الجيش السوري الحر يشكو التهميش لصالح المجموعات المتشددة

سوريون فوق انقاض أحد المباني يبحثون عن ناجين بعد قصفه من قبل قوات النظام السوري في حلب أمس (أ.ف.ب)
سوريون فوق انقاض أحد المباني يبحثون عن ناجين بعد قصفه من قبل قوات النظام السوري في حلب أمس (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوري الحر يشكو التهميش لصالح المجموعات المتشددة

سوريون فوق انقاض أحد المباني يبحثون عن ناجين بعد قصفه من قبل قوات النظام السوري في حلب أمس (أ.ف.ب)
سوريون فوق انقاض أحد المباني يبحثون عن ناجين بعد قصفه من قبل قوات النظام السوري في حلب أمس (أ.ف.ب)

كررت الولايات المتحدة استعدادها للقاء ممثلين عن «الجبهة الإسلامية» التي باتت تسيطر على الواقع الميداني في الشمال السوري، في حين شكا مصدر رفيع في أركان الجيش السوري الحر من أن قطع الإمداد عن الأركان سوف يجعلها بلا حول ولا قوة أمام تعاظم نفوذ الحركات المتشددة التي تسعى إلى السيطرة على الأرض والقرار في المناطق الشمالية.
وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، إن عمليات الدعم العسكري توقفت بشكل شبه كامل منذ أشهر حتى باتت الأركان مضطرة لـ«الشراء من السوق المحلية»، موضحا أن موفدين كانوا يحاولون شراء الذخائر والأسلحة من الداخل السوري بعد أن قطعت عنهم الإمدادات من الخارج بشكل شبه كامل. وحمل المصدر بعض الحلفاء، من دون أن يسميهم، مسؤولية التخاذل في دعم «الحر»، مقابل دعم حلفاء آخرين لتنظيمات مناوئة.
وحذر المصدر من أن تراخي كتائب الحر أمام تنامي نفوذ «الجبهة الإسلامية» والتنظيمات المتشددة الأخرى سببه شعور كبير بالإحباط، متسائلا عما إذا كان هناك قرار كبير بإنهاء الجيش الحر الذي يتحمل وزر هجمات النظام وحلفائه في إيران وحزب الله وغيرهم، ليجد نفسه تحت رحمة من يفترض بهم أن يكونوا حلفاء له يشاركونه الهدف نفسه.
وفي حين أكدت مصادر سوريا معارضة لـ«الشرق الأوسط» أن مساعي أميركية حثيثة تبذل من أجل تأمين لقاء على مستوى عال بين السفير الأميركي في دمشق روبرت فورد ومسؤول ملف سوريا في الخارجية البريطانية في إسطنبول، قالت هذه المصادر إن اتصالات غير مباشرة تجري بشكل حثيث وقد تفضي إلى نتائج. وأشارت إلى أن ما يؤجل اللقاء حتى الساعة هو حذر الجبهة وخشيتها من اتهامات معارضين متشددين لها بسبب «التعاون مع الغرب». وأعلن أمس وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن بلاده لم تلتق بممثلين عن الجبهة الإسلامية في سوريا، لكن من الممكن عقد مثل هذا الاجتماع لتعزيز تمثيل جماعات المعارضة المعتدلة في محادثات مقبلة ترمي إلى وقف الحرب السورية. وقال كيري في مؤتمر صحافي بمانيلا: «لم تجتمع الولايات المتحدة حتى الآن مع الجبهة الإسلامية لكن من الممكن أن يحدث هذا».وأضاف: «تبذل جهود حاليا من قبل كل الدول الداعمة للمعارضة السورية والتي تريد توسيع قاعدة المعارضة المعتدلة وقاعدة تمثيل الشعب السوري في مفاوضات جنيف 2».
وفي المقابل، لم يدفع توتر الأوضاع الميدانية بين الجيش السوري الحر و«الجبهة الإسلامية» المعارضة السياسية إلى قطع علاقتها مع فصائل «الجبهة». ويؤكد عضو المجلس الوطني المعارض، عبد الرحمن الحاج لـ«الشرق الأوسط» أن «جميع قوى المعارضة من ائتلاف ومجلس وطني تنظر إلى الجبهة باعتبارها جزءا من القوى الثورية الساعية إلى إسقاط النظام السوري».
ويوضح الحاج أن «الاتصالات لا تزال مستمرة بين المعارضة والجبهة، لا سيما أن الكثير من مكوناتها كانت جزءا من الجيش الحر»، ملخصا نقاط الخلاف بينها وبين الحر بقوله إن الجبهة «أبدت اعتراضها على آلية توزيع السلاح على خلفية قيام هيئة الأركان بمنح كميات كبيرة من الأسلحة إلى الفصائل المحسوبة على أطراف دولية».
وأشار الحاج إلى «حصول مفاوضات من أجل إعادة هيكلة هيئة الأركان، لكن سقف مطالب الجبهة كان مرتفعا، ما أدى إلى عدم التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين». ونفى أن يكون للجبهة «اعتراض على شخص رئيس هيئة الأركان في الجيش الحر اللواء سليم إدريس»، لكنه قال إن اعتراضها هو على الشخصيات القيادية التي تضطلع بمهام التنسيق بين قيادة الأركان والفصائل العسكرية، إضافة إلى اعتراضها على آلية اتخاذ القرار، والتي غالبا ما تهمشها، رغم ثقلها الميداني».أكثر من ذلك، تنظر «الجبهة الإسلامية»، وفق الحاج، إلى «آلية عمل هيئة الأركان بوصفها غير فاعلة وبطيئة وغير متوازنة، عدا عن وجود فساد ومحسوبيات داخلها».
وكانت الجبهة الإسلامية قد أصدرت بيانا في الفترة الأخيرة أعلنت بموجبه انسحابها من هيئة الأركان لأنها «معطلة عن العمل أو التمثيل منذ فترة». كما أشارت إلى أن «انتسابها إلى الهيئة جاء في وقت كانت فيها مؤسسة تنسيقية مشتركة ضد النظام الأسدي من دون أن يكون لها تبعية لأي جهة أخرى سياسية كانت أو غير ذلك، بخلاف ما جرى الإعلان عنه أخيرا من تبعية الأركان للائتلاف».
وبعد انتخاب هيئة الأركان في الجيش السوري الحالية، في الشهر الأخير من عام 2012، أعيد تشكيل هيكلية الجيش المعارض، وانضم قياديو «الحر» السابقون إلى تشكيلات جديدة، حمل معظمها أسماء الجبهات أو المجالس العسكرية. ويقول ضابط منشق رفع الكشف عن اسمه: «أكثر ما يحزنني في هذا الوقت، منح الإنجازات إلى الكتائب المقاتلة، من غير أدنى إشارة إلى الجيش السوري الحر الذي كان يمثل كل السوريين، وتضم هيئة أركانه مختلف الفصائل المقاتلة، باستثناء الإسلامية المتشددة». هذه التسمية، برأيه «اعتراف مباشر بأن دور الجيش السوري الحر بات هامشيا»، عادا أن ذلك «يسهم في تفتيت الكيان العسكري المعارض، الذي وجد ليكون مقابلا للجيش السوري النظامي». ويأسف لـ«فتح هذا التفتت الباب أمام صعود المتشددين وبسط نفوذهم، تمهيدا لإدانة المعارضة في وقت لاحق ووسمها بالإرهاب والتطرف، ما يعود بفائدة أمام النظام ويسهل له التسوية على المعارضة في المحافل الدولية».
ولا يتردد ضباط سابقون في الكشف عن أن السيطرة الآن في الشمال، تعود إلى مقاتلي «الأمر الواقع»، في إشارة إلى المتشددين، رغم أن آخرين يعدون ذلك «مبالغة بحجم الإسلاميين وسيطرتهم». يقول العقيد أحمد حجازي، رئيس أركان الجيش السوري الحر السابق، الذي انضم إلى الإسلاميين، إن واقع هؤلاء «يصور على غير حقيقته»، مشيرا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الإسلاميين «ليسوا الغول الذي سيأكل الجميع، رغم وجود الاستثناءات، كونهم من فئات الشعب السوري»، متهما بعض قيادات الجيش السوري الحر التي تولت القيادة «بمسؤوليتها عن تلاشي دور الجيش الحر»، مضيفا: «هذا ما حذرنا منه في البداية.. وتحقق».
ويرجع حجازي اختفاء الجيل الأول من القادة الميدانيين، إلى انتخابات هيئة الأركان في أنطاليا، التي أثمرت انتخاب اللواء سليم إدريس رئيسا لها. يقول: «كان موقفنا واضحا بأن الجيوش لا تبنى بالانتخابات مثل البرلمان، كونها لا تلحظ الرتب العسكرية»، عادا أن ذلك «كان انقلابا علينا، بهدف إبعادنا، ويشبه إلى حد كبير انقلاب حزب البعث في عام 1963». وكان قائد «الحر» في تلك الفترة العقيد رياض الأسعد، عد أن تشكيل هيئة الأركان انقلابا على القيادة العسكرية للمعارضة في ذلك الوقت.
ووقعت ست من الجماعات السبع التي تضم «الجبهة الإسلامية» بيانا مشتركا مع فصائل أخرى في أواخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) أعلنت فيه أن «جنيف 2» هي مؤامرة وحذرت فيه بأن المشاركين من الثوار سيحاكمون بتهمة الخيانة أمام محاكم ثورية.
لكن الحاج يؤكد أن «الجبهة الإسلامية موافقة على المشاركة في المؤتمر المزمع عقده نهاية الشهر المقبل، بهدف التوصل إلى حل سياسي لأزمة سوريا، لكنها تعترض على الظروف الحالية للوضع السوري الراهن وغير المشجعة على عقد المؤتمر».
ويعرب الحاج، وهو خبير في الحركات الإسلامية، عن اعتقاده أن «الولايات المتحدة الأميركية تبدي مرونة في التنسيق مع الجبهة والتحاور معها، كما توافق على مشاركتها في مؤتمر جنيف 2»، لافتا في الوقت ذاته إلى أن الائتلاف لا يمانع مشاركتها أيضا «بعدها في الصف ذاته مع الائتلاف». وكانت الجبهة قد أبدت في ميثاقها استعدادها لـ«للتعامل مع الفاعلين الدوليين طالما أنهم لا «يظهرون أي عداوة أو خصومة تجاهها».
في موازاة ذلك، ينفي الحاج أي علاقة للجبهة بتنظيم القاعدة رغم «استخدامها بعض التكتيكات والخبرات العسكرية المعروف عن (القاعدة) استعمالها»، لكنه يؤكد أنها «آيديولوجيا وعقائديا بعيدة عنه تماما»، مشيرا إلى أن تصريحات رئيسها حول عدم قتاله لـ«القاعدة» هو «تصريح تكتيكي»، إذ إن فتح معركة مع تنظيمات متشددة مرتبطة بـ«القاعدة» على غرار «داعش» و«النصرة» ستفتح الباب على مشكلات غير محسوبة.
ولا ينكر الحاج «وجود سلفيين في صفوف الجبهة ذات التوجه الإسلامي الواضح والتي أعلنت بموجب ميثاق تأسيسها توجهها لإقامة دولة إسلامية»، لكنه يعرب عن اعتقاده أن وجهة نظرها هذه لن تفرضها على باقي المكونات لأنها تقاتل من أجل إسقاط النظام بخلاف «داعش» و«النصرة» اللتين تقاتلان لبناء نموذج دولة إسلامية، مرجحا اندلاع مواجهات بين «الجبهة» وكل من «داعش» و«النصرة» في وقت قريب.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.