جددت تصريحات عدد من أعضاء مجلس النواب المصري بشأن ضرورة تعديل الدستور، الجدل من جديد حول جدوى هذه المقترحات وأهدافها، بين مؤيد يرى أنها خطوة ضرورية في ظل وجود مواد «ملغومة» في الدستور، ومعارض يعتقد أن الهدف الرئيسي من ورائها هو تعديل المواد الخاصة بفترة ولاية الرئيس.
وتعمل مصر بموجب الدستور الذي تم إقراره بعد استفتاء شعبي عام 2014. وأعاد أسامة هيكل، رئيس لجنة الثقافة والإعلام في مجلس النواب، فتح الجدل بتصريحاته الأخيرة، التي قال فيها إن «هناك موادّ ملغومة في الدستور»، داعياً لتعديله، وانضم له عدد من النواب الآخرين.
وهذه ليست المرة الأولى، حيث سبق فتح الموضوع أكثر من مرة، كان أبرزها قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث جرى الحديث عن مقترحات لزيادة مدة ولاية الرئيس، لكن لم يتمّ تحريكها بشكل فعلي.
وقال الدكتور عمرو الشوبكي، المحلل السياسي، وأحد أعضاء لجنة الخمسين التي وضعت الدستور، لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ لا يوجد نص دستوري مقدس، وبالتالي فإن كل الدساتير قابلة للتعديل، ومن الوارد بعد 4 سنوات من التطبيق أن نجد موادّ تحتاج لتعديل».
وهو ما أكده الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو لجنة الخبراء العشرة التي كانت مسؤولة عن صياغة الدستور، لـ«الشرق الأوسط»، من أنه «لا بد من الانطلاق من أن دساتير الدول ليست كتباً سماوية، فهي صناعة بشرية، ورغم أنني كنت من الخبراء العشرة الذين كتبوا الدستور الحالي، فإنني أقول إنه صناعة بشرية قد يشوبها النقصان، ونكتشف بعد فترة من التطبيق أنها غير ملائمة»، مشيراً إلى أن «كل دساتير العالم وضعت مواد تبين كيفية إدخال تعديلات عليها، فالتعديل أمر دستوري بامتياز»، وضارباً المثل بالدستور الفرنسي الذي وضع عام 1958 وتم تعديله 32 مرة حتى الآن، واحدة منها كانت بالمخالفة لإجراءات التعديل في الدستور».
ووفقاً للمادة 226 فإنه «لرئيس الجمهورية أو لخمس أعضاء مجلس النواب، طلب تعديل مادة، أو أكثر من مواد الدستور... ويناقش مجلس النواب طلب التعديل خلال 30 يوماً من تاريخ تسلمه، ويصدر المجلس قراره بقبول طلب التعديل كليّاً، أو جزئيّاً بأغلبية أعضائه، وإذا رفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل حلول دور الانعقاد التالي، وإذا وافق المجلس على طلب التعديل، يناقش نصوص المواد المطلوب تعديلها بعد 60 يوماً من تاريخ الموافقة، فإذا وافق على التعديل ثلثا عدد أعضاء المجلس، عرض على الشعب لاستفتائه عليه خلال 30 يوماً».
لكن الدكتور محمد نور فرحات، الفقيه الدستور، رفض فكرة تعديل الدستور، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أنا ضد المساس بالدستور، فلم يمض وقت كافٍ على تطبيقه حتى نلجأ إلى تعديله، والدساتير لا توضع ليتم تغييرها كل يوم».
وقال الدكتور محمود خليل، الكاتب وأستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «الدستور الحالي تم إقراره بعد استفتاء شعبي، ووافق عليه ما يقرب من 98 في المائة من المصريين، وهو أحد المكتسبات الرئيسية بعد ثورتين، لذلك لا بد من التعامل معه بحرص»، معتبراً تعديله «قفزة إلى الوراء، وعودة للأوضاع ما قبل ثورة 25 يناير»، وأضاف أن «تعديل الدستور يعطي رسالة سيئة، وسلبية حول فكرة تداول السلطة في مصر».
