الجهيمان... رحلة 60 عاماً مع القلم

طفل العاشرة فاخر أقرانه بيمينه التي صافحت الملك المؤسس

عبد الكريم الجهيمان
عبد الكريم الجهيمان
TT

الجهيمان... رحلة 60 عاماً مع القلم

عبد الكريم الجهيمان
عبد الكريم الجهيمان

«إننا معشر الرجال جبناء ومترددون وخائفون، ولن يخرجنا من هذا إلا المرأة، فقد شقت طريقها بقوة وثقة في فترة وجيزة».. هذه الكلمات قالها الراحل عبد الكريم الجهيمان، أحد أبرز الرواد الذين خاضوا قبل ثمانين عاماً معارك شرسة، بين العلم والجهل، والتطلع لرقي المجتمع إلى الأفضل، وكتب مقالات جريئة في عدد من الصحف خلال فترة صحافة الأفراد، وألّف مجموعة من الكتب ذات العناوين الصارخة، وارتبط اسمه بإصداره أول صحيفة في المنطقة الشرقية من بلاده التي تنام على بحيرة من الذهب الأسود. وعرف الجهيمان بانتقاداته للجمود والتخلف، مطالباً بتحقيق التقدم للوصول ببلاده الناشئة إلى مستوى ما سبقها من الدول المتقدمة. وكانت من أبرز مطالبه تعليم المرأة السعودية، الذي كان غائباً في تلك الفترة، وكان الحديث عنه يعد نزولاً في المحرم. وقد تحققت نظرته ومطالبه التي طرحها قبل عقود في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، فنالت المرأة حقوقها، متجاوزة حقها في التعليم الذي كان يطالب به قبل عقود إلى حضورها في كل مناحي الحياة.
الباحث المؤلف كاتب السير محمد عبد الرزاق القشعمي قدّم قراءة طويلة عن الراحل الجهيمان، الذي توفي قبل سبع سنوات، وترك سيرة عطرة في المحطات التي مر بها، كاتباً جريئاً ومؤلفاً لافتاً. ونجح القشعمي في عرض هذه المحطات عن الراحل الجهيمان خلال ملتقى كتاب الشهر الذي تنظمه مكتبة الملك عبد العزيز العامة، وخصصته لهذا الشهر عن مذكرات وذكريات من حياة الجهيمان، التي كتبها عام 1995، أي قبل وفاته بستة عشر عاماً، وعرج فيها المحاضر على طفولة الراحل، التي لم يحظَ فيها بعطف الوالدين كاملاً، وكذلك ذكرياته في قريتي «غسله» و«الوقف»، التي تسمى متجمعة بالقراين من نواحي الوشم، عند أعمامه وأخواله، وافتراق والده عن والدته، ورعاية جدته له، ودخوله كُتّاب القرية، ومرافقته لوالده في أسفاره وذهابه للصحراء، ثم ذهابه إلى العاصمة لطلب المعيشة وهو في سن العاشرة. وهو يستذكر في هذا الصدد مصافحة الطفل الجهيمان للإمام (الملك) عبد العزيز، بعد أن قضى في ضيافته مع والده أياماً، ومنح الطفل كسوة وبعض المال من الروبيات الهندية، وهي العملة السائدة آنذاك، وعند عودته مع والده إلى القرية، فاخر أطفالها، ومد لهم يده اليمنى قائلاً: «إن هذه اليد قد صافحت الإمام عبد العزيز».
واستعرض القشعمي محطات من حياة الجهيمان، بذهابه إلى الرياض وهو في سن الثالثة عشر لطلب العلم، وسكناه في أحد الأربطة، وتناول الوجبات في المضيف التابع لقصر الملك.
كما تطرق المحاضر إلى رحلة الجهيمان لطلب العلم في الحرم المكي، والتحاقه بالمعهد العلمي السعودي، ليتخرج منه قبل 88 عاماً ليعمل معلماً في المدرسة الفيصلية، وبعدها في مدرسة البعثات والمعهد العلمي السعودي، وعمله قبل ذلك جندياً في الهجانة (سلاح الحدود حالياً) لاحتياجه إلى النفقة للصرف على متطلبات التعليم، كما عرج المحاضر القشعمي الذي عرف الراحل الجهيمان في وقت مبكر للحديث عن كتاباته الجريئة في صحيفتي «اليمامة» و«القصيم»، نهاية فترة صحافة الأفراد، معتبراً أنه كان جريئاً في كتاباته ونقده، وحتى اختيار عناوين مقالاته وكتبه، مثل: أنا مؤمن وكافر، والوزارة التي لا تقرأ، والوزارة التي لا تسمع، والوزارة التي لا تعمل، وزاويته الشهيرة (المعتدل والمايل)، وعناوين كتبه الأولى: دخان ولهب، وأين الطريق؟، وآراء فرد من الشعب. وقد كان لمثل هذه المقالات صدى واسع في المجتمع، مما عرضه للفت النظر، والإيقاف والمنع من الكتابة، مما رفع رصيده لدى المتلقين بسبب طروحاته التي تنم عن وعي ووطنية واستشراف للمستقبل.
كتب الجهيمان في عدد من الصحف والمجلات، منها «صوت الحجاز» و«أم القرى» و«اليمامة» و«القصيم»، وشارك في تأليف بعض المقررات الدراسية في الفقه والحديث والمطالعة والتهذيب، وقررتها مديرية المعارف، وتولى الجهيمان إدارة المطابع ورئاسة تحرير أول جريدة في المنطقة الشرقية (أخبار الظهران).
اتجه الجهيمان للأدب الشعبي، وصار يجمع الأمثال ويشرحها، وضمنها في عدة مجلدات، كما اتجه إلى القصص والأساطير التي تحكي بعض القصص المتنوعة ذات الدلالات، وحقق من خلالها سبقاً وتفرداً.
وأورد المحاضر القشعمي كلمات كتبها الراحل قبل ربع قرن، بعد أن تجاوز الثمانين من عمره، وفيها رصد مختصر عن رحلته الطويلة، حيث عاش أكثر من قرن: «وقد عشت في صناعة القلم نحو ستين عاماً، وتقلبت بي الأحوال، وبلوت هذه الحياة، وذقت حلوها ومرها، وعاشرت أناساً حمدت عشرتهم، وآخرين بين بين!! وأنا ولله الحمد أعيش الآن وليس لي أعداء ولا منافسين، ولا أطمع في زيادة مالي، فقد أعطاني الله فوق ما أستحق، ولا أطمع في زيادة شهرة أو جاه، فقد اكتفيت بما وصلت إليه، ولن أرى في هذه الحياة أكثر مما رأيت، ولست أحسد أحداً على كثرة ماله أو سعة جاهه، وإنما أغبط الذي حسن تعامله مع الله، وأحسن تعامله مع الخلق، فإذا ذُكر اسمه بين الناس أثنوا عليه وحمدوا سيرته، وإذا لقي ربه لقيه مرضياً عنه».
وأورد القشعمي مواقف تنم عن إنسانية الراحل وكبريائه وحبه لعمل الخير، ناقلاً في هذا الصدد ما قاله الدكتور حمود البدر: «عبد الكريم الجهيمان كان يزوره بالجامعة عندما كان وكيلاً لها، فكان يأتي بحثاً عن أوجه الخير بين الطلاب، حيث كان يتلمس الأشد حاجة ليغطيها، أو يسهم في البحث عمن يفعل ذلك، إن كان المطلوب فوق طاقته (...) وقال: إنه ترك لديه مائتي ألف ريال للصرف منها على الطلاب المحتاجين حتى لا تضطرهم الحاجة إلى قطع الدراسة». كما أشار المحاضر إلى تبرع الجهيمان بنصف مليون ريال لمركز رعاية المسنين، قبل أكثر من عشرين سنة، وقبل أن يتحول اسمه إلى مركز الملك سلمان الاجتماعي، وتبرعه بمليون وخمسمائة ألف ريال لمشروع إنشاء مدرسة بالخرج، سميت باسمه، وافتتحت قبل 14 عاماً.
وأشار القشعمي إلى قصة الأمير الراحل فيصل بن فهد، الرئيس العام لرعاية الشباب، الذي طلب مقابلة الجهيمان، عندما التقاه في أحد المعارض التشكيلية مرحباً به، وذكّره الأمير بما كان يكتب سابقاً عندما كان الأمير طالباً بمعهد الأنجال، وأنه كان من المعجبين بما يطرحه من آراء، فقال إنه سيزوره في منزله تقديراً له، فرد عليه الجهيمان شاكراً، وقال إن أعمالك ومسؤولياتك كثيرة، وأنا رجل كبير السن ولا عمل يشغلني، فأنا الذي يزورك، فتحدد موعد اللقاء بمكتبه بالرئاسة، وهو الذي استغرق أكثر من ساعة. وفي نهاية اللقاء، قدم له مظروفاً يحوي خطاب شكر وشيكاً بثلاثمائة ألف ريال. وبعدها، طلب الجهيمان من أحد أصدقائه إحضار شاحنة لنقل الكتب التي سبق أن ألفها، من أساطير وأمثال وكتب الرحلات والمقالات والأطفال والمذكرات، بما يساوي قيمة المبلغ المذكور، وكتب للأمير يشكره، ويقول إنه سلم لجمعية الثقافة والفنون كتباً بقيمة ما تسلمه منه.



الاتحاد يمدد حضوره خارج الـ90 دقيقة… ويدخل صناعة الأفلام والمسلسلات

الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
TT

الاتحاد يمدد حضوره خارج الـ90 دقيقة… ويدخل صناعة الأفلام والمسلسلات

الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)

على مدى عقود، صنع نادي الاتحاد السعودي جانباً كبيراً من ذاكرته في 90 دقيقة؛ أهداف وبطولات ونجوم ومدرجات تناقلت حكاياتها أجيال من المشجعين.

واليوم، يبحث النادي عن مساحة أخرى تعيش فيها هذه الذاكرة خارج زمن المباراة، بعدما قرر الدخول إلى صناعة الأفلام والمسلسلات، وجعل الشاشة امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب.

الخطوة بدأت بإعلان النادي وشركة «تلفاز 11»، المتخصصة في تطوير وإنتاج المحتوى، شراكة استراتيجية طويلة الأمد، يتعاونا بموجبها على إنتاج أفلام ومسلسلات وأعمال ترفيهية موجهة إلى الجمهور في السعودية والمنطقة وخارجها، تجمع إرث «الاتحاد» وقاعدته الجماهيرية بخبرة الشركة في صناعة المحتوى وسرد القصص.

يقول رئيس الإعلام المؤسسي في النادي، رياض المزهر، لـ«الشرق الأوسط»، إن الفكرة انطلقت من إدارة الإعلام لديهم، ولم تُقتبس من تجربة نادٍ آخر، موضحاً أنه لا يعرف نادياً عربياً سبق الاتحاد إلى نموذج مماثل بهذه الصورة.

وكشف المزهر أن التوجه يقوم على إنتاج أعمال درامية وتجارية مشتركة ربما ترتبط بالرياضة أو تبتعد عنها تماماً؛ مضيفاً أن الاتحاد قد يظهر خلفيةً للأحداث، أو تكون إحدى شخصيات مسلسل من مشجعيه، أو يحضر اسم النادي بصورة طبيعية داخل القصة، فيما يظل العمل في جوهره درامياً.

وهنا تكمن الفكرة الأبعد للمشروع: ألا تكون الشاشة مكاناً يروي قصة «الاتحاد» فقط؛ بل فضاء يصبح النادي نفسه جزءاً من حكاياته. ولهذا استحدث استوديو خاصاً به بوصفه بيت إنتاج متخصصاً لتطوير وكتابة وإنتاج الأعمال، في خطوة تنقله من إتاحة اسمه ولاعبيه ومنشآته لصناع المحتوى إلى المشاركة في صناعة ما سيظهر على الشاشة.

والمشروع تجاوز بالفعل مرحلة الفكرة؛ إذ أفاد المزهر بأن العمل بدأ على أول مشروعين ضمن هذا التوجه، لكنه تحفظ على الكشف عن تفاصيلهما في الوقت الراهن.

الشراكة تجمع إرث «الاتحاد» وقاعدته الجماهيرية بخبرة «تلفاز 11» في صناعة المحتوى وسرد القصص (النادي)

ذاكرة تعبر الأجيال

لا يضع الاتحاد العائد المالي المباشر في مقدمة رهانه الجديد، بل تستهدف التجربة، بحسب المزهر، تعزيز حضور النادي وتقديمه من خلال الدراما «بطريقة ناعمة وليست موجهة بشكل مباشر»، فيما ستكون أي عوائد تحققها الأعمال مشتركة بين طرفي الشراكة.

فبينما اللاعب يعتزل، والبطولة تتحول مع مرور السنوات إلى تاريخ، ويأتي جيل لم يشاهد اللحظات التي صنعت ذاكرة من سبقه، يمنح الفيلم والمسلسل النادي طريقاً آخر لعبور الزمن؛ من خلال شخصية أو قصة أو تفصيل يستطيع أن يُبقي اسم الاتحاد وهويته ولاعبيه حاضرين لدى أجيال جديدة، وحتى لدى مشاهد ربما لا يتابع كرة القدم.

وبذلك تصبح الدراما بالنسبة إلى الاتحاد أداة من أدوات القوة الناعمة، من خلال حضور يتجاوز تعريف المشاهد بـ«النادي»، وإنما يجعله يلتقيه داخل قصة يريد معرفتها.

نمو السينما السعودية

لا يأتي اختيار نادي الاتحاد للشاشة في فراغ؛ بل في لحظة اكتسبت فيها صناعة السينما السعودية وزناً مختلفاً خلال سنوات قليلة؛ ففي 2025، بلغت إيرادات شباك التذاكر 920.8 مليون ريال (245 مليون دولار)، بنمو 8.9 في المائة عن العام السابق، مع بيع 18.8 مليون تذكرة وعرض 538 فيلماً.

لكن الرقم الأكثر دلالة على التحول يتعلق بالمحتوى المحلي نفسه؛ إذ حققت 11 فيلماً سعودياً خلال العام 122.6 مليون ريال (32.7 مليون دولار) من الإيرادات، بعد بيع 2.8 مليون تذكرة، مقارنة بنحو 56.8 مليون ريال (15 مليون دولار) للأفلام السعودية في 2024، بما يعني أن إيرادات الإنتاج المحلي تجاوزت الضعف خلال عام واحد.

وفي سوق أصبح فيها الفيلم السعودي قادراً على المنافسة على المشاهد وشباك التذاكر، يبدو دخول مؤسسة رياضية بحجم نادي الاتحاد إلى صناعة المحتوى امتداداً لتحول أكبر؛ فالسينما لم تعد مجرد مساحة عرض، بل أصبحت سوقاً للحكايات والهويات والملكية الفكرية.

أما «تلفاز 11»، فتأتي للشراكة بخبرة ممتدة من المحتوى الرقمي إلى إنتاج الأفلام والمسلسلات، ومن أعمالها «سطار» و«ناقة» و«مندوب الليل»، مع تجربة سابقة في الاقتراب من عالم الأندية الرياضية عبر الفيلم الوثائقي «الروح الزرقاء» عن نادي الهلال عام 2022.

دخول الاتحاد إلى صناعة المحتوى امتداد لتحول أكبر في سوق السينما (النادي)

حكاية ترسخ الهوية

يرى رئيس تحرير منصة «فاصلة» السينمائية، أحمد العياد، أن هذه الشراكة تمثل «خطوة مهمة وواعدة»، لأنها تجمع نادياً يمتلك تاريخاً طويلاً وقاعدة جماهيرية كبيرة بشركة لديها خبرة في صناعة المحتوى السينمائي والتلفزيوني.

ويضيف العياد أن الاتحاد يمتلك «مخزوناً ضخماً من الحكايات»، لا يتوقف عند بطولاته ونجومه، وإنما يمتد إلى علاقته بمدينة جدة وجماهيره في مختلف مناطق السعودية، بما يمنح الأعمال فرصة للوصول إلى جمهور يتجاوز مشجعي النادي نفسه.

لكن هذا المخزون وحده لا يضمن نجاح التجربة؛ فالعياد يضع شرطاً أساسياً أمام المشروع: أن تستطيع الأعمال تجاوز المحتوى الدعائي المباشر؛ لأن الجمهور يريد قصة حقيقية وممتعة، فيها النجاح والإخفاق والتحديات، لا مجرد عمل احتفائي بالنادي.

وهنا يكمن ربما أصعب اختبارات رهان الاتحاد على القوة الناعمة، ويتمثل في أن يكون النادي حاضراً بما يكفي لترسيخ هويته، وخفيفاً بما يكفي كي تبقى الحكاية هي البطل.

وبعد عقود صنع خلالها حضوراً في الملعب، يدخل الاتحاد اليوم تجربة مختلفة يسعى منها لأن يصبح شريكاً في صناعة ما يشاهده الجمهور، ويمنح ذاكرته طريقاً جديداً للعبور من جيل إلى آخر، أبعد من حدود الـ90 دقيقة.


محبو المقناص يتأهبون لموسم الصيد شمال السعودية بتجهيز أدوات الطاروح

تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)
تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)
TT

محبو المقناص يتأهبون لموسم الصيد شمال السعودية بتجهيز أدوات الطاروح

تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)
تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)

تستعد صحراء منطقة الحدود الشمالية السعودية لاستقبال موسم جديد لصيد الصقور في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وسط حضور متزايد للهواة، ومحبي المقناص من مختلف أنحاء المملكة، ودول الخليج.

وتبرز صحراء الحماد في منطقة الحدود الشمالية بوصفها إحدى أبرز الوجهات التي يقصدها محبو المقناص، لما تتميز به من امتداد صحراوي مفتوح، وموقع يرتبط بمسارات هجرة الصقور.

ومع قرب الموسم، تبدأ الاستعدادات والتجهيزات التي تسبق لحظة طرح الصقر عند ظهوره في السماء، حيث تشمل إعداد عدة الطاروح، وتجهيز أدواته، بوصفها جزءاً أصيلاً من تفاصيل الصيد بالصقور في المنطقة، بدءاً بالمناشبية، والملواح، إلى الشبك، والحمام المساعد، وغيرها، حيث لكل منها وظيفتها، ووقت لاستخدامها.

استعدادات مع قرب موسم الصيد تشمل إعداد عدة الطاروح وتجهيز أدوات الطرح (واس)

وتلتقي الأدوات التي تتباين في أشكالها وطرق استخدامها عند غاية واحدة، تتمثل في التعامل مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص جيلاً بعد آخر، فيما تطورت بعض تفاصيلها مع مرور الزمن، لتجمع اليوم بين الخبرة المتوارثة ووسائل المساعدة الحديثة.

وتأتي «المناشبية» ضمن الأدوات المستخدمة في طرح الصقور، وتعتمد على مهارة الطاروح في إعدادها، وتجهيزها، واستخدامها في الوقت والمكان المناسبين، فيما يمثل «الملواح» أداة مرتبطة بتدريب الصقر، واستدعائه، ومحاكاة المطاردة، ويستخدمه الصقار لإثارة انتباه الطير، وتحفيزه على الانقضاض.

أدوات الطاروح تطورت بعض تفاصيلها مع مرور الزمن (واس)

ويعد «الشبك» من أبرز أدوات الطرح، وتتعدد طرق استخدامه بحسب الأسلوب المتبع، ونوع الطير المستهدف، فيما يدخل «الحمام المساعد» في بعض الطرق بوصفه وسيلة لاستدراج الصقر، وتوجيهه إلى المسار المعد للطرح.

وترافق الصقار مجموعة أدوات أصبحت جزءاً من عدته، ومفردات المقناص، منها خاصة بحمل الصقر، والعناية به، والتعامل معه، كـ«البرقع» الذي يحجب الرؤية عن الطير، ويستخدم في التعامل معه، ونقله، والسبوق الذي يربط به، فضلاً عن الوكر، والدس، وغيرهما.


«المسرح فرجة»... شعار يجمع عشّاق الخشبة في «مهرجان لبنان المسرحي الدولي»

مسرحية «المهرّج فيوري» من إيطاليا تشارك في المهرجان (الجهة المنظمة)
مسرحية «المهرّج فيوري» من إيطاليا تشارك في المهرجان (الجهة المنظمة)
TT

«المسرح فرجة»... شعار يجمع عشّاق الخشبة في «مهرجان لبنان المسرحي الدولي»

مسرحية «المهرّج فيوري» من إيطاليا تشارك في المهرجان (الجهة المنظمة)
مسرحية «المهرّج فيوري» من إيطاليا تشارك في المهرجان (الجهة المنظمة)

تشهد الحركة المسرحية في لبنان نهضة لافتة تعيد إلى الخشبة حضورها ودورها في المشهد الثقافي. فبين عروض جديدة وتجارب شابة ومهرجانات تفتح أبوابها أمام المسرحيين، يستعيد أبو الفنون شيئاً من بريقه، مؤكداً مرة أخرى أنه لا يزال مساحة للتعبير واللقاء. وفي هذا السياق، يأتي «مهرجان لبنان المسرحي الدولي» ليحتفي بالخشبة وفنانيها، رافعاً شعار «المسرح فرجة تحمل هموم المجتمع»، في دعوة إلى استعادة متعة المسرح والاحتفاء به فناً حيّاً ومتجدّداً.

مسرحية «نقوش على الخواء» من المغرب تشارك في المهرجان (الجهة المنظمة)

وفي دورته الـ13، التي تنظِّمها، كما في كل عام، جمعية «تيرو للفنون» و«مسرح إسطنبولي»، يقدّم المهرجان عروضاً مسرحية من لبنان ودول أخرى. ومن 18 الحالي إلى 22 منه، يفتح أبوابه مجاناً أمام الجمهور في 3 مدن لبنانية: صور وطرابلس وبيروت. وتُقام العروض في «المسرح الوطني اللبناني» في كلٍّ من صور وطرابلس، فيما تستقبلها في بيروت «سينما الكوليزيه» التاريخية، إحدى أقدم دور العرض السينمائي في لبنان.

وحُوِّلت «سينما الكوليزيه» إلى «المسرح الوطني اللبناني»، لتصبح مساحة ثقافية حرّة ومستقلة، مفتوحة مجاناً أمام الجمهور، وتُقام فيها ورش تدريبية ومهرجانات وعروض فنية، إلى جانب احتضانها مكتبة عامة ومقهى فنياً.

ويشير مؤسس «المسرح الوطني اللبناني»، الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي، الحائز «جائزة اليونيسكو-الشارقة للثقافة العربية»، إلى أن «الهدف من مشروع إعادة تأهيل سينما الكوليزيه هو إقامة صلة بين الجنوب والشمال وبيروت».

ويتابع في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يمثّل المهرجان استكمالاً لحلمنا الذي بدأ قبل 7 أعوام، مع تأسيس المسرح الوطني اللبناني في صور، وهو أول مسرح وسينما يفتحان أبوابهما مجاناً أمام الجمهور في لبنان».

ويضيف: «يهدف المهرجان إلى مواجهة تداعيات الحرب التي يعيشها لبنان، والتأكيد على أهمية بقاء المسرح مفتوحاً أمام الناس في الحرب والسلم. وبفضل جهود الشباب المتطوعين، سنحقّق ما بعد المركزية الثقافية، ونكسر، عبر الفنون، الجدار الوهمي بين المناطق اللبنانية، ونربط بعضها ببعض من خلال المساحات الثقافية».

«فراشة» مونودراما من الجزائر (الجهة المنظمة)

ويتابع إسطنبولي: «نحن سعداء بأننا نعيش الحلم في بيروت، من خلال تأسيس المسرح الوطني اللبناني في سينما الكوليزيه التاريخية، بعد تأسيسه في مدينتي صور وطرابلس. وهذا إنجاز مهم للمسرحَين اللبناني والعربي».

وتتنافس العروض الثمانية المشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان على جوائز عدة، بينها أفضل ممثل، وأفضل ممثلة، وأفضل سينوغرافيا، وأفضل إخراج، إلى جانب جائزة لجنة التحكيم. وتتألف اللجنة من الممثلَين اللبنانيين عمر ميقاتي وجوليا قصار، والكاتب والمخرج اللبناني يوسف الرقة، إلى جانب المخرج الأردني خالد المسلماني والكاتب الدكتور قاسم قاسم.

ومن بين الأعمال المشاركة مسرحية «المهرّج فيوري» الإيطالية، التي تستلهم موضوعها من قصة «الأمير الصغير» للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، ويؤديها الممثل الإيطالي نيكولا ميشيل.

كذلك تُعرض المسرحية اليونانية «أي جيرونتوكوري» (العانس)، وهي من فكرة فاني داليزيو وأدائها. ويشارك المخرج الجزائري بوطالب الطاهر بمسرحية «الفراشة»، من بطولة الممثلة بولناس شروق. ومن العراق، تُعرض مسرحية «من الطين وإلى»، من تأليف وسام عبد السلام، وإخراج زيدون السلطان، وتمثيل أظهر الأسدي، فيما يشارك المغرب بمسرحية «نقوش على الخواء»، من إخراج إدريس كصري.

ويخصّص المهرجان مساحة للعروض اللبنانية، بينها «بانتظار الأمل وراجعين»، من إنتاج جمعية «تيرو للفنون»، ويشارك في بطولتها عدد من الأطفال والشباب النازحين، إلى جانب مسرحية «زوجات ولكن» لقاسم قاسم، وعرض «4333» من أداء ديانا آدم.

وتشهد ليلة الافتتاح عروضاً راقصة وفولكلورية من اليابان وسوريا وفلسطين، في محطة تجمع ثقافات مختلفة على خشبة واحدة. ويتضمّن البرنامج أيضاً تحية إلى الدكتور سلطان القاسمي.

ويشيد إسطنبولي بالحركة المسرحية التي يشهدها لبنان حالياً، والتي تسهم، برأيه، في ولادة مواهب حقيقية من جيل الشباب. لكنه ينتقد، في المقابل، غياب الدعم الرسمي لهذا الفن، مما يجعل الحركة المسرحية رهينة مبادرات فردية لا تحظى بالتشجيع اللازم للنهوض بها. ويعلّق في هذا السياق: «نعاني في لبنان نقصاً في الدعم المسرحي، فتتحوّل أعمالنا إلى مجازفة في ظل إمكانات محدودة. حتى إن مسرحيين محترفين يعانون المشكلة نفسها، رغم خبراتهم الطويلة في هذا المجال».

من عروض المهرجان «العانس» من اليونان (الجهة المنظمة)

وعن كثافة الإنتاج المسرحي في لبنان، يقول: «لا أستطيع متابعة جميع المسرحيات المعروضة كي أقيّمها، لكنني أدرك تماماً أن وسائل التواصل الاجتماعي أدّت دوراً بارزاً في تنشيط الحركة المسرحية. فالمواهب التي تطل عبر المنصات الإلكترونية في مجال الكوميديا و(استاند أب كوميدي) بدأت تحجز لنفسها مكاناً لدى الجمهور، وانتقل بعضها إلى الخشبة لتقديم عروضه. وأرى في ذلك أمراً مشجّعاً ومساعداً على النهوض بالمسرح. وكما في أي مهنة أخرى، هناك أعمال جيدة ترتقي إلى المستوى المطلوب، وأخرى ضعيفة بسبب رداءة موضوعاتها».