إيطاليا تتحول إلى خاصرة أوروبية رخوة مالياً واقتصادياً

الوضع يتفاقم أكثر إذا استمرت الحكومة اليمينية الشعبوية في مناهضتها بروكسل

فاقمت كارثة انهيار جسر جنوى من الأوضاع السياسية والاقتصادية المرتبكة في إيطاليا (رويترز)
فاقمت كارثة انهيار جسر جنوى من الأوضاع السياسية والاقتصادية المرتبكة في إيطاليا (رويترز)
TT

إيطاليا تتحول إلى خاصرة أوروبية رخوة مالياً واقتصادياً

فاقمت كارثة انهيار جسر جنوى من الأوضاع السياسية والاقتصادية المرتبكة في إيطاليا (رويترز)
فاقمت كارثة انهيار جسر جنوى من الأوضاع السياسية والاقتصادية المرتبكة في إيطاليا (رويترز)

ترتفع معدلات الفوائد في إيطاليا منذ تشكيل الحكومة الجديدة المكونة من «حركة النجوم الخمسة» الشعبوية وحزب الرابطة اليميني، وذلك الارتفاع يعبر بالدرجة الأولى عن قلق المستثمرين، لا سيما من توجهات انفلات الإنفاق العام بحيث يتجاوز عجز الموازنة المعدل الآمن الذي تفرضه قواعد الاتحاد الأوروبي، كما أن هناك خوفا من الرجوع عن الإصلاحات التي أجراها رئيس الحكومة السابق ماتيو رينزي. هذه المخاوف تحول الوضع الإيطالي إلى «هش» بنظر بروكسل، لا سيما عند منعطفات أزمات كالتي تمر بها تركيا حالياً.
وأكدت مصادر مصرفية أن التقارير المتشائمة لا تمر مرور الكرام، بل تزيد الطين بلة؛ كما حصل الأسبوع الماضي عندما أصدر بنك «سوسييتيه جنرال» تقريراً أشار فيه إلى أن سندات الخزانة اليونانية أصبحت أكثر أماناً من نظيرتها الإيطالية.
وتؤكد المصادر عينها أن ذلك القلق يتعاظم أكثر منذ 15 أغسطس (آب) الحالي عندما اقترضت الحكومة بسندات لعشر سنوات بفائدة 3.15 في المائة، وهي الأعلى منذ عام 2014. وبذلك يتسع الهامش بين فوائد السندات الألمانية والإيطالية إلى أعلى مستوى منذ عام 2013 عندما بلغت أزمة الديون السيادية الأوروبية أوج مخاطرها آنذاك.
وجاءت كارثة انهيار جسر جنوى لتثقل هذا المناخ أكثر، لأن التحالف الحكومي الجديد استغل المناسبة ليصب جام غضبه على السياسات السابقة وعلى قواعد الاتحاد الأوروبي المحذرة من زيادة الإنفاق العام. إذ قال مصدر من حركة النجوم الخمسة الشعبوية: «إذا كان الاتحاد الأوروبي يحول بيننا وبين ضرورة القيام بورشة لتحديث بنانا التحتية والفوقية، فلماذا إذاً علينا احترام قواعد ذلك الاتحاد؟!».
ويتسرب من مصادر حكومية أن الاتجاه الآن هو نحو إعادة التفاوض مع المفوضية الأوروبية في بروكسل بشأن التقشف وقواعد ضبط الإنفاق.
في المقابل، هناك قلق محسوس في بروكسل، حيث ترد مصادر المفوضية على تلك المقولات التي تعتبرها «خاطئة» و«غير لائقة»، لأن الاتحاد منح إيطاليا لفترة 2014 - 2020 مبلغ 2.5 مليار يورو لتحديث البنى التحتية، وحصلت إيطاليا في أبريل (نيسان) الماضي على مبلغ 8.5 مليارات يورو خصصت لمخططات استثمار في الطرق السريعة، وهناك برنامج إنفاق قيمته 12 مليار يورو لقطاع النقل.
وتحذر مصادر المفوضية من توجهات الحكومة الإيطالية الجديدة الخاصة بزيادة الإنفاق بحيث يتجاوز عجز الموازنة نسبة 3 في المائة من الناتج، وهذا التجاوز يضرب بعرض الحائط الالتزامات التي على إيطاليا وأي بلد آخر في الاتحاد «احترامها جيداً» وفقاً لتلك المصادر، وإلا فإن المخاطر ستزيد وتتوسع دوائر العدوى لتضرب كل مستلزمات التنقية المالية الضرورية على المستوى الأوروبي العام. لكن يبدو أن الحكومة الإيطالية الجديدة غير عابئة بتلك التحذيرات، وتقول مصادرها إن «نسبة الـ3 في المائة ليست كتاباً منزلاً!».
وتشير المصادر المصرفية إلى أن اتحادات أرباب العمل في إيطاليا - كما المصارف الإيطالية وعموم المستثمرين الأوروبيين - يشاطرون بروكسل رأيها، ولا يوافقون على التوجهات الحكومية، لأن زيادة الإنفاق، ومعه ارتفاع عجز الموازنة، يؤديان إلى تراكم الديون أكثر في بلد يعيش فوق طاقته ويرتب أعباء ثقيلة على الأجيال المقبلة. ويضيف أرباب العمل في إيطاليا إلى ذلك تحذيراً من مغبة المضي قدماً في نقض الإصلاح الذي أجراه ماتيو رينزي والخاص بتخفيف قيود قانون العمل، لأن العودة إلى الوراء في هذا المجال تضع عراقيل أمام الاستثمارات المطلوبة لخلق فرص عمل في بلد تبلغ نسبة البطالة فيه 11 في المائة.
ويسيطر حالياً مناخ حذر شديد بانتظار موعد 27 سبتمبر (أيلول) الذي ستعلن فيه الحكومة الخطوط العريضة لمشروع ميزانيتها الجديدة، فإذا طبق التحالف البرنامج الذي على أساسه فاز في الانتخابات وذهب بعيداً في وعوده الشعبوية، لا سيما وعد خفض بعض الضرائب وتأمين حد أدنى من الدخل لكل فرد إيطالي «محتاج» بواقع 780 يورو، فإن العجز سيصل إلى 6 في المائة من الناتج وفقاً لحسابات أجراها مكتب «كابيتال إيكونوميكس».
ويحذر مفوضون أوروبيون من أي خطأ إيطالي في الحسابات، ويدعون الإيطاليين إلى وعي مخاطر ارتفاع الفائدة. ففي بلد يبلغ دينه العام 132 في المائة من الناتج، فإنه في «عين العاصفة» إذا صعدت الفوائد أكثر في موازاة عجز متعاظم في الموازنة. فنسبة ذلك الدين هي الأعلى أوروبياً بعد اليونان. ويضيف أحد المفوضين: «بذلت إيطاليا جهوداً جبارة في سبيل التنقية المالية منذ 6 سنوات. ففي عام 2012 كانت كلفة فوائد الدين العام أكثر من 83 مليار يورو (5.2 في المائة من الناتج)، وهبطت تلك الكلفة في 2017 إلى نحو 66 ملياراً (3.8 في المائة من الناتج). وجاء ذلك أيضاً بفضل جهود بذلها الاتحاد الأوروبي لمساعدة إيطاليا، لا سيما عندما خفض البنك المركزي الأوروبي الفوائد إلى أحد أدنى مستوياتها التاريخية، كما أن البنك المركزي اشترى إصدارات إيطالية بكثافة. بيد أن المشهد بدأ يتغير منذ وصول التحالف اليميني الشعبوي إلى السلطة، فبعد كل تلك الجهود التي أثمرت انخفاضا في هوامش الفوائد، عادت تلك الهوامش لترتفع بقوة، فإذا بإيطاليا تقترض بفائدة أعلى من 3 في المائة مقابل 0.30 في المائة لفوائد الإصدارات السيادية الألمانية، و0.65 في المائة للفرنسية».
وترد بعض المصادر الإيطالية معتبرة تلك التحذيرات بمثابة «تهويل»، وتقول: «يبشروننا بالأسوأ وتحديداً بعاصفة مالية، لكنهم لا يذكرون أن لدى إيطاليا بعض المزايا التي ستحول نسبياً دون هبوب تلك العاصفة المزعومة. أولاً في إيطاليا أحد أعلى نسب التوفير والادخار في أوروبا. فادخار الأفراد والأسر يبلغ 4400 مليار يورو (4.4 تريليون)، والدين العام ممسوك بنسبة 75 في المائة من مقرضين إيطاليين. إلى ذلك، فإن متوسط عمر ذلك الدين طويل نسبياً، ولا يتجدد منه سنوياً إلا 10 في المائة فقط... لذا فإن ارتفاع الفائدة لن يكون بالنتائج الكارثية التي يحذر منها البعض».
وترد أيضاً مصادر المفوضية على تلك «التطمينات» بتجديد تحذيرها من خفض الضرائب إلى 15 أو 20 في المائة، كما جاء في البرامج الانتخابية، لأن ذلك سيخفض الإيرادات، في المقابل ستزيد المصروفات إذا وفي التحالف بوعد تأمين دخل قيمته 780 يورو لكل مواطن «محتاج».
وتضيف المصادر أن مشكلة إيطاليا ليست مالية فقط، بل هي اقتصادية أيضاً متعلقة بالتنافسية والنمو كما يؤكد البنك المركزي الأوروبي. إذ ورد في دراسة لـ«المركزي» أن متوسط دخل الإيطالي تراجع منذ 1999. وهو تاريخ إطلاق عملة اليورو، بنسبة 25 في المائة مقارنة بمتوسط دخل مواطني الدول الأعضاء في الاتحاد، وهناك شيخوخة زائدة في المجتمع، ونقص في الاستثمارات الإنتاجية، وتراجع في نمو الصادرات... كل ذلك يجعل مهمة الحكومة الجديدة المكونة من حركة النجوم الخمسة الشعبوية وحزب الرابطة اليميني أصعب مما يعتقده أعضاء هذا التحالف الذي فاز بالانتخابات مستخدماً شعارات «قد لا تكون مناسبة، أو صعبة التطبيق، أو حتى خطرة لأنها شعبوية أكثر من اللزوم»، وفقاً لمصدر مسؤول في بروكسل.



خناق «هرمز» يطارد ثورة الذكاء الاصطناعي بـ«شبح الهيليوم»

حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
TT

خناق «هرمز» يطارد ثورة الذكاء الاصطناعي بـ«شبح الهيليوم»

حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)

بينما ينشغل العالم بمراقبة تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، تنفجر أزمة صامتة في إمدادات «الغاز غير المرئي» الذي تعتمد عليه أحدث التقنيات البشرية... الهيليوم، الغاز الذي يعرفه الجمهور لقدرته على رفع بالونات الحفلات، هو في الواقع عنصر لا غنى عنه لصناعات استراتيجية تبدأ من أشباه الموصلات وإبقاء أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI) قيد العمل وصولاً إلى صواريخ الفضاء ومكونات الطائرات المسيّرة العسكرية. فمن دون الهيليوم، تتوقف عجلة العصر الرقمي عن الدوران.

يعتمد قطاع الذكاء الاصطناعي بشكل كبير على قطر في توفير الهيليوم الصناعي. فالهيليوم يُعدّ منتجاً ثانوياً لاستخراج الغاز الطبيعي المسال. وبما أن قطر من كبار مُصدّري الغاز الطبيعي المسال، فإنها تُعدّ المركز الرئيسي للهيليوم في العالم. ومع توقف الإمدادات القطرية، التي تمثّل وحدها نحو ثلث الإنتاج العالمي، بدأت ملامح اضطراب حاد تظهر في الأسواق. وعلى الرغم من أن مُصنعي الرقائق والمعدات الدفاعية لا يشعرون بالأثر الفوري نظراً إلى اعتمادهم على مخزونات مسبقة، فإن الموردين بدأوا بالفعل إخطار عملائهم بتخفيضات محتملة في الكميات وفرض رسوم إضافية، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

ويحذّر مدير الشؤون التجارية في شركة «بولسار»، كليف كين، من أننا أمام «حدث البجعة السوداء» الذي لطالما تخوف منه الجميع، مشيراً إلى أن الأزمة ستتحول إلى سباق محموم حول «من سيتمكن من الحصول على جزيئاته ومن سيفشل»، وفق «وول ستريت جورنال».

منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «قطر للطاقة» في مدينة رأس لفان الصناعية (رويترز)

مفارقة الندرة

تكمن خطورة الهيليوم في طبيعته الفيزيائية واللوجيستية؛ فهو ثاني أكثر العناصر شيوعاً في الكون بعد الهيدروجين، لكنه نادر جداً على كوكب الأرض، حيث يوجد بتركيزات ضئيلة داخل جيوب الغاز الطبيعي نتيجة لتحلل إشعاعي استغرق ملايين السنين.

وتقوم شركات الطاقة بفصله عن الميثان والنيتروجين، ثم شحنه سائلاً فائق التبريد، وهي عملية تقنية معقدة لا يمكن «تشغيلها» أو تعويض نقصها بضغطة زر. وبما أن إنتاج الهيليوم «مرتهن» تقنياً بإنتاج الغاز الطبيعي المسال، فإن أي تعثر في صادرات الغاز القطرية يعني توقفاً فورياً لإنتاج الهيليوم، وهو ما لا يمكن سد فجوته من مصادر أخرى بسرعة، نظراً إلى أن بناء منشآت الفصل يحتاج إلى سنوات من العمل المعقّد.

أدت صدمة المعروض إلى تحول جذري في سلوك السوق؛ فالمشترون الذين يعتمدون عادة على عقود طويلة الأجل، وجدوا أنفسهم يهرعون نحو السوق الفورية لتأمين شحنات شحيحة؛ ما أشعل «حرب مزايدة» تسببت في تضاعف الأسعار بأكثر من 100 في المائة.

زوار معرض «سيميكون الصين» التجاري لتكنولوجيا أشباه الموصلات (رويترز)

وتُعدّ كوريا الجنوبية، عملاق صناعة الرقائق، المتضرر الأكبر لاعتمادها الكثيف على الغاز القطري، حيث بدأت سيول بالفعل التواصل مع المنتجين في الولايات المتحدة لتأمين كميات إضافية. وفي خطوة تعكس عمق الأزمة، أعلنت شركة «إيرغاز» الأميركية العملاقة حالة «القوة القاهرة»، مبلّغة عملاءها أنها لن تفي إلا بـ50 في المائة من احتياجاتهم، مع فرض رسوم إضافية تصل إلى 13.5 دولار لكل 100 قدم مكعبة فوق السعر المتعاقد عليه.

رئة الذكاء الاصطناعي... والبدائل المستحيلة

في قلب «وادي السيليكون»، يلعب الهيليوم دور «المبرد الاستراتيجي» في تقنية الليزر (EUV) المستخدمة لحفر الدوائر المجهرية في رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة مثل «إنفيديا بلاكويل». فمن دون هذا التبريد، تتدمر الويفرات السيليكونية فوراً.

ويقول مدير الأبحاث في «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي»، رالف غوبلر، إن «صدمة الهيليوم تسلط الضوء على هشاشة بناء الذكاء الاصطناعي، واعتماده المفرط على نقاط جيوسياسية مكشوفة». وفي ظل النقص الحالي، اضطر عمالقة مثل «SK Hynix» و«تي إس إم سي» للمفاضلة بين المنتجات، وتوجيه الكميات المتاحة لرقائق الذكاء الاصطناعي ذات الهامش الربحي العالي على حساب الإلكترونيات الاستهلاكية، مما يُنذر بقفزة في أسعار الهواتف والحواسيب عالمياً.

كابلات تملأ مركز بيانات بُني لتشغيل البرامج وإجراء اختبارات أخرى على رقائق الشبكات في كاليفورنيا (رويترز)

الطب والفضاء في دائرة الخطر

لا يقتصر الضرر على الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يمتد ليشمل القطاع الطبي أيضاً، حيث يحتاج كل جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي إلى آلاف اللترات من الهيليوم السائل للتبريد، وقد أدى النقص المستمر إلى ارتفاع تكلفة الفحوصات الطبية عالمياً، مما يهدد كفاءة التشخيص في المستشفيات الكبرى.

وعلى صعيد استكشاف الفضاء، تستخدم مركبات إطلاق الصواريخ الهيليوم لضغط خزانات الوقود. وحالياً، تخضع جداول إطلاق الصواريخ لعام 2026 لعدد من شركات الفضاء الخاصة للمراجعة، مما قد يؤخر مهام استراتيجية وبعثات دولية كانت مبرمجة مسبقاً.

سباق ضد «التبخر»

إلى جانب التحديات الجيوسياسية، يواجه الهيليوم «عدواً زمنياً»؛ فالحاويات الكريوجينية المتطورة (تكلفة الواحدة مليون دولار) تملك فترة صلاحية تتراوح بين 35 و48 يوماً فقط قبل أن يبدأ الغاز بالتبخر (Boil-off) والضياع في الفضاء نتيجة ارتفاع الضغط. وحالياً، توجد مئات الحاويات عالقة في مياه المنطقة، مما يعني ضياع كميات هائلة من هذا المورد غير المتجدد.

ختاماً، تثبت أزمة الهيليوم الحالية حقيقة قاسية: المستقبل الرقمي الذي نراه في «السحابة» يعتمد في جوهره على استقرار ممرات مائية مادية هشة. وإذا استمر إغلاق مضيق هرمز وتوقف منشآت «رأس لفان» القطرية التي قد يستغرق إصلاح أضرارها 5 سنوات، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي قد تضطر إلى دخول مرحلة «سبات قسري» ما لم ينجح العالم في ابتكار طرق إبداعية لتدوير هذا الغاز النادر أو إيجاد بدائل استراتيجية لتأمين سلاسل التوريد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ماليزيا تتوقع نمواً أسرع في 2026 رغم تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الوقود

مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)
مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)
TT

ماليزيا تتوقع نمواً أسرع في 2026 رغم تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الوقود

مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)
مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)

أعلن البنك المركزي الماليزي يوم الثلاثاء، أن اقتصاد البلاد يسير على مسار متين لتحقيق نمو أسرع في عام 2026 مما كان متوقعاً سابقاً، رغم التحديات المرتبطة بالاضطرابات التجارية وارتفاع أسعار الوقود الناتج عن الصراع في الشرق الأوسط والتعريفات الأميركية.

ويتوقع البنك الآن أن يتراوح نمو الاقتصاد الماليزي بين 4 في المائة و5 في المائة هذا العام، بعد أن كان يتوقع سابقاً نمواً بين 4 في المائة و4.5 في المائة، مدعوماً بقوة الإنفاق الاستهلاكي، والطلب المستمر على صادرات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، واستقرار قطاع السياحة، وفقاً لوثائق التقرير السنوي لعام 2025.

وأشار البنك المركزي إلى أن سيناريوهات الحرب في الشرق الأوسط أخذت بعين الاعتبار عند صياغة توقعات النمو لعام 2026، محذراً من أن استمرار الصراع لفترة أطول سيشكل مخاطر على هذه التوقعات. وقال محافظ البنك، عبد الرشيد غفور، خلال مؤتمر صحافي: «إذا ساءت الأمور حقاً، فسنراجع توقعات النمو بالطبع وفقاً للحاجة».

وتأتي توقعات النمو المتفائلة في سياق الأداء القوي للاقتصاد الماليزي، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.2 في المائة في 2025، متجاوزاً توقعات الحكومة، مدعوماً بقيم قياسية في التجارة والاستثمارات المعتمدة. وأوضح عبد الرشيد أن قوة ماليزيا بوصفها مصدراً صافياً للطاقة والإصلاحات المالية التي نُفذت العام الماضي، من المرجح أن توفر بعض الحماية من الآثار الاقتصادية للحرب، وفق «رويترز».

ووفقاً للبنك، فإن الاقتصاد الماليزي يواجه الصراع من موقع قوة، مدعوماً بطلب محلي قوي، وتضخم معتدل، ونظام مالي سليم، ووضع خارجي متين. ويتوقع أن يظل التضخم معتدلاً خلال 2026، جزئياً بفضل السياسات الرامية لتخفيف أثر ارتفاع أسعار السلع والطاقة. وقد ارتفعت نفقات الدعم الحكومي بشكل ملحوظ منذ بداية الحرب، إذ من المتوقع أن تصل الآن إلى 4 مليارات رينغيت (994 مليون دولار) شهرياً، للحفاظ على سعر ثابت لوقود النقل «رون 95»، مقارنةً بـ700 مليون رينغيت سابقاً، بالإضافة إلى تقديم مساعدات نقدية لبعض مشغلي مركبات الديزل.

وتتراوح تقديرات البنك لمعدل التضخم العام بين 1.5 في المائة و2.5 في المائة في 2026، مرتفعاً قليلاً من 1.4 في المائة في العام الماضي، فيما يُتوقع أن يتراوح التضخم الأساسي بين 1.8 في المائة و2.3 في المائة، مقارنةً بـ2 في المائة في 2025.

وأعلن «المركزي» أن لجنة السياسة النقدية على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي تطورات محتملة للصراع في الشرق الأوسط، لضمان استقرار الأسواق وإدارة مخاطر التقلبات المفرطة. وحافظ البنك على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.75 في المائة للاجتماع الرابع على التوالي هذا الشهر، بعد آخر خفض في يوليو (تموز) 2025.

وأكد عبد الرشيد أن التوقعات العامة للعملة الماليزية إيجابية، رغم التقلبات الناتجة عن الحرب، مشيراً إلى أن الرينغيت كان من بين أفضل العملات أداءً في آسيا خلال الـ12 شهراً الماضية، ووصل إلى أعلى مستوياته مقابل الدولار الأميركي منذ عام 2018 في فبراير (شباط)، رغم انخفاضه منذ بداية الصراع.


موازنة تكميلية بـ17.3 مليار دولار في كوريا الجنوبية لمواجهة قفزة أسعار النفط

وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

موازنة تكميلية بـ17.3 مليار دولار في كوريا الجنوبية لمواجهة قفزة أسعار النفط

وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)

اقترحت كوريا الجنوبية، يوم الثلاثاء، موازنة حكومية تكميلية بقيمة 17.3 مليار دولار لدعم المستهلكين والشركات المتضررة من الحرب في الشرق الأوسط. ويأتي ذلك في ظل ارتفاع حاد في أسعار النفط نتيجة الصراع الأميركي - الإسرائيلي على إيران، ما زاد من مخاطر النمو والتضخم على رابع أكبر اقتصاد في آسيا، الذي يُعدّ أيضاً رابع أكبر مستورد للنفط عالمياً، مستورداً نحو 70 في المائة من احتياجاته من الشرق الأوسط.

وتُعدّ هذه الموازنة الإضافية الثانية خلال أقل من عام في عهد الرئيس لي جاي ميونغ، الذي تعهد باتباع سياسة مالية توسعية لتحفيز النمو منذ توليه منصبه في يونيو (حزيران) الماضي، وفق «رويترز».

وقال وزير الموازنة بارك هونغ كيون: «إلى جانب البيانات الاقتصادية، تتفاقم الصعوبات والقلق الذي يشعر به شعبنا وشركاتنا أكثر من أي وقت مضى. الاستجابة الاستباقية أهم من أي شيء آخر».

وتبلغ قيمة خطة الإنفاق الإجمالية 26.2 تريليون وون (17.3 مليار دولار)، تتضمن 10.1 تريليون وون لمواجهة ارتفاع أسعار النفط، و2.8 تريليون وون لدعم ذوي الدخل المحدود والشباب، و2.6 تريليون وون للشركات المتضررة من الصراع في الشرق الأوسط، وفقاً لوزارة الموازنة. ومن أبرز الإجراءات، تعتزم الحكومة تخصيص 5 تريليونات وون لتعويض خسائر مصافي النفط الناتجة عن تحديد سقف الأسعار على مستوى البلاد، وهو الإجراء الذي طُبّق هذا الشهر لأول مرة منذ نحو 30 عاماً.

كما ستخصص الحكومة 4.8 تريليون وون لتقديم دعم مالي عبر قسائم شرائية تتراوح قيمتها بين 100 ألف وون و600 ألف وون للفرد الواحد، وفقاً لمستوى الدخل والمنطقة، مع استثناء أصحاب أعلى 30 في المائة من الدخل على مستوى البلاد.

وأوضحت الوزارة أنها ستستفيد من فائض الإيرادات الضريبية الناتج عن ازدهار صادرات الرقائق الإلكترونية وارتفاع سوق الأسهم لتمويل الموازنة الإضافية، دون إصدار أي سندات خزانة، فيما تتضمن الخطة أيضاً سداد سندات خزانة بقيمة تريليون وون. ومن المتوقع أن ترفع هذه الموازنة إجمالي الإنفاق الحكومي لعام 2026 إلى 752.1 تريليون وون، بزيادة قدرها 11.8 في المائة على العام الماضي، بما يعزز النمو الاقتصادي بنسبة 0.2 نقطة مئوية، بعدما كان الإنفاق المخطط قبل اندلاع الحرب يبلغ 727.9 تريليون وون.

وعلى صعيد العجز المالي، أكدت الوزارة أنه سينخفض إلى 3.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنةً بـ3.9 في المائة المقدرة سابقاً و4.2 في المائة في العام الماضي، بينما تُقدّر نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 50.6 في المائة مقارنةً بـ51.6 في المائة سابقاً و49.1 في المائة المتوقعة في 2025.

وقبل أسابيع من الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، أشار بنك كوريا إلى أنه لن يُعدّل سياسته النقدية حتى أغسطس (آب) على الأقل، كما رفع توقعاته للنمو في 2026 إلى 2 في المائة مقارنةً بـ1.8 في المائة سابقاً، بعد أن نما الاقتصاد بنسبة 1 في المائة في 2025. وفي العام الماضي، أعدّت إدارة لي موازنة إضافية بقيمة 31.8 تريليون وون بعد شهر واحد من توليه منصبه، تضمنت برنامجه الرئيسي لتوزيع قسائم الدعم بهدف تحفيز الطلب المحلي الذي تراجع عقب فشل محاولة سلفه يون سوك يول لفرض الأحكام العرفية في ديسمبر (كانون الأول) 2024.