الجيش السوري الحر يشكو التهميش لصالح المجموعات المتشددة

سوريون فوق انقاض أحد المباني يبحثون عن ناجين بعد قصفه من قبل قوات النظام السوري في حلب أمس (أ.ف.ب)
سوريون فوق انقاض أحد المباني يبحثون عن ناجين بعد قصفه من قبل قوات النظام السوري في حلب أمس (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوري الحر يشكو التهميش لصالح المجموعات المتشددة

سوريون فوق انقاض أحد المباني يبحثون عن ناجين بعد قصفه من قبل قوات النظام السوري في حلب أمس (أ.ف.ب)
سوريون فوق انقاض أحد المباني يبحثون عن ناجين بعد قصفه من قبل قوات النظام السوري في حلب أمس (أ.ف.ب)

كررت الولايات المتحدة استعدادها للقاء ممثلين عن «الجبهة الإسلامية» التي باتت تسيطر على الواقع الميداني في الشمال السوري، في حين شكا مصدر رفيع في أركان الجيش السوري الحر من أن قطع الإمداد عن الأركان سوف يجعلها بلا حول ولا قوة أمام تعاظم نفوذ الحركات المتشددة التي تسعى إلى السيطرة على الأرض والقرار في المناطق الشمالية.
وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، إن عمليات الدعم العسكري توقفت بشكل شبه كامل منذ أشهر حتى باتت الأركان مضطرة لـ«الشراء من السوق المحلية»، موضحا أن موفدين كانوا يحاولون شراء الذخائر والأسلحة من الداخل السوري بعد أن قطعت عنهم الإمدادات من الخارج بشكل شبه كامل. وحمل المصدر بعض الحلفاء، من دون أن يسميهم، مسؤولية التخاذل في دعم «الحر»، مقابل دعم حلفاء آخرين لتنظيمات مناوئة.
وحذر المصدر من أن تراخي كتائب الحر أمام تنامي نفوذ «الجبهة الإسلامية» والتنظيمات المتشددة الأخرى سببه شعور كبير بالإحباط، متسائلا عما إذا كان هناك قرار كبير بإنهاء الجيش الحر الذي يتحمل وزر هجمات النظام وحلفائه في إيران وحزب الله وغيرهم، ليجد نفسه تحت رحمة من يفترض بهم أن يكونوا حلفاء له يشاركونه الهدف نفسه.
وفي حين أكدت مصادر سوريا معارضة لـ«الشرق الأوسط» أن مساعي أميركية حثيثة تبذل من أجل تأمين لقاء على مستوى عال بين السفير الأميركي في دمشق روبرت فورد ومسؤول ملف سوريا في الخارجية البريطانية في إسطنبول، قالت هذه المصادر إن اتصالات غير مباشرة تجري بشكل حثيث وقد تفضي إلى نتائج. وأشارت إلى أن ما يؤجل اللقاء حتى الساعة هو حذر الجبهة وخشيتها من اتهامات معارضين متشددين لها بسبب «التعاون مع الغرب». وأعلن أمس وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن بلاده لم تلتق بممثلين عن الجبهة الإسلامية في سوريا، لكن من الممكن عقد مثل هذا الاجتماع لتعزيز تمثيل جماعات المعارضة المعتدلة في محادثات مقبلة ترمي إلى وقف الحرب السورية. وقال كيري في مؤتمر صحافي بمانيلا: «لم تجتمع الولايات المتحدة حتى الآن مع الجبهة الإسلامية لكن من الممكن أن يحدث هذا».وأضاف: «تبذل جهود حاليا من قبل كل الدول الداعمة للمعارضة السورية والتي تريد توسيع قاعدة المعارضة المعتدلة وقاعدة تمثيل الشعب السوري في مفاوضات جنيف 2».
وفي المقابل، لم يدفع توتر الأوضاع الميدانية بين الجيش السوري الحر و«الجبهة الإسلامية» المعارضة السياسية إلى قطع علاقتها مع فصائل «الجبهة». ويؤكد عضو المجلس الوطني المعارض، عبد الرحمن الحاج لـ«الشرق الأوسط» أن «جميع قوى المعارضة من ائتلاف ومجلس وطني تنظر إلى الجبهة باعتبارها جزءا من القوى الثورية الساعية إلى إسقاط النظام السوري».
ويوضح الحاج أن «الاتصالات لا تزال مستمرة بين المعارضة والجبهة، لا سيما أن الكثير من مكوناتها كانت جزءا من الجيش الحر»، ملخصا نقاط الخلاف بينها وبين الحر بقوله إن الجبهة «أبدت اعتراضها على آلية توزيع السلاح على خلفية قيام هيئة الأركان بمنح كميات كبيرة من الأسلحة إلى الفصائل المحسوبة على أطراف دولية».
وأشار الحاج إلى «حصول مفاوضات من أجل إعادة هيكلة هيئة الأركان، لكن سقف مطالب الجبهة كان مرتفعا، ما أدى إلى عدم التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين». ونفى أن يكون للجبهة «اعتراض على شخص رئيس هيئة الأركان في الجيش الحر اللواء سليم إدريس»، لكنه قال إن اعتراضها هو على الشخصيات القيادية التي تضطلع بمهام التنسيق بين قيادة الأركان والفصائل العسكرية، إضافة إلى اعتراضها على آلية اتخاذ القرار، والتي غالبا ما تهمشها، رغم ثقلها الميداني».أكثر من ذلك، تنظر «الجبهة الإسلامية»، وفق الحاج، إلى «آلية عمل هيئة الأركان بوصفها غير فاعلة وبطيئة وغير متوازنة، عدا عن وجود فساد ومحسوبيات داخلها».
وكانت الجبهة الإسلامية قد أصدرت بيانا في الفترة الأخيرة أعلنت بموجبه انسحابها من هيئة الأركان لأنها «معطلة عن العمل أو التمثيل منذ فترة». كما أشارت إلى أن «انتسابها إلى الهيئة جاء في وقت كانت فيها مؤسسة تنسيقية مشتركة ضد النظام الأسدي من دون أن يكون لها تبعية لأي جهة أخرى سياسية كانت أو غير ذلك، بخلاف ما جرى الإعلان عنه أخيرا من تبعية الأركان للائتلاف».
وبعد انتخاب هيئة الأركان في الجيش السوري الحالية، في الشهر الأخير من عام 2012، أعيد تشكيل هيكلية الجيش المعارض، وانضم قياديو «الحر» السابقون إلى تشكيلات جديدة، حمل معظمها أسماء الجبهات أو المجالس العسكرية. ويقول ضابط منشق رفع الكشف عن اسمه: «أكثر ما يحزنني في هذا الوقت، منح الإنجازات إلى الكتائب المقاتلة، من غير أدنى إشارة إلى الجيش السوري الحر الذي كان يمثل كل السوريين، وتضم هيئة أركانه مختلف الفصائل المقاتلة، باستثناء الإسلامية المتشددة». هذه التسمية، برأيه «اعتراف مباشر بأن دور الجيش السوري الحر بات هامشيا»، عادا أن ذلك «يسهم في تفتيت الكيان العسكري المعارض، الذي وجد ليكون مقابلا للجيش السوري النظامي». ويأسف لـ«فتح هذا التفتت الباب أمام صعود المتشددين وبسط نفوذهم، تمهيدا لإدانة المعارضة في وقت لاحق ووسمها بالإرهاب والتطرف، ما يعود بفائدة أمام النظام ويسهل له التسوية على المعارضة في المحافل الدولية».
ولا يتردد ضباط سابقون في الكشف عن أن السيطرة الآن في الشمال، تعود إلى مقاتلي «الأمر الواقع»، في إشارة إلى المتشددين، رغم أن آخرين يعدون ذلك «مبالغة بحجم الإسلاميين وسيطرتهم». يقول العقيد أحمد حجازي، رئيس أركان الجيش السوري الحر السابق، الذي انضم إلى الإسلاميين، إن واقع هؤلاء «يصور على غير حقيقته»، مشيرا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الإسلاميين «ليسوا الغول الذي سيأكل الجميع، رغم وجود الاستثناءات، كونهم من فئات الشعب السوري»، متهما بعض قيادات الجيش السوري الحر التي تولت القيادة «بمسؤوليتها عن تلاشي دور الجيش الحر»، مضيفا: «هذا ما حذرنا منه في البداية.. وتحقق».
ويرجع حجازي اختفاء الجيل الأول من القادة الميدانيين، إلى انتخابات هيئة الأركان في أنطاليا، التي أثمرت انتخاب اللواء سليم إدريس رئيسا لها. يقول: «كان موقفنا واضحا بأن الجيوش لا تبنى بالانتخابات مثل البرلمان، كونها لا تلحظ الرتب العسكرية»، عادا أن ذلك «كان انقلابا علينا، بهدف إبعادنا، ويشبه إلى حد كبير انقلاب حزب البعث في عام 1963». وكان قائد «الحر» في تلك الفترة العقيد رياض الأسعد، عد أن تشكيل هيئة الأركان انقلابا على القيادة العسكرية للمعارضة في ذلك الوقت.
ووقعت ست من الجماعات السبع التي تضم «الجبهة الإسلامية» بيانا مشتركا مع فصائل أخرى في أواخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) أعلنت فيه أن «جنيف 2» هي مؤامرة وحذرت فيه بأن المشاركين من الثوار سيحاكمون بتهمة الخيانة أمام محاكم ثورية.
لكن الحاج يؤكد أن «الجبهة الإسلامية موافقة على المشاركة في المؤتمر المزمع عقده نهاية الشهر المقبل، بهدف التوصل إلى حل سياسي لأزمة سوريا، لكنها تعترض على الظروف الحالية للوضع السوري الراهن وغير المشجعة على عقد المؤتمر».
ويعرب الحاج، وهو خبير في الحركات الإسلامية، عن اعتقاده أن «الولايات المتحدة الأميركية تبدي مرونة في التنسيق مع الجبهة والتحاور معها، كما توافق على مشاركتها في مؤتمر جنيف 2»، لافتا في الوقت ذاته إلى أن الائتلاف لا يمانع مشاركتها أيضا «بعدها في الصف ذاته مع الائتلاف». وكانت الجبهة قد أبدت في ميثاقها استعدادها لـ«للتعامل مع الفاعلين الدوليين طالما أنهم لا «يظهرون أي عداوة أو خصومة تجاهها».
في موازاة ذلك، ينفي الحاج أي علاقة للجبهة بتنظيم القاعدة رغم «استخدامها بعض التكتيكات والخبرات العسكرية المعروف عن (القاعدة) استعمالها»، لكنه يؤكد أنها «آيديولوجيا وعقائديا بعيدة عنه تماما»، مشيرا إلى أن تصريحات رئيسها حول عدم قتاله لـ«القاعدة» هو «تصريح تكتيكي»، إذ إن فتح معركة مع تنظيمات متشددة مرتبطة بـ«القاعدة» على غرار «داعش» و«النصرة» ستفتح الباب على مشكلات غير محسوبة.
ولا ينكر الحاج «وجود سلفيين في صفوف الجبهة ذات التوجه الإسلامي الواضح والتي أعلنت بموجب ميثاق تأسيسها توجهها لإقامة دولة إسلامية»، لكنه يعرب عن اعتقاده أن وجهة نظرها هذه لن تفرضها على باقي المكونات لأنها تقاتل من أجل إسقاط النظام بخلاف «داعش» و«النصرة» اللتين تقاتلان لبناء نموذج دولة إسلامية، مرجحا اندلاع مواجهات بين «الجبهة» وكل من «داعش» و«النصرة» في وقت قريب.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.