إيران أمام خيار المفاضلة بين انهيار الاقتصاد وتقليص الدعم للوكلاء

خبير في شركة أبحاث استخباراتية يقول لـ {الشرق الأوسط} إن الإيرانيين سيواجهون ألماً اقتصادياً شديداً وإن النظام يعطي الأولوية لقواته العسكرية وتغطية التزاماته الخارجية عندما يكون تحت ضغط

إيران أمام خيار المفاضلة بين انهيار الاقتصاد وتقليص الدعم للوكلاء
TT

إيران أمام خيار المفاضلة بين انهيار الاقتصاد وتقليص الدعم للوكلاء

إيران أمام خيار المفاضلة بين انهيار الاقتصاد وتقليص الدعم للوكلاء

يواجه الاقتصاد الإيراني مستقبلاً قاتماً في ظل عقوبات غير مسبوقة تستعد الولايات المتحدة لفرض الحزمة الثانية منها في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل بعدما باشرت تطبيق حزمتها الأولى هذا الشهر. وإذا كانت العملة الإيرانية قد شهدت تراجعاً كبيراً وصل إلى حدود 70 في المائة من قيمتها في الشهور الأخيرة، فإن هذا التراجع يُنذر بالتحوّل إلى انهيار كامل مع بدء سريان الموجة الجديدة من العقوبات الأميركية والتي تشمل على وجه الخصوص قطاعي النفط والغاز الأساسيين لاقتصاد «الجمهورية الإسلامية».
ورغم أن إيران خضعت في السابق لعقوبات شديدة ونجحت في احتوائها، مثلما حصل في ثمانينات القرن الماضي ولاحقاً بعد عام 2006، فإنها تواجه هذه المرة اختباراً مختلفاً يتمثل في إصرار الإدارة الأميركية على إرغامها على تغيير سلوكها الإقليمي وتقليص دعمها لوكلائها وقبول اتفاق نووي جديد أكثر صرامة، وإلا فإنها ستخضع لأكثر العقوبات إيلاماً، بما في ذلك «تصفير» صادراتها النفطية وحرمانها بالتالي من العملات الصعبة، وسط تذمر شعبي متزايد يتمثل في احتجاجات غير مسبوقة ضد النظام في كثير من المدن الإيرانية. وفي مؤشر إلى مدى شعور إيران بخطورة وضعها، رفع محاموها دعوى أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، مجادلين بأن العقوبات الأميركية الجديدة تؤدي إلى «انعكاسات دراماتيكية» على اقتصادها.
هل يمكن لاقتصاد إيران أن ينهار فعلاً تحت وقع عقوبات إدارة الرئيس دونالد ترمب، أم أن طهران ستتمكن من امتصاص الصدمة نتيجة خبرتها السابقة فيما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»؟ وهل هناك مؤشرات إلى أن العقوبات الأميركية بدأت تنعكس على تصرفاتها في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك حجم دعمها لوكلائها والجماعات المرتبطة بها؟ وما هو حجم الأموال الإيرانية الموجودة في الخارج والتي يمكن أن تستعين بها إيران لمساعدتها في التأقلم مع تداعيات العقوبات الجديدة؟
لتسليط الضوء على هذه التساؤلات، أجرت «الشرق الأوسط» مقابلة مع كبير المستشارين في شركة «أبيريو إنتليجنس» (Aperio Intelligence) باري مارستون الذي عمل سابقاً ناطقاً باسم وزارة الخارجية البريطانية (المتحدث باللغة العربية) قبل انتقاله إلى القطاع الخاص. و«أبيريو إنتليجنس» شركة أبحاث مستقلة تعمل في مجال استشارات المخاطر والاستخبار عن الشركات والجرائم المالية. وفي ما يأتي ملخص لأبرز ما جاء في المقابلة التي تنقسم إلى أربعة محاور هي: كمية الأموال الإيرانية في الخارج، وخطر انهيار الريال الإيراني، وحجم المساعدات التي تقدمها طهران لوكلائها، وتداعيات العقوبات الأميركية.
- كمية الأموال التي تملكها إيران في المصارف الخارجية... هل يمكن نقلها بسهولة أم أنها تخضع لعقوبات؟
- هذا الأمر يتعلق بقطاع عريض من الأرصدة الحكومية، التجارية والشخصية التي جُمدت في إطارات مختلفة. فمثلاً، هناك صفقات السلاح التي طُبّق جزء منها قبل إطاحة الشاه عام 1979. كما أنه يشمل أيضاً الأصول المتحفظ عليها، مثل المقر السابق للسفارة الإيرانية في واشنطن، وهناك تقديرات متباينة في شأن قيمتها والإيجارات المتراكمة وقيمة الفائدة الصافية. والأمر نفسه ينطبق على حالة مشابهة هي قيمة عائدات النفط لإيران والتي لم يمكن إعادتها لها جراء العقوبات. كان الرقم الإجمالي الذي روّج له مسؤولون وخبراء لقيمة الأموال الإيرانية المجمدة حول العالم بحلول عام 2015 يصل إلى ما بين 100 – 120 مليار دولار. وبالإضافة إلى ذلك، أشار تقرير وزارة الخزانة الأميركية عن الأرصدة الإرهابية لعام 2016 إلى «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني بوصفه الكيان الذي يملك الحجم الأكبر من الأرصدة الإرهابية المجمّدة في الولايات المتحدة (14.3 مليون دولار).
وتقول تقارير إن هناك قرابة 50 مليار دولار من الأموال (معظمها يعود إلى عائدات نفطية لإيران) مجمدة في مصارف مركزية في شرق آسيا. ويُعرف أيضاً أنه قبل 2015 كانت إيران قد نجحت في تحرير جزء من هذه الأرصدة، كونها تعاملت معها ببساطة على أنها مدفوعات أولية لبضائع اشترتها من الصين، وكوريا الجنوبية، واليابان، والهند وغيرها. لكن بعض هذه الأموال لم يكن موجوداً سوى على الورق فقط. فمثلاً، قدّمت وزارة النفط الإيرانية 22.4 مليار دولار قروضاً إلى كيانات صينية كوسيلة لضمان مشاريع طاقة - لكن البنك المركزي الإيراني أقر لاحقاً بأن المستدينين «ليس لديهم قدرة على تسديد القرض».
كما أن أحد أسباب التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وتركيا هو اكتشاف خطة ضخمة بين عامي 2012 و2014 (كما ظهر خلال محاكمة جرت في الولايات المتحدة وانتهت في مايو (أيار) 2018) لتبييض ما تبلغ قيمته 13 مليار دولار من الأرصدة المجمدة في مصارف تركية وأجنبية ونقلها إلى طهران، غالباً من خلال تحويل هذه الأرصدة ببساطة إلى معدن الذهب. شملت تلك الخطة عدداً من المصارف التركية، وبينها «هالكبانك» المملوك حكومياً. سعى المدعون الأميركيون إلى توجيه اتهام إلى وزير الاقتصاد التركي محمد ظافر شاغليان، بسبب مزاعم أنه قبل 50 مليون دولار رشى من أجل تسهيل الخطة بالنيابة عن إيران. عشرات البنوك العالمية، معظمها قبل عام 2015، تم تغريمها مليارات الدولارات لتسهيل حركة الأموال الإيرانية، ولعل أبرزها الغرامة الخيالية التي فرضت على مصرف «بي إن بي باريباس» والبالغة 8.9 مليار دولار. لو واجهت المصارف التركية غرامة مماثلة لكانت الأزمة المالية التركية حالياً أسوأ بأضعاف مضاعفة.
بعد عام 2015، كانت عائدات النفط المجمدة حول العالم من بين أقل الأرصدة إثارة للخلاف. فقد تم إعادة غالبيتها بسرعة في الغالب، وأحياناً عبر تحويلها من خلال طرق ملتوية لتفادي العقوبات المالية الأميركية المتبقية. وأفرجت الولايات المتحدة نفسها عن 400 مليون دولار (ومعها فوائد تبلغ 1.3 مليار دولار) تعود إلى صفقة سلاح أبرمت خلال عهد الشاه، وذلك كبادرة «حسن نية»، مدعية أن الإفراج المتزامن من إيران عن أربعة مواطنين أميركيين محتجزين لديها كان مجرد مصادفة. لكن، كانت هناك أموال أخرى محل نزاع قضائي. مثلاً، وافقت المحكمة العليا في الولايات المتحدة على حكم قضائي يعتبر إيران مسؤولة مالياً أمام عائلات 241 من مشاة البحرية الأميركية (المارينز) قتلوا في هجوم «حزب الله» على ثكنتهم في بيروت عام 1983. ونتيجة لذلك، هناك نزاع قانوني أمام محكمة العدل الدولية على 2.1 مليار دولار مجمدة في حساب بمصرف «سيتي بانك».
وقد أدت الخطوات الحالية الأميركية لإعادة فرض العقوبات إلى حث إيران على بدء جهود عاجلة لمحاولة استعادة أكبر كمية ممكنة من أرصدتها المجمدة، وبأسرع وقت ممكن. وفي هذا الإطار يأتي الاهتمام الأخير بقضية الـ300 مليون دولار الموجودة في المصرف التجاري الأوروبي - الإيراني في هامبورغ. وفي وقت سابق من هذه السنة، قدم المصرف المركزي الإيراني دعوى عاجلة في لوكسمبورغ طالباً حق الوصول إلى 1.6 مليار دولار أعاد قاضٍ في لوكسمبورغ تجميدها في إطار دعوى لضحايا أميركيين في هجمات 11 سبتمبر (أيلول).
وبحلول منتصف عام 2017، وصف مسؤولون في البنك المركزي الإيراني الأموال المجمدة المتبقية حول العالم بأنها «ضئيلة». وتشير هذه المصادر المصرفية الإيرانية إلى أنه تمت استعادة ما يصل إلى 30 مليار دولار (وهذا يبدو ترتيباً صحيحاً لجهة الحجم)، بينما ما زال هناك نحو 3.7 مليار متبقية في الخارج بينها 1.5 مليار دولار «غير ممكن الوصول إليها». ويُفترض أن هذه الـ3.7 مليار دولار تشمل الأموال المجمدة في مصرف «سيتي بانك» وفي كل من لوكسمبورغ وألمانيا. والخلاصة المنطقية هي أن كمية كبيرة من الـ120 مليار دولار من الأرصدة التي تحدثت عنها بإثارة مصادر إيرانية وغربية لم تكن أصلاً موجودة فعلياً في المقام الأول، أو أنها كانت ببساطة عبارة عن أرقام لا معنى لها في دفاتر الحسابات.
- ينوي الأميركيون الآن ممارسة مزيد من الضغوط على إيران من خلال حرمان اقتصادها من الوصول إلى العملات الصعبة، وقد شهد الريال الإيراني تراجعاً كبيراً في قيمته في الآونة الأخيرة. هل تملك إيران القدرة على منع انهيار الريال؟
- سيواجه الاقتصاد الإيراني في شكل مؤكد فترة صعبة للغاية في العامين المقبلين. وعلى رغم ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن إيران تمكنت من استيعاب بعض الفترات الصعبة المشابهة خلال ثمانينات القرن الماضي وأيضاً في إطار عقوبات الأمم المتحدة بعد عام 2006. ومن المرجح أن العملة الإيرانية ستواصل اندفاعها النزولي، وقد خسر الريال 70 في المائة من قيمته بين مايو وأغسطس (آب). الواردات تصير بالغة التكاليف. الخدمات الأساسية، مثل الماء والكهرباء، تواجه ضغوطاً كبيرة. البطالة بين الشباب وهي مرتفعة جداً أصلاً ستصبح أسوأ. وبعض المؤسسات المالية يمكن أن تتوقف فعلياً عن العمل. ولكن إيران تعرف كيف تتصرف كاقتصاد حرب - ما دام في إمكانها احتواء التذمر الشعبي واسع الانتشار. سيواجه المواطنون الإيرانيون ألماً اقتصادياً شديداً، لا سيما وأن النظام عندما يكون تحت ضغط فإنه يعطي باستمرار الأولوية لقواته العسكرية ولتغطية التزاماته الخارجية.
الآن كل شرائح الطيف السياسي الإيراني تبدو متضامنة مع بعضها وتحضّر للمواجهة، والمرشد الأعلى علي خامنئي يقول إن إلغاء الرئيس ترمب للاتفاق (النووي) دليل على أن الأميركيين لا يجب أن يتم الوثوق بهم منذ البداية. وانطلاقاً من هذا الموقف المتصلب، يمكن الاستنتاج أنه من الصعب تخيل أن ضغوط العقوبات وحدها يمكنها أن تخلق وضعاً في المدى المنظور كي تعود إيران بخنوع إلى الطاولة وتستأنف المفاوضات بنية طيبة.
- هل ظهرت أي نتائج للضغوط الاقتصادية على سلوك إيران في المنطقة؟ هل حصل مثلاً تراجع في كمية الأموال التي تعطيها إيران لأذرعها والجماعات المرتبطة بها، مثل «حزب الله» وجماعات مختلفة في العراق وسوريا؟ وهل نعرف أصلاً كمية الأموال التي تقدمها إيران عادة لهذه المجموعات؟
- ترافقت السنوات العشر من العقوبات المتزايدة بين 2005 – 2015 مع زيادة متصاعدة في إنفاق إيران على أصولها المسلحة، شبه العسكرية، في الخارج، ولذلك لا يوجد سبب لتوقع رد مختلف جذرياً هذه المرة. وقد سجّلت الموازنة الإيرانية لعام 2018 زيادة في الإنفاق العسكري (بلغت موازنة الدفاع 22.1 مليار دولار من حجم الموازنة الإجمالي البالغ 104 مليارات دولار)، بما في ذلك مخصصات مالية للحرس الثوري وفيلق القدس. في الوقت ذاته، وعلى مدى السنوات العشر الماضية، استغل الحرس الثوري وضعه الاقتصادي والسياسي لتحقيق أرباح من العقوبات. فمثلاً، ما يقدّر بـ20 في المائة من البورصة الإيرانية يقوم على شركات تابعة للحرس الثوري. كما أن التمويل من خارج المخصصات المسجلة متوفر أيضاً من خلال تورط الحرس الثوري و«حزب الله» في نشاط الاتجار بالمخدرات وتجارة السلاح. فمثلاً، الشبكة التي يقودها عميل «حزب الله» أيمن جمعة تعرضت لعقوبات فرضتها وزارة الخزانة الأميركية عام 2012 بسبب عمليات اتجار بالمخدرات وتبييض أموال بلغت قيمتها ما يقدر بـ200 مليون دولار شهرياً.
إن تمويل إيران للقوات شبه العسكرية المرتبطة بها يُعد واحداً من الأمور الغامضة في شكل لافت. ولكن رغم ذلك، خلال العقد بين 2005 و2015 - عندما كان اقتصاد إيران يفترض أنه يئن تحت العقوبات - قدّر خبراء أن التحويلات التي كانت تذهب إلى «حزب الله» ازدادت من 100 مليون دولار تقريباً إلى ما يصل إلى 700 مليون دولار (بحسب تقديرات مسؤولين أميركيين) وذلك في إطار الانخراط العميق لـ«حزب الله» في سوريا. وفي الوقت ذاته، بلغ الإنفاق الإيراني في سوريا - بما في ذلك التحويلات التي تذهب إلى النظام السوري أو التمويل لجماعات شبه عسكرية محلية أو أجنبية ناشطة في سوريا - بين 6 مليارات و20 مليار دولار، بحسب تقديرات متباينة لمصادر مختلفة أميركية وغربية ومحلية.
وقبل عام 2014، كانت إيران تموّل عدداً من المجموعات العراقية شبه العسكرية، مثل «كتائب حزب الله»، و«عصائب أهل الحق»، ومنظمة «بدر» - كما يقر بذلك مسؤولون كبار من تلك المجموعات. وهكذا، فإن إضافة هذه الكيانات إلى جدول مدفوعات الدولة العراقية تحت مظلة «الحشد الشعبي» يمكن أن يُنظر له على أنه إنجاز مهم لإيران. إن مفوضية «الحشد الشعبي»، تحت قيادة فالح الفياض وأبو مهدي المهندس، تشرف على موازنة سنوية بنحو 1.6 مليار دولار. ولكن عندما تراقب بدقة كيف يتم توزيع هذه الموازنة ترى أن القوات غير الإيرانية (مثل «فرقة العباس القتالية» الممولة من «العتبات المقدسة» و«كتائب السلام» التابعة لمقتدى الصدر) كان يتم باستمرار حرمانها من الأموال، («معهد واشنطن» أصدر تقريراً مفصلاً في هذا الإطار). ولكن في الوقت ذاته فإن الكيانات الأكبر المدعومة من إيران (مثل بدر التي يتبع لها ما بين 40 و50 ألف مقاتل) تهيمن على موازنة «الحشد الشعبي» وليس لديها مشكلة في تسلّم مدفوعاتها في الوقت المحدد ودون تأخر. كما أن لديها قدرة على الحصول على أسلحة إيرانية - في خرق للعقوبات الدولية.

- هل يمكن أن ينجح الأميركيون في تحقيق وعدهم بـ«تصفير» صادرات النفط الإيرانية؟ كيف يمكن تحقيق ذلك؟ فقد بدأت إيران، مثلاً، في تصدير نفطها إلى الصين على متن ناقلاتها؟
- لدى إيران أسواق جاهزة في الشرق الأقصى ستسعى إلى استغلالها. وسيكون فرض العقوبات أكثر صعوبة على الولايات المتحدة هذه المرة، لأن الإدارة تحاول فرضها في شكل آحادي، عوض المرور عبر مجلس الأمن. الصينيون، الأوروبيون، الهنود وغيرهم، سيتجاوبون مع العقوبات مرغمين ولكن في شكل جزئي.
لكن بعد أن تبدأ الولايات المتحدة توسيع نطاق العقوبات (الحزمة الثانية) فستكون إيران في شكل متزايد في وضع يزداد سوءاً، لأن أولئك الراغبين في شراء النفط الإيراني (سواء في شكل شرعي أو من خلال السوق السوداء) سيرغمون طهران على بيع نفطها بأسعار بخسة. انسحاب شركة توتال مؤشر آخر إلى أن قدرة إيران على إنتاج النفط وتطوير حقول جديدة ستواجه تراجعاً على الأرجح مع مرور الزمن، نتيجة الضعف المزمن في الاستثمار، وهجرة الخبراء والشركات الأجنبية، والوضع المزري لقطع الغيار.
وهكذا فإن العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة ستتسبب بلا شك في معاناة اقتصادية شديدة للإيرانيين. السؤال هو هل تملك إدارة ترمب استراتيجية متماسكة لإرغام إيران على تغيير سلوكها الإقليمي. بالنسبة إلى طهران الوضع هو أن تحصّن ما ربحته حتى الآن: هي تواجه ضغطاً متواصلاً لتقليل ظهور أرصدتها في سوريا، ولكن نظام الأسد مدين في شكل عميق لها مالياً وسياسياً. ولذلك يمكن توقع أن إيران ستحاول أن تحكم قبضتها على ما هو في يدها وتحاول انتظار مرور عاصفة الضغوط عليها. وفي العراق، تتمتع طهران بأرصدة شبه عسكرية وسياسية كبيرة، كما أن قاسم سليماني يمارس جهوداً كبيرة من أجل الوصول إلى حكومة يهيمن عليها حلفاء إيران. والأمر ذاته في لبنان حيث لا يبدو محتملاً أن الولايات المتحدة لديها ما يكفي من النفوذ الضروري لتحجيم الموقع المتجذر لـ«حزب الله». وبالتالي فإنه يمكن الاستخلاص أن العقوبات لديها تأثير يشل إيران بشكل لا يمكن نفيه، إلا أن الإدارة الأميركية تبدو بعيدة عن امتلاك استراتيجية متماسكة ومتكاملة لاحتواء إيران إقليمياً.



الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.


جولة موسعة لوزير الخارجية الفرنسي إلى منطقة الخليج

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
TT

جولة موسعة لوزير الخارجية الفرنسي إلى منطقة الخليج

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)

يقوم جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، بدءاً من بعد ظهر الأربعاء، بجولة خليجية تقوده تباعاً إلى المملكة السعودية وقطر والإمارات وعمان. وتأتي هذه الجولة في إطار التواصل الأوروبي مع القادة الخليجيين وعقب تلك التي قام بها، تباعاً، رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة الوزراء الإيطالية جيورجينا ميلوني. وستوفر الجولة الفرصة لبارو للقاء نظرائه في العواصم الأربع.

وتعكس هذه الزيارات المتلاحقة اهتماماً أوروبياً واضحاً بتتمات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وبانعكاساتها محلياً وإقليمياً ودولياً، ورغبة في التواصل مع الدول الخليجية المعنية بشكل رئيسي بما هو حاصل في محيطها.

ووصفت مصادر دبلوماسية فرنسية السياق الذي تحصل فيه جولة بارو بأنه «خاص»، إذ تأتي بعد ستة أسابيع من الحرب، وفي سياق وقف لإطلاق النار لا تعرف مدته، وفي إطار مفاوضات متأرجحة بين معاودة الانطلاق والوصول إلى طريق مسدود وعودة الحرب، بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز ونتائجه الكارثية على سلاسل إمداد الطاقة والأزمات الاقتصادية.

وذكرت باريس أن الجولة تشمل دولاً ترتبط معها فرنسا باتفاقيات دفاعية وكان لها دور في الدفاع عنها ضد الصواريخ والمسيرات الإيرانية، منوهة بأن ما قامت به فرنسا يفوق بأضعاف ما قامت به دول أوروبية أخرى. وبخصوص المفاوضات، ترى باريس أن أحد أسباب التعثر يكمن في أن كل طرف (إيران والولايات المتحدة) يعتبر أن ميزان القوى يميل لصالحه، وبالتالي لا يرى أن عليه تقديم تنازلات كبيرة؛ الأمر الذي يُصعّب عملية الخروج من الأزمة.

أهداف جولة بارو

تسعى باريس من خلال الجولة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أولها تعزيز المقاربة الفرنسية - الخليجية، والأوروبية - الخليجية، إزاء مجموعة من الملفات أبرزها كيفية التعامل مع التحدي الذي تمثله برامج إيران النووية والباليستية والمسيرات، والدور الإقليمي الذي تلعبه طهران، وكيفية بلوغ الحلول المستدامة والمبادرات التي يمكن أن يقوم بها الطرفان (الفرنسي والخليجي) معاً.

وفي هذا السياق، فإن باريس ترى أن التركيز سيكون على كيفية إعادة حرية الملاحة إلى مضيق هرمز. ولا شك أن الوزير بارو سيعرض على نظرائه المراحل التي قطعتها المبادرة الفرنسية - البريطانية لضمان أمن الملاحة، من خلال إطلاق «مهمة» أو «بعثة» لمواكبة السفن والناقلات التي تعبر المضيق.

لكن أمراً كهذا لن ينطلق قبل أن تنتهي الحرب، علماً بأن باريس ولندن حرصتا على تجنب الخلط بين ما تقوم به القوات البحرية الأميركية وبين مهمات البعثة الموعودة. وترى باريس أنه يجب للطرف الخليجي أن يلعب دوراً، وأن لا شيء يمكن أن يتم من غير ضم الخليجيين إليه.

الملف اللبناني و«حزب الله»

لا ترى باريس أن جولة كهذه يمكن أن تتم من غير أن تتناول الملف اللبناني، خصوصاً مع المملكة السعودية، حيث للبلدين مقاربة متماثلة لجهة الأهداف التي يرغب الطرفان بأن تتحقق عملهما من أجل المحافظة على السيادة اللبنانية، وتفهم توازنات البلد الداخلية والتمسك باستقراره.

وإذا كانت باريس التي استقبلت مؤخراً رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ورحبت بوقف إطلاق النار الذي تم تمديده لثلاثة أسابيع، إلا أنها، بالمقابل، شعرت بالقلق إزاء انتهاكاته وإزاء استفحال الأزمة الإنسانية وإزاء الانقسامات العميقة التي يعيشها لبنان بصدد «حزب الله»، والدور الذي لعبه بجر لبنان إلى حرب لا يريدها وربطه بأزمات إقليمية.

وأشارت المصادر الدبلوماسية الفرنسية إلى «عدوانية» «حزب الله» في الداخل، والتي برزت أيضاً مع مقتل عنصرين من قوات «اليونيفيل» الدولية، حيث تحمّل باريس المسؤولية لعناصر من الحزب المذكور. وثمة مصدر قلق ثان لفرنسا عنوانه احتلال إسرائيل لمناطق في جنوب لبنان، التي من شأنها دعم «سردية» «حزب الله» ووضع العراقيل بوجه السلطات اللبنانية في سعيها لوضع حد لهذه الحرب عن طريق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

ما قبل الحرب وما بعدها

ثمة محور ثان ستدور حوله جولة بارو، عنوانه الأول تعزيز المقاربة الفرنسية - الخليجية بصدد الحلول المستدامة للأزمة ولما بعدها. وترى باريس أن الدول الخليجية لن تكون بعد الحرب كما كانت قبلها، ولذا فإن أحد الأهداف يكمن في تعزيز الشراكات بين الجانبين.

وتقول المصادر الدبلوماسية إن فرنسا كانت في المقام الأول تسعى لمساعدة شريكاتها في عملية الدفاع، وهي جاهزة لأن تكون مجدداً إلى جانبهم في حال استؤنفت الحرب. لكنها ترى أنه يتعين في المقدمة الحاجة إلى تعميق الشراكة في المجال الأمني والدفاعي والذهاب إلى شراكات متجددة؛ لأن الحرب وأساليبها تتطور وتتغير ويجب مواكبة التطورات. وفي المقام الثاني، وبالنظر لما يجري في مضيق هرمز، فإن باريس ترى الحاجة لتطوير طرق بديلة للمحافظة على إمدادات الطاقة حتى لا يقع العالم بأزمات مشابهة للأزمة الراهنة، والطريق إلى ذلك يمر عبر الربط الإقليمي بين الوسائل المتوافرة، أو تلك التي يتعين إيجادها، خصوصاً أنها تتجه كلها من الشرق إلى الغرب؛ أي باتجاه المتوسط، حيث يمكن لسوريا وللبنان أن يكونا جزءاً منها.

وباختصار، تعتبر باريس أن الهدف من الزيارة التقريب بين فرنسا وشريكاتها في الخليج في مقاربة الأزمات، وفي توفير السبل لمواجهة التحديات التي تتسبب بها.