مهن في عباءة الإبداع

كتّاب وفنانون مصريون يرون أنها عمقت تجاربهم

سلوى بكر  -  عادل السيوي
سلوى بكر - عادل السيوي
TT

مهن في عباءة الإبداع

سلوى بكر  -  عادل السيوي
سلوى بكر - عادل السيوي

غالباً ما تكون مهن الكتاب ذات انعكاسات سلبية على كتاباتهم، وبخاصة في بلداننا العربية، حيث التفرغ نادر، واعتماد الكاتب على مبيعات كتبه شبه معدوم؛ مما يضطره إلى العمل في مهن أخرى، قد تتناقض تماماً مع شخصيته واهتماماته الأساسية، فتستنزف طاقته، وتستهلك كثيراً من وقته، المفروض أن يكرّس لنتاجه وإبداعه. من ناحية أخرى. لكن هناك من يرى أن مهنته قد انعكست إيجابياً على كتاباته، وشكلت مصدراً مهماً في رفد تجربته على شتى المستويات:
هنا آراء كتّاب وروائيين وتشكيليين مصريين حول معادلة العمل والإبداع:
- الكاتبة سلوى بكر: وزارة التموين... والصحافة
تخرجت في كلية التجارة جامعة عين شمس عام 1972، وتم تعيني في وزارة التموين مفتشةً، في تلك السنوات كانت الدولة هي التي تقوم بتعيين الخريجين الجدد. وأتاحت لي هذه المهنة فرصة عظيمة للتعرف على القاع الاجتماعي والحياة المجردة للشارع المصري كما هي موجودة بالفعل. عملت نحو 6 سنوات التقيت فيها نماذج إنسانية متباينة، وتعرفت على آليات القهر الاجتماعي المقننة، التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها من الأمور الطبيعية أو من قبيل البديهيات. وعشت لحظات تاريخية في أثناء عملي هذا، فرأيت على سبيل المثال بأم عيني كيف بدأت ثورة الجوع في مصر (مظاهرات الخبز) عام 1977.
كانت أوقاتاً عصيبة؛ لأن الثورة بدأت بالفعل عندما توجه الفقراء إلى مكاتب التموين الحكومية للتساؤل عن أسباب رفع الأسعار المفاجئ للسلع الغذائية الأساسية، وما يطلق عليها السلع الاستراتيجية، مثل الخبز والأرز وما شابه. هذه الفترة من عملي كانت مؤثرة في إنتاجي الأدبي فكتبت قصة بعنوان «أم شحته»، وكذلك قصة «امرأة على العشب»، كما أن الكثير من خيوط عوالم روايتي «العربة الذهبية لا تصعد للسماء» مستمدة مما لمسته وعشته عن قرب في تلك الأثناء. على مستوى آخر من المهن، عملت صحافيةً في صحيفة لبنانية، فانتقلت على أثرها إلى بيروت. وأتاح لي هذا العمل، الذي كان خلال فترة احتدام الصراع العربي – الإسرائيلي، والعدوان الصهيوني على أشده في لبنان، إنتاج مجموعة من القصص والكتابات عن نماذج إنسانية ولحظات فارقة تتعلق بهذا الزمن الذي لم أعش مثله من قبل كقصة «ابن خمسين يوم» و«عباس أجوسك». إن المناخات التي يحيا على متنها المبدع مؤثرة في تركيبته الإبداعية، وتعد بمثابة مصادر خام حية ترفد تجربته على شتى المستويات؛ فقد تأثر مناخ كتابتي بعوالم المهن التي اشتغلت بها، وربما أيضاً يتضح ذلك في رواية «ليل ونهار»، وهي رواية عن علاقة بين صحافية شابة ورجل ثري، وكنت متأثرة في ذلك بأجواء العمل الصحافي الذي عشته في بيروت وقبرص وتونس.
تأثير هذه التجارب لم يقتصر على المستوى النفسي أو الإدراكي، بل على المستويات التقنية والأدوات كاللغة، فعندما تخالط جماعات إنسانية في مستويات اجتماعية وثقافية متباينة، فهذا دون شك سيؤثر على المنظومة اللغوية داخلك، فربما عملي مفتشة تموين ومخالطتي الطبقات الشعبية كان وراء حرصي على استنطاق كل شخصية من شخصيات أعمالي القصصية أو الروائية بلغتها، وتفعيل قاموسها اللغوي الخاص بها، وتعلمت أيضاً من خلال المعايشة أن أنتبه إلى بلاغة الذين يبدون للوهلة الأولى وكأن لغتهم تفتقر إلى البلاغة، حيث اكتشفت أن الناس تتحدث بما أسميه بـ«فصيح العامية».
- الفنان عادل السيوي: الطب والرسم
بدأت علاقتي بالمهنة منذ تخرجي في كلية الطب جامعة القاهرة سنة 1970، لكنني لم أجرب أبداً الإحساس المكتمل بكوني طبيباً. في بداية الدراسة كنت متفوقاً، وعندما بدأت الشكوك تساورني حول علاقتي بهذه المهنة انعكس ذلك على تحصيلي وحماسي، لكنني تخرجت رغم ذلك بتقدير جيد جداً.
الطب مهنة ساحرة بالفعل ومدهشة بقدر غموض وغرابة حضورنا الجسدي الحي داخل هذا الكون المصمت، حيث إن اكتشاف الجسد بوصفة آلة بيولوجية، ثم التعرف على الوظائف، ثم مناطق الخلل وطرق تشخيصها وصولاً إلى الحلول الممكنة. إنها رحلة بديعة من التأمل والذكاء، والخبرة، والحدس، ومن التعاطف والتضامن أيضاً بين الأحياء إلى جانب الكثير من الأرقام والتحاليل وخلافه. ثم، درست وأنا طالب طب بالقسم الحر في بكلية الفنون الجميلة عامين متواليين، وكان لذلك دلالة على أن علاقتي بالرسم قد تجاوزت حدود الولع. لكن الفترة التي يمكن أن أقول إنها قد تركت بصمة كبيرة على روحي من جراء المهنة هي السنة وبضعة الأشهر التي قضيتها بمستشفى العباسية للأمراض النفسية والعقلية طبيباً نفسياً، والتي قررت بعدها السفر إلى إيطاليا وقطع علاقتي بالطب تماماً، حيث أدركت في تلك الفترة القصيرة مدى هشاشة العقل وقابلية الروح للانشطار، بل التفتت، وفهمت قوة الجنون وقدرته الفذة على خلق منطق صلب لا يقبل القسمة على اثنين. وما بين ترك الطب واحتراف الفن عبرت بفترة انتقالية طويلة عملت خلالها مترجماً، وهي المهنة التي أدخلتني إلى علاقة مغايرة باللغة، والنصوص، وقادتني بعد ذلك للانتقال إلى الترجمة اختياراً حراً، لا يكلفني بها أحد، أترجم نصوصاً أحبها كنظرية التصوير لليوناردو دافنشي، أو الأشعار الكاملة للشاعر الإيطالي أونجاريتي. مهنة الترجمة لها أفضال كبيرة عليّ؛ فقد مكنتني من تجاوز تلك المرحلة الانتقالية دون معاناة كبيرة، وبخاصة أني كنت مقيماً في ميلانو، وهي مدينة تتطلب الإقامة فيها تكاليف باهظة، كنت أحلم بأن أقضي حياتي رساماً، وأن أضع أشكالاً وخطوطاً وألواناً فوق الأسطح، وأن تكون هذه المهمة هي حياتي وطريقة وجودي في العالم، الرسم ليس مهنتي رغم احترامي لاستحقاقات الاحتراف كاملة، لكن الرسم كان طريقتي في الوجود.
- الشاعر فؤاد حجاج: الغزل والنسيج... والشعر
لا بد من التفريق بين المهنة أو الصنعة التي تكفل لصاحبها لقمة العيش والحياة الكريمة، والإبداع الذي لا حدود له ولا جدران. فقد عملت في بداية رحلتي مراقباً للإنتاج بإحدى شركات الغزل والنسيج قبل بيع القطاع العام. ولأنني ممسوس بالإبداع الأدبي كنت مسؤولاً ثقافياً بمنظمة الشباب فاقترحت عمل مجلة حائط في مدخل الشركة ليراها العمال في دخول وخروج الورديات، ولتكون بداية لخلق حالة من الرغبة في القراءة والاضطلاع، ونجحت في جذب الاهتمام والمتابعة، واكتشفت الكثير من المواهب بين العمال، كما قمت بإيجاد نشاط ثقافي ملموس بنادي الشركة. وكانت محطة أخرى في رحلتي، حيث توليت منصبي الجديد أميناً لمكتبة النادي، وكانت فرصتي الذهبية لكي أقرأ يومياً لمدة 8 ساعات كاملة. قرأت الأعمال الكاملة لعشرات الكتاب في مصر والعالم، وكنت مولعاً بويليام شكسبير، وقرأت الـ36 مسرحية بواقع مسرحية كل يوم، كما قرأت أعمال نجيب محفوظ كاملة منذ البداية الفرعونية الباكرة. انتقلت بعد ذلك لمسؤولية ثقافية أكثر اتساعاً، حيث أصبحت المسؤول الثقافي لقطاع شبرا الخيمة باتساعها، فأتيحت لي فرصة العمل المباشر مع 11 مركز شباب لأكتشف الكثير من المواهب، وتزامن هذا مع دراستي الإعلام في الدفعة الأولى بالجامعة العمالية لكي أتولى صفحة الأدب فيما بعد في جريدة «العمال» الأسبوعية.
كل تلك المحطات تركت أثراً في شعري، وعمّقت إحساسي بالمسؤولية تجاه قضايا وطني؛ ما انعكس جلياً في الكتابة للإذاعة والتلفزيون، وفي الكثير من البرامج الشعرية التي أعتز بها، وقمت بإعدادها وكتابة مادتها مثل «أوراق من شجرة أكتوبر»، الذي أذيع على القناة الأولي بالتلفزيون المصري في أواخر الثمانينات في 30 حلقة بشكل يومي بصوتي وصوت سيدة المسرح الفنانة سميحة أيوب.
- الروائي حمدي البطران: البوليس... والكتابة
إن المهنة الأولى أو المهن تعد ركناً أساسياً في الوعي الفكري لأي كاتب، ففيها تنحصر تجاربه الأولى مع المجتمع والناس، وتنعكس سلباً أو إيجاباً على أدبه وكتاباته. من خلال المهنة يرى الكاتب المجتمع الذي يتعامل معه، وتتبلور فكرته وأفكاره وتجاربه من خلال تلك الوظيفة؛ فهو يرى العالم حوله بعيون وظيفته.
كانت مهنتي الأولى ضابطاً في البوليس، وأتاح لي هذا أن أتعمق في المجتمع من خلال طبقاته ومآسيه، كما أتاح لي موقعي أن أرى الوطن في حالاته المختلفة؛ فالشرطة هي انعكاس كامل لحالة المجتمع، فكانت كتاباتي تعالج هذا الجانب المتروك من المجتمع الذي لم يتحدث عنه أحد.
كتبت على أثر ذلك رواية «يوميات ضابط في الأرياف» و«كل شيء هادئ في الجنوب» و«خريف الجنرال»، وهي أعمال تبحث وتفتش في هذا العالم الغريب.
لكن هناك تجاهلاً تاماً لما أكتبه أنا وأمثالي لاعتبارات كثيرة، منها أن هناك من يغار من مهنتنا السابقة ويراها سبباً لكراهيتنا، وعدم التعامل مع ما نكتبه بالجدية المطلوبة، وهناك من يرى أننا نحاول أن نكون أدباء من أجل نوع من الوجاهة، لكن الأمر لم يكن إلا رغبة عارمة في أن نقول كلمة صادقة للناس، من واقع ما عشناها ولمسناه عن قرب، عبر هذه المهن السابقة.



ريما الرحباني: زياد توفي بـ«خطأ أو إهمال طبي كبير»

خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)
خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)
TT

ريما الرحباني: زياد توفي بـ«خطأ أو إهمال طبي كبير»

خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)
خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)

بعد نحو عام على رحيل الموسيقار اللبناني زياد الرحباني، عادت شقيقته المخرجة ريما الرحباني إلى الواجهة بمنشور مطوّل عبر صفحتها على «فيسبوك»، الأحد، كشفت فيه للمرة الأولى روايتها بشأن الأيام الأخيرة من حياة شقيقها، ووجّهت اتهاماً مباشراً إلى أطباء قالت إن زياد كان يثق بهم، محمّلة إياهم مسؤولية ما وصفته بـ«خطأ أو إهمال طبي كبير».

ويأتي منشور ريما بعد فترة طويلة من الصمت، وفي ظل تداول واسع لمعلومات وتكهنات حول صحة زياد وظروف وفاته. وكانت ريما قد عادت إلى التواصل عبر «فيسبوك» في يونيو (حزيران) الماضي، بعد غياب طويل، قبل أن تتوالى منشوراتها المتعلقة بشقيقها وبإرث العائلة.

صورة لريما الرحباني مع شقيقها زياد تتصدر صفحتها في «فيسبوك»

وفي أحدث منشوراتها، قالت ريما إن الموضوع كان في الأصل شأناً عائلياً خاصاً، وإنها لم تكن ترغب في كشف تفاصيله، لكنها اضطرت إلى الحديث بعدما، بحسب تعبيرها، جرى تداول معلومات وتكهنات على نطاق واسع وتحويلها إلى «حقائق» في الإعلام ومواقع التواصل.

زياد لم يمت بسبب الكبد

وبدأت ريما بتفنيد عدد من الروايات التي قالت إنها انتشرت بعد وفاة شقيقها، مؤكدة أن زياد لم يتوفَّ بسبب مشكلة في الكبد أو البنكرياس، ولم يكن قد وصل إلى مرحلة زراعة الكبد.

كما نفت أن يكون زياد قد كان بحاجة إلى أموال من أي جهة، سواء من الدولة أو من غيرها، رافضة بشدة ما وصفته بالشائعات المتعلقة بوضعه المالي.

وشددت على أن والدته، الفنانة فيروز، وشقيقته (ريما) كانتا إلى جانبه طوال حياته، لا سيما في الفترة الأخيرة، مؤكدة أن علاقتهما به لم تنقطع، وأنهما بقيتا إلى جانبه حتى النهاية.

فيروز وزياد الرحباني خلال تحضيرات حفل دبي عام 2003 (أ.ف.ب)

وفي أكثر أجزاء المنشور حساسية، رفضت ريما الروايات التي توحي بأن زياد استسلم لمرضه أو فقد الرغبة في الحياة.

وأكدت أن شقيقها «لم يستسلم ولم يملّ من الحياة ولم يقرر الرحيل»، واصفة إياه بأنه كان متعلقاً بالحياة، يحبها ويخاف الموت، بل ويخاف على نفسه منه.

وقالت إن زياد كان، على الرغم من شخصيته الثورية والمتمردة، مؤمناً على طريقته، مشيرة إلى أنه كان يردد الصلاة المسيحية «السلام عليك يا مريم» بصورة متواصلة منذ نحو 15 عاماً، أمام أفراد عائلته.

عاد إلى بيت العائلة بعد آخر حفلاته

وكشفت ريما أن زياد أقام مع والدته وشقيقته بعد آخر حفلة له في رحبة (شمال لبنان)، في إشارة إلى المرحلة الأخيرة من حياته.

وأشارت إلى أن شقيقها، الذي غادر منزل العائلة في وقت مبكر من حياته ولم يعد إليه، اختار في مرحلة مرضه وتعبه أن يبقى إلى جانب أسرته، لأنه كان يخشى أن يبقى وحيداً.

سيدة تحمل صورة زياد الرحباني خلال وداعه الأخير يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وفي وصف شديد العاطفة لعلاقتهما، قالت ريما إن زياد كان يحتاج إلى وجود والدته وشقيقته إلى جانبه، موضحة أن والدته كانت تحبه حباً مطلقاً، بينما كانت هي تشعر به وتفهمه من دون الحاجة إلى كثير من الكلام، معتبرة أن هذا النوع من التواصل كان تحديداً ما يحتاج إليه في تلك المرحلة.

خطأ أو إهمال طبي

ثم انتقلت ريما إلى النقطة الأكثر إثارة في منشورها، إذ قالت إن زياد «رحل نتيجة خطأ أو إهمال طبي من أطباء كان يثق بهم»، مضيفة أنه كان يرفض بصورة قاطعة استشارة أطباء آخرين.

وبحسب روايتها، فإن هؤلاء الأطباء «لم يؤمنوا به» كما كان هو يثق بهم، معتبرة أن ما حصل كان «خطأ كبيراً جداً».

وأعربت ريما عن غضبها الشديد من المسؤول عن ذلك، قائلة إنها، رغم كونها مسيحية وما يفرضه ذلك من دعوة إلى المسامحة، تجد نفسها للمرة الأولى غير قادرة على المسامحة.

وأضافت، في وصفها لشقيقها، أن زياد لم يكن شخصاً «يُخطأ معه»، حتى لو كان مريضاً وعنيداً ومتعباً، في إشارة إلى اعتقادها بأن حالته كانت تستدعي تعاملاً طبياً مختلفاً.

فيروز وزياد الرحباني خلال تحضيرات حفل دبي عام 2003 (أ.ف.ب)

ولم تقدم ريما تفاصيل أكثر.

عودة ريما إلى الواجهة بعد صمت طويل

وتكتسب عودة ريما الرحباني إلى الحديث عن شقيقها أهمية إضافية في سياق عودتها التدريجية إلى مواقع التواصل بعد فترة من الغياب.

ففي يونيو (حزيران) الماضي، نشرت ريما مقطعاً من أغنية فيروز «راحوا»، في ذكرى والدها عاصي الرحباني، في أول ظهور لافت لها بعد رحيل شقيقيها زياد وهلي الرحباني، وهو المنشور الذي أثار تفاعلاً واسعاً.

ثم عادت في نهاية يونيو إلى الحديث بصورة مباشرة عن علاقتها بزياد، واضعة حداً لما وصفته بالشائعات المتعلقة بوجود قطيعة دائمة بينهما، ومؤكدة عمق العلاقة التي جمعتهما، رغم الخلافات التي وقعت بينهما في مراحل مختلفة.

وفي يوليو (تموز)، تصاعد حضورها الإعلامي مجدداً مع موقفها الرافض إقامة مبادرات لتكريم زياد في الذكرى الأولى لرحيله، مؤكدة أن موقفها مرتبط باحترام إرادته وإرثه الفني.

ريما الرحباني... دفاع مستمر عن إرث العائلة

ولا يمكن فصل موقف ريما الأخير عن مسار طويل من دفاعها عن إرث عائلة الرحباني، وفي مقدمته إرث والدها عاصي الرحباني ووالدتها فيروز وشقيقها زياد.

فريما لطالما تعاملت بحساسية شديدة مع كل ما يتعلق بالأعمال الفنية والحقوق المرتبطة بإرث العائلة، ودخلت خلال السنوات الماضية في سجالات علنية حول طريقة تقديم أعمال الرحابنة وإعادة استخدامها وتكريم أصحابها.

وفي مواقفها الأخيرة، بدا هذا الهاجس أكثر وضوحاً، إذ رفضت ما اعتبرته محاولات لاستغلال اسم زياد أو إعادة تقديم أعماله بعيداً عن رؤيته وإرادته. وقد أثارت مواقفها قبيل الذكرى الأولى لرحيله جدلاً واسعاً، خصوصاً بعدما أعلنت رفضها لأي مبادرات تكريمية لا تتوافق مع ما كان يريده شقيقها.

صاحب الحق يصحح

وفي ختام منشورها، قالت ريما إنها لم تكن ترغب في كشف هذه التفاصيل، لأن ما جرى كان شأناً خاصاً لا يعني أحداً، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى التدخل بعدما كثرت الروايات والأخبار والتكهنات، وتحولت، بحسب تعبيرها، إلى معلومات يتعامل معها البعض باعتبارها حقائق.

وأكدت أنها ستكتفي بما سمّته «العناوين»، معربة عن أملها في ألا تضطر مستقبلاً إلى نشر «النشرة الكاملة» التي تتضمن تفاصيل أكثر.


محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
TT

محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

لا يُذكَر الممثل بعدد أعماله، بِقَدر ما يُحفَر اسمُه ووجهُه في ذاكرة الجمهور لجودة اختياراته وأدائه الآسِر. على هذه القاعدة يسير الفنان السعودي محمد الدوخي متأنياً في إطلالاته، وتاركاً بصمة من الصعب محوُها مع كل شخصيةٍ يقدّمها.

هو «فهد القضعاني» في فيلم «مندوب الليل»؛ ذاك الشاب الذي يصارع الدنيا وحيداً، متأرجحاً بين طيبةٍ طفوليّة وغضبٍ دفين فرضته قسوة الحياة. وإن كان مروره أسرع في السلسلة القصيرة «الخلّاط +»، فلا تقلّ شخصية صاحب الدكّان الكفيف والغامض أهميةً. مزج الدوخي فيها ما بين الغرابة والباطنيّة ليبقى «أبو مرداع» عالقاً في الأذهان. أما الكوميديا، المكان الذي انطلق منه، فعاد إليها الدوخي عام 2025 بشخصية «سطّام» في فيلم «رهين» من إخراج أمين الأخنش والذي يُعرَض حالياً على «نتفليكس».

الدوخي إلى جانب الفنان السعودي الراحل محمد الطويان في أحد مشاهد «مندوب الليل» (صور الفنان)

البطولة ليست أولويّة

يحمل الدوخي كل شخصياته في قلبه وسجلّه بفخر، لكنه يرغب دائماً في السير إلى الأمام. في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول الممثل السعودي إنه يريد الغوص في مناطق متعددة داخله، متجنّباً «تكرار الدور نفسه بأسماء وملابس مختلفة». مخطّطُه للسنوات المقبلة من مسيرته واضحٌ أمام عينيه: «أبحث عن الشخصية التي تجعلني أشعر بشيء من الخوف، وتدفعني إلى تحدّي نفسي والتساؤل ما إذا كنت قادراً بالفعل على تقديمها».

في فيلمَيه الأخيرَين، لعب الدوخي بطولةً مطلقةً. رغم ذلك، فهو لا يهجس بمفهوم البطولة: «صحيح أنني قدَّمت تجربتين سينمائيَّتين بطلاً أول، لكني لا أبحث عن البطولة لمجرّد أن يظهر اسمي في مقدّمة العمل». ويضيف ألّا إشكالية لديه في تقديم دور أصغر، شرط أن يكون مؤثّراً ومكتوباً بأسلوب جيّد.

الدوخي في كواليس تصوير فيلم «مندوب الليل» (صور الفنان)

«مندوب الليل»

رغم النجاح الذي حقَّقه «مندوب الليل» حاصداً إعجاب النقّاد والجمهور وأرقاماً استثنائية على شبّاك التذاكر وعلى منصة «نتفليكس»، فإنّ الدوخي لا يتعامل معه على أنه لحظة مجدٍ واحتفال فحسب. ينظر الممثل إلى تلك التجربة وكأنها درس من دروس المهنة: «في (مندوب الليل) تعلّمت أن أعيش داخل الشخصية، وأن أتقبّل ألّا أكون محبوباً أو مضحكاً طوال الوقت». هذا بعضُ ما أخذه الدوخي من «فهد القضعاني»، لكنّ الفيلم منحَه المزيد. لا يُنكر الفنان السعودي أنّ «مندوب الليل» شكَّل نقطة تحوُّل حقيقية في مسيرته: «لأنه قدّمني إلى الجمهور والوسط السينمائي بصورة أكثر جدّيّةً وتعقيداً ممّا ألِفوه سابقاً»، بعيداً عن الشخصية الكوميدية التي ارتبط بها لