هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟
TT

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

نشرت «ثقافة»، بتاريخ 31 - 7 – 2018، مقالاً بعنوان: «عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية»، لكاتبه د. رياض معسعس. وننشر هنا التعقيب التالي، مع رد كاتب المقال عليه.
فوجئت بعنوان مثير للغاية يتصدر الصفحة الثقافية في جريدة «الشرق الأوسط»، بتاريخ 31 - 7 - 2018، للكاتب رياض معسعس، يحمل حكماً قاطعاً يشير إلى «عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية»، مع عنوان فرعي «آخرها قصة قصيرة عن الصليبية والجهاد».
أولاً، لا يوجد في هذا المقال، المنشور على مساحة كبيرة، ما يثبت صحة هذه الدعوى سوى الإشارة إلى «قصة قصيرة حول الصليبية والجهاد»، للكاتب الإيطالي ألساندرو باربيرو، ثم حديث مطول عن خلفية هذا الاهتمام الغربي بالحروب الصليبية، ومتى استخدمت كلمة الحروب الصليبية للمرة الأولى في القواميس والمعاجم الفرنسية، وكذلك الإشارة إلى بعض الكتب والدراسات من هنا وهناك، المتعلقة بهذا الأمر.
عندما يعود القارئ إلى مطالعة هذه القصة القصيرة التي استند إليها كاتب المقال لتبرير دعواه بوجود عودة أدبية فرنسية للحروب الصليبية، نكتشف أنها ليست بقصة قصيرة، وإنما دراسة عنوانها بالإيطالية «الحرب المباركة: الحرب المقدسة والجهاد»، وتحتوي على تاريخ موجز لأهم محطات وقضايا الحروب الصليبية، موزعة على أربعة فصول صغيرة: يتضمن أولها تعريفاً دقيقاً للحروب الصليبية، ويحمل ثانيها عنوان «الملحمة»، وثالثها بعنوان «بين الحرب المقدسة والجهاد، أما رابعها فيحمل عنوان «الغرب في عيون الآخرين».
ولا يوجد في أي صفحة من صفحات الكتاب ما يشير إلى أن المؤلف يسعى لاستلهام الحروب الصليبية، ناهيك عن كونه أستاذاً جامعياً متخصصاً في تاريخ العصور الوسطى، وله كتب كثيرة في هذا المضمار، كان آخرها كتاب «كلمات البابوات التي غيرت العالم»، أضف إلى ذلك أن الكتاب الذي ينظر إليه كاتب المقال على أنه قصة قصيرة لم يصدر هذه الأيام، وإنما صدر منذ عقد من الزمان تقريباً باللغة الإيطالية، وليس بالفرنسية حتى يكون ضمن العودة الأدبية الفرنسية لعام 2018! وقد تمت ترجمته إلى الفرنسية عام 2010، عن دار «فلاماريون»، ثم قامت الدار ذاتها بإعادة طبعه في طبعة ثانية، في مايو (أيار) 2018. وربما كانت هذه الطبعة الثانية هي التي اطلع كاتب المقال على عنوانها، دون أن يطلع عليها، ولا على الطبعة الأولى، وإلا ما كان قد وقع في هذا الخطأ الفادح في الحديث عما اعتبره قصة قصيرة. وربما ما أوقع كاتب المقال في هذا الموقف الذي لا يُحسد عليه أن الدار الفرنسية لم تحتفظ بالعنوان القديم للطبعة الأولى، وهو «تاريخ الحروب الصليبية»، وجعلت عنوان الطبعة الثانية «الحروب المقدسة: تاريخ موجز للحروب الصليبية والجهاد».
من يطلع على الكتاب، في طبعته الفرنسية الأولى أو الثانية، لن يجد اختلافات سوى في عناوين الطبعتين، ولن يجد في الكتاب، وهو صغير الحجم، لا يتجاوز 124 صفحة من الحجم الصغير، ما يمكن أن نعده استلهاماً للحروب الصليبية، وإنما دراسة تقدم رؤية عامة - وبلغة في متناول الجميع - لمسار ومحطات الحروب الصليبية وملامحها الرئيسية. كما يؤكد مؤلف الكتاب أن الحكم على الحروب الصليبية قد تغير بالفعل مع مرور الزمن (ص29). ورصد مؤلف الكتاب لحظات من تطور الوعي الغربي إزاء هذه الحروب، من بداية الحماسة لها والاحتفاء بها إلى مرحلة الشعور بالعار منها، عندما أدرك الغربيون مدى ما صاحبها من قدر هائل من العنف والحقد تجاه الآخر، ليس فقط المسلم، وإنما أيضاً الآخر اليهودي، حيث قامت الجماهير الهائجة المشاركة في الحرب الصليبية الأولى بارتكاب المذابح الأولى ضد اليهود، وأن النموذج المثالي للحروب الصليبية قد توقف في بعض الفترات عن أن يجذب إليه الغربيين، وكان هذا في عام 1270 (ص40)، إلى أن يصل مؤلف الكتاب إلى مرحلة العودة من جديد إلى النظر للحروب الصليبية بوصفها ملحمة ينبغي الإشادة بها، وليس كتراجيديا ينبغي إدانتها، وهو أمر يستحق أن يناقش عندما نتناول الانعكاسات الراهنة والمحتملة لهذه الحروب الصليبية (ص10). وأكثر من ذلك، فإن المؤلف عندما يتناول الأبعاد الدينية لهده الحروب، فهو يتناولها بمنهجية المؤرخ الأكاديمي فحسب (ص55).
يشير مؤلف الكتاب أيضاً إلى تطور وعي المسلمين تجاه هذه الحروب، ويستخدم في ذلك اللغة ذاتها التي كان يستخدمها المسلمون، حيث يقول في فقرة لا تخلو من دلالات: «لم يقف المسلمون مكتوفي الأيدي أمام قبيلة من البرابرة الدمويين الذين لا يعرفون من أين جاءوا، ناهيك عن شعورهم بأنهم من الكفار الذين دخلوا الأراضي الإسلامية، ونشروا فيها الخراب، واستولوا على مدنهم المقدسة. وشعر المسلمون أن هذه الحروب الصليبية كانت عدواناً صارخاً عليهم، وعلى ربهم، عندما استولى كفار الغرب هؤلاء على القدس، وقبر السيد المسيح، الذي هو بالنسبة للمسلمين نبي كبير جدير بالتقدير. وسرعان ما تحرك العالم الإسلامي لاستعادة المدينة المقدسة، وطرد الغزاة منها» (ص16).
ويقرأ مؤلف الكتاب حدث الحروب الصليبية بمصطلحات معاصرة أحياناً، مثل صدام الحضارات (ص83)، أو سوء الفهم الثقافي (ص114)، ولا سيما في الفصل الأخير من الكتاب الذي يتحدث فيه عن «الغرب بعيون الآخرين»، ويقول في هذا الشأن: «بالطبع، ليست أنشودة رولان، رغم شاعريتها العظيمة، هي المثال الأخلاقي الذي يمكن أن نقتدي به في القرن الحادي والعشرين، إلا أنها تعكس بصورة واضحة الطريقة التي كانوا يفكرون بها آنذاك، إذ كان الجميع، من المسيحيين والمسلمين، ومن بين المسيحيين، سواء كانوا من الكاثوليك اللاتين أو الأرثوذكس اليونان، يفكرون بالطريقة نفسها التي تحتوي على التعارض الثنائي بين الـ(نحن) والـ(هم)» (ص87).
أسهبنا بعض الشيء في تقديم الأفكار والملامح الرئيسية لهذا الكتاب الصغير، لكي نقول للسيد رياض معسعس، كاتب المقال، إنه تحدث دون دراية، وارتكب سلسلة من الأخطاء ما كان ينبغي أن يقع فيها، ليس أقلها أنه لم يفهم طبيعة الكتاب الذي أشار إليه، واتخذه مرتكزاً لدعواه بعودة أدبية فرنسية تستلهم الحروب الصليبية، بارتكاب كثير من الزلات التي لا يمكن تبريرها عندما تحدث عن التأثير الشرقي على الغرب، دون أن يذكر الأمثلة المناسبة على ذلك، باستثناء مثال تأثر دانتي بأبي العلاء المعري، وكذلك عندما أشار إلى أسماء ثلاثة من كبار المؤرخين، وزعم أنهم من معاصري الحروب الصليبية، بينما أحدهم فقط الذي يمكننا القول إنه كان معاصراً لها، بينما المقريزي والقلقشندي لا يمكن أن يندرجا تحت صفة معاصرين لها، بل جاءا بعد قرن من الزمان على نهايتها تقريباً. كما أخفق السيد رياض معسعس عندما أشار إلى أحد المراجع الرئيسية في تاريخ الحروب الصليبية، الذي تشرفت بترجمته إلى العربية عام 1995، وصدر في القاهرة بعنوان «الشرق والغرب زمن الحروب الصليبية»، بينما السيد رياض معسعس يترجم العنوان بصورة خاطئة ويسميه «مشرق ومغرب في زمن الحروب الصليبية»، وثمة بون شاسع بين العنوانين.
خلاصة القول، إن كاتب المقال بجريدة «الشرق الأوسط» لم يوفق تماماً في دعواه بوجود عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية، وذلك بالاستناد لكتاب وحيد (مترجم عن الإيطالية)، لم نتمكن عند قراءته من التثبت من هذه العودة الأدبية. وكان على كاتب المقال أن يقوم بتقديم استعراض لهذه الأعمال الأدبية الفرنسية، وأن يتثبت من تلك الأعمال التي ادعى أنها تعود للحروب الصليبية، وأن يحدثنا عن نسبتها، بالمقارنة مع العدد الكامل لمثل هذه الأعمال.

- رد الكاتب رياض معسعس
> يبدو من مقال السيد الشيخ أنه لم يفهم ما هو مغزى مقالي، وقد أخطأ كثيراً، ذلك أن ما قلته في المقال يخالف تماماً ما ورد في مقالته، فأنا لم أقل أبداً إن هناك عودة للحروب الصليبية في الأدب الفرنسي، بل قلت إن الأوروبيين بشكل عام، والفرنسيين بشكل خاص، ما زالوا إلى اليوم يهتمون بالحروب الصليبية، ويقيمون فيها أبحاثاً تاريخية واقتصادية ودينية وأدبية، ويسردون قصص أبطالها، وكل من شارك فيها من ملوك وأمراء وسواهم! وقد أعطيت أمثلة كثيرة في أزمنة مختلفة، تم فيها التطرق للحروب الصليبية، ولا يمر عام إلا ويصدر أكثر من كتاب حول الموضوع، حتى وصلت المؤلفات إلى أكثر من ألف وخمسمائة مؤلف، وهذه مسألة إيجابية لأنها تبحث في إيجابيات الحملات الصليبية وسلبياتها، بل هناك من أثنى على أبطال عرب، كأندريه ميكيل في ترجمته لمذكرات أسامة بن المنقذ. وليسمح لي السيد شيخ، فأنا درست الإعلام والآداب في السوربون، وقضيت اثني عشر عاماً على مقاعدها، وأحمل شهادتي دكتوراه دولة منها، وأعي تماماً ما أكتب وما أقول.

- أحمد الشيخ: كاتب مترجم مصري مقيم في باريس


مقالات ذات صلة

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي.

د. سمير الخليل
ثقافة وفنون جانب من المعرض

حضور نوعي ومبادرات رائدة

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق.

فيء ناصر (لندن)

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.