البرلمان العراقي ينتخب سليم الجبوري رئيسا له بعد جلستين فاشلتين

قوات الجيش تدخل تكريت وتسيطر على جزئها الجنوبي بعملية برية واسعة

البرلمان العراقي ينتخب سليم الجبوري رئيسا له بعد جلستين فاشلتين
TT

البرلمان العراقي ينتخب سليم الجبوري رئيسا له بعد جلستين فاشلتين

البرلمان العراقي ينتخب سليم الجبوري رئيسا له بعد جلستين فاشلتين

اعاد البرلمان العراقي اليوم (الثلاثاء) اطلاق العملية السياسية، معبدا الطريق أمام تشكيل حكومة جديدة، بعدما نجح في انتخاب سليم الجبوري رئيسا له، في وقت حققت القوات الحكومية تقدما بارزا في مواجهة المسلحين بدخولها مدينة تكريت.
وحصل الجبوري، مرشح القوى السنية الرئيسة في البرلمان المؤلف من 328 نائبا، على 194 صوتا من بين اصوات 273 نائبا حضروا جلسة اليوم وشاركوا في عملية التصويت، علما ان عدد الاصوات المطلوب للفوز بهذا المنصب هو 165 صوتا.
وحصلت النائب شروق العبايجي التي نافست الجبوري على هذا المنصب، على 19 صوتا، بينما فرزت 60 ورقة تصويت باطلة.
وكان البرلمان العراقي فشل في جلسته الاولى في الاول من يوليو (تموز) في انتخاب رئيس له، بحسب ما ينص الدستور، وفي جلسته الثانية ايضا الاحد الماضي، قبل ان تطغى التوافقات السياسية على جلسة اليوم.
ويتحدر الجبوري من محافظة ديالى شمال شرقي بغداد، وهو عضو في الحزب الاسلامي العراقي.
وتعيد مسألة انتخاب رئيس للبرلمان اطلاق العملية السياسية في العراق وتعبد الطريق امام بدء مفاوضات تشكيل حكومة جديدة تواجه التحديات التي تعصف بهذا البلد، وعلى رأسها الهجوم الكاسح الذي يشنه مسلحون منذ أكثر من شهر.
وينص الدستور على ان يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال ثلاثين يوما من تاريخ اول انعقاد للمجلس، على ان يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخابه.
وبحسب العرف السياسي المتبع في العراق، فان رئيس الوزراء يكون شيعيا، ورئيس البرلمان سنيا، ورئيس الجمهورية كرديا.
ويطغى تمسك رئيس الوزراء نوري المالكي بمنصبه على المشهد السياسي، بعدما أكد انه لن يتنازل "أبدا" عن السعي للبقاء على رأس الحكومة لولاية ثالثة، رغم الانتقادات الداخلية والخارجية له والاتهامات الموجهة اليه باحتكار الحكم وتهميش السنة.
ويطالب خصومه السياسيون وبينهم السنة كتلة "التحالف الوطني" اكبر تحالف للاحزاب الشيعية بترشيح سياسي آخر، فيما يصر هو على أحقيته في تشكيل الحكومة مستندا الى فوز لائحته بأكبر عدد من مقاعد البرلمان (92 نائبا) مقارنة بالكتل الاخرى.
وفي موازاة الاختراق السياسي الذي تحقق في البرلمان اليوم، تمكنت قوات الجيش من دخول تكريت والسيطرة على الجزء الجنوبي من المدينة التي سقطت في ايدي تنظيم "داعش" قبل أكثر من شهر.
وقال محافظ صلاح الدين احمد عبد الجبوري لوكالة "فرانس برس" ان "القوات العراقية تمكنت صباح اليوم من دخول مدينة تكريت" (160 كلم شمال بغداد)". مضيفا أن "قواتنا تمكنت خلال العملية التي بدأت صباحا من السيطرة على الجزء الجنوبي من المدينة، حيث يقع مبنى المحافظة وأكاديمية الشرطة ومستشفى تكريت"، مشيرا الى مشاركة قوات مكافحة الارهاب والنخبة و"متطوعي الحشد الشعبي" في العملية.
وبدأت هذه القوات في 28 من يونيو (حزيران) الماضي تقدمها برا باتجاه مدينة تكريت، كبرى مدن محافظة صلاح الدين، مدعومة بغطاء جوي كثيف.
وتمكنت قوات خاصة للجيش بداية من السيطرة على جامعة تكريت الواقعة في شمال المدينة بعد عملية انزال أعقبتها اشتباكات مع مسلحين لتمهيد الطريق، بحسب مسؤولين عسكريين، لإطلاق العملية البرية لاحقا.
وسيطر مسلحون يقودهم تنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)" في 11 يونيو الماضي على المدينة بعد موجة هجمات استهدفت مدنا مهمة ابرزها الموصل (350 كلم شمال بغداد) التي سقطت مع مناطق اخرى من شمال وشرق وغرب البلاد في ايدي هذا التنظيم المسلح.
وفي ناحية الضلوعية (90 كلم شمال بغداد) التي تشهد منذ يومين مواجهات متواصلة بين القوات الحكومية وعشائر من جهة، ومسلحي "داعش" من جهة ثانية، قال احد المقاتلين الموالين للحكومة عمر الجبوري في اتصال مع "فرانس برس" "الجيش يشن عملية كبيرة من الشمال". مضيفا ان "الاشتباكات لا تزال جارية والمسلحون يتحصنون ببعض المباني ولديهم أسلحة قناصة، والقوات الامنية حاليا تعمل على محاصرتهم".
وشن مسلحو تنظيم "داعش" يوم الاحد الماضي هجوما على ناحية الضلوعية، التي تسكنها غالبية سنية، وسيطروا على قسم كبير من الناحية ضمنه مركز الشرطة والمجلس البلدي ومديرية الناحية ومقرات للشرطة.
وتشكل الضلوعية التي خاضت معارك عدة على مدار السنوات الماضية مع تنظيمات متطرفة بينها "القاعدة"، نقطة قتال محورية بالنسبة الى القوات الحكومية وبالنسبة الى المسلحين المتطرفين، ايضا الذين يسعون للزحف نحو بغداد من جهة الشمال.
وبالتزامن مع هذه الأحداث، اعلنت وزارة الدفاع الاميركية ان الفرق العسكرية الاميركية انهت تقييما للقوات الامنية العراقية.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" نقلا عن مسؤولين اميركيين، ان التقرير يذكر ان نصف وحدات الجيش العراقي فقط مؤهلة لتلقي النصح من القوات الاميركية، وان القوات العراقية لديها القدرة للدفاع عن بغداد، لكن ليس بالضرورة عن كامل المدينة.
ومن المفترض ان يدرس وزير الدفاع تشاك هيغل والقادة العسكريين هذا التقرير ثم يرفعون توصية بايفاد بعثات محتملة من المستشارين العسكريين الاميركيين الى العراق، حيث يوجد حاليا نحو 220 من هؤلاء المستشارين.
على صعيد متصل، قتل تسعة من عناصر قوات الامن بينهم ثلاثة ضباط في تفجيرين بعبوتين ناسفتين بعيد منتصف ليل الاثنين / الثلاثاء في منطقة تقع الى الجنوب من بغداد، حسبما افادت مصادر في الشرطة واخرى طبية.
وقال ضابط برتبة عقيد في الشرطة لوكالة "فرانس برس" ان "تسعة من عناصر الجيش ثلاثة منهم ضباط قتلوا وأصيب خمسة آخرون جراء انفجار عبوتين ناسفتين في منطقة المدائن" على بعد 20 كلم جنوب بغداد. وأوضح ان "الضحايا وقعوا في كمين بعد قدومهم لتفقد موقع عبوة ناسفة انفجرت على شارع رئيس، ولدى وصولهم انفجرت الاخرى".
واكد مصدر طبي في مستشفى المدائن لـ"فرانس برس" حصيلة ضحايا التفجيرين.
على صعيد آخر، أعلنت مديرية شرطة محافظة النجف في بيان لها اليوم، أنها بدأت تطبيق قرار صادر عن مجلس المحافظة بمنع بيع وشراء البضائع التركية والسعودية والقطرية، متهمة هذه الدول الثلاث بدعم وتمويل "الارهاب" في العراق.
وجاء في البيان الذي تلقت وكالة "فرانس برس" نسخة منه "من اجل تنفيذ ما أقره مجلس محافظة النجف الاشرف في منع بيع وشراء البضائع التركية والسعودية والقطرية، فان الجهات الامنية المختصة ستقوم بمتابعة التجار والاسواق لمنع تداول بضائع الدول المشار اليها".
واضاف بيان مديرية شرطة النجف ان الجهات الامنية "ستمنع دخولها الى الحدود الادارية للمحافظة وستمهل التجار تصريف البضائع المنتشرة في اسواق محافظة النجف الاشرف ولن تسمح لهم باستيراد بضائع الدول الداعمة للارهاب"، كما جاء في البيان. وتابع البيان "كما ستتخذ اجراءات قانونية صارمة بحق من يتعامل بالبضائع التركية والسعودية والقطرية".
يذكر ان مجلس محافظة النجف اصدر في التاسع من يوليو (تموز) قرارا، أعلن فيه مقاطعة البضائع التركية والسعودية والقطرية والاستعاضة عنها ببضائع من دول اخرى.
وكان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي اتهم في اكثر من مناسبة السعودية وقطر بدعم الجماعات المسلحة المتطرفة في العراق، الأمر الذي اثار استهجانهما، وخاصة المملكة العربية السعودية التي تبذل جهودا كبيرة في القضاء على الارهاب وتجفيف منابعه، وقد أصدرت عدة قرارات تجرم فيه الارهابيين ومن يتعاون معهم.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.