أفغانستان تطالب بمشاركة في رئاسة مؤتمر السلام في روسيا

مقتل وإصابة العشرات من القوات الحكومية وعناصر {طالبان} في فارياب

شرطي أفغاني قرب موقع تفجير انتحاري في العاصمة كابل أول من أمس (رويترز)
شرطي أفغاني قرب موقع تفجير انتحاري في العاصمة كابل أول من أمس (رويترز)
TT

أفغانستان تطالب بمشاركة في رئاسة مؤتمر السلام في روسيا

شرطي أفغاني قرب موقع تفجير انتحاري في العاصمة كابل أول من أمس (رويترز)
شرطي أفغاني قرب موقع تفجير انتحاري في العاصمة كابل أول من أمس (رويترز)

لقي ما لا يقل عن 115 من أفراد القوات المسلحة الأفغانية ومقاتلي طالبان مصرعهم في المعارك الضارية التي تجري في فارياب وسط تقدم لقوات طالبان في عدد من المراكز واستيلائها على نقاط تفتيش عدة. ونقلت وكالة «خاما برس» المقربة من رئاسة الأركان الأفغانية عن فيلق الجيش الأفغاني في الشمال، أن قوات طالبان نصبت كميناً لقافلة كبيرة من القوات الحكومية كانت في طريقها ما بين مديريتي غورماش وقيصر صباح أول من أمس؛ مما أدى إلى اشتباكات عنيفة بالأسلحة الثقيلة استمر أكثر من ساعتين؛ مما أدى حسب البيان الحكومي إلى مقتل 73 من مقاتلي طالبان وجرح 31 آخرين.
وكان مسؤولون حكوميون في كابل اعترفوا بمقتل خمسة وعشرين جندياً في الكمين الذي نصبته قوات طالبان لقافلة عسكرية في ولاية فارياب الشمالية، حيث قال عضو المجلس الإقليمي لفارياب، سيد عبد الباقي هاشمي، إن عشرين جندياً قتلوا في الهجوم، كما أسرت طالبان 16 جندياً آخرين بعد اشتباكات لساعات عدة، وأضاف هاشمي، أن القافلة كانت تضم 80 آلية عسكرية غادرت قاعدة عسكرية معزولة في قرية جورماش متوجهة إلى مدينة ميمنة عاصمة الولاية، وأن القوات الحكومية تركت ما بين 10 إلى 20 مركبة في ساحة المعركة مع جثث الكثير من الجنود القتلى، وأن القوات الجوية الأميركية والأفغانية قامت بتدمير المركبات المتروكة؛ حتى لا تستفيد منها طالبان، وأنه مع مغادرة من تبقى من القافلة، فإن طالبان باتت تسيطر على جورماش التي لم تصل إليها القوات الحكومية التي كان من المفترض وصولها من ولاية بادغيس المجاورة. وتحاول قوات طالبان السيطرة على أكبر قدر من الأراضي والبلدات في ولاية فارياب الشمالية بعد عجز القوات الحكومية عن إرسال أي إمدادات لقواتها المحاصرة في عدد من الجيوب في الولاية. وأشار تقرير للمفتش العام المعني بإعادة إعمار أفغانستان، إلى أن طالبان تسيطر كلياً على ما تصل نسبته 13.8 في المائة من المناطق الأفغانية، بينما يتم التنازع على 20 في المائة أخرى.
لكن طالبان في بيان لها على موقعها على الإنترنت قالت، إن القوات الحكومية التي كانت تحت حصار من مقاتلي طالبان في منطقة غورماش هربت من مواقعها صباح الأمس بعد قصف جوي قامت به طائرات أميركية، وإن طالبان سيطرت على القاعدة وعلى مديرية غورماش. ولم يذكر بيان طالبان أي تفاصيل عن القتلى والجرحى من الجانبين، إلا أنه أشار إلى سيطرة قوات الحركة على تسع نقاط كانت تتمركز فيها القوات الحكومية الهاربة. كما أصدرت حركة طالبان بياناً مفصلاً عن عملياتها ضد مقاتلي تنظيم داعش ـ ولاية خراسان في ولاية جوزجان الشمالية، حيث تم استئصال وجود التنظيم من مديريات درزاب وقوش طيبة؛ مما يعني إنهاء وجود التنظيم في شمال أفغانستان بالكامل حسب البيان.
وكان تنظيم داعش استولى على المديريتين وجعلهما منطلقاً لعملياته في الشمال الأفغاني، حيث اتهمه السكان المحليون وقوات طالبان بإرهاب السكان المحليين، ومحاولة تجنيد عناصر له من الشمال الأفغاني للقتال ضد طالبان، بمساندة من القوات الأميركية والحكومية في شمال أفغانستان. وحسب بيان طالبان، فقد قُتل اثنان وتسعون من مسلحي تنظيم داعش، وتم أسر 128 آخرين في حين هرب قائد التنظيم، مولوي حبيب الله، ونائبه مفتي نعمت، ومساعده صبغة الله، عن طريق مروحيات حكومية أفغانية قامت بعملية إجلاء لمقاتلي التنظيم الذين بلغ عددهم 216 مسلحاً. وكانت القوات الحكومية أعلنت كذلك قتلها عشرات من مقاتلي طالبان في ولايتي غزني وبكتيكا المجاورة لها. وأشار بيان صادر عن فيلق الرعد التابع للقوات الأفغانية، إلى أن قواته شنّت هجمات برية على مراكز طالبان، حيث أدت إلى مقتل 27 من مقاتلي طالبان، حسب البيان الحكومي في مناطق ياراكي خيل وجاور كالي ويوسف خيل في مديرية قرة باغ في ولاية غزني. إلى ذلك، دعا مجلس الأمن الدولي حركة طالبان الأفغانية في بيان أصدره بالإجماع، إلى الالتزام بوقف جديد لإطلاق النار اقترحه الرئيس الأفغاني أشرف غني. وقال بيان مجلس الأمن، إنه يحض طالبان على اتباع هذا المسار من دون تأخير والموافقة على العرض الذي قدمته الحكومة الأفغانية في شباط فبراير (شباط) الماضي لبدء محادثات سلام مباشرة من دون شروط مسبقة ولا تهديد بأعمال عنف؛ بهدف التوصل إلى اتفاق سياسي نهائي يؤدي إلى سلام دائم للشعب الأفغاني، وشدد بيان مجلس الأمن الدولي على أهمية إجراء انتخابات تشريعية سلمية وشاملة ذات مصداقية وشفافة في موعدها المحدد يوم العشرين من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وانتخابات رئاسية أفغانية في العشرين من أبريل (نيسان) من العام المقبل.
وفي تطور مثير، نفت كل من روسيا وطاجيكستان قيام طائراتهما بقصف جوي على ولاية تاخار الشمالية الأفغانية صباح أول من أمس بعد القول بمقتل اثنين من حرس الحدود الطاجيك. وأكدت لجنة الأمن القومي ووزارة الدفاع في طاجيكستان، أن الأنباء الواردة حول قيام سلاح الجو الطاجيكي بتنفيذ غارات جوية على شمال أفغانستان منافية للحقيقة، وأن قوات طاجيكستان ليست مخولة بتنفيذ أي عمليات خارج حدودها إلا بعد إصدار لجنة الأمن القومي قراراً بهذا الشأن بعد التشاور مع وزارة الدفاع.
وجاء النفي الروسي الطاجيكي متزامناً مع محاولات روسيا منع انهيار مؤتمر السلام الذي ستعقده في مدينة سوشي، وكان مقرراً له تاريخ الرابع من الشهر المقبل، لكن تم تأجيله بناءً على طلب من الرئيس الأفغاني أشرف غني بعد اتصاله مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. وجاء الإعلان عن تأجيل المؤتمر بعد أسبوع من موافقة طالبان على حضوره، وقال بيان الخارجية الروسية، إن قرار التأجيل جاء بعد مكالمة الرئيس الأفغاني أشرف غني مع وزير الخارجية الروسي، حيث أيد الرئيس الأفغاني من حيث المبدأ فكرة تنظيم لقاء في روسيا، لكنه اقترح تأجيله بسبب حاجة الجانب الأفغاني لبلورة موقف موحد من هذه المسألة. وأضاف البيان الروسي، إن الجانبين الأفغاني والروسي اتفقا على العمل معاً من أجل تحديد موعد جديد للقاء. وتطالب الحكومة الأفغانية، بأن تكون هي قائدة أي عملية سلام في أفغانستان، وأن تغيير موعد الاجتماع في روسيا يأتي لضمان مشاركة الحكومة الأفغانية. وقال بيان من الرئاسة الأفغانية، إنه جرى اتخاذ قرار بتأجيل اجتماع موسكو لمزيد من التحضير، وكي يكون فاعلاً حتى تديره وتستضيفه الحكومتان الأفغانية والروسية معاً. ويرى خبراء في الشأن الأفغاني، أن حركة طالبان قد تعتذر عن حضور مؤتمر روسيا المقبل إن كانت الحكومة الأفغانية ستشارك في رئاسة المؤتمر واستضافته لرفض حركة طالبان الحوار مع الحكومة الأفغانية، وقال محمد طاهر، الخبير بحركة طالبان الأفغانية، إنه يستبعد مشاركة الحركة إن كانت حكومة أشرف غني ستكون في رئاسة المؤتمر أو تعتبر مستضيفة له مثل الحكومة الروسية، لكن لو بقي المؤتمر بدعوة من روسيا واستضافتها هي فمن المؤكد مشاركة طالبان التي أعلنت الموافقة قبل أسبوع على المؤتمر.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».