.
ومع هذا، قررت ذات الوزيرة مؤخرا إجراء مراجعة للقرار بناءً على التماس جرى التقدم به إلى الحكومة من أجل السماح لأندية الدوري الممتاز ودوري الدرجة الأولى بإقرار أسلوب الوقوف الآمن داخل المدرجات. وقد وقع على عريضة الالتماس 120.000 شخص. ومن المعتقد أن كراوتش ستضع نصب عينيها كذلك نظيرتها في حكومة الظل التي يؤلفها حزب العمال، روزينا ألين خان والتي من المتوقع أن تعلن دعمها لتغيير القانون. كان مسؤولو رابطة الدوري الإنجليزي قد أجروا استطلاعاً لآراء الجماهير بالتعاون مع «إف إس إف» وتوصلوا على أن 69 في المائة من إجمالي 33.000 شخص أعربوا عن رغبتهم في السماح من جديد بالوقوف داخل الملاعب.
الملاحظ أن الرابطة ذاتها بدأت في التحول باتجاه موقف مشابه هي الأخرى. وبعد أن عمدت حكومات متعاقبة على تجنب إثارة هذه القضية لما تنطوي عليه من حساسية بالغة، تتولى كراوتش الآن مراجعة الحظر على نحو شامل وقائم على التشاور ويعتمد بصورة كاملة على الأدلة المتعلقة بالسلامة. وتعهدت بإجراء المراجعة على نحو شفاف ومعلن أمام الجميع.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.