وحذر خليل من أنه «في ظل تراجع شعبية النظام، وتراجع الإقبال الشعبي على المشاركة في الانتخابات، وهو ما ظهر بوضوح في الانتخابات الأخيرة، من الخطر الإقدام على دفع الناس للاستفتاء على تعديل الدستور، لأنه لا يمكن التسامح مع نسبة مشاركة ضعيفة في إقرار دستور البلاد».
ويسوق أنصار التعديل الدستوري عدداً من المواد التي قالوا إن «تطبيقها صعب» كمبررات للتعديل، أبرزها المواد الخاصة بالمرحلة الانتقالية، وتلك التي تتعلق بموازنة التعليم أو حقوق النوبة.
وشرح هيكل مبرراته لتعديل الدستور، وقال: «من المستحيل تطبيق مواد المرحلة الانتقالية في الدستور، فمثلا المادة 241 تنص على المصالحة، وفي ظل الأوضاع الحالية، لا يجرؤ أحد في مجلس النواب أو في أي جهة أخرى إجراء مصالحة مع جماعة الإخوان».
لكن الشوبكي أكد أن «الدستور لا يتحدث عن المصالحة مع (الإخوان)، فالمصالحة إجراء سياسي، لكن الدستور يتحدث عن العدالة الانتقالية، بمعنى حل أي مظالم ترتبت على التغيير السياسي الذي حدث بعد 30 يونيو، ومعالجة جروح المجتمع الناجمة عن حالة الانقسام الشعبي في أعقاب الثورة، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا عبر نظام للعدالة الانتقالية».
ومن بين المواد التي تحتاج إلى تعديل المادة الخاصة بالمناطق النائية وبالنوبة، «التي تنص على عودة أهل النوبة خلال 10 سنوات إلى موطنهم الأصلي، الذي أغرقته مياه النيل في الستينات، وهو أمر مستحيل، وإذا لم يتم تعديل مثل هذه المادة ستصبح مصر أمام كارثة دولية»، على حد قول هيكل.
وعلق الشوبكي بقوله إنه «عندما وضعت هذه المادة كان هناك تصور أن النظام سيتخذ إجراءات في هذا الصدد، لتعويض السكان بأماكن بديلة، وهذه مادة قابلة للنقاش إذا كان هناك نية حقيقية لتعديل الدستور».
وأوضح فوزي أن «المواد التي تضع شروطاً محددة بالأرقام فيها مشكلة، فمثلا المادة 236 التي تتحدث عن التنمية الاقتصادية في الأماكن المحرومة بمشاركة أبناء هذه المناطق خلال عشر سنوات، وتحديد مدة معينة أمر متعب».
وأشار هيكل إلى وجود مواد أخرى تحتاج إلى تعديل مثل المادة الخاصة بتخصيص 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم والصحة والبحث العلمي، وقال: «مَن وضع هذه المادة لم يتنبه إلى أن الموازنة العامة للدولة بكاملها هي ربع الناتج المحلي الإجمالي، وتطبيقها يعني تخصيص 40 في المائة من الموازنة للتعليم والصحة والبحث العلمي، فلا يبقى شيء لباقي الأعمال».
وانتقد فوزي بعض الإجراءات التي «أفرط فيها الدستور في تقييد سلطة الرئيس»، ومن بينها «فرض حالة الطوارئ، حيث تنص المادة 154 من الدستور على أن فرض حالة الطوارئ يتم بالتنسيق بين الحكومة والرئيس، وبعد موافقة مجلس النواب بالأغلبية، ويكون لمدة 3 شهور لا تجدد سوى مرة واحدة، وكان الدستور أقر أن الأسباب التي أدت إلى فرض الطوارئ ستنقضي خلال 6 شهور، إضافة إلى أن رئيس الجمهورية لا يملك إقالة عضو من الحكومة بمفرده، فلا بد من موافقة رئيس الوزراء ومجلس النواب بالأغلبية المطلقة بما لا يقل عن الثلث، وهذا ينطوي على تقييد لسلطة الرئيس». وشكا الرئيس السيسي من قبل من هذه القيود، وقال في أحد المؤتمرات إن «الدستور كتب بنيات حسنة والدول لا تُدار بالنيات الحسنة».
كما يحمل الدستور بعض المواد المتناقضة على حد قول الدكتور صلاح فوزي «فالمادة 107 تقول إن محكمة النقض تختص في الفصل في عضوية مجلس النواب، بينما تقول المادة 210 إن المحكمة الإدارية العليا هي المختصة في الفصل في الطعون على قرارات الهيئة العليا للانتخابات، المتعلقة بالاستفتاءات والانتخابات».
لكن النقطة الأكثر إشارة للجدل كانت عند الحديث المواد الخاصة بفترة ولاية الرئيس، ورغم أن هيكل أكد أنه «لا يفترض زيادة مدد الرئاسة عن فترتين رئاسيتين للسماح بتداول السلطة»، فإنه «طالب بزيادة مدة ولاية الرئيس من 4 سنوات إلى 5 سنوات، لتكون متناسبة مع فترة ولاية مجلس النواب، ولأن فترة الأربع سنوات غير كافية لتحقيق إنجازات وتنفيذ المشروعات».
وأشار الشوبكي إلى أن «نقطة الخلاف الأزلية هي أنه دائما ما يكون أهداف خفية للسلطة أو النظام السياسي من تعديل الدستور، مثل فتح مدد الرئاسة كما حدث في عهد الرئيس الراحل أنور السادات»، وقال إنه «خلال مناقشات الدستور في لجنة الخمسين، كان من أنصار أن تكون فترة الولاية الرئاسية 5 سنوات وليس 4 سنوات، على غرار فترة ولاية مجلي النواب، وهذا حال النظم شبه الرئاسية في فرنسا وتونس»، مشيراً إلى أن التعديل المقترح اليوم هو «زيادتها إلى 6 سنوات»، وهو أمر يتطلب استفتاء شعبياً على دستور جديد لأن المادة الخاصة بمدد الرئاسة محصنة بموجب الدستور.
وقال خليل إن «الجدل المثار حالياً حول تعديل الدستور ينصرف أساساً إلى المواد المتعلقة بمد فترة ولاية الرئيس وفتح مدد الرئاسة، وأي مساس بهذه المواد سيحدث إرباكاً للمشهد السياسي في مصر»، وأضاف أن «هذا الدستور يعتبر مكتسباً من مكتسبات الثورة وأهم ما فيه إقرار مبدأ تداول السلطة، ولا يوجد عاقل يمكن أن يفرط في هذا المكتسب».
وأشار فوزي إلى أن المادة 140 الخاصة بمدد الرئاسة وضعت على شاكلة الدستور الأميركي الذي ينص على انتخاب الرئيس فترتين رئاسيتين كل واحدة منهما 4 سنوات، وهي «مدة قصيرة» على حد قوله، وتناقض فترة مجلس النواب وهي 5 سنوات.
لكن نور فرحات أكد أن «المواد الخاصة بمدد الرئاسة وفترة ولاية الرئيس محصنة ضد التعديل بموجب الدستور، وتعديلها يُعدّ تحايلاً على الدستور»، مشيراً إلى أن الرئيس السيسي نفسه قال في أحد لقاءاته التلفزيونية في الولايات المتحدة إنه «ضد زيادة مدد ولاية الرئيس عن مدتين، لكن يبدو أن بعض أعضاء النواب يسعون للمزايدة على الرئيس نفسه لإثبات ولائهم»، مطالباً بالعدول عن هذه الفكرة.
وأوضح فوزي أن المادة 226 تفرض حظراً على تعديل الدستور، لكنها يجب أن تقرأ مع المادة مع المادة 140، فالحظر ليس على عدد سنوات الولاية، بل على مدد الولاية أو إعادة الانتخاب، مشيراً إلى أن «فكرة الحظر المطلق في الدستور فكرة خاطئة، لأنها تصادر على حق الأجيال المقبلة».
وتنص الفقرة الأخيرة من المادة 226 على أنه «في جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية والمساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات».
تعديل الدستور بمدّ فترة الرئاسة جدل يتجدد في مصر
مؤيدون يتحدثون عن مواد «ملغومة»... ومعارضون يرفضون المساس بمكتسبات الثورة
تعديل الدستور بمدّ فترة الرئاسة جدل يتجدد في مصر
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




