تعديل الدستور بمدّ فترة الرئاسة جدل يتجدد في مصر

مؤيدون يتحدثون عن مواد «ملغومة»... ومعارضون يرفضون المساس بمكتسبات الثورة

TT

تعديل الدستور بمدّ فترة الرئاسة جدل يتجدد في مصر

جددت تصريحات عدد من أعضاء مجلس النواب المصري بشأن ضرورة تعديل الدستور، الجدل من جديد حول جدوى هذه المقترحات وأهدافها، بين مؤيد يرى أنها خطوة ضرورية في ظل وجود مواد «ملغومة» في الدستور، ومعارض يعتقد أن الهدف الرئيسي من ورائها هو تعديل المواد الخاصة بفترة ولاية الرئيس.
وتعمل مصر بموجب الدستور الذي تم إقراره بعد استفتاء شعبي عام 2014. وأعاد أسامة هيكل، رئيس لجنة الثقافة والإعلام في مجلس النواب، فتح الجدل بتصريحاته الأخيرة، التي قال فيها إن «هناك موادّ ملغومة في الدستور»، داعياً لتعديله، وانضم له عدد من النواب الآخرين.
وهذه ليست المرة الأولى، حيث سبق فتح الموضوع أكثر من مرة، كان أبرزها قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث جرى الحديث عن مقترحات لزيادة مدة ولاية الرئيس، لكن لم يتمّ تحريكها بشكل فعلي.
وقال الدكتور عمرو الشوبكي، المحلل السياسي، وأحد أعضاء لجنة الخمسين التي وضعت الدستور، لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ لا يوجد نص دستوري مقدس، وبالتالي فإن كل الدساتير قابلة للتعديل، ومن الوارد بعد 4 سنوات من التطبيق أن نجد موادّ تحتاج لتعديل».
وهو ما أكده الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو لجنة الخبراء العشرة التي كانت مسؤولة عن صياغة الدستور، لـ«الشرق الأوسط»، من أنه «لا بد من الانطلاق من أن دساتير الدول ليست كتباً سماوية، فهي صناعة بشرية، ورغم أنني كنت من الخبراء العشرة الذين كتبوا الدستور الحالي، فإنني أقول إنه صناعة بشرية قد يشوبها النقصان، ونكتشف بعد فترة من التطبيق أنها غير ملائمة»، مشيراً إلى أن «كل دساتير العالم وضعت مواد تبين كيفية إدخال تعديلات عليها، فالتعديل أمر دستوري بامتياز»، وضارباً المثل بالدستور الفرنسي الذي وضع عام 1958 وتم تعديله 32 مرة حتى الآن، واحدة منها كانت بالمخالفة لإجراءات التعديل في الدستور».
ووفقاً للمادة 226 فإنه «لرئيس الجمهورية أو لخمس أعضاء مجلس النواب، طلب تعديل مادة، أو أكثر من مواد الدستور... ويناقش مجلس النواب طلب التعديل خلال 30 يوماً من تاريخ تسلمه، ويصدر المجلس قراره بقبول طلب التعديل كليّاً، أو جزئيّاً بأغلبية أعضائه، وإذا رفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل حلول دور الانعقاد التالي، وإذا وافق المجلس على طلب التعديل، يناقش نصوص المواد المطلوب تعديلها بعد 60 يوماً من تاريخ الموافقة، فإذا وافق على التعديل ثلثا عدد أعضاء المجلس، عرض على الشعب لاستفتائه عليه خلال 30 يوماً».
لكن الدكتور محمد نور فرحات، الفقيه الدستور، رفض فكرة تعديل الدستور، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أنا ضد المساس بالدستور، فلم يمض وقت كافٍ على تطبيقه حتى نلجأ إلى تعديله، والدساتير لا توضع ليتم تغييرها كل يوم».
وقال الدكتور محمود خليل، الكاتب وأستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «الدستور الحالي تم إقراره بعد استفتاء شعبي، ووافق عليه ما يقرب من 98 في المائة من المصريين، وهو أحد المكتسبات الرئيسية بعد ثورتين، لذلك لا بد من التعامل معه بحرص»، معتبراً تعديله «قفزة إلى الوراء، وعودة للأوضاع ما قبل ثورة 25 يناير»، وأضاف أن «تعديل الدستور يعطي رسالة سيئة، وسلبية حول فكرة تداول السلطة في مصر».
وحذر خليل من أنه «في ظل تراجع شعبية النظام، وتراجع الإقبال الشعبي على المشاركة في الانتخابات، وهو ما ظهر بوضوح في الانتخابات الأخيرة، من الخطر الإقدام على دفع الناس للاستفتاء على تعديل الدستور، لأنه لا يمكن التسامح مع نسبة مشاركة ضعيفة في إقرار دستور البلاد».
ويسوق أنصار التعديل الدستوري عدداً من المواد التي قالوا إن «تطبيقها صعب» كمبررات للتعديل، أبرزها المواد الخاصة بالمرحلة الانتقالية، وتلك التي تتعلق بموازنة التعليم أو حقوق النوبة.
وشرح هيكل مبرراته لتعديل الدستور، وقال: «من المستحيل تطبيق مواد المرحلة الانتقالية في الدستور، فمثلا المادة 241 تنص على المصالحة، وفي ظل الأوضاع الحالية، لا يجرؤ أحد في مجلس النواب أو في أي جهة أخرى إجراء مصالحة مع جماعة الإخوان».
لكن الشوبكي أكد أن «الدستور لا يتحدث عن المصالحة مع (الإخوان)، فالمصالحة إجراء سياسي، لكن الدستور يتحدث عن العدالة الانتقالية، بمعنى حل أي مظالم ترتبت على التغيير السياسي الذي حدث بعد 30 يونيو، ومعالجة جروح المجتمع الناجمة عن حالة الانقسام الشعبي في أعقاب الثورة، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا عبر نظام للعدالة الانتقالية».
ومن بين المواد التي تحتاج إلى تعديل المادة الخاصة بالمناطق النائية وبالنوبة، «التي تنص على عودة أهل النوبة خلال 10 سنوات إلى موطنهم الأصلي، الذي أغرقته مياه النيل في الستينات، وهو أمر مستحيل، وإذا لم يتم تعديل مثل هذه المادة ستصبح مصر أمام كارثة دولية»، على حد قول هيكل.
وعلق الشوبكي بقوله إنه «عندما وضعت هذه المادة كان هناك تصور أن النظام سيتخذ إجراءات في هذا الصدد، لتعويض السكان بأماكن بديلة، وهذه مادة قابلة للنقاش إذا كان هناك نية حقيقية لتعديل الدستور».
وأوضح فوزي أن «المواد التي تضع شروطاً محددة بالأرقام فيها مشكلة، فمثلا المادة 236 التي تتحدث عن التنمية الاقتصادية في الأماكن المحرومة بمشاركة أبناء هذه المناطق خلال عشر سنوات، وتحديد مدة معينة أمر متعب».
وأشار هيكل إلى وجود مواد أخرى تحتاج إلى تعديل مثل المادة الخاصة بتخصيص 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم والصحة والبحث العلمي، وقال: «مَن وضع هذه المادة لم يتنبه إلى أن الموازنة العامة للدولة بكاملها هي ربع الناتج المحلي الإجمالي، وتطبيقها يعني تخصيص 40 في المائة من الموازنة للتعليم والصحة والبحث العلمي، فلا يبقى شيء لباقي الأعمال».
وانتقد فوزي بعض الإجراءات التي «أفرط فيها الدستور في تقييد سلطة الرئيس»، ومن بينها «فرض حالة الطوارئ، حيث تنص المادة 154 من الدستور على أن فرض حالة الطوارئ يتم بالتنسيق بين الحكومة والرئيس، وبعد موافقة مجلس النواب بالأغلبية، ويكون لمدة 3 شهور لا تجدد سوى مرة واحدة، وكان الدستور أقر أن الأسباب التي أدت إلى فرض الطوارئ ستنقضي خلال 6 شهور، إضافة إلى أن رئيس الجمهورية لا يملك إقالة عضو من الحكومة بمفرده، فلا بد من موافقة رئيس الوزراء ومجلس النواب بالأغلبية المطلقة بما لا يقل عن الثلث، وهذا ينطوي على تقييد لسلطة الرئيس». وشكا الرئيس السيسي من قبل من هذه القيود، وقال في أحد المؤتمرات إن «الدستور كتب بنيات حسنة والدول لا تُدار بالنيات الحسنة».
كما يحمل الدستور بعض المواد المتناقضة على حد قول الدكتور صلاح فوزي «فالمادة 107 تقول إن محكمة النقض تختص في الفصل في عضوية مجلس النواب، بينما تقول المادة 210 إن المحكمة الإدارية العليا هي المختصة في الفصل في الطعون على قرارات الهيئة العليا للانتخابات، المتعلقة بالاستفتاءات والانتخابات».
لكن النقطة الأكثر إشارة للجدل كانت عند الحديث المواد الخاصة بفترة ولاية الرئيس، ورغم أن هيكل أكد أنه «لا يفترض زيادة مدد الرئاسة عن فترتين رئاسيتين للسماح بتداول السلطة»، فإنه «طالب بزيادة مدة ولاية الرئيس من 4 سنوات إلى 5 سنوات، لتكون متناسبة مع فترة ولاية مجلس النواب، ولأن فترة الأربع سنوات غير كافية لتحقيق إنجازات وتنفيذ المشروعات».
وأشار الشوبكي إلى أن «نقطة الخلاف الأزلية هي أنه دائما ما يكون أهداف خفية للسلطة أو النظام السياسي من تعديل الدستور، مثل فتح مدد الرئاسة كما حدث في عهد الرئيس الراحل أنور السادات»، وقال إنه «خلال مناقشات الدستور في لجنة الخمسين، كان من أنصار أن تكون فترة الولاية الرئاسية 5 سنوات وليس 4 سنوات، على غرار فترة ولاية مجلي النواب، وهذا حال النظم شبه الرئاسية في فرنسا وتونس»، مشيراً إلى أن التعديل المقترح اليوم هو «زيادتها إلى 6 سنوات»، وهو أمر يتطلب استفتاء شعبياً على دستور جديد لأن المادة الخاصة بمدد الرئاسة محصنة بموجب الدستور.
وقال خليل إن «الجدل المثار حالياً حول تعديل الدستور ينصرف أساساً إلى المواد المتعلقة بمد فترة ولاية الرئيس وفتح مدد الرئاسة، وأي مساس بهذه المواد سيحدث إرباكاً للمشهد السياسي في مصر»، وأضاف أن «هذا الدستور يعتبر مكتسباً من مكتسبات الثورة وأهم ما فيه إقرار مبدأ تداول السلطة، ولا يوجد عاقل يمكن أن يفرط في هذا المكتسب».
وأشار فوزي إلى أن المادة 140 الخاصة بمدد الرئاسة وضعت على شاكلة الدستور الأميركي الذي ينص على انتخاب الرئيس فترتين رئاسيتين كل واحدة منهما 4 سنوات، وهي «مدة قصيرة» على حد قوله، وتناقض فترة مجلس النواب وهي 5 سنوات.
لكن نور فرحات أكد أن «المواد الخاصة بمدد الرئاسة وفترة ولاية الرئيس محصنة ضد التعديل بموجب الدستور، وتعديلها يُعدّ تحايلاً على الدستور»، مشيراً إلى أن الرئيس السيسي نفسه قال في أحد لقاءاته التلفزيونية في الولايات المتحدة إنه «ضد زيادة مدد ولاية الرئيس عن مدتين، لكن يبدو أن بعض أعضاء النواب يسعون للمزايدة على الرئيس نفسه لإثبات ولائهم»، مطالباً بالعدول عن هذه الفكرة.
وأوضح فوزي أن المادة 226 تفرض حظراً على تعديل الدستور، لكنها يجب أن تقرأ مع المادة مع المادة 140، فالحظر ليس على عدد سنوات الولاية، بل على مدد الولاية أو إعادة الانتخاب، مشيراً إلى أن «فكرة الحظر المطلق في الدستور فكرة خاطئة، لأنها تصادر على حق الأجيال المقبلة».
وتنص الفقرة الأخيرة من المادة 226 على أنه «في جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية والمساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات».



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.