مذكرات بسيوني الحلقة الاخيرة: أيقظتني المضيفة على دموع غزيرة ذرفتها حزنا على دنيا تفصل بين العدالة والسياسة

بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما
بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما
TT

مذكرات بسيوني الحلقة الاخيرة: أيقظتني المضيفة على دموع غزيرة ذرفتها حزنا على دنيا تفصل بين العدالة والسياسة

بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما
بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما

بدأ شريف بسيوني هذه الحلقة، العاشرة والأخيرة في سلسلة مذكراته، بتلخيص أهم دروس تجربته الذاتية، قائلا: استطعت من خلال خبرتي في الحياة فهم شيئين: الأول، أن كل شخص يختلف عن الثاني، وكل شخص له علاقته مع ربه ومع غيره، فكأن لكل شخص كونا مستقلا؛ فمن يعش داخل هذا الكون مستقل عن غيره، ولا يمكن مقارنة ما يوجد في كونه المختلف بما في أكوان الآخرين. كما تعلمت أن هناك ما يسمى النسبية؛ أي أن ما هو مهم لك قد لا يكون مهما لغيرك، وما يؤثر في شخص لا يؤثر في آخر. تعلمت أنني حين أتعامل مع غيري ألا أتعامل معه إلا على أساس كونه الخاص. وألا أقارن هذا بشعور شخص آخر حصلت له حادثة أخرى. واقتنعت بأن التعارف معناه الاختلاف وعليه لا نستطيع التفريق.
عندما بدأت التدريب سنة 1964، كانت رواتب الذين يدرسون في كليات الحقوق متدنية جدا، فمعظم الأساتذة كانوا يمارسون مهنة المحاماة بالإضافة إلى التدريس. ولم تكن المحاماة في الولايات المتحدة متخصصة كما كانت هي في بقية أنحاء العالم، أو كما أصبحت الآن. بمعنى أن يتخصص المحامي في مجال قضايا الطلاق أو المالية أو القضايا التجارية مثلا. في الستينات كان معظم المحامين يعملون في جميع المجالات. وأذكر أني التحقت لوقت محدود، بمكتب محاماة يعمل فيه خمسة محامين، وكان عملنا يشمل شؤونا عامة، مثلا عقود الزواج، والطلاق، والنفقة، وقضايا مالية وتجارية، وقضايا إرث، وتأسيس شركات. كان خليطا من كل شيء، لكنه أعطاني إمكانية فهم سير القانون والقضاء في الولايات المتحدة والمجتمع. وبمرور سنوات، صرفت النظر عن هذه العموميات، وبدأ اهتمامي بمجال القانون الدولي، واقتصر عملي عبر سنوات على حالات قليلة كل عام ولكنها مهمة جدا، وطبعا كلما اشتهرت، وانتشرت سمعتي عالميا، كانت القضايا الهامة تأتيني. هكذا عُرفت خلال الأعوام الخمسة والعشرين أو الثلاثين التي مرت عليّ، كمتخصص في مجال القانون الجنائي الدولي، وفي مجال تسليم المجرمين. لذلك كنت محاميا في أكثر من 120 قضية تسليم مجرمين من الولايات المتحدة وإليها، وهذا أكبر عدد من القضايا يتابعه محام أميركي في التاريخ. كما كنت محاميا لعدد كبير من كبار الشخصيات بمن في ذلك رؤساء دول حاليون أو سابقون. مثلا، تضمن هذا العمل أيضا، التعاون الجنائي الدولي، وطلب التعاون أو الأدلة من الخارج؛ فخلال الأعوام الماضية، كنت محاميا لرئيس غواتيمالا السابق، ورئيس جمهورية المكسيك السابق، كلاهما كان مطلوبا في الولايات المتحدة في قضايا خاصة بغسل أموال. لكن هذه القضايا كان لها في الواقع، أبعاد سياسية؛ ذلك أن الولايات المتحدة تؤيد رؤساء دول في أميركا اللاتينية في أوقات ما، ثم تغير اتجاهها وتؤيد آخرين. وكانت كثيرا ما تستخدم كل ما تستطيعه ضد هؤلاء الأشخاص لمحاكمتهم. وربما كانت قضية نورييغا أهم تلك القضايا. فقد كان نورييغا حليفا للولايات المتحدة، ثم اعتقلته بعد ذلك وسجنته في ميامي. لم أكن مدافعا عنه، لكنني فقط أعطي هذا كمثال على البعد السياسي؛ حيث كان نورييغا في وقت ما مؤيدا من أميركا ثم تغيرت السياسة، والشيء نفسه حدث مع رئيس غواتيمالا السابق، ورئيس جمهورية المكسيك. كنت أتولى هذه القضايا من نحيث المبدأ أيضا، وليس فقط لأنها قضايا هامة؛ لذلك كنت أستبعد الكثير من القضايا التي لا أومن بمبدأ العدالة والنزاهة فيها.
من القضايا الأخرى أيضا، أنني مثلت سلفيو برلسكوني، رئيس الوزراء الإيطالي السابق، حين كانت إيطاليا تطالب أميركا بالمستندات الخاصة بتعامله مع شركات الأفلام الأميركية خلال سنة، قبل أن يكون له أي دور سياسي. وكانت تحاول أن تعرف، من خلال هذه المعاملات، ما إذا كان برلسكوني هرب أموالا إلى الخارج أم تهرب من دفع الضرائب. فكان ثمة مواضيع تعود إلى خمس وعشرين أو ثلاثين سنة. والطريقة التي كانت إيطاليا والولايات المتحدة تتعاونان بها، هي أن الأخيرة كانت مستعدة لتعطي إيطاليا كل ما كانت تطلبه من الشركات، وهذا يصعب فهمه من ناحية العدالة؛ فلو أن هناك معاملات تجارية ترجع لمدة 20 أو 30 سنة، فإنه يصعب علينا معرفة الأوراق الموجودة: ما الذي سلمته هذه الشركات؟ ما الذي لم تسلمه؟ ما هي خبايا الموضوع؟ يمكن للنيابة في إيطاليا أن تأخذ هذه المستندات و«تتقصى» عنها، وتختار ما هو مناسب للقضية التي يريدون إنشاءها، والدفاع لا يعلم ما وصل إليهم من أوراق، أو مستندات لكي يستطيع أن يقول إن هذا الخطاب مثلا كان في ملف آخر. أي أنني دافعت عن برلسكوني لهذا السبب، واستطعنا منع إرسال كثير من هذه الأوراق، واستطعنا الحصول على قائمة بالأوراق التي أرسلت، لكي يتمكن الدفاع من النظر إلى القائمة والتحقق منها، فكان الغرض شرعيا تماما. كما دافعت عن من لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فكنت عضوا في لجنة القانون الجنائي في نقابة شيكاغو، وكثيرا ما كانت هناك ظروف معينة واضطرابات من جانب المتهمين الذين لم يكن لديهم محامون، فكنت أتطوع للدفاع عنهم مجانا. وقد يكون هذا العمل أقرب إلى ما كان يقوم به جدي في الصعيد في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي.
* السياسة والقانون
* عندما ذهبت إلى أفغانستان مثلا، جرى صراع كبير حول ما إذا كانوا سيؤسسون لجنة أم لا. وطبعا لم يكن الإميركيون راغبين في أن يرى أحد ما يحدث في عمليات تقصي الحقائق. وبدل «لجنة» أعطوني لقب «خبير مستقل» وحدي، وفعلوا معي مثلما فعلوا في يوغوسلافيا سابقا، لم يعطوني أي مقابل على عملي.
وأتذكر وقتها أني كنت في قطر، في دور دبلوماسي سياسي مهم جدا؛ حيث كان يوجد قائد من الشيشان طلب اللجوء السياسي في قطر، وكان يعيش هناك. وقتها قامت مجموعة من الشيشانيين باحتلال مدرسة في موسكو، وهددت بقتل 300 طفل. وفعلا ارتكبوا ذلك الفعل، وكان الموجودون داخل المدرسة على تواصل هاتفي مع الشخص الشيشاني اللاجئ في قطر بصفته قائدهم، وهو من أعطاهم الأمر بتفجير القنبلة وقتل الأطفال. طبعا، تأكدت أجهزة الأمن الروسية من هذه المعلومة، وطلبت من قطر تسليم ذلك الشخص، لكن قطر رفضت تسليمه. لم يعجب الأمر الروس الذين وأرادوا التصرف بأنفسهم، فأرسلوا اثنين من المخابرات مع تغطية دبلوماسية، وتمكنوا من معرفة خط سير هذا الرجل، وعرفوا أنه سيذهب إلى صلاة الجمعة، وأن ابنه سيكون السائق، وأنه سيجلس إلى جانبه. وقد أرادوا اغتياله من دون أن يتسببوا في إصابات أو خسائر أخرى. بعدما دخل المسجد، وضعوا قنبلة مؤقتة (مسيرة)، أسفل المكان الذي يجلس فيه، فلما خرج انفجرت القنبلة فمات، وأصيب ابنه في ذراعه اليمنى، وبعد ساعات ألقى القطريون القبض على الشخصين.
والقصة هي أنه عندما دخل هذان الشخصان إلى قطر، كانت المخابرات الأميركية تتتبعهما، حيث ظنت في البداية، أنهما قادمان للتجسس على قاعدتها العسكرية في قطر، فواصلت مراقبتهما لفترة ما، وبعد أن تيقنت أنهما ليسا هناك لهذه الغاية، أعطوا ما لديهم من معلومات للمخابرات القطرية التي لم تكن تربط بين وجودهما وهدفهما. ولما قتل القائد الشيشاني في الانفجار قبضوا عليهما؛ دخلوا السفارة على الرغم من الحصانة الدبلوماسية وقبضوا عليهما، وحوكما، وهو ما يخالف المعاهدة الدبلوماسية. احتجت روسيا على هذلك مما ولد أزمة. لكن أحدهم أشار على الرئيس بوتين بتعييني أنا محاميا عن الروس في قطر، لكي أحاول إيجاد مخرج للأزمة. وفعلا قمت بهذا الدور، على أساس أنه بدل أن تتأزم الحالة بين روسيا وقطر نجعل قطر تحاكمهما، من دون عقوبة إعدام بل بالسجن، وباتفاقية ثنائية ما بين قطر وروسيا. فكنت المحامي مع محام قطري للدفاع عن هذين الروسيين، ونفذ الاتفاق ولم تتأزم المشكلة بين روسيا وقطر، ومرت على هذا الأساس، وربما كان هذا ما يسمى «النفوذ» الذي تحدثنا عنه سابقا. انتهت الأزمة، وبكل أمانة، لم آخذ مكافأة مادية ولا معنوية على ذلك، ولم أتلق وساما من قطر.
المتلقي العادي لأية معلومات، لا يستطيع أن يستوعب أو يفهم ما يجري داخل الإدارات الحكومية والبيروقراطية الدولية. ما نراه من ناتج في الخارج، ليس هو ما يأتي من الداخل. ما نراه كثيرا ما يكون مسيسا وملونا ويصلنا كمعلومة من دون أن نفهمها، وكثيرا ما تكون الصورة ملونة لأسباب، وعلى سبيل المثال، فإن إنشاء لجنة تقصي حقائق عن الحرب في يوغوسلافيا، لم يتم بالصيغة التي أنشئت عليها، ومنحت لها كل الصلاحيات. فالرأي العام لن يعرف الحقيقة إلا إذا علم أن هيئة الأمم لم تخصص لها أية ميزانية للقيام بعملها.
وعندما يكون لديك لجنة مثل لجنة سوريا ولا تتحرك خارج جنيف، فكيف تتحرى عما يحصل داخل سوريا؟ تأخذ اللجنة معلوماتها من وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان، وهذا ما يمكن للحكومات أن تنفيه وتكذبه. لذلك كنت أسعى في كل مهامي، إلى المعلومة المباشرة التي تأتي من الميدان الذي أذهب إليه. يوجد فارق كبير بين ما نراه ميدانيا وما يحدث في المكاتب العليا في الحكومات وغيره. ويمكن مقارنة ذلك مثلا بالميدان العسكري. فهناك فارق بين ما يرى الجندي أو الضابط الصغير في الميدان، وما يرى رؤساؤه في القوات المسلحة في مكاتبهم بعيدا عن الميدان. وبصفتي كنت ضابطا صغيرا (ملازم ثان)، تعودت أن أنظر إلى الأمور من الناحية الميدانية الواقعية، وليس من ناحية القيادة العسكرية العليا، التي تأتيها أرقام ولكنها لا تشعر بما هو موجود. كان مبدئي دائما، هو التحقق، كما كان عندما كنت في الجيش. إنني لا أستطيع إصدار أمر إلى أي شخص بالقيام بأي شيء، إلا إذا كنت أنا شخصيا أستطيع القيام به. يعني لا يمكنني أن أطلب من جندي أن يمشي 10 كيلومترات في اليوم في الصحراء، إلا إذا كنت أنا شخصيا أستطيع القيام بذلك. لكن إذا كان رئيس الأركان بعيدا عن الميدان يجلس في غرفة مكيفة، فإنه يستطيع أن يقول – نظريا - إن هذه القوة تستطيع الانتقال 10 كيلومترات في اليوم. الشيء نفسه مع من يتحدث عن جرائم من دون أن يشعر بقيمة الجريمة ويفهمها. وهو لن يستطيع فهم معناها لأن كثيرا من الأمور يحدث أثناء الحرب، لأن الطبيعة الإنسانية للأسف، لم تتغير كثيرا، فالإنسان لم يتغير. وظروف الحرب ومواجهة الموت والحاجة للبقاء تغير الإنسان، لذا يجب أخذ هذه الجوانب بعين الاعتبار وفهمها. أي إذا كان شخص ما في مكاني كرئيس للجنة معينة، عليه أن يجد توازنا بين وجوده في الميدان وإدارته لما يسري في الميدان، وفهمه لما يكون، وفهمه للمحققين الذين يعملون معه لكي يديرهم بطريقة سليمة، وفي الوقت نفسه فهمه للبعد السياسي، وكأن الواحد يغير «فيتيس» (ناقل الحركة) السيارة. حينما يكون في الميدان، يكون على «المارش الأول» ويمشي خطوة خطوة، وعلى «المارش السياسي» يضع «الفيتيس» على الرابع، وكأنه في الطريق السريع. من الناحية النفسية، الانتقال يسبب صعوبة نفسية ومعنوية، وإذا عزل الشخص نفسه عن مشاعره فقد آدميته.
سألت بسيوني عن أهم قصة مسته شخصيا وتركت أثرا في نفسه، فروى لي القصة التالية:
كنا في الميدان ذات يوم. كنا نقوم بالحفر بحثا عن مقبرة جماعية. وكان الصرب دائما يتهمونني بأنني أجد المقابر الجماعية للبوسنيين والمسلمين أو الكروات، وأنني منحاز إلى هذه الأطراف. وقد أبلغوني أنه في مكان يبعد 300 كلم عن مدينة زغرب في كرواتيا وفي وسط منطقة خالية، كانت ثمة منطقة يقطنها الصرب سابقا، وقد قام الكروات بتطهيرها عرقيا وأخرجوا سكانها منها. وقد أبلغتني الحكومة الصربية أن من غير المستيعد ان تكون هناك مقبرة جماعية تضم ألف شخص. كونت فريق عمل من 65 ضابطا وجنديا من الجيش الهولندي، وخمسة محققين من كندا والنرويج، وضباطا في الإدارة القانونية في هذه الجهات يعملون معي، وبعض الجهات الخارجية من الأطباء والعلماء الشرعيين. كان هذا بعد أن عثرنا على مقبرة جماعية في منطقة اسمها فوكوفار، كان فيها 204 كرواتيين كاثوليك، قتلوا من جانب الصرب. كانوا قد أخذوا وجمعوا معا وضربوا بالرصاص. ووجدنا أدلة على أن شخصا كان يطلق النار على رأس أي شخص إذا وجد أنه ما زال حيا. كانت تلك مقبرة بشعة بالفعل. بعد ذلك، علمنا أنهم أخذوا جميعا من مستشفى مدينة فوكوفار وقتلوا. كانوا جرحى ومرضى وقتلوا بتلك الطريقة. وكانت هذه المقبرة موضوع أكبر قضية في يوغوسلافيا فيما بعد، بنيت على ما اكتشفناه، لكني وجدت في الوقت نفسه، أن من الواجب البحث فعن المقبرة الجماعية التي أخبرني عنها الصرب. فذهبت إلى تلك المنطقة التي كان اسمها «بوليانا بكرتش»، وبعد البحث الطويل، لم نجد إلا مقبرة ك فيها 19 جثة، أخرجناها بالفعل، وبدأنا حفرية المقابر الجماعية مثل حفرية الآثار.
* عمل دقيق
* على الشخص أن يكون دقيقا جدا، ويعمل بحرص لكي لا يجري تحريك الجثث من مكانها. لا يمكنك العمل بوسائل قد تطال الجثة التي قد تتوفر حولها أدلة تقدم أدلة على الطريقة التي وجدت بها. في إحدى هذه الحفريات، كنت أنظر بعيدا، أتحدث إلى أحد الضباط الذين يعملون معي. وكانت هناك جثة لفت في بطانية. فتشت البطانية. كان من يعملون في الحفرة قد رفعوا عنه البطانية وكشفوا جثته وبان وجهه. وشاءت الظروف أن كانت جثته كاملة لم تتغير. كان في الثلاثينات، صغير الحجم نحيفا. كانت لذلك الرجل لحية صغيرة مثل لحية لينين، وكانت عيناه مفتوحتين. نظرت إليهما، فشعرت بهما تسألاني: لم أنت هنا؟ أين كنتم حين كانوا يقتلوننا؟ كان صاحب الجثة كمن خرج من عالم آخر ليعطيني رسالة: أين كان العالم حين كنا نموت؟ وهذه رسالة كل ضحايا العالم، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية. هزني هذا المنظر تماما. قبلها بيوم، كانت تلقيت إشارة من الأمين العام للأمم المتحدة، تطلب مني مقابلته في نيويورك. أتممت عملي يومها، واستقليت بعد الظهر، سيارة نقلتني مسافة 300 كلم إلى زغرب، أخذت بعدها طائرة من هناك إلى فرانكفورت، ثم من فرنكفورت إلى نيويورك. كنت قادما من الميدان حيث نعمل منذ أسبوع، وأعيش في خيمة بقليل من الماء البارد، وأضيفت متاعب السفر إلى نيويورك إلى تلك المتاعب. وصلت بعد الظهر، وكان لي في صباح الغد، موعدا مع الأمين العام. ذهبت إلى موعدي مرهقا. رحب بي الأمين العام، وقال إن دولا كثيرة، بما في ذلك إنجلترا وصربيا وروسيا، تشكو من وجودك الدائم في الميدان، حيث يخلق لهم نوعا من الفزع. فلماذا تقوم بهذا الدور؟ أنت رئيس لجنة معينة من مجلس الأمن بدرجة أمين عام مساعد، ولك مكتب جميل جدا في الدور الخامس في هيئة الأمم في جنيف، يطل على بحيرة جنيف الجميلة. لماذا تعرض نفسك إلى كل هذا؟ وختم كلامه قائلا: يا شريف، إن كنت تقوم بمثل هذا الدور الرئيس وسط نزاع مسلح مهم له جوانب سياسية هامة «امش دائما وظهرك للحائط». أنت تعرض نفسك لانتقادات بسبب عملك الميداني، هذا ليس دورك. فأجبته بأنني أحاول التوفيق بين دوري كمحقق، وإدارة الناس الذين أعمل معهم. كما أحاول إزالة بعض العراقيل البيروقراطية في هيئة الأمم، وغياب الأمل. يجب أن أكون حريصا في المهام التي أقوم بها لأحصل على مساعدة الدول، على المستوى الثنائي. فقال لا، انتظر في جنيف وتأن. فخرجت من عنده وذهبت إلى شيكاغو حيث مقر المعلومات في الجامعة. في الطائرة، أغمضت عيني من شدة التعب. كنت أعيد الفيلم من فوكوفار من 204 إلى بوليانا بكرتش التي وجدنا فيها 19 صربيا، وكيف دفنهم الأردنيون ووضعوا صلبهم، و«لينين» الذي خرج من تحت الأرض ليسألني: لماذا تفعل البشرية هذا؟ والأمين العام الذي يقع مكتبه في الدور 38 على نهر في نيويورك بعيدا عن هذا المجال، ينصحني بـ«المشي بجوار الحائط». لم أدر بنفسي إلى أن لمست المضيفة كتفي تسألني إن كنت بخير، فتبين لي وقتها، أنني كنت أبكي، وأن سيلا من الدموع كان ينهمر من عيني ولم أشعر بذلك. كنت أبكي على هذه الأمور وعلى أمور الدنيا التي تفصل بين العدالة والسياسة.
والشيء نفسه يتكرر يوميا: ما الذي يحدث في النزاع بين أميركا وروسيا حول نظام بشار الأسد الذي أدى إلى مقتل 100 ألف. أريد أن أذكر بأن الله قال: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). وقال كذلك: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). هذا معناه أن الله لم يفرق بين المسلم وغير المسلم، ولا بين الرجل والمرأة. وقال: (ولقد كرمنا بني آدم)، ولم يقل المسلم أو غيره، ولا نرى هذا الآن. ونجد المسلمين - خاصة في العالم الإسلامي - يقتل بعضهم بعضا باسم الإسلام. وأختم بما ورد في سورة الرحمن: (فبأي آلاء ربكما تكذبان).

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (9)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (8)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)



رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
TT

رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

في مشهد يعكس عمق العلاقات الشعبية بين مصر والمملكة العربية السعودية، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية موجة من الرسائل والتعليقات على خلفية الاعتداءات الحوثية الأخيرة على المطارات السعودية، عبّر خلالها مصريون عن تضامنهم الكامل مع المملكة، ودعمهم لها قيادةً وشعباً وجيشاً وحكومة، مؤكدين متانة الروابط التاريخية التي تجمع البلدين.

جاء هذا التفاعل متوافقاً مع الموقف الرسمي المصري المعلَن تجاه المملكة، حيث نشر مستخدمون آلاف التدوينات وصوراً تجمع قادة البلدين، عبر عدة «هاشتاغات» داعمة للمملكة على مختلف المنصات، حظيت بتفاعل واسع، جاء أبرزها: «#كلنا_مع_السعودية»، «#مصر_والسعودية_ايد_واحدة»، #لن_ترونا_إلا_معا»، «#مصر_السعودية_أشقاء».

وتركَّز الجانب الأكبر من التعليقات المصرية على إبداء التأييد والتضامن مع المملكة فيما تواجهه من هجمات استهدفت بنيتها التحتية ومواطنيها، مع إدانة للممارسات الحوثية وتصنيفها أعمالاً إرهابية وجرائم تخالف الأعراف الإنسانية والدينية، مع إعلان الدعم الكامل للمملكة في إجراءاتها للدفاع عن نفسها.

كما أبرزت تعليقات أخرى المكانة الوجدانية للمملكة لدى الشعب المصري، مستخدمين لغة صادقة تعكس الشعور بالألم المشترك والمساندة النفسية في أوقات الأزمات، مؤكدين أن ما يجمع البلدين «علاقة دم ومصير واحد وليس تحالفاً مؤقتاً».

وأكد قطاع واسع من رواد المنصات أن العلاقات الثنائية تستند إلى عمق تاريخي وجغرافي لا يتأثر بمحاولات الوقيعة الرقمية بين البلدين، مشددين على أنها «علاقة أقوى من تأثير الذباب الإلكتروني».

كما استعاد مغردون مواقف تاريخية متبادلة بين البلدين في أوقات الأزمات والتحديات، مؤكدين أن التضامن المتبادل يظل إحدى أبرز سمات هذه العلاقة، مستحضرين محطات طويلة من التعاون والتنسيق بين القاهرة والرياض.

وركز آخرون على أن استقرار المملكة مسؤولية تهم كل عربي ومسلم، كونها أرض الحرمين الشريفين، لافتين إلى أن السعودية وطن ثانٍ للمصريين، وتجمع الشعبين روابط اجتماعية وإنسانية وثقافية متجذرة عبر عقود.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمير محمد بن سلمان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

بينما جاءت أبرز رسائل المحبة والمساندة المصرية للسعودية مع نشر السفارة السعودية بالقاهرة بياناً لمواطنيها بشأن مساعدة المتضررين منهم من إلغاء الرحلات الجوية مع اضطراب حركة الطيران في السعودية، حيث دعت السفارة المواطنين السعوديين الذين تأثرت رحلاتهم الجوية أو تعذر وصولهم إلى وجهاتهم بسبب الإلغاء أو التأخير، إلى التواصل معها لطلب المساعدة، وهو ما أثار ردود فعل واسعة من المصريين.

وأظهرت التفاعلات رفض الشارع المصري التعامل مع المواطن السعودي على أنه «غريب»، مع إطلاق دعوات ترحيب بمن يوجدون على الأراضي المصرية، لافتين إلى أن «بيوتنا مفتوحة... والدار داركم».

وأشار مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن للمملكة محبّة راسخة في قلوب المصريين، مؤكدين أن «السعودي في مصر بين أهله».

وأشار الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري، في تغريدة على «إكس»، إلى تلقيّ سفير خادم الحرمين الشريفين بالقاهرة، صالح بن عيد الحصيني، عقب نشر بيان السفارة، اتصالات وبرقيات عديدة من المصريين يعلنون فيها التضامن مع أشقائهم في المملكة في مواجهة العدوان الحوثي ضد المدنيين.

في المقابل، تفاعل مدونون سعوديون مع تلك الدعوات والتعليقات المصرية، لافتين إلى عدم شكهم في حب المصريين للسعودية وأهلها، بينما أكد آخرون المحبة والأخوّة بين الشعبين.

كما تفاعل الأمير عبد الرحمن بن مساعد، على تعليقات المصريين على بيان السفارة، معلقاً عبر حسابه الرسمي في منصة «إكس»: «ردود المصريين على ما نشرته السفارة السعودية في القاهرة تثلج الصدر، أُشهد الله على حبك يا مصر وحب أهلك».


ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
TT

ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الثامن، الاثنين، مع اتساع المواجهات في جبهات محافظة تعز، وتكثيف الضربات الجوية على مواقع الحوثيين وتحركاتهم العسكرية، بالتزامن مع معارك كرّ وفرّ في الريف الجنوبي والغربي للمدينة، حيث تسعى القوات الحكومية إلى استعادة مواقع فقدتها خلال الساعات الماضية، ومنع الجماعة المدعومة من إيران من توسيع اختراقاتها.

وفي موازاة القتال في تعز (جنوب غرب) تواصل القوات الحكومية عملياتها النوعية في جبهات مأرب والجوف، وسط إعلان الجيش تنفيذ آلاف الاستهدافات الجوية والمدفعية والمسيّرة منذ بدء التحركات الهجومية، ومقتل وإصابة أعداد كبيرة من الحوثيين، وفق بيانات عسكرية يمنية.

وعلى الساحل الغربي، تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مكاسبها في ذوباب ومحيط باب المندب، مع استمرار المواجهات حول مواقع وتحصينات لا تزال الجماعة تتحصن فيها، مستفيدةً من الألغام والتضاريس.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1732 عملية استهداف دقيقة ومباشرة ضد مواقع عسكرية حوثية، باستخدام الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية والراجمات، بالتزامن مع تقدم الوحدات المقاتلة على محاور العملية، خلال 24 ساعة.

القوات الحكومية اليمنية تثبت مكاسب الساحل في ثامن أيام بدء عملية «فجر اليمن» (أ.ب)

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات شملت تحصينات ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومناطق حشد وتعزيز، إضافة إلى مخازن أسلحة وذخائر وآليات ووسائط إمداد وأهداف عسكرية في العمق.

وأضاف النزيلي أن الاستهدافات أسفرت عن تحييد أكثر من 900 عنصر من الحوثيين، وتدمير أو إعطاب أكثر من 287 آلية ومعدة ووسيلة عسكرية، فضلاً عن إسكات مصادر نيران وإرباك منظومة القيادة والسيطرة وتعطيل حركة التعزيزات والإمداد. وأكد استمرار اختراق المواقع الدفاعية للجماعة وتوسيع نطاق التقدم وفق الخطة العملياتية.

تأتي هذه الحصيلة المعلنة في وقت تتوزع فيه المواجهات على جبهات متعددة، من أرياف تعز إلى جنوب مأرب وغربها، بينما تتركز المعارك الأكثر حساسية على خطوط الاقتراب من المدينة والطرق التي تربط مركز المحافظة بمديرياتها الريفية.

معارك استنزاف في تعز

شهدت تعز، خلال الساعات الماضية، ضربات جوية ومواجهات عنيفة على امتداد محاور القتال، شملت غرب المدينة وشمالها وشرقها، إلى جانب المسراخ والأقروض والضباب. وأعلن محور تعز تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع وآليات وتعزيزات حوثية في مناطق ميلات والمزارع وأطراف الصياحي غرباً، وشارع الستين شمالاً، وتلال سوفتيل والسلال شرقاً.

ضربات جوية مكثفة تستهدف زحف الحوثيين حول مدينة تعز (إعلام محلي)

كما أفادت تقارير عسكرية بأن الطيران الحربي استهدف تجمعات ومواقع للجماعة في الحوبان وتبة سوفتيل والمقرمي والجعشة، فضلاً عن مواقع أخرى شمال المدينة وغربها. وقالت مصادر عسكرية إن الضربات أوقعت خسائر بشرية ودمرت عدداً من الآليات.

وفي ريف تعز الجنوبي، احتدمت المواجهات في مديرية المسراخ، خصوصاً في منطقتي طالوق وسائلة طالوق، عقب محاولات تسلل حوثية من اتجاه نجد قسيم. وأفادت مصادر ميدانية بأن القوات الحكومية والمقاومة نفذت كمائن ضد المهاجمين، أوقعت قتلى وجرحى في صفوفهم وأجبرت بعضهم على الانسحاب.

وتزامنت هذه الاشتباكات مع معارك في منطقة الأقروض، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت الجماعة قد سيطرت عليها خلال الساعات السابقة، إلى جانب استعادة تلَّتَي مهيوب ثابت ووثيب، ومدرسة الفرقان في قرية الذنيب، وفق المعلومات العسكرية الواردة من الجبهة.

الحكومة اليمنية تعهدت باستمرار العمليات العسكرية حتى إنهاء التهديد الحوثي (إعلام محلي)

وتكتسب هذه المناطق أهمية ميدانية بسبب اتصالها بشبكة الطرق التي تربط مدينة تعز بريفها الجنوبي، فيما يزيد تقدم الحوثيين في منطقة نجد قسيم من حساسية المعركة، نظراً إلى موقعها على طريق رئيسي يخدم عدداً من مديريات المحافظة.

وفي جبهة الضباب، أفادت المعلومات الميدانية بأن القوات الحكومية ثبّتت مواقعها في جبل هان، مع استمرار الاشتباكات في أطراف المنطقة وتنفيذ كمائن ضد مجموعات حوثية.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع رقعة المواجهات في محيط تعز، حيث تتداخل الضربات الجوية مع الاشتباكات المباشرة والكمائن، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية احتواء الاختراقات واستعادة المواقع التي شهدت تغيراً في خطوط التماس.

الساحل ومأرب والجوف

على امتداد الساحل الغربي، تواصل قوات ألوية العمالقة و«درع الوطن» تثبيت مواقعها في ذوباب ومحيط باب المندب، وسط مواجهات مع مجموعات حوثية لا تزال تتحصن في جيوب ومواقع صغيرة خلف الألغام والتلال المطلة على المضيق، وفق المعلومات الميدانية الواردة من المنطقة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في الأيام الماضية تحقيق مكاسب في محاور الساحل، بالتوازي مع تأمين مواقع مرتفعة في كهبوب وتوسيع الضغط على تجمعات الحوثيين. غير أن استمرار الاشتباكات في بعض الجيوب يفرض على القوات مواصلة عمليات التمشيط وتثبيت المواقع، في ظل مخاطر الألغام والتحصينات التي تعوق الحركة.

الحوثيون يتكبدون خسائر بشرية كبيرة جراء الضربات البرية والجوية في تعز (إعلام عسكري)

وفي محافظة مأرب، استهدفت القوات الحكومية مواقع وآليات حوثية في الجبهتين الجنوبية والجنوبية الغربية، باستخدام المدفعية والطيران المسيّر، فيما شن الطيران الحربي غارات على ثكنات ومخازن تابعة للجماعة.

ونقلت وسائل إعلام عسكرية يمنية عن مصادر في عمليات المنطقة العسكرية الثالثة أن الضربات أدت إلى تدمير وإعطاب آليات قتالية، واستهداف مربض مدفعية حوثي، مما أسفر عن تدمير المدفع ومقتل طاقمه. كما تحدثت المصادر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجماعة، في حين أعلنت القوات الحكومية مقتل ثلاثة من أفرادها وإصابة آخرين خلال المواجهات.

وفي الجوف، تواصلت العمليات الجوية والمدفعية وهجمات الطائرات المسيّرة على مواقع وتحصينات ومراكز قيادة ومخازن أسلحة حوثية، وفق البيانات العسكرية الحكومية.


الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وسَّعت الحكومة اليمنية تحركها السياسي والدبلوماسي بالتوازي مع العمليات العسكرية التي تخوضها القوات الحكومية ضمن عملية «فجر اليمن»، مستهدفة حشد مواقف عربية وإسلامية ودولية لمواجهة الحوثيين، بالتزامن مع إقرار مشروع قانون لتصنيف الجماعة «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، في خطوة تعكس انتقال المواجهة من جبهات القتال إلى مسارات سياسية وقانونية أوسع.

وجاءت هذه التحركات مع تأكيد الحكومة أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، يمثلان هدفاً مركزياً للمرحلة الحالية، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الهجمات التي تستهدف المنشآت المدنية والمطارات، وتهدد أمن الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة.

وفي تحرك دبلوماسي متزامن، أجرت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية، أفراح الزوبة، اتصالات مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد، لبحث التطورات العسكرية والإنسانية، وتداعياتها على الأمن الإقليمي والممرات البحرية الدولية.

وجاءت الاتصالات الثلاثة لتضع أمن اليمن والمنطقة في صدارة المشاورات، مع تركيز الحكومة على ما تصفه بالتهديدات الحوثية المرتبطة بالأجندة الإيرانية، والدعوة إلى تنسيق دولي وعربي وإسلامي يتجاوز الإدانات إلى إجراءات عملية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (سبأ)

وأكدت أفراح الزوبة، خلال اتصالها بالمسؤول الأميركي، أن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تستند إلى المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، وأن تضمن حصرية السلاح واحتكار الدولة قرارَي الحرب والسلام، بما يمنع إخضاع مستقبل اليمن لإرادة جماعة مسلحة.

تنفيذ القرارات الدولية

ودعت وزيرة الخارجية اليمنية إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، وفي مقدمها القرار 2216، وتعزيز التدابير الرامية إلى وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين، ومنع استخدام الأراضي اليمنية منطلقاً لتهديد دول المنطقة والممرات البحرية.

كما شددت على ضرورة حماية الملاحة الدولية وتأمين خطوطها الحيوية؛ خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مشيرة إلى ما وصفته بالانتصارات التي حققها الجيش والقوات المساندة له في دحر الحوثيين من المنطقة.

الحوثيون يدفعون بحشودهم المسلحة لتشديد الحصار على مدينة تعز (أ.ف.ب)

من جانبه، جدد القائم بالأعمال الأميركي موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ومساندتها الحكومة اليمنية، وأدان الممارسات الحوثية بحق المدنيين، مؤكداً أهمية استمرار التنسيق لحماية الملاحة الدولية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وفي اتصالاتها مع جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، دفعت الوزيرة أفراح الزوبة باتجاه توحيد المواقف العربية والإسلامية إزاء الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والمنشآت الحيوية، معتبرة أن تداعياتها تتجاوز حدود دولة واحدة، وتمس الأمن الإقليمي ومصالح شعوب المنطقة.

ودعت إلى تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الدولية، في حين أكد فهمي أن التحديات الراهنة تهدد الأمن القومي العربي، وأبدى استعداده لمواصلة التشاور بشأن التحركات المطلوبة. كما أكد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أهمية استمرار التنسيق مع اليمن إزاء التطورات الراهنة.

«حكومة معركة»

على المسار الداخلي، اتخذ مجلس الوزراء اليمني، برئاسة رئيس الحكومة شائع محسن الزنداني، خطوات قال إنها تستهدف رفع جاهزية مؤسسات الدولة، وتوفير متطلبات استمرار العمليات العسكرية وحماية السكان والمنشآت.

وأشاد المجلس بتقدُّم «ألوية العمالقة» الجنوبية وقوات «درع الوطن» والمقاومة الشعبية، بإسناد من «تحالف دعم الشرعية»؛ مشيراً إلى تحرير ذوباب ومواقع استراتيجية في محيط باب المندب، وقطع الطريق بين ذوباب والمخا. واعتبر أن هذه التطورات تمثل تحولاً استراتيجياً في أحد أهم الممرات المائية في العالم، من شأنه تقليص قدرة الحوثيين على استخدام تهديد الملاحة الدولية ورقة ضغط.

وقال الزنداني إن ضربات «فجر اليمن» والخسائر التي تكبدها الحوثيون في باب المندب، دفعت الجماعة إلى نقل المعركة نحو المدنيين والمنشآت المدنية. وشدد على أن الحكومة لا تتعامل مع المرحلة بوصفها حالة دفاعية مؤقتة؛ بل بوصفها معركة لاستعادة سلطة الدولة.

حشد من الحوثيين في صنعاء حيث العاصمة اليمنية المختطفة (أ.ف.ب)

ووجَّه رئيس الوزراء أجهزة السلطة التنفيذية بالخروج من منطق رد الفعل إلى العمل الاستباقي، ورفع الجاهزية، وتوفير احتياجات القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأمن والمقاومة الشعبية، إلى جانب ضمان استمرار الخدمات وحماية السكان.

ووافق المجلس على مشروع قانون بشأن تصنيف جماعة الحوثي «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، ووجّه باستكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة للمصادقة عليه.

كما استمع المجلس إلى إحاطة من وزير الدفاع بشأن المستجدات الميدانية والاحتياجات اللازمة لمواصلة العمليات، مؤكداً دعمه للعملية وتسخير إمكانات الدولة لإسنادها، ومشدداً على استمرارها حتى استكمال أهدافها وتحرير ما تبقى من الأراضي، وصولاً إلى صنعاء.