هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟
TT

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

نشرت «ثقافة»، بتاريخ 31 - 7 – 2018، مقالاً بعنوان: «عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية»، لكاتبه د. رياض معسعس. وننشر هنا التعقيب التالي، مع رد كاتب المقال عليه.
فوجئت بعنوان مثير للغاية يتصدر الصفحة الثقافية في جريدة «الشرق الأوسط»، بتاريخ 31 - 7 - 2018، للكاتب رياض معسعس، يحمل حكماً قاطعاً يشير إلى «عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية»، مع عنوان فرعي «آخرها قصة قصيرة عن الصليبية والجهاد».
أولاً، لا يوجد في هذا المقال، المنشور على مساحة كبيرة، ما يثبت صحة هذه الدعوى سوى الإشارة إلى «قصة قصيرة حول الصليبية والجهاد»، للكاتب الإيطالي ألساندرو باربيرو، ثم حديث مطول عن خلفية هذا الاهتمام الغربي بالحروب الصليبية، ومتى استخدمت كلمة الحروب الصليبية للمرة الأولى في القواميس والمعاجم الفرنسية، وكذلك الإشارة إلى بعض الكتب والدراسات من هنا وهناك، المتعلقة بهذا الأمر.
عندما يعود القارئ إلى مطالعة هذه القصة القصيرة التي استند إليها كاتب المقال لتبرير دعواه بوجود عودة أدبية فرنسية للحروب الصليبية، نكتشف أنها ليست بقصة قصيرة، وإنما دراسة عنوانها بالإيطالية «الحرب المباركة: الحرب المقدسة والجهاد»، وتحتوي على تاريخ موجز لأهم محطات وقضايا الحروب الصليبية، موزعة على أربعة فصول صغيرة: يتضمن أولها تعريفاً دقيقاً للحروب الصليبية، ويحمل ثانيها عنوان «الملحمة»، وثالثها بعنوان «بين الحرب المقدسة والجهاد، أما رابعها فيحمل عنوان «الغرب في عيون الآخرين».
ولا يوجد في أي صفحة من صفحات الكتاب ما يشير إلى أن المؤلف يسعى لاستلهام الحروب الصليبية، ناهيك عن كونه أستاذاً جامعياً متخصصاً في تاريخ العصور الوسطى، وله كتب كثيرة في هذا المضمار، كان آخرها كتاب «كلمات البابوات التي غيرت العالم»، أضف إلى ذلك أن الكتاب الذي ينظر إليه كاتب المقال على أنه قصة قصيرة لم يصدر هذه الأيام، وإنما صدر منذ عقد من الزمان تقريباً باللغة الإيطالية، وليس بالفرنسية حتى يكون ضمن العودة الأدبية الفرنسية لعام 2018! وقد تمت ترجمته إلى الفرنسية عام 2010، عن دار «فلاماريون»، ثم قامت الدار ذاتها بإعادة طبعه في طبعة ثانية، في مايو (أيار) 2018. وربما كانت هذه الطبعة الثانية هي التي اطلع كاتب المقال على عنوانها، دون أن يطلع عليها، ولا على الطبعة الأولى، وإلا ما كان قد وقع في هذا الخطأ الفادح في الحديث عما اعتبره قصة قصيرة. وربما ما أوقع كاتب المقال في هذا الموقف الذي لا يُحسد عليه أن الدار الفرنسية لم تحتفظ بالعنوان القديم للطبعة الأولى، وهو «تاريخ الحروب الصليبية»، وجعلت عنوان الطبعة الثانية «الحروب المقدسة: تاريخ موجز للحروب الصليبية والجهاد».
من يطلع على الكتاب، في طبعته الفرنسية الأولى أو الثانية، لن يجد اختلافات سوى في عناوين الطبعتين، ولن يجد في الكتاب، وهو صغير الحجم، لا يتجاوز 124 صفحة من الحجم الصغير، ما يمكن أن نعده استلهاماً للحروب الصليبية، وإنما دراسة تقدم رؤية عامة - وبلغة في متناول الجميع - لمسار ومحطات الحروب الصليبية وملامحها الرئيسية. كما يؤكد مؤلف الكتاب أن الحكم على الحروب الصليبية قد تغير بالفعل مع مرور الزمن (ص29). ورصد مؤلف الكتاب لحظات من تطور الوعي الغربي إزاء هذه الحروب، من بداية الحماسة لها والاحتفاء بها إلى مرحلة الشعور بالعار منها، عندما أدرك الغربيون مدى ما صاحبها من قدر هائل من العنف والحقد تجاه الآخر، ليس فقط المسلم، وإنما أيضاً الآخر اليهودي، حيث قامت الجماهير الهائجة المشاركة في الحرب الصليبية الأولى بارتكاب المذابح الأولى ضد اليهود، وأن النموذج المثالي للحروب الصليبية قد توقف في بعض الفترات عن أن يجذب إليه الغربيين، وكان هذا في عام 1270 (ص40)، إلى أن يصل مؤلف الكتاب إلى مرحلة العودة من جديد إلى النظر للحروب الصليبية بوصفها ملحمة ينبغي الإشادة بها، وليس كتراجيديا ينبغي إدانتها، وهو أمر يستحق أن يناقش عندما نتناول الانعكاسات الراهنة والمحتملة لهذه الحروب الصليبية (ص10). وأكثر من ذلك، فإن المؤلف عندما يتناول الأبعاد الدينية لهده الحروب، فهو يتناولها بمنهجية المؤرخ الأكاديمي فحسب (ص55).
يشير مؤلف الكتاب أيضاً إلى تطور وعي المسلمين تجاه هذه الحروب، ويستخدم في ذلك اللغة ذاتها التي كان يستخدمها المسلمون، حيث يقول في فقرة لا تخلو من دلالات: «لم يقف المسلمون مكتوفي الأيدي أمام قبيلة من البرابرة الدمويين الذين لا يعرفون من أين جاءوا، ناهيك عن شعورهم بأنهم من الكفار الذين دخلوا الأراضي الإسلامية، ونشروا فيها الخراب، واستولوا على مدنهم المقدسة. وشعر المسلمون أن هذه الحروب الصليبية كانت عدواناً صارخاً عليهم، وعلى ربهم، عندما استولى كفار الغرب هؤلاء على القدس، وقبر السيد المسيح، الذي هو بالنسبة للمسلمين نبي كبير جدير بالتقدير. وسرعان ما تحرك العالم الإسلامي لاستعادة المدينة المقدسة، وطرد الغزاة منها» (ص16).
ويقرأ مؤلف الكتاب حدث الحروب الصليبية بمصطلحات معاصرة أحياناً، مثل صدام الحضارات (ص83)، أو سوء الفهم الثقافي (ص114)، ولا سيما في الفصل الأخير من الكتاب الذي يتحدث فيه عن «الغرب بعيون الآخرين»، ويقول في هذا الشأن: «بالطبع، ليست أنشودة رولان، رغم شاعريتها العظيمة، هي المثال الأخلاقي الذي يمكن أن نقتدي به في القرن الحادي والعشرين، إلا أنها تعكس بصورة واضحة الطريقة التي كانوا يفكرون بها آنذاك، إذ كان الجميع، من المسيحيين والمسلمين، ومن بين المسيحيين، سواء كانوا من الكاثوليك اللاتين أو الأرثوذكس اليونان، يفكرون بالطريقة نفسها التي تحتوي على التعارض الثنائي بين الـ(نحن) والـ(هم)» (ص87).
أسهبنا بعض الشيء في تقديم الأفكار والملامح الرئيسية لهذا الكتاب الصغير، لكي نقول للسيد رياض معسعس، كاتب المقال، إنه تحدث دون دراية، وارتكب سلسلة من الأخطاء ما كان ينبغي أن يقع فيها، ليس أقلها أنه لم يفهم طبيعة الكتاب الذي أشار إليه، واتخذه مرتكزاً لدعواه بعودة أدبية فرنسية تستلهم الحروب الصليبية، بارتكاب كثير من الزلات التي لا يمكن تبريرها عندما تحدث عن التأثير الشرقي على الغرب، دون أن يذكر الأمثلة المناسبة على ذلك، باستثناء مثال تأثر دانتي بأبي العلاء المعري، وكذلك عندما أشار إلى أسماء ثلاثة من كبار المؤرخين، وزعم أنهم من معاصري الحروب الصليبية، بينما أحدهم فقط الذي يمكننا القول إنه كان معاصراً لها، بينما المقريزي والقلقشندي لا يمكن أن يندرجا تحت صفة معاصرين لها، بل جاءا بعد قرن من الزمان على نهايتها تقريباً. كما أخفق السيد رياض معسعس عندما أشار إلى أحد المراجع الرئيسية في تاريخ الحروب الصليبية، الذي تشرفت بترجمته إلى العربية عام 1995، وصدر في القاهرة بعنوان «الشرق والغرب زمن الحروب الصليبية»، بينما السيد رياض معسعس يترجم العنوان بصورة خاطئة ويسميه «مشرق ومغرب في زمن الحروب الصليبية»، وثمة بون شاسع بين العنوانين.
خلاصة القول، إن كاتب المقال بجريدة «الشرق الأوسط» لم يوفق تماماً في دعواه بوجود عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية، وذلك بالاستناد لكتاب وحيد (مترجم عن الإيطالية)، لم نتمكن عند قراءته من التثبت من هذه العودة الأدبية. وكان على كاتب المقال أن يقوم بتقديم استعراض لهذه الأعمال الأدبية الفرنسية، وأن يتثبت من تلك الأعمال التي ادعى أنها تعود للحروب الصليبية، وأن يحدثنا عن نسبتها، بالمقارنة مع العدد الكامل لمثل هذه الأعمال.

- رد الكاتب رياض معسعس
> يبدو من مقال السيد الشيخ أنه لم يفهم ما هو مغزى مقالي، وقد أخطأ كثيراً، ذلك أن ما قلته في المقال يخالف تماماً ما ورد في مقالته، فأنا لم أقل أبداً إن هناك عودة للحروب الصليبية في الأدب الفرنسي، بل قلت إن الأوروبيين بشكل عام، والفرنسيين بشكل خاص، ما زالوا إلى اليوم يهتمون بالحروب الصليبية، ويقيمون فيها أبحاثاً تاريخية واقتصادية ودينية وأدبية، ويسردون قصص أبطالها، وكل من شارك فيها من ملوك وأمراء وسواهم! وقد أعطيت أمثلة كثيرة في أزمنة مختلفة، تم فيها التطرق للحروب الصليبية، ولا يمر عام إلا ويصدر أكثر من كتاب حول الموضوع، حتى وصلت المؤلفات إلى أكثر من ألف وخمسمائة مؤلف، وهذه مسألة إيجابية لأنها تبحث في إيجابيات الحملات الصليبية وسلبياتها، بل هناك من أثنى على أبطال عرب، كأندريه ميكيل في ترجمته لمذكرات أسامة بن المنقذ. وليسمح لي السيد شيخ، فأنا درست الإعلام والآداب في السوربون، وقضيت اثني عشر عاماً على مقاعدها، وأحمل شهادتي دكتوراه دولة منها، وأعي تماماً ما أكتب وما أقول.

- أحمد الشيخ: كاتب مترجم مصري مقيم في باريس


مقالات ذات صلة

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي.

د. سمير الخليل

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended