قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس

تحرّك عسكري في العاصمة الليبية يربك خططاً للإصلاح

قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس
TT

قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس

قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس

أربك تحرك عسكري جديد في العاصمة الليبية طرابلس، خطط إصلاح سياسية واقتصادية. ودخلت المدينة في صراع جديد، منذ مطلع الأسبوع، عقب هجوم مباغت قامت به قوات عسكرية تضم ألوف المقاتلين، من بينهم رجال كانوا من «النخبة» في عهد معمر القذافي.
وانطلقت قوات تعرف باسم «اللواء السابع»، المدججة بالأسلحة الثقيلة، من تمركزاتها في معسكرات بلدة ترهونة التي تبعد نحو سبعين كيلومتراً جنوب شرقي العاصمة، ودخلت طرابلس تحت قذائف المدفعية. وانضم إليها عسكريون آخرون، من بلدات وقبائل معروف عنها أنها مناوئة لحكم رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج، المدعوم دولياً. ويبدو أن «اللواء السابع» استغل حالة الغضب في طرابلس من سوء الخدمات، ونقص الخبز، وانقطاع الكهرباء والمياه، وتأخر صرف الرواتب. بالإضافة إلى استمرار سجن قيادات من النظام السابق طوال السنوات السبع الماضية، وأخيراً صدور حكم بالإعدام على نحو خمسين من جنود الجيش، بتهمة قتلهم مسلحين أجانب واثنين من الليبيين في انتفاضة 2011.

أدى اقتحام طرابلس، خلال الأيام القليلة الفائتة، إلى إزاحة خطط بطيئة للإصلاح في ليبيا، إلى خلفية المشهد. فحتى أيام قليلة مضت كان مجلس النواب الذي يعقد جلساته في الشرق الليبي، برئاسة المستشار عقيلة صالح، يسعى لتعديل تشريعات يمكن أن تسهم في الوصول لحل سياسي يفضي لانتخابات عامة، بينما كان المجلس الرئاسي في طرابلس، برئاسة فايز السراج، يبحث تحرير سعر صرف العملة، ورفع الدعم، والحصول على قروض دولية لإنعاش الاقتصاد.
تبدو الأمور معقدة أمام المراقب للتطورات في ليبيا. إذ يفترض أن «اللواء السابع»، تابع للحرس الرئاسي الموالي للسراج. وكان الحرس الرئاسي نفسه في طرابلس، بقيادة العميد نجمي الناكوع، قد تعرّض في السابق للهجوم، على يد ميليشيات موالية للسراج أيضاً. وما زال الناكوع موالياً للمجلس الرئاسي نفسه، لكن غالبية قواته تشتتت، ولم تعد كما كانت عليه في الماضي.
ولا يوجد راهناً وزير للدفاع في حكومة السراج، بعدما دخل العقيد المهدي البرغثي، وزيره السابق، في نزاع معه قبل شهور حول قانونية استمراره في موقعه الوزاري. وعلى كل حال، تسبب هجوم «اللواء السابع»، على العاصمة خلال الأيام الأخيرة في خلط الأوراق من جديد. وقال مصدر في المجلس الرئاسي، إن «قادة هؤلاء العسكريين أصبحوا في حكم المتمردين، وينبغي مواجهتهم بكل السبل».

- تفاصيل ميدانية
مع الساعات الأولى من فجر يوم الاثنين كانت قوات «اللواء السابع» قد دخلت من معظم محاور طرابلس، وسيطرت على مناطق صلاح الدين والسدرة، واجتاحت طريق النصب التذكاري في عين زارة، وسيطرت على مناطق خلة الفرجان والمطار الدولي والهضبة التي يوجد فيها مقر كلية الشرطة، وكذلك منطقة باب العزيزية، التي كانت في السابق مقراً لحكم العقيد معمّر القذافي.
وشوهدت القوات التي يعتمد عليها السراج وهي تتقهقر في اتجاه الشوارع المطلة على بحر العاصمة، ومنها قوات «كتيبة ثوار طرابلس» و«الردع»، وغيرها. وتحت وطأة المفاجأة، أخذ موالون للمجلس الرئاسي يسرّبون أنباء عن أن القوات التي دخلت طرابلس هي قوات تابعة للسراج، بصفته القائد الأعلى للجيش، بهدف القضاء على الميليشيات المسلحة. ومن الجانب الآخر، شرع موالون للمشير خليفة حفتر، الذي يقود الجيش التابع للبرلمان، يروّجون لمقولة أن تحرّك جحافل القوات من ترهونة في اتجاه طرابلس، يجري بتنسيق مع حفتر.
قيادي في اللجان الثورية، التي كان يعتمد عليها القذافي طوال عقود حكمه، يقول إن هذا غير صحيح... فـ«القوات التي دخلت طرابلس لا تتبع السراج، ولا تتبع حفتر». ويضيف «لقد عزّز من مثل هذا الارتباك إقدام وسائل إعلام محسوبة على السراج على الاحتفاء بعرض عسكري كبير قام به (اللواء السابع) والمعسكرات التابعة له العام الماضي، في ترهونة، وكذلك احتفاء وسائل إعلام تابعة لحفتر، بالعرض نفسه. ومنذ ذلك الوقت حاول كل طرف استقطاب قوات (اللواء السابع)...».
ويشير القيادي في اللجان الثورية إلى أن السراج كان ساعة الهجوم، موجوداً في مطار إمعيتيقة، وأن سيارات عسكرية تقدّمت لتأمينه، ونقله على عجل إلى القاعدة العسكرية التي يوجد فيها مقرّ المجلس الرئاسي في بو ستة على شاطئ طرابلس، مع العلم أنه توجد قوات إيطالية في القاعدة نفسها. واستقبل السراج في مقره هذا، مبعوثين دوليين، على الرغم من الاشتباكات والفوضى.
للعلم، ينتمي قادة الأجسام الأربعة الظاهرة على مسرح الحكم في ليبيا، إلى ما يعرف بـ«ثورة فبراير (شباط)» التي أسقطت حكم القذافي بمساعدة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وكان هؤلاء القادة الأربعة التقوا في العاصمة الفرنسية باريس برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل ثلاثة أشهر؛ ما أثار حفيظة الإيطاليين. وظهر أن من بين المعتقدات التي تحرك بها الضباط والجنود، من مراكزهم في معسكرات ترهونة، إلى طرابلس، أن «كل هذه أجسام حكم وهمية... وحان الوقت لكي تختفي من المشهد». ويمكن أن يؤدي مثل هذا الطرح إلى مشكلات بين هؤلاء العسكريين، والمجتمع الدولي.
حالياً، يجري بحث إمكانية وقف إطلاق النار، وتجنب إراقة الكثير من الدماء. إلا أن قيادياً كبيراً من منظّمي الهجوم على طرابلس يقول إن هذا ممكن في حالة ما إذا انصاعت ميليشيات العاصمة لمشروع يقضي بتسليم أسلحتها. وهذا يعني سلب السراج مصدر قوته. وبالتالي، يمكن لخصومه في شرق ليبيا وغربها استغلال الوضع لإقصائه عن الحكم.

- أضلاع الميليشيات
ومن أبرز القوى التي ينظر إليها كأضلاع رئيسية للميليشيات في طرابلس «كتيبة ثوار طرابلس» بقيادة هيثم التاجوري و«قوة الردع الخاصة» بقيادة الاسلامي عبد الرؤوف كارا. ويعتمد السراج على هاتين المجموعتين في تأمين العاصمة، مع قوات نظامية تابعة لكل من الجيش ووزارة الداخلية. وما زال لدى غالبية ضباط هذه القوات النظامية، المشتتة والضعيفة، حنين للماضي، ولا سيما، أنهم كانوا في السابق رجال الأمن المخلصين في نظام القذافي. وخلال الساعات الـ24 الماضية، قصفت الفرقة القادمة من ترهونة معسكرات «التاجوري» و«كارا». وكان هذا الأخير محاصراً من محاور عدة. وبالإضافة إلى «كتيبة ثوار طرابلس»، هناك مجموعة ميليشياوية رابعة في العاصمة تعرف باسم «كتيبة الأمن المركزي» بقيادة عبد الغني الككلي وكانت حتى وقت قريب موالية للسراج، لكنها دخلت في خلافات معه في الشهرين الماضيين، وأصبحت شبه معزولة. لهذا؛ يبدو أنها لم تستطع مقاومة قوات «اللواء السابع مشاة» الآتي من ترهونة في العملية الأخيرة.
ما يذكر أنه منذ منتصف عام 2016، كانت ميليشيات طرابلس قد تمكنت من الانفراد بالهيمنة على أمن العاصمة. ويطغى على توجهات قادة هذه الميليشيات تيار ديني يعرف بـ«الوسطي»، وذلك بسبب دخوله في حروب مع قوات محسوبة على المتشددين، من جماعة «الإخوان»، و«الجماعة الليبية المقاتلة»، حيث وقعت مناوشات بين الطرفين قرب مطار إمعيتيقة انطلاقاً من منطقتي تاجوراء والخُمس مرات عدة في الشهور الأخيرة.
وأمام التحرّك المباغت لـ«اللواء السابع»، شعرت قوات حلف «الإخوان» و«المقاتلة» في تاجوراء والخُمس ومصراتة بأنها خارج المشهد، محلياً. وعلى الصعيد الدولي بدا، من خلال تحركات كثير الدبلوماسيين الأجانب والعرب، أن الصورة غير واضحة للجميع. وأن تحرك العسكريين من ترهونة، من الخطوات النادرة التي تتخذها قوات نظامية ليس لديها سند خارجي (دولي، أو إقليمي) يذكر، وذلك منذ هزيمة نظام القذافي في 2011.
وفي غرفة عمليات عسكرية، كانت هناك اتصالات من جانب ضباط أبدوا رغبتهم، لأول مرة منذ إطاحة نظام القذافي، في الانضمام إلى تحرّك ترهونة، والمشاركة في السيطرة على العاصمة. كما تلقّت الغرفة اتصالات من جانب دبلوماسيين غربيين. وكانت هناك رغبة في فهم ما يجري سريعاً. لكن كل دقيقة كانت تأتي بأنباء جديدة تزيد من غموض الصورة.

- القصف الجوي
إذ استخدم عسكريون موالون للسراج سلاح الطيران، انطلاقاً من قاعدة الوطية في محاولة لضرب الخطوط الخلفية للقوات التي تقدمت إلى طرابلس. وجرى بالفعل استهداف معسكرات في ترهونة. وحسب شاهد عيان «القصف طال ميدان المدينة أيضاً، والخسائر البشرية وصلت لعشرين قتيلاً. ووردت بلاغات أخرى بأن القصف لم يحدث الخسائر التي كانت متوقعة لعرقلة (اللواء السابع)».
وتخضع قاعدة معيتيقة، حالياً، لنفوذ قوات تابعة لما يعرف بـ«المنطقة العسكرية الغربية» المعينة من السراج. ويعد البعض خطوة استخدام الطيران الحربي مجازفة، ربما يكون لها تداعيات دولية أيضاً. ويقول مصدر دبلوماسي بهذا الصدد «حتى الآن تعارض كل من فرنسا وروسيا استخدام الطيران الحربي في الاشتباكات. ويبدو أن إيطاليا لديها موقف مغاير».
من ناحية ثانية، نددت قيادات محلية في ترهونة بالقصف الجوي، وحمّلت المجلس الرئاسي المسؤولية. لكن مسؤولاً في المجلس يقول، إنه «يرفض أي عمليات جوية مهما كانت الأسباب... لا وجود لأي نية من الحكومة لاستعمال السلاح الجوي ضد أبناء الشعب».
وهنا لا بأس من الإشارة إلى أنه، بالنظر إلى الماضي، وطوال تاريخ ليبيا، كان المحتلون الأجانب يخشون من البوابة الجنوبية الشرقية لطرابلس، باعتبارها أسهل مدخل لمن يسعى للسيطرة على المدينة. ويتذكر أهالي ترهونة اسم الطيار الإيطالي، كارلو ماريا، الذي قام بقصف بلدتهم أثناء دخول قوات موسوليني لليبيا، في النصف الأول من القرن الماضي.

- تفاصيل عن الاقتحام
من بين مداخلات كثيرة، في مساء يوم الأربعاء وصباح يوم الخميس، مع ضباط يشاركون في قيادة عملية اقتحام طرابلس، يظهر أن هؤلاء كانوا يتبعون طريقاً خاصة، طوال السنوات الثلاث الماضية، ليضمن لهم النمو بعيداً عن أي عراقيل. فقد فتحوا، كقيادات، منذ البداية، خطوط اتصال مع الجميع. واستقبلوا عدداً كبيراً من العسكريين الموالين للنظام السابق، وقاموا بتسليحهم. ويقول أحد المقربين من القذافي، وهو يتابع توغل «اللواء السابع» في العاصمة: «أمراء المحاور معروفون لدينا جيداً... إنهم من النخبة».
وظهر اسم «اللواء السابع» في وسائل الإعلام، بعد اجتياحه طرابلس، بصفتها قوات غير معروفة الولاء. لكن قائداً عسكرياً يقول، إن هذا اللواء منضبط وهو جزء من فرقة عسكرية كبيرة تتمركز في ترهونة، وهذه الفرقة تضم معسكرات كثيرة، والقادة الذين فيها تمكنوا، في السنوات الأخيرة، من العمل في صمت، وجمعوا عتاداً ضخماً من الأسلحة، بما فيها الدبابات والمدرعات والصواريخ.
ويضيف «بداية تجمع هذه القوات بدأ قبل نحو ثلاثة أعوام عن طريق عائلة كبيرة معروفة في ترهونة. وتمكن أربعة أشقاء من العائلة المشار إليها، وأحدهم عسكري من نظام القذافي، من إعادة فتح أبواب المعسكرات التي تعرّضت للقصف من حلف الناتو أثناء الانتفاضة المسلحة في 2011».
هذا، ويحرص معظم قادة «اللواء السابع» على تحاشي الظهور امام الأضواء، وفي المقابل يجري تداول أسماء الأشقاء الأربعة في العائلة الترهونية، باعتبارهم الواجهة، وعلى أساس أنهم هم أول من بدأ في فتح الباب لكل هذه التشكيلات العسكرية... «في البداية جرى الاتفاق مع وجهاء المدينة على ميثاق بأن هذه القوات مكلفة بالدفاع عن ترهونة، فقط، رغم أن هذه القوات تنتمي إلى مدن وقبائل مختلفة».
وساهمت الأرضية في ترهونة لمثل هذا الأمر. فقد كانت المدينة تضم واحدة من أشد كتائب حرس القذافي شراسة. لقد كانت هذه الكتيبة، حتى سقوط النظام القذافي، تضم نحو ألفي عنصر، إلى جانب معسكرات الجيش. ومنذ وقت مبكر أيضاً، أي قبل نحو سنتين، جرى الاتفاق بين قبائل ترهونة وهؤلاء العسكريين، مرة أخرى، على رفض الانحياز لأي طرف من الأطراف المتصارعة في ليبيا، سواءً في الشرق أو في الغرب.
حتى مدينة بني وليد، التي تعد عاصمة لقبيلة ورفلة الكثيرة العدد - التي ما زالت تضم قيادات موالية للنظام السابق، وترفع أعلام الدولة في زمن القذافي - لم تكن تعلم بما يدور في معسكرات ترهونة. ويقول قيادي قبلي من ورفلة «كنا ننسق ونراقب، لكننا لم نعرف بساعة الصفر». وثمة اليوم مخاوف لدى مجموعة المجلس الرئاسي من التحاق قبيلة كبيرة أخرى، هي ورشفانة، بقوات «اللواء السابع». وتعتبر ورشافنة أقرب إلى العاصمة من مدينة بني وليد. ومن جانبه، يضيف القيادي الورفلي «إذا دخلت ورشفانة إلى طرابلس، سندخل لمساعدتهم». إلا أن قائداً عسكرياً في ترهونة يقول إن «اللواء السابع» بدأ منذ يوم الأربعاء في تلقي الدعم، بالفعل، من جهات معروف عنها رفضها «الثورة التي أطاحت القذافي»، ومنها بني وليد وقبائل ورشفانة والأصابعة والمقارحة، وغيرها.
وفي تعليق على الوضع يشرح قائد عسكري قائلاً «ظل (اللواء السابع)، في السابق، منزوياً بعيداً عن أي نزاع، لدرجة أن بعض القوى كانت تسخر من اعتكافه على نفسه داخل معسكراته... ولم يأبه بمن كانوا يتندرون عليه. وسمحت طول فترة الإعداد، بتكديس الألوف من قطع الأسلحة، وبالاستمرار في التدريبات العسكرية في معسكراته». ويتابع أن «أكبر الخسائر العسكرية التي تعرض لها الجيش الليبي والقوى الأمنية في 2011، كانت من بين عناصر هذه المعسكرات، وأن أكبر عدد من الأسرى (على يد زعماء ثورة فبراير) كان أيضاً من بين هؤلاء العسكريين... أعتقد أن خططهم، وتقدمهم، كان محسوباً جيداً؛ حتى لا تتكرر مأساة الماضي».

- بيان «اللواء السابع»
أخيراً، أعلن «اللواء السابع» في بيان، أن العملية العسكرية التي يخوضها في طرابلس «ليست طلباً للسلطة، أو طمعاً في مغانم»، بل أتى «لإغاثة المواطنين المستضعفين والمظلومين من قبل الميليشيات»، وأنه حريص على سلامة العاصمة، وأهلها؛ التزاماً بالعقيدة الوطنية والعسكرية. وتابع أيضاً إنه يطمئن «كل السفارات والشركات والمواطنين الأجانب بأنهم سيكونون تحت حماية الجيش والشرطة».
لكن مع هذا، يسود اعتقاد بأن المجتمع الدولي لن يترك المجلس الرئاسي يواجه مصيره وحده أمام خطط «اللواء السابع» للسيطرة على العاصمة. فلقد استقبل السراج في طرابلس، أخيراً، كلاً من الوزير اللبناني السابق الدكتور غسان سلامة، رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ونائبته للشؤون السياسية الأميركية ستيفاني ويليامز، وجرى خلال اللقاء بحث «معالجات ضرورية» لإنهاء المواجهات المسلحة في العاصمة، بأسرع وقت ممكن، لكن لم تظهر طريقة محددة بعد للتوصل إلى مثل هذه «المعالجات».

- بُعد اجتماعي وقبلي وسياسي
من بين ما قامت به قيادات «اللواء السابع» خلال السنوات الماضية، التفاوض مع حكام طرابلس على إطلاق سراح المسجونين منهم في سجون الميليشيات. وتمكنت حقاً من استعادة مئات عدة من ضباط وجنود كانوا موقوفين بتهمة موالاة النظام السابق.
وبالتزامن مع هذا، عمل قادة «اللواء السابع»، كذلك، على استقطاب عسكريين من زملائهم، وبخاصة أن الجيش الليبي يتميز، تاريخياً، بأن عدداً كبيراً من ضباطه وجنوده، في معظم الوحدات العسكرية والأمنية، ينتمون أساساً إلى مدينتي ترهونة وبني وليد.
وحدث هذا التغلغل لأبناء ترهونة وبني وليد داخل الجيش والأجهزة الأمنية الليبية في أعقاب تولي القذافي الحكم في عام 1969، بل إن نحو ألفي عسكري، ممن كانوا يتمركزون في ترهونة، تحركوا بآلياتهم الثقيلة في «ثورة القذافي» للمشاركة في السيطرة على طرابلس. وكان على رأس كتيبة المشاة في ذلك الزمن، وزير الدفاع فيما بعد، أبو بكر يونس، الذي قتل مع القذافي في سرت. وكانت من أوائل الوحدات التي دخلت طرابلس لتعضيد حكم القذافي منذ بدايته.
وبعد ذلك انتقلت أعداد كبيرة من أبناء ترهونة وبني وليد للإقامة بشكل دائم في العاصمة، مدفوعين بقرب أبنائهم من السلطة آنذاك. واستوطنوا ضواحي الهضبة وتاجوراء، وغيرهما. وتعد هذه في حد ذاتها أرضية خصبة لمن دخلوا خلال الأيام الأخيرة إلى طرابلس.
وحسب كلام مصدر أمني، فإن عدد عناصر معسكرات ترهونة، ومنها «اللواء السابع»، يبلغ نحو سبعة آلاف مقاتل، من بينهم نحو خمسة آلاف من النظاميين، و2000 من المتطوعين المدنيين. ويضيف المصدر، أن معظم عناصر هذه المعسكرات، كانوا أثناء الانتفاضة المسلحة ضد القذافي، من قوات النخبة في «اللواء 32 معزّز» الذي يتسم بالشراسة، وكان يقوده خميس نجل الرئيس الليبي الراحل، قبل مقتله.


مقالات ذات صلة

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

حصاد الأسبوع آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة…

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة،

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».