مهن في عباءة الإبداع

كتّاب وفنانون مصريون يرون أنها عمقت تجاربهم

سلوى بكر  -  عادل السيوي
سلوى بكر - عادل السيوي
TT

مهن في عباءة الإبداع

سلوى بكر  -  عادل السيوي
سلوى بكر - عادل السيوي

غالباً ما تكون مهن الكتاب ذات انعكاسات سلبية على كتاباتهم، وبخاصة في بلداننا العربية، حيث التفرغ نادر، واعتماد الكاتب على مبيعات كتبه شبه معدوم؛ مما يضطره إلى العمل في مهن أخرى، قد تتناقض تماماً مع شخصيته واهتماماته الأساسية، فتستنزف طاقته، وتستهلك كثيراً من وقته، المفروض أن يكرّس لنتاجه وإبداعه. من ناحية أخرى. لكن هناك من يرى أن مهنته قد انعكست إيجابياً على كتاباته، وشكلت مصدراً مهماً في رفد تجربته على شتى المستويات:
هنا آراء كتّاب وروائيين وتشكيليين مصريين حول معادلة العمل والإبداع:
- الكاتبة سلوى بكر: وزارة التموين... والصحافة
تخرجت في كلية التجارة جامعة عين شمس عام 1972، وتم تعيني في وزارة التموين مفتشةً، في تلك السنوات كانت الدولة هي التي تقوم بتعيين الخريجين الجدد. وأتاحت لي هذه المهنة فرصة عظيمة للتعرف على القاع الاجتماعي والحياة المجردة للشارع المصري كما هي موجودة بالفعل. عملت نحو 6 سنوات التقيت فيها نماذج إنسانية متباينة، وتعرفت على آليات القهر الاجتماعي المقننة، التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها من الأمور الطبيعية أو من قبيل البديهيات. وعشت لحظات تاريخية في أثناء عملي هذا، فرأيت على سبيل المثال بأم عيني كيف بدأت ثورة الجوع في مصر (مظاهرات الخبز) عام 1977.
كانت أوقاتاً عصيبة؛ لأن الثورة بدأت بالفعل عندما توجه الفقراء إلى مكاتب التموين الحكومية للتساؤل عن أسباب رفع الأسعار المفاجئ للسلع الغذائية الأساسية، وما يطلق عليها السلع الاستراتيجية، مثل الخبز والأرز وما شابه. هذه الفترة من عملي كانت مؤثرة في إنتاجي الأدبي فكتبت قصة بعنوان «أم شحته»، وكذلك قصة «امرأة على العشب»، كما أن الكثير من خيوط عوالم روايتي «العربة الذهبية لا تصعد للسماء» مستمدة مما لمسته وعشته عن قرب في تلك الأثناء. على مستوى آخر من المهن، عملت صحافيةً في صحيفة لبنانية، فانتقلت على أثرها إلى بيروت. وأتاح لي هذا العمل، الذي كان خلال فترة احتدام الصراع العربي – الإسرائيلي، والعدوان الصهيوني على أشده في لبنان، إنتاج مجموعة من القصص والكتابات عن نماذج إنسانية ولحظات فارقة تتعلق بهذا الزمن الذي لم أعش مثله من قبل كقصة «ابن خمسين يوم» و«عباس أجوسك». إن المناخات التي يحيا على متنها المبدع مؤثرة في تركيبته الإبداعية، وتعد بمثابة مصادر خام حية ترفد تجربته على شتى المستويات؛ فقد تأثر مناخ كتابتي بعوالم المهن التي اشتغلت بها، وربما أيضاً يتضح ذلك في رواية «ليل ونهار»، وهي رواية عن علاقة بين صحافية شابة ورجل ثري، وكنت متأثرة في ذلك بأجواء العمل الصحافي الذي عشته في بيروت وقبرص وتونس.
تأثير هذه التجارب لم يقتصر على المستوى النفسي أو الإدراكي، بل على المستويات التقنية والأدوات كاللغة، فعندما تخالط جماعات إنسانية في مستويات اجتماعية وثقافية متباينة، فهذا دون شك سيؤثر على المنظومة اللغوية داخلك، فربما عملي مفتشة تموين ومخالطتي الطبقات الشعبية كان وراء حرصي على استنطاق كل شخصية من شخصيات أعمالي القصصية أو الروائية بلغتها، وتفعيل قاموسها اللغوي الخاص بها، وتعلمت أيضاً من خلال المعايشة أن أنتبه إلى بلاغة الذين يبدون للوهلة الأولى وكأن لغتهم تفتقر إلى البلاغة، حيث اكتشفت أن الناس تتحدث بما أسميه بـ«فصيح العامية».
- الفنان عادل السيوي: الطب والرسم
بدأت علاقتي بالمهنة منذ تخرجي في كلية الطب جامعة القاهرة سنة 1970، لكنني لم أجرب أبداً الإحساس المكتمل بكوني طبيباً. في بداية الدراسة كنت متفوقاً، وعندما بدأت الشكوك تساورني حول علاقتي بهذه المهنة انعكس ذلك على تحصيلي وحماسي، لكنني تخرجت رغم ذلك بتقدير جيد جداً.
الطب مهنة ساحرة بالفعل ومدهشة بقدر غموض وغرابة حضورنا الجسدي الحي داخل هذا الكون المصمت، حيث إن اكتشاف الجسد بوصفة آلة بيولوجية، ثم التعرف على الوظائف، ثم مناطق الخلل وطرق تشخيصها وصولاً إلى الحلول الممكنة. إنها رحلة بديعة من التأمل والذكاء، والخبرة، والحدس، ومن التعاطف والتضامن أيضاً بين الأحياء إلى جانب الكثير من الأرقام والتحاليل وخلافه. ثم، درست وأنا طالب طب بالقسم الحر في بكلية الفنون الجميلة عامين متواليين، وكان لذلك دلالة على أن علاقتي بالرسم قد تجاوزت حدود الولع. لكن الفترة التي يمكن أن أقول إنها قد تركت بصمة كبيرة على روحي من جراء المهنة هي السنة وبضعة الأشهر التي قضيتها بمستشفى العباسية للأمراض النفسية والعقلية طبيباً نفسياً، والتي قررت بعدها السفر إلى إيطاليا وقطع علاقتي بالطب تماماً، حيث أدركت في تلك الفترة القصيرة مدى هشاشة العقل وقابلية الروح للانشطار، بل التفتت، وفهمت قوة الجنون وقدرته الفذة على خلق منطق صلب لا يقبل القسمة على اثنين. وما بين ترك الطب واحتراف الفن عبرت بفترة انتقالية طويلة عملت خلالها مترجماً، وهي المهنة التي أدخلتني إلى علاقة مغايرة باللغة، والنصوص، وقادتني بعد ذلك للانتقال إلى الترجمة اختياراً حراً، لا يكلفني بها أحد، أترجم نصوصاً أحبها كنظرية التصوير لليوناردو دافنشي، أو الأشعار الكاملة للشاعر الإيطالي أونجاريتي. مهنة الترجمة لها أفضال كبيرة عليّ؛ فقد مكنتني من تجاوز تلك المرحلة الانتقالية دون معاناة كبيرة، وبخاصة أني كنت مقيماً في ميلانو، وهي مدينة تتطلب الإقامة فيها تكاليف باهظة، كنت أحلم بأن أقضي حياتي رساماً، وأن أضع أشكالاً وخطوطاً وألواناً فوق الأسطح، وأن تكون هذه المهمة هي حياتي وطريقة وجودي في العالم، الرسم ليس مهنتي رغم احترامي لاستحقاقات الاحتراف كاملة، لكن الرسم كان طريقتي في الوجود.
- الشاعر فؤاد حجاج: الغزل والنسيج... والشعر
لا بد من التفريق بين المهنة أو الصنعة التي تكفل لصاحبها لقمة العيش والحياة الكريمة، والإبداع الذي لا حدود له ولا جدران. فقد عملت في بداية رحلتي مراقباً للإنتاج بإحدى شركات الغزل والنسيج قبل بيع القطاع العام. ولأنني ممسوس بالإبداع الأدبي كنت مسؤولاً ثقافياً بمنظمة الشباب فاقترحت عمل مجلة حائط في مدخل الشركة ليراها العمال في دخول وخروج الورديات، ولتكون بداية لخلق حالة من الرغبة في القراءة والاضطلاع، ونجحت في جذب الاهتمام والمتابعة، واكتشفت الكثير من المواهب بين العمال، كما قمت بإيجاد نشاط ثقافي ملموس بنادي الشركة. وكانت محطة أخرى في رحلتي، حيث توليت منصبي الجديد أميناً لمكتبة النادي، وكانت فرصتي الذهبية لكي أقرأ يومياً لمدة 8 ساعات كاملة. قرأت الأعمال الكاملة لعشرات الكتاب في مصر والعالم، وكنت مولعاً بويليام شكسبير، وقرأت الـ36 مسرحية بواقع مسرحية كل يوم، كما قرأت أعمال نجيب محفوظ كاملة منذ البداية الفرعونية الباكرة. انتقلت بعد ذلك لمسؤولية ثقافية أكثر اتساعاً، حيث أصبحت المسؤول الثقافي لقطاع شبرا الخيمة باتساعها، فأتيحت لي فرصة العمل المباشر مع 11 مركز شباب لأكتشف الكثير من المواهب، وتزامن هذا مع دراستي الإعلام في الدفعة الأولى بالجامعة العمالية لكي أتولى صفحة الأدب فيما بعد في جريدة «العمال» الأسبوعية.
كل تلك المحطات تركت أثراً في شعري، وعمّقت إحساسي بالمسؤولية تجاه قضايا وطني؛ ما انعكس جلياً في الكتابة للإذاعة والتلفزيون، وفي الكثير من البرامج الشعرية التي أعتز بها، وقمت بإعدادها وكتابة مادتها مثل «أوراق من شجرة أكتوبر»، الذي أذيع على القناة الأولي بالتلفزيون المصري في أواخر الثمانينات في 30 حلقة بشكل يومي بصوتي وصوت سيدة المسرح الفنانة سميحة أيوب.
- الروائي حمدي البطران: البوليس... والكتابة
إن المهنة الأولى أو المهن تعد ركناً أساسياً في الوعي الفكري لأي كاتب، ففيها تنحصر تجاربه الأولى مع المجتمع والناس، وتنعكس سلباً أو إيجاباً على أدبه وكتاباته. من خلال المهنة يرى الكاتب المجتمع الذي يتعامل معه، وتتبلور فكرته وأفكاره وتجاربه من خلال تلك الوظيفة؛ فهو يرى العالم حوله بعيون وظيفته.
كانت مهنتي الأولى ضابطاً في البوليس، وأتاح لي هذا أن أتعمق في المجتمع من خلال طبقاته ومآسيه، كما أتاح لي موقعي أن أرى الوطن في حالاته المختلفة؛ فالشرطة هي انعكاس كامل لحالة المجتمع، فكانت كتاباتي تعالج هذا الجانب المتروك من المجتمع الذي لم يتحدث عنه أحد.
كتبت على أثر ذلك رواية «يوميات ضابط في الأرياف» و«كل شيء هادئ في الجنوب» و«خريف الجنرال»، وهي أعمال تبحث وتفتش في هذا العالم الغريب.
لكن هناك تجاهلاً تاماً لما أكتبه أنا وأمثالي لاعتبارات كثيرة، منها أن هناك من يغار من مهنتنا السابقة ويراها سبباً لكراهيتنا، وعدم التعامل مع ما نكتبه بالجدية المطلوبة، وهناك من يرى أننا نحاول أن نكون أدباء من أجل نوع من الوجاهة، لكن الأمر لم يكن إلا رغبة عارمة في أن نقول كلمة صادقة للناس، من واقع ما عشناها ولمسناه عن قرب، عبر هذه المهن السابقة.



علماء يُحذّرون من انتشار الأمراض بسبب الجفاف

مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)
مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)
TT

علماء يُحذّرون من انتشار الأمراض بسبب الجفاف

مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)
مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)

حذَّر فريق من العلماء من أن الجفاف لا يعني بالضرورة انخفاض الأمراض المنقولة عن طريق الماء، مشددين على أنه في كثير من الحالات، قد نشهد تأثيراً مضاعفاً غير متوقع، حيث يؤدي شح الماء فجأةً إلى زيادة الأمراض الناجمة عن الطفيليات ومسببات الأمراض المرتبطة بالمسطحات المائية.

وتساعد ورقتهم البحثية المنشورة، الأربعاء، في مجلة «تريندز إن إيكولوجي أند إيفولوشن»، على حل هذه «المفارقة بين الجفاف والأمراض». وتضع إطاراً لفهم خصائص واستراتيجيات الطفيليات التي يُرجح أن تُفضّل فترات الجفاف.

قالت تارا ستيوارت ميريل، عالمة بيئة الأمراض المائية في معهد كاري الأميركي لدراسات النظم البيئية، والمشاركة في تأليف الدراسة: «لقد وضعنا نظرية عامة لكيفية عمل الأمراض المرتبطة بالمياه خلال فترات الجفاف، من خلال تجميع الطرق التي يؤثر بها الجفاف على بقاء وتفاعلات مختلف العوائل والطفيليات».

جفاف بحيرة برينيه المتفرعة من نهر دوبس بين سويسرا وفرنسا (أ.ف.ب)

وأضافت في بيان، الأربعاء: «إن فهم هذه الآليات يمكن أن يساعدنا في تحديد الطفيليات التي يُحتمل أن تُصبح مشاكل ناشئة في عالم يزداد عرضةً للجفاف».

الأمراض في عالم جاف

قالت ستيوارت ميريل: «في بعض الأحيان، قد يكون للجفاف أثر إيجابي علينا - على سبيل المثال، في كينيا، قضى جفاف طويل الأمد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على القواقع التي تنقل داء البلهارسيا».

وأضافت: «لكن في كثير من الحالات، يؤدي الجفاف فجأةً إلى زيادة الأمراض الناجمة عن الطفيليات ومسببات الأمراض المرتبطة بالمسطحات المائية». فعلى سبيل المثال، عانى القرن الأفريقي تفشي وباء الكوليرا على نطاق واسع في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، عندما أجبر نقص المياه الناجم عن الجفاف السكان على الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة.

وأضاف بيتر جونسون، المؤلف الرئيسي للدراسة من جامعة كولورادو بولدر الأميركية: «كان هدفنا إعادة النظر في تفسير هذه الأنماط التى تبدو متناقضة ظاهرياً».

فكرة الدراسة

انبثقت فكرة الدراسة من ملاحظات جونسون أثناء دراسته للبرك المنتشرة في أنحاء كاليفورنيا خلال موجات الجفاف بين عامي 2012 و2025، حيث جفت كثير من البرك، وانخفضت بعض الأمراض، في حين ازدادت حدة أمراض أخرى.

الجفاف في بريطانيا وصل إلى مستويات قياسية (أ.ف.ب)

قال جونسون: «الجفاف يُغير أكثر بكثير من مجرد مستويات المياه، فالجفاف يُغير بشكل جذري التفاعلات البيئية التي تُحدد كيفية انتشار الأمراض».

ويُعدّ تغيير كيفية انتشار الحيوانات والطفيليات عبر الزمان والمكان إحدى الآليات التي يُمكن من خلالها أن يُساعد الجفاف الطفيليات أو يُضر بها. فقلة المياه في البيئة غالباً ما تعني تركز الحيوانات والطفيليات في المياه المتبقية وحولها.

تقول ستيوارت ميريل: «عندما تتقلص المسطحات المائية، لا تضطر الطفيليات إلى قطع مسافات طويلة للعثور على عائل في الماء».

ووفق الباحثين لا يقتصر تأثير الجفاف على كمية المياه وتوزيعها فحسب، بل يشمل أيضاً درجة حرارتها وملوحتها ومستويات الأكسجين المذاب فيها، بالإضافة إلى تركيز العناصر الغذائية والملوثات. ويمكن لهذه التغيرات في جودة المياه أن تفيد الطفيليات أو تضرها.

وبالمثل، يمكن أن يؤدي نقص المياه والإجهاد الناتج من ارتفاع درجات الحرارة والملوحة ونقص الأكسجين إلى جعل العوائل أكثر عرضة للإصابة بالعدوى.

انتشار البعوض

ويشير الباحثون إلى أن الجفاف قد يُفضّل بشكل انتقائي الطفيليات والعوائل المقاومة للجفاف؛ ما يُغير الشبكات الغذائية المائية بطرق تُعزز انتشار الأمراض. ومن الأمثلة على ذلك: البعوض.

وكالة البيئة البريطانية أعلنت أن أكثر من 70 % من إنجلترا تعاني الجفاف (رويترز)

وكما أوضحت ستيوارت ميريل: «سيؤدي الجفاف إلى تقلص مساحات المسطحات المائية، ونعلم أن البعوض يتكاثر بكثرة في المياه الراكدة الضحلة كالبرك والمستنقعات. وبجعل البيئات أكثر ملاءمة للبعوض، وقد يزيد الجفاف من أعداد نواقل الأمراض، وبالتالي يسمح بانتشار المزيد من الأمراض المعدية».

ويأمل الباحثون أن تُشجع هذه الورقة البحثية علماء آخرين على مواصلة العمل لفهم أيّ الطفيليات ستكون «رابحة» وأيّها «خاسرة» في ظلّ مستقبل أكثر حرارة وجفافاً.

وشددت ستيوارت ميريل على الأمر بقولها: «إنّ التنبؤ بموعد ومكان وسبب وكيفية تحوّل الطفيليات المائية إلى مشكلة أمر بالغ الأهمية لتوجيه جهود الوقاية من الأمراض وإدارتها».


المخرج التشادي أشيل رونايمو لـ«الشرق الأوسط»: فيلمي «الدية» يدعو للتحرر من الخوف

عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
TT

المخرج التشادي أشيل رونايمو لـ«الشرق الأوسط»: فيلمي «الدية» يدعو للتحرر من الخوف

عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)

يرى المخرج التشادي أشيل رونايمو أن فيلمه الروائي الطويل الأول «الدية» (DIYA) يحكي رحلة داخلية يخوضها بطله بحثاً عن الخلاص بعد حادث غيّر حياته، موضحاً أن هذه الرحلة لا تنتهي بمجرد التخلص من تبعات الحادث، وإنما تقوده إلى مواجهة نفسه والتحرر تدريجياً من الخوف والشك والتعلق بالماديات، وهو ما يصفه بـ«الارتقاء» إلى رؤية مختلفة للحياة.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، قال رونايمو إن مفهوم «الدية» كان نقطة البداية التي انطلق منها لطرح أسئلة حول قيمة الحياة الإنسانية، مشيراً إلى أن المرء قد يجد نفسه في مرحلة ما من حياته مطالباً بسداد دين، ليس بالمعنى المادي فقط، وإنما بوصفه مسؤولية أو ثمناً يترتب عليه دفعه نتيجة أفعاله واختياراته.

قدم الفيلم جوانب متعددة لقصة إنسانية - الشركة المنتجة

وتدور أحداث «الدية» (DIYA) حول «دان»، وهو سائق يعمل لدى منظمة إنسانية في أنجامينا، ويعيش حياة هادئة مع زوجته الشابة «دلفين»، الحامل في شهرها الثامن، قبل أن يتسبب حادث عابر في تغيير حياته بالكامل، ففي لحظة غفلة، ورنين هاتف محمول في التوقيت الخطأ، وعبور طفل للطريق بسرعة، يقع الحادث المأساوي، وبعد بعض الالتباس في المستشفى، يُبلّغ دان بوفاة الطفل، فيما تطالب عائلته بالتعويض وتتمسك بـ«الدية»، أي ثمن الدم، لتنطلق رحلة دان من أجل دفع الدية إلى صحراء شمال تشاد، حيث يكتشف وسط هذا الامتداد الشاسع الحقيقة المتعلقة بالحادث الذي قلب حياته رأساً على عقب.

وشهد «الدية» (DIYA) عرضه العالمي الأول في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي العام الماضي، قبل أن ينتقل العمل إلى مهرجانات أخرى، من بينها مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي» الذي اختتم فعالياته مؤخراً.

وأوضح رونايمو أن ما كان يشغله بالدرجة الأولى في رحلة بطله هو البحث عن الخلاص، إلا أن هذا الخلاص، في نظره، يقود إلى معنى أعمق يتمثل في الارتقاء والتحرر، مشيراً إلى أن الشخصية تخوض رحلة داخلية تتخلص خلالها تدريجياً من الخوف والشك والتعلق بالماديات، لتتجاوز في النهاية حدود تجربتها الإنسانية الضيقة.

وأضاف أن هشاشة الحياة تمثل أحد المحاور الأساسية للفيلم، مشبهاً الإنسان ببحّار يدرك أن البحر قد يضطرب في أي لحظة، لكنه يظل مطالباً بالتحكم في أشرعته حتى يتمكن من النجاة، لافتاً إلى أن عبور الصحراء في الفيلم لا يمثل انتقالاً جغرافياً فحسب، بل يعكس تحولاً داخلياً عميقاً.

مخرج الفيلم أشيل رونايمو - حسابه على فيسبوك

وأوضح أن عبور الصحراء بالنسبة إلى بطله هو موت داخلي يسبق الولادة من جديد، لأن دان كان عليه أن يمر بما يشبه «الثقب الأسود» في وجوده حتى يصل إلى النور، معتبراً أن كل إنسان يمر بطريقة ما عبر صحرائه الخاصة خلال حياته.

ولفت إلى أن الفيلم يتجنب تقديم شخصيات واضحة يمكن تصنيفها ببساطة على أنها مذنبة أو بريئة، موضحاً أن البشر جميعاً يخضعون لقوانين الحياة ويعانون بدرجات مختلفة.

وتحدث المخرج عن الصعوبة التي واجهها في بناء شخصيات أسرة الطفل المتوفى، مؤكداً أنه «كان حريصاً على ألا تتحول هذه الشخصيات إلى مجرد خصوم للبطل أو صورة نمطية سلبية»، لافتاً إلى أن «مشاهد التهديد والعنف النفسي واللفظي، وصولاً إلى العنف شبه الجسدي، كانت ضرورية للحفاظ على التوتر الدرامي، لكنها في الوقت نفسه هدفت إلى الكشف عن الظروف القاسية والبائسة التي يعيش فيها أفراد هذه الأسرة».

مخرج الفيلم - حسابه على فيسبوك

وأكد رونايمو أن «الدية» لا يمكنها بأي حال إصلاح فقدان حياة إنسان، موضحاً أن هذه الممارسة كانت في مرحلة معينة من التاريخ بديلاً لمنع استمرار دوائر العنف والانتقام، لأنها قد تساعد على تهدئة التوتر، لكنها لا تحقق المصالحة الحقيقية، لأن فقدان الإنسان لا يمكن تعويضه بصورة كاملة.

وعن انتقاله من الأفلام القصيرة والأفلام الوثائقية إلى إنجاز فيلمه الروائي الطويل الأول، قال إن التجربة منحته خبرة كبيرة في مواقع التصوير، خصوصاً أن قيادة فريق كبير من التقنيين والممثلين تتطلب قدراً كبيراً من مهارات الإدارة.

وأوضح أن خبرته في السينما الوثائقية أثرت بصورة مباشرة في طريقته في اختيار الممثلين ومواقع التصوير، إذ كان حريصاً على أن يبدو كل شيء طبيعياً قدر الإمكان، لافتاً إلى أن كثيراً من المشاركين في الفيلم كانوا يخوضون تجربتهم الأولى أو الثانية أمام الكاميرا، باستثناء يوسف دجاورو، الذي يجسد شخصية والد الطفل، وهو أحد الأسماء المعروفة في السينما الأفريقية.

وقال رونايمو إن المشهد الطبيعي التشادي كان من العناصر التي أراد لها أن تتحول إلى شخصية قائمة بذاتها داخل الفيلم، لكنه أشار إلى أن محدودية الميزانية حالت دون تنفيذ جزء من التصوير في صحراء تشاد كما كان مكتوباً في السيناريو.

وأضاف أن المناظر الطبيعية في تشاد نادراً ما تظهر في السينما، ولذلك كان مهماً بالنسبة إليه أن يمنحها حضوراً أساسياً، مؤكداً أنه لا يمكن الحديث عن تشاد من دون الحديث عن طبيعتها، لأن المواقع والأزياء يمكن أن تتحدث أحياناً بقوة أكبر من الكلمات، ولذلك جرى اختيارها بعناية لخدمة هذا الهدف.

وتطرق المخرج إلى علاقته بتشاد بعد انتقاله للعيش في الخارج، موضحاً أنه غادر البلاد قبل نحو ثلاثة أعوام، عقب الانتهاء من تصوير «الدية»، لكنه لم يشعر يوماً بأنه ابتعد عنها، مؤكداً أن ولادته ونشأته هناك جعلتا بلده جزءاً أصيلاً من تكوينه، وظل حاضراً فيه أينما ذهب.

وأضاف أن أسفاره المتعددة، ورحلته الطويلة مع الكتب منذ سنوات الدراسة، منحته في الوقت نفسه مسافة كافية للنظر إلى واقع بلاده من زاوية أكثر اتساعاً، وبمنظور يتجاوز حدود التجربة المحلية، وهو ما انعكس على الطريقة التي اختار بها أن يروي حكاية الفيلم.

اعتمد الفيلم على تقديم جوانب إنسانية في قصته - الشركة المنتجة

ويرى رونايمو أن السينما قد لا تملك القدرة على تغيير العالم بصورة مباشرة، لكن تأثيرها في تشكيل الوعي الإنساني يظل مهماً، موضحاً أن مسؤولية صانع الفيلم لا تتمثل في تقديم إجابات نهائية، وإنما في طرح الأسئلة التي تدفع الجمهور إلى التفكير وإعادة النظر فيما يعتبره من المسلّمات.

وكشف المخرج التشادي أنه كان قد انتهى من كتابة سيناريو جديد لا يزال متجذراً بصورة عميقة في المجتمع التشادي، لكنه أشار إلى أن لقاءً جمعه في «شنغهاي» بامرأة وابنها البالغ 14 عاماً جعله يفكر في إمكانية خوض تجربة مختلفة.

وقال إن قصة هذه المرأة وابنها أثرت فيه بشدة، خصوصاً بسبب الروابط التي رآها بينها وبين أفريقيا، مضيفاً أن فيلمه المقبل قد يذهب إلى عالم مختلف، لكنه سيظل مرتبطاً بأفريقيا.


مصريون يواجهون موجة الحر الشديدة بتجنب العمل خلال الظهيرة

مصر سجلت درجات حرارة مرتفعة (رويترز)
مصر سجلت درجات حرارة مرتفعة (رويترز)
TT

مصريون يواجهون موجة الحر الشديدة بتجنب العمل خلال الظهيرة

مصر سجلت درجات حرارة مرتفعة (رويترز)
مصر سجلت درجات حرارة مرتفعة (رويترز)

دفعت موجة الحر الشديدة التي تشهدها مصر بعض المصريين إلى إعادة ترتيب ساعات عملهم وتحركاتهم اليومية، لتجنب الوجود في الشوارع خلال ساعات الظهيرة، التي تسجل ذروة الارتفاع في درجات الحرارة، فيما لجأ آخرون إلى العمل من المنزل أو تأخير بدء أعمالهم إلى المساء.

وأوصت هيئة الأرصاد المصرية المواطنين بالاحتماء من أشعة الشمس المباشرة خلال ساعات النهار، حيث شهد الأربعاء ذروة موجة الحرارة المرتفعة التي تتضمن نسب رطوبة عالية على أغلب الأنحاء، بحسب الهيئة العامة للأرصاد الجوية، التي توقعت أن تسجل القاهرة 40 درجة مئوية للعظمى، فيما تصل درجة الحرارة المحسوسة إلى 43 درجة، وفي جنوب الصعيد تصل العظمى إلى 44 درجة في بعض المناطق.

وتقول غادة الشافعي، الموظفة في إحدى الشركات الخاصة، إنها تحاول خلال أشهر الصيف، وخصوصاً أغسطس (آب)، توزيع أيام إجازاتها والعمل من المنزل بالتناوب، لتقليل اضطرارها إلى الخروج في ساعات الحر الشديد.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «طبيعة عملي تسمح لي بمتابعة المبيعات من الخارج بفضل وسائل الاتصال»، مشيرة إلى أن «هذه الإمكانية لا تتوفر للجميع، خصوصاً العاملين في جهات أو وظائف تتطلب وجودهم في مقار العمل».

أما محمود حسن، بائع التين الشوكي المتجول، فقد دفعه ارتفاع درجات الحرارة إلى ترحيل ساعات عمله إلى المساء، ويقول: «في أيام الحر الشديد أبدأ عملي نحو السادسة مساءً حتى ساعات متأخرة من الليل، هرباً من ساعات الظهيرة التي تتجاوز فيها درجات الحرارة الأربعين».

ويضيف حسن لـ«الشرق الأوسط»: «حتى لو وقفت في الظل، تظل الحرارة مرتفعة، وتأثير الحر لا يقتصر علي، وإنما يمتد إلى بضاعتي أيضاً، إذ يتأثر التين الذي أقشره وأغلفه للزبائن بارتفاع الحرارة، فيذبل ويتعرض للتلف بصورة أسرع، وهو ما يدفعني إلى تجنب عرضه خلال الساعات شديدة الحرارة».

مصر استهلكت 40 ألف ميغاوات من الكهرباء الثلاثاء (رويترز)

ويقول الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق ونائب رئيس هيئة الأرصاد الجوية الأسبق، إن «القانون الدولي يعتبر تجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية ظرفاً يستوجب منح إجازة حفاظاً على سلامة الأفراد»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «أما مع وصول درجات الحرارة إلى حدود الأربعين، فننصح بألا يكون الخروج إلا للضرورة خصوصاً لمن يستطيعون العمل من البيت، وخصوصاً خلال الفترة من الواحدة ظهراً وحتى الخامسة مساءً، التي تمثل ذروة ارتفاع درجات الحرارة خلال اليوم».

ويحذر قطب من التعرض لـ«الإجهاد الحراري» خلال الموجات شديدة الحرارة، موضحاً أنه «قد يحدث نتيجة التعرض المباشر لأشعة الشمس، كما يمكن أن يحدث من دون تعرض مباشر لها، في الأماكن المغلقة سيئة التهوية»، ويشير إلى «وجود فروق فردية في القدرة على تحمل الحرارة ترتبط بالعمر والحالة الجسدية وطبيعة العمل ومكانه ومدة التعرض؛ فالعامل الذي يقضي ساعات في مكان مكشوف يختلف عن شخص يتعرض للحرارة لفترة محدودة، كما تختلف قدرة شاب في الثلاثينات عن شخص تجاوز الستين أو طفل صغير».

ويلفت خبير الأرصاد الجوية إلى أن فصل الصيف يستمر رسمياً حتى 21 سبتمبر (أيلول)، ومن ثم «تظل متابعة درجات الحرارة وموجاتها بصورة يومية مهمة خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع وجودنا في ذروة أشهر الصيف وما يصاحبها من احتمالات لتكرار موجات شديدة الحرارة».

وتزامنت موجة الحر مع ارتفاع كبير في استهلاك الكهرباء في مصر، مع زيادة الاعتماد على أجهزة التكييف والتبريد، وأعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أن الحمل الأقصى على الشبكة الكهربائية الموحدة سجل، الثلاثاء، نحو 40 ألف ميغاوات للمرة الأولى في تاريخ الشبكة، مرتفعاً بنحو 700 ميغاوات عن اليوم السابق، الذي بلغ فيه الحمل الأقصى 39.3 ألف ميغاوات.

مصريون يحاولون الابتعاد عن أوقات ذروة الحرارة (الشرق الأوسط)

وتجاوز الاستهلاك بذلك أعلى حمل سجل خلال العام الماضي، والبالغ 39.8 ألف ميغاوات، الذي تحقق هو الآخر بالتزامن مع موجة شديدة الحرارة.

ويربط قطب بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة استهلاك الطاقة، موضحاً أن «معدلات تشغيل أجهزة التكييف ترتفع بصورة مباشرة خلال مثل هذه الموجات، خصوصاً مع امتصاص جدران المباني للحرارة واحتفاظها بها، بما يرفع درجة الحرارة داخلها ويزيد الحاجة إلى التبريد».

وكان محافظات مصرية من بينها أسوان وقنا وسوهاج وأسيوط والشرقية والسويس قد أعلنت بالآونة الأخيرة وقف الأعمال الميدانية لعمال النظافة خلال ساعات الذروة، تزامناً مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، وذلك ضمن إجراءات احترازية للحد من مخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس.