شعبية بوتين أمام اختبار التحديات الاقتصادية

العقوبات الأميركية تشدد الخناق على المواطنين والأثرياء المقربين من الكرملين

مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)
مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)
TT

شعبية بوتين أمام اختبار التحديات الاقتصادية

مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)
مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)

للمرة الأولى منذ وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى الحكم في روسيا عام 2000، لا يكون الشغل الشاغل لوسائل الإعلام الروسية تقويم أدائه بعد مرور 100 يوم على تسلمه منصبه عقب استحقاق انتخابي جديد، بل باتت الأوساط الإعلامية والبرلمانية و«جيش» الخبراء الذي يملأ الشاشات يومياً في برامج الـ«توك شو» تناقش مختلف القضايا الخارجية، من سوريا إلى «العدوان الأميركي المتجدد والمتواصل» على روسيا، إلى إيران وملفها النووي، وكوريا الشمالية، و«خبث» السياسة البريطانية التي «سخّرت استخباراتها ضد روسيا». كل شيء قابل للنقاش، إلا الوضع الداخلي والتحديات الاقتصادية والمعيشية المتزايدة، وتصاعد نبرة الانتقادات في الشارع، وحال التذمر التي بدأت تنتشر في أوساط كانت حتى الأمس القريب محسوبة على جمهور المؤيدين لسياسات الرئيس بوتين.
وحده ملف إصلاح النظام التقاعدي في روسيا فجّر مرة واحدة كل الانتقادات للسياسة الداخلية للكرملين، وأدى إلى اندلاع موجة احتجاجات واعتصامات في أنحاء مختلفة من البلاد، تميّزت هذه المرة بأنها لم تكن من تنظيم المعارضة المتهمة بالولاء للغرب. وفشلت مساعي السلطة في محاصرة تداعياتها، حتى عبر قرارات إدارية صارمة بمنع مناقشة المسألة في وسائل الإعلام، وتقييد التحركات الاحتجاجية، لدرجة أن محكمة في موسكو أمرت بحبس المعارض أليكسي نافالني لمدة شهر «احتياطياً» في خطوة استباقية لمحاولته تنظيم احتجاجات واسعة النطاق.
الأسوأ من ذلك بالنسبة إلى الكرملين أن استطلاعات أجرتها مراكز مرموقة، بينها مركز «ليفادا»، أظهرت تراجعاً في شعبية الرئيس بوتين بنسبة غير مألوفة بالنسبة إلى سيد الكرملين الذي فاخر أنصاره خلال السنوات الأخيرة بأن نسب تأييده حافظت على معدلات يحلم بها قادة الغرب عادة. ومن نحو 77 في المائة، وهي النسبة التي حصل عليها بوتين في الانتخابات الأخيرة، تراجعت نسب التأييد مرة واحدة بنسبة 30 في المائة، في نتيجة ذكرت بأسوأ مراحل تأييد بوتين في عام 2013، عندما أسفرت حملة الاحتجاجات الواسعة التي نظمت على خلفية الاتهامات بتزوير الانتخابات عن تراجع معدلات تأييد بوتين إلى نحو 40 في المائة، قبل أن تعاود الارتفاع الصاروخي في العام التالي، على خلفية قرار ضم القرم إلى روسيا الذي دغدغ المشاعر القومية عند الروس، ودفع إلى إعلاء شعار «الانتصارات الخارجية واستعادة أمجاد روسيا العظمى يعوضان عن الحرمان وسياسة شد الأحزمة في الداخل».

بوتين 2018... قرارات موجعة
لا شك أن تراجع شعبية الرئيس الروسي بهذه الطريقة مرتبط برزمة من القرارات الداخلية التي اتُّخذت لترشيد الإنفاق، وتكييف روسيا مع الظروف الجديدة وهي تواجه عقوبات أميركية وغربية يتوقع أن تستمر لفترة طويلة جداً. وعلى الرغم من عبارات «المواجهة مع الغرب» و«محاولات تركيع روسيا»، بين شعارات وعبارات ترددت كثيراً لتحفيز المزاج الوطني على مواصلة شد الأحزمة، وتقبل القرارات الصعبة داخلياً، باعتبار أن روسيا تخوض مواجهة كبرى خارجياً، فإن هذا المدخل لم يعد يعمل كثيراً في ظروف وصلت فيها العقوبات الغربية إلى المؤسسات والشخصيات المقربة من الكرملين، وباتت تهدد القطاعات التي تعد «الخط الأخير» لصمود روسيا أمام الضغوط الخارجية، وبينها قطاعات النفط والغاز والمعادن، وأخيراً القطاع المصرفي برمّته.
والأسوأ من ذلك أن تداعيات العقوبات وقرارات الرد الروسية أثّرت مباشرة على حياة المواطنين، من خلال ارتفاع الأسعار الحاد، ومن خلال قرارات بوتين الصعبة لمواجهة تراجع النمو الاقتصادي، ومحاولته الحصول على مصادر تمويل داخلية، تعتمد بالدرجة الأولى على جيوب المواطنين، لمواجهة توقعات الحكومة بأن الجمود الاقتصادي سيدوم لفترة طويلة جداً.
وبين القرارات الصعبة الارتفاع الكبير للأسعار في كل المجالات، وبينها الارتفاع الحاد في أسعار البنزين، وقرار رفع ضريبة الدخل، ثم تمرير مشروع إصلاح النظام التقاعدي، بشكل يرفع سن التقاعد للرجال من 60 إلى 65 سنة، وللنساء من 55 إلى 63 سنة. هذا القانون الذي مرره مجلس الدوما من القراءة الأولى، فجّر الغضب في الشارع، لأنه يؤثر مباشرة على حياة عشرات الملايين من الروس، علماً بأن كل السلطات التي مرت في روسيا منذ العهد السوفياتي حافظت على النظام التقاعدي مستقراً، ولم تنجح في إدخال تعديلات عليه، حتى في أسوأ ظروف الفوضى في تسعينات القرن الماضي، لم يتمكن الرئيس السابق بوريس يلتسن من طرح هذا الموضوع لإقراره في البرلمان، ما يعكس درجة الصعوبة التي واجهت بوتين وهو يتخذ هذا القرار، بناء على توصية من الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة.
واضطر بوتين بعد مرور أربعة شهور على السجالات الواسعة في الشارع حول مشروع القانون أن يتدخل بشكل شخصي ومباشر، عبر توجيه رسالة تلفزيونية نادرة إلى الشعب الروسي، أوضح فيها دوافع وظروف اتخاذ القرار برفع سن التقاعد. ولا يظهر بوتين في رسائل تلفزيونية مباشرة إلا في حالة تطورات خطرة. وبعد أن قدم عرضاً تاريخياً، وتحدث عن الأزمة الديموغرافية الحادة التي تعيشها روسيا، قال لمواطنيه إنه شخصياً كان ضد إدخال أي تعديلات على النظام التقاعدي، لكن هذا الإجراء لا بد منه.
وحاول بوتين امتصاص الغضب بظهوره المباشر في خطاب عاطفي للمواطنين، كما أنه لعب على مزاج نصف المجتمع، عبر تخفيف الإجراءات الجديدة قليلاً عن النساء، فأدخل تعديلاً يقضي برفع سن النساء إلى 60 سنة فقط بدلاً من 63 سنة.
هكذا، ظهر أن بوتين «حافظ على توازن القانون الجديد»، وفقاً لتعليق وزير المال السابق أليكسي كودرين، وأكد محافظته على النهج الذي وضعه القطاع الاقتصادي في الحكومة لمواجهة الصعوبات الحالية، على الرغم من أن القرار موجع للغالبية الساحقة من الشعب.
ظهور بوتين في الخطاب المتلفز هدف أيضاً إلى استعادة بعض ما فقده من شعبية، فهو «القيصر المنقذ»، وفقاً لوصف بعض المواقع المعارضة، الذي يخفف من وقع تصرفات الحكومة التي ظهرت بمظهر «الشرطي الذي يرفع الهراوة، فيأتي بوتين ليخفف من وقعها قليلاً على الناس».
والعنصر الثاني المهم أن روسيا مقبلة على انتخابات مجالس محلية وحكام الأقاليم الشهر المقبل، وثمة خطر من أن يفقد الكرملين عدداً من الشخصيات المقربة إليه في الأقاليم، ما يمكن أن يزيد من صعوبة الوضع الداخلي.

ترتيبات للخلافة
وفي هذا الإطار، حرص بوتين خلال الشهور التي أعقبت انتخابه في ولايته الرابعة والأخيرة على اتخاذ عدد من القرارات التي نظر إليها باعتبارها تدخلاً في إطار محاربة الفساد، من خلال إجراء مناقلات وتعديلات وحركة إقالات واسعة، طالت صفوف وزارات الدفاع والداخلية والطوارئ، وجهاز التحقيق المركزي وأجهزة سيادية أخرى في البلاد، وأطاحت برؤوس جنرالات. وفسّرت إقالة بعضهم بارتباطهم بملفات فساد، بينما شغل آخرون مواقع أخرى في وزارات وأجهزة مختلفة.
ويقول معارضون إن التحركات الواسعة لبوتين تضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهي تهدف إلى إطاحة بعض الفاسدين الذي غدوا عبئًا على السلطة في الظروف الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تشكل وسيلة أساسية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، في إطار جهود بوتين الذي يدرك أن هذه ولايته الأخيرة في الكرملين لإيجاد خليفة قادر على إدارة التوازنات الصعبة بين مراكز الثقل الأساسي، والتكتلات القوية في البلاد، بكل مستوياتها العسكرية والأمنية والاقتصادية. ويتوقع بعضهم أن يكون العام الثاني لولاية بوتين حاسماً لجهة البدء بإبراز شخصية أو أكثر تكون مرشحة لشغل الموقع الرئاسي في وقت لاحق.
ويواجه بوتين تعقيدات أساسية على هذه الطريق، بينها تصاعد مزاج الاحتجاجات بشكل قوي، لذلك لجأت السلطات التنفيذية والتشريعية لمواجهة ذلك بسلسلة من القوانين والتعديلات التي وضعت قيوداً صارمة على الحركات الاحتجاجية، وقيدت نشاط وسائط التواصل الاجتماعي بشكل صارم، لكن الاستحقاق الأهم كما يبدو هو مدى قدرة الرئيس وفريقه على تحمل أعباء انفضاض محتمل لبعض حيتان المال، الذين استفادوا خلال السنوات الأخيرة بقربهم من الكرملين، وراكموا ثروات خرافية، لكنهم باتوا يواجهون حالياً بسبب سياسات الكرملين الخارجية ضغوطاً كبرى على أعمالهم وملاحقات في الغرب.
ويكفي كمثال أن المليادرير المقرب من بوتين أوليغ ديريباسكا، المعروف بـ«إمبراطور الألمنيوم»، خسر نصف ثروته مرة واحدة بسبب قرار العقوبات الأخير الذي فرضته وزارة الخزانة الأميركية، على خلفية حادثة تسميم العميل المزدوج في بريطانيا. وتبلغ ثروة الرجل حاليا نحو 4 مليارات دولار، ويتساءل بعضهم إلى أي درجة سيتحمل رجال مثله أعباء «اقترابه من سياسات الكرملين». الأمر ذاته ينسحب على ملياردير مثل رومان إبراموفيتش، صاحب فريق تشيلسي الشهير، الذي يفكر حالياً ببيع أصوله في النادي البريطاني، بعدما زادت الضغوط الغربية عليه. وأوردت لائحة عقوبات أميركية أسماء نحو 300 من رجال المال والأعمال المقربين من الكرملين، مما يعني أن هذا السيناريو أخذ في التصاعد، ويضع تحدياً جدياً أمام الكرملين الذي لم تعد مخاوفه تقتصر على ضبط مزاج الشارع الروسي في مرحلة مصيرية بالنسبة إلى البلاد.



تبادل إطلاق النار بين سفينة وزوارق صغيرة قبالة اليمن

صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر سفينة الشحن «روبيمار» المملوكة لبريطانيا والتي تعرضت لهجوم من قبل الحوثيين في اليمن قبل غرقها في البحر الأحمر... 1 مارس 2024 (رويترز)
صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر سفينة الشحن «روبيمار» المملوكة لبريطانيا والتي تعرضت لهجوم من قبل الحوثيين في اليمن قبل غرقها في البحر الأحمر... 1 مارس 2024 (رويترز)
TT

تبادل إطلاق النار بين سفينة وزوارق صغيرة قبالة اليمن

صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر سفينة الشحن «روبيمار» المملوكة لبريطانيا والتي تعرضت لهجوم من قبل الحوثيين في اليمن قبل غرقها في البحر الأحمر... 1 مارس 2024 (رويترز)
صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر سفينة الشحن «روبيمار» المملوكة لبريطانيا والتي تعرضت لهجوم من قبل الحوثيين في اليمن قبل غرقها في البحر الأحمر... 1 مارس 2024 (رويترز)

ذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، اليوم (الجمعة)، أن سفينة على بعد 15 ميلاً بحرياً غربي اليمن أبلغت عن تبادل لإطلاق النار بعد رصدها نحو 15 قارباً صغيراً على مقربة منها.

وأضافت السفينة أنها لا تزال في حالة تأهب قصوى وأن القوارب غادرت الموقع.

وأفاد ربان السفينة بأن الطاقم بخير، وأنها تواصل رحلتها إلى ميناء التوقف التالي.

وتشن جماعة الحوثي في اليمن هجمات على سفن تجارية في البحر الأحمر تقول إنها مرتبطة بإسرائيل، وذلك منذ اندلاع الحرب في غزة بعد هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على جنوب إسرائيل. وقالت الجماعة إن هجماتها للتضامن مع الفلسطينيين.


بوتين: المقترح الأميركي بشأن أوكرانيا يتضمّن نقاطاً «لا يمكن الموافقة عليها»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركته بفعالية في موسكو بروسيا يوم 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركته بفعالية في موسكو بروسيا يوم 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

بوتين: المقترح الأميركي بشأن أوكرانيا يتضمّن نقاطاً «لا يمكن الموافقة عليها»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركته بفعالية في موسكو بروسيا يوم 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركته بفعالية في موسكو بروسيا يوم 3 ديسمبر 2025 (رويترز)

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن بعض المقترحات في خطة أميركية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، غير مقبولة للكرملين، مشيراً في تصريحات نُشرت اليوم (الخميس) إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام أي اتفاق، لكنه شدد على ضرورة «التعاون» مع واشنطن لإنجاح مساعيها بدلاً من «عرقلتها».

وقال بوتين في التصريحات: «هذه مهمّة معقّدة وصعبة أخذها الرئيس (الأميركي دونالد) ترمب على عاتقه».

وأضاف أن «تحقيق توافق بين أطراف متنافسة ليس بالمهمة بالسهلة، لكن الرئيس ترمب يحاول حقاً، باعتقادي، القيام بذلك»، متابعاً: «أعتقد أن علينا التعاون مع هذه المساعي بدلاً من عرقلتها».

وأطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أقوى دفعة دبلوماسية لوقف القتال منذ شنت روسيا الغزو الشامل على جارتها قبل نحو أربع سنوات. ولكن الجهود اصطدمت مجدداً بمطالب يصعب تنفيذها، خاصة بشأن ما إذا كان يجب على أوكرانيا التخلي عن الأراضي لروسيا، وكيف يمكن أن تبقى أوكرانيا في مأمن من أي عدوان مستقبلي من جانب موسكو.

وتأتي تصريحات الرئيس الروسي في الوقت الذي يلتقي فيه المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جاريد كوشنر، بكبير المفاوضين الأوكرانيين رستم أوميروف، اليوم، في ميامي لإجراء مزيد من المحادثات، بحسب مسؤول أميركي بارز اشترط عدم الكشف عن هويته؛ لأنه غير مخوّل له التعليق علانية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وشخصيات روسية سياسية واقتصادية يحضرون محادثات مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قصر مجلس الشيوخ بالكرملين في موسكو بروسيا يوم 2 ديسمبر 2025 (أ.ب)

محادثات «ضرورية»

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن محادثاته التي استمرت خمس ساعات، الثلاثاء، في الكرملين مع ويتكوف وكوشنر كانت «ضرورية» و«مفيدة»، ولكنها كانت أيضاً «عملاً صعباً» في ظل بعض المقترحات التي لم يقبلها الكرملين، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وتحدث بوتين لقناة «إنديا توداي تي في» قبل زيارته لنيودلهي، اليوم. وبينما لم تُبث المقابلة بأكملها بعد، اقتبست وكالتا الأنباء الروسيتان الرسميتان «تاس» و«ريا نوفوستي» بعض تصريحات بوتين.

ونقلت وكالة «تاس» عن بوتين القول في المقابلة، إن محادثات الثلاثاء في الكرملين تحتّم على الجانبين «الاطلاع على كل نقطة» من مقترح السلام الأميركي «وهذا هو السبب في استغراق الأمر مدة طويلة للغاية».

وأضاف بوتين: «كان هذا حواراً ضرورياً وملموساً»، وكانت هناك بنود، موسكو مستعدة لمناقشتها، في حين «لا يمكننا الموافقة» على بنود أخرى.

ورفض بوتين الإسهاب بشأن ما الذي يمكن أن تقبله أو ترفضه روسيا، ولم يقدّم أي من المسؤولين الآخرين المشاركين تفاصيل عن المحادثات.

ونقلت وكالة «تاس» عن بوتين القول: «أعتقد أنه من المبكر للغاية؛ لأنها يمكن أن تعرقل ببساطة نظام العمل» لجهود السلام.


القمة الروسية - الهندية تعزز «الشراكة الاستراتيجية» وتتحدى ضغوط واشنطن

لافتة ترحيبية ببوتين في أحد شوارع نيودلهي يوم 4 ديسمبر (رويترز)
لافتة ترحيبية ببوتين في أحد شوارع نيودلهي يوم 4 ديسمبر (رويترز)
TT

القمة الروسية - الهندية تعزز «الشراكة الاستراتيجية» وتتحدى ضغوط واشنطن

لافتة ترحيبية ببوتين في أحد شوارع نيودلهي يوم 4 ديسمبر (رويترز)
لافتة ترحيبية ببوتين في أحد شوارع نيودلهي يوم 4 ديسمبر (رويترز)

يبدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، زيارة رسمية إلى الهند تستغرق يومين. وتعد واحدة من الزيارات الخارجية النادرة له منذ اندلاع الحرب الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022. ومثلما حظيت زيارته إلى الصين قبل ثلاثة أشهر، وقبلها إلى كوريا الشمالية العام الماضي، بأهمية كبرى في إطار رسم ملامح استراتيجية الكرملين في السياسة الخارجية، تُشكل الزيارة الحالية لنيودلهي منعطفاً حاسماً جديداً في مسار تعزيز تحالفات موسكو مع الشركاء التقليديين، خصوصاً على خلفية الضغوط الأميركية المتزايدة على الهند لتقليص تعاونها مع موسكو.

وفي أول زيارة له إلى العاصمة الهندية منذ أربع سنوات، يرافق بوتين وزير الدفاع أندريه بيلووسوف، ووفد واسع النطاق من قطاعي الأعمال، والصناعة. ومن أبرز الوجوه المرافقة لبوتين رئيسا شركتي الطاقة «روسنفت» و«غازبروم» اللتين تخضعان لعقوبات غربية، إلى جانب مسؤولي المجمع الصناعي العسكري، ومؤسسة «روس أبورون أكسبورت» المسؤولة عن الصادرات العسكرية. بالإضافة إلى رؤساء القطاع المصرفي الروسي الذي يخضع بدوره لعقوبات غربية. وتعكس تشكيلة الوفد المرافق أولويات أجندة الطرفين، وطبيعة النقاشات التي تم التحضير لها في موسكو، ونيودلهي.

برنامج حافل

على مدار يومي القمة، سيبحث الطرفان التعاون في مجالات الدفاع، والطاقة النووية، والهيدروكربونات، والفضاء، والتكنولوجيا، والتجارة.

تُشكل زيارة بوتين لنيودلهي منعطفاً حاسماً جديداً في مسار تعزيز تحالفات موسكو مع الشركاء التقليديين (أ.ف.ب)

واستبق الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف الزيارة بإشارة إلى أن بوتين سوف يناقش مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي «القضايا الدولية، والإقليمية»، مشدداً على اهتمام الكرملين بتطوير التعاون الثنائي، وفتح مجالات جديدة للتعاون، وأشار إلى موقف واشنطن السلبي تجاه الزيارة، وتلويحها بمضاعفة التعريفات الجمركية في حال استمرت نيودلهي في تعزيز تعاونها مع موسكو، وخصوصاً في مجال الطاقة، موضحاً أنه «لا ينبغي أن تخضع العلاقات التجارية بين موسكو ونيودلهي لتأثير دول ثالثة»، وأعرب عن قناعته بأن «مسألة التعريفات الجمركية الأميركية تظل قضية ثنائية بين الولايات المتحدة والهند». ووصف بيسكوف الإجراءات المفروضة على قطاع النفط الروسي بأنها غير قانونية، مؤكداً أن روسيا تبذل كافة الجهود الممكنة لضمان استمرار تجارة الطاقة، وتدفقها دون انقطاع رغم التحديات. وأشار إلى أن الزيارة ستشهد توقيع حزمة مهمة من الوثائق الثنائية، دون الإفصاح عن تفاصيل محددة.

تعزيز التعاون في مجال الطاقة

قبل زيارة بوتين، أجرى مسؤولون من الجانبين محادثات في مجالات واسعة من الدفاع، إلى الشحن، والزراعة، وفي أغسطس (آب) الماضي، اتفق الطرفان على بدء محادثات بشأن اتفاقية تجارة حرة بين الهند والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، بقيادة روسيا.

وكرست هذه الخطوات مسار تعزيز العلاقة رغم بروز بعض المخاوف لدى مسؤولين في الهند أعربوا عن قلق من أن أي صفقات طاقة ودفاع جديدة مع روسيا قد تُثير رد فعل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي ضاعف الرسوم الجمركية إلى 50 في المائة في أغسطس على السلع الهندية، عقاباً على مشتريات نيودلهي من النفط الخام الروسي.

بوتين يتحدّث خلال مؤتمر في موسكو يوم 3 ديسمبر (رويترز)

ويُشكّل ملف تعزيز التعاون في مجال الطاقة إحدى أولويات الكرملين، الذي أكد أن الهند سوف تواصل الحصول على معاملة تفضيلية.

زادت واردات النفط الروسية على مدار سنوات اتفاقية التجارة الحرة بنسبة 600 في المائة، مما جعل الهند المشتري الرئيس لصادرات النفط الروسية (38 في المائة). كما تشتري الهند الأسمدة، والزيوت النباتية، والفحم، والمعادن.

تُنقل هذه الشحنات عبر الممر البحري الشرقي الذي افتُتح مؤخراً بين فلاديفوستوك وميناء تشيناي الهندي، وهو طريق بطول 10300 كيلومتر يربط بين موانٍ استراتيجية في المحيطين الهادئ والهندي. كما يعمل ممر النقل بين الشمال والجنوب فإن هذا الممر يتيح الاستقلال عن اللوجستيات الغربية، والتسويات بالعملات الوطنية تجاوزاً للعقوبات الغربية بنسبة تصل إلى 90 في المائة. وأكد الطرفان مجدداً هدفهما المتمثل في زيادة حجم التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030 (من 67 مليار دولار حالياً). وتطلب الهند دعماً لصادراتها إلى روسيا، لا سيما في مجالات الأدوية، والهندسة، والمنتجات الزراعية، ولتوفير فرص عمل للعمال الهنود المهاجرين، ويأتي ذلك تقديراً لإنجازات الهند في الالتفاف على العقوبات الغربية، خصوصاً في مجال تجارة النفط.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يحضران اجتماعاً على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في سمرقند - أوزبكستان يوم 16 سبتمبر 2022 (رويترز)

في المقابل، تسعى موسكو إلى الحصول على مساعدة الهند للحصول على قطع غيار، ومعدات تقنية لأصولها النفطية، حيث عرقلت العقوبات الوصول إلى الموردين الرئيسين.

ووفقاً لمصدر حكومي في الهند، فإن نيودلهي تسعى على الأرجح إلى استعادة حصة 20 في المائة لشركة التنقيب عن الغاز الحكومية في مشروع «سخالين-1» في أقصى شرق روسيا.

وتسعى موسكو أيضاً إلى تطوير تعاملها في القطاع المالي والمصرفي مع الهند، وصرح نائب وزير الخارجية الروسي، أندريه رودينكو، بأنه ستتم خلال الزيارة مناقشة إمكانية إطلاق نظام الدفع الروسي «مير» في الهند، والذي من شأنه أن يُسهم في زيادة السياحة الروسية. ووفقاً له، فقد طُرحت هذه المسألة سابقاً خلال اجتماع بوتين مع وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار. وستُناقش الآن على أعلى مستوى في نيودلهي.

الصفقات العسكرية

ورغم الضغوط الأميركية، لا تخطط الهند لتجميد علاقاتها الدفاعية مع موسكو، لأنها تحتاج إلى دعم مستمر للعديد من الأنظمة الروسية التي تشغّلها.

وقال مسؤولان هنديان مطلعان على الأمر لـ«رويترز» إن طائرات «سوخوي-30» الروسية تشكل غالبية أسراب المقاتلات الهندية البالغ عددها 29 سرباً، وعرضت موسكو مقاتلتها الأكثر تطوراً «سوخوي-57» والتي من المرجح أن تكون جزءاً من المحادثات.

بوتين يلتقي المتطوعين المشاركين في جائزة #WeAreTogether الدولية في مركز التجارة العالمي في موسكو يوم 3 ديسمبر (إ.ب.أ)

ولم تتخذ الهند قراراً بعد بشأن النسخة المحدثة من «سوخوي»، لكن الكرملين أعلن أن هذا الموضوع سيكون مطروحاً للنقاش. ومن المرجح أن تناقش نيودلهي شراء المزيد من وحدات نظام الدفاع الجوي «إس-400» وفق تصريحات لوزير الدفاع الهندي راجيش كومار سينغ، الأسبوع الماضي. وتمتلك الهند الآن ثلاث وحدات، مع انتظار تسليم وحدتين إضافيتين بموجب صفقة عام 2018.

لكن الحديث عن تعاون دفاعي لا يقتصر على بيع الأسلحة، والمعدات، إذ قطعت موسكو ونيودلهي شوطاً مهماً لتوطين صناعات دفاعية في الهند لتصبح أبرز شريك عسكري لروسيا. وأفاد ديمتري شوغاييف مدير الهيئة الروسية للتعاون العسكري التقني بأن القمة الحالية سوف تبحث مشاريع عسكرية تقنية جديدة، وتوسيع العقود القائمة بين البلدين.

وتشير مصادر إلى أنه يمكن توطين إنتاج ما يقرب من نصف نظام «إس-400» في إطار سياسة نقل التكنولوجيا التي توليها الهند أولوية قصوى. وفي حال تم الاتفاق على شراء طائرات «سوخوي-57» المقاتلة، فسينتقل طيارو القوات الجوية الهندية بسهولة إلى الطائرات الروسية من الجيل الجديد، مع تأكيد أن شركة «هندوستان» للملاحة الجوية المحدودة المملوكة للدولة قادرة على صيانة الترسانة الروسية.

وأفادت تقارير بأن اتفاقيات قيد التطوير -أو وُقِّعت بالفعل- لإنتاج مشترك لنظام الدفاع الجوي «بانتسير»، واحتمال شراء الهند لنظام رادار الإنذار المبكر «فورونيج»، الذي يتجاوز مداه 6000 كيلومتر.

وأكد شوغاييف أن العلاقات العسكرية التقنية بين روسيا والهند تشهد تطوراً ملحوظاً رغم التحديات الدولية الراهنة، مشيراً إلى أنه لم يغلق أي مشروع عسكري تقني خلال عام 2025.

بوتين خلال تقديمه جائزة #WeAreTogether الدولية في موسكو، يوم 3 ديسمبر (إ.ب.أ)

ووفقاً للمسؤول الروسي ينتظر أن ينصب الاهتمام بشكل أساسي على الطائرات، وأنظمة الدفاع الجوي، والتعاون في تقنيات الطائرات المسيرة، والمساعدة في بناء سفن جديدة في أحواض بناء السفن الهندية. وأضاف: «تبدو آفاق الصادرات العسكرية إلى الهند في عام 2026 إيجابية للغاية، وأعتقد أن حجمها في العام المقبل سيتجاوز مستوى عام 2025»، مؤكداً أنه تم حل المشكلات المتعلقة بالجوانب اللوجستية، وتوريد المكونات للمشاريع المشتركة، بما في ذلك صيانة المعدات الموردة سابقاً.

وأشار شوغاييف إلى أن روسيا تسعى إلى تعاون عسكري تقني واسع النطاق مع الهند في مجال التقنيات الجديدة، حيث تتزايد حصة المشاريع المشتركة، والتقنيات التكنولوجية المتقدمة عاماً بعد عام.

وتنفذ روسيا والهند حالياً عشرات المشاريع العسكرية التقنية واسعة النطاق، ومن أهمها إنتاج الهند المرخص لطائرات «سوخوي-30»، ومحركات الطائرات، ودبابات «تي-90 إس»، والتعاون في إطار مشروع «براهموس» المشترك للصواريخ، وتحديث المعدات العسكرية التي سبق توريدها، والعمل المشترك في مجال تكنولوجيا الدفاع.

جانب من لقاء بوتين ومودي على هامش أعمال مجموعة «بريكس» في كازان شهر أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

وأشارت مصادر إلى أن الطرفين يُعدّان «بيانات مهمة» ستحدد التوجهات الرئيسة للمرحلة المقبلة من شراكتهما. ومن المتوقع أن تُمهّد الاتفاقيات الجديدة للتعاون العسكري الصناعي الطريق لمرحلة جديدة من التعاون الدفاعي بين البلدين، ما يتيح للهند الوصول إلى أحدث تقنيات التخفي، والدفاع الصاروخي. وتتوقع المصادر أن يُعزز هذا مكانة الهند في المنطقة الآسيوية.

من المتوقع توقيع عقود عسكرية لتوريد وإنتاج أنظمة دفاع جوي من الجيل الجديد، بما في ذلك نظام الدفاع الجوي إس-500. وقد لاقى نظام إس-400 الروسي استحساناً من الجيش الهندي خلال عملية سيندور، حيث أُشير إلى سرعة نشره في أقل من خمس دقائق لتكون ميزة كبيرة. ويُعتبر دمج نظام إس-400 في نظام الدفاع الجوي متعدد الطبقات الهندي على طول الحدود مع الصين وباكستان تعزيزاً أمنياً.

توازن بين الهند والصين

وتواجه موسكو -التي طورت علاقاتها مع الصين بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وغدت بكين حليفاً رئيساً لها- تحدياً جدياً في إقامة توازن دقيق في العلاقة مع البلدين الخصمين.

الرئيسان الصيني شي جينبينغ (يمين) والروسي فلاديمير بوتين وبينهما رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في لقائهم بمدينة تيانجين الصينية في سبتمبر (أ.ب)

وأكد الكرملين أن موسكو تنطلق من أهمية المحافظة على علاقات مع «الشركاء التقليديين»، مشيراً إلى «تقدير خاص لاستعداد نيودلهي للمساهمة في البحث عن تسوية سلمية للنزاع في أوكرانيا».

وفي إشارة مهمة، قال الناطق الرئاسي الروسي: «نحن مستعدون لتطوير علاقاتنا مع الهند في جميع المجالات الممكنة، إلى الحد الذي تكون فيه الهند مستعدة لذلك»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن روسيا «تواصل تطوير علاقاتها مع الهند، والصين».

وتابع: «نحن نحترم العلاقات الثنائية بين الهند والصين، وليس لدينا شك في أن أقدم دولتين، الدولتين الأكثر حكمة في هذا العالم، ستكونان حكيمتين بما يكفي لتسوية جميع المشكلات من أجل الحفاظ على الاستقرار العالمي».

تحدي الضغوط الأميركية

رأت تعليقات في وسائل إعلام حكومية روسية عشية الزيارة أن نيودلهي سارت خطوات لتحدي الضغوط الأميركية المفروضة عليها بسبب علاقاتها مع موسكو. ومن ذلك، ألغت الهند مناقشات اتفاقية التجارة الهندية-الأميركية، وقالت الصحافة الروسية إن تلك الاتفاقية «تراجعت أهميتها الاستراتيجية مقارنة بالنتائج المتوقعة بعد زيارة بوتين». وزادت أن «الهند ردت عملياً على الهجوم على سيادتها».

ترمب ومودي في مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض في فبراير الماضي (رويترز)

كانت الحكومة الأميركية حملت نيودلهي مسؤولية تعزيز الجيش الروسي في أوكرانيا، واصفةً تصرفات الهند لاستيراد النفط الروسي بأنها «مزعزعة للاستقرار». ووصف الرئيس دونالد ترمب الهند بأنها «مغسلة للكرملين»، وهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 500 في المائة على الواردات الهندية إذا واصلت نيودلهي هذا المسار.

بدوره عارض الاتحاد الأوروبي مشاركة الهند في مناورات عسكرية مشتركة مع روسيا، بحجة أن صداقة نيودلهي مع موسكو تُشكل عقبة أمام تعميق التعاون الاستراتيجي مع أوروبا.

ورأت التعليقات الروسية أن «الهجوم السافر على السيادة الهندية من قبل الغرب فقد أثره. لقد اتُخذ القرار: التعاون مع روسيا أهم للهند منه مع الغرب، كما يتضح من زيارة بوتين. وقد اكتسبت روسيا والهند خبرة واسعة في العمل معاً ضمن مجموعة (بريكس)، ومنظمة شنغهاي للتعاون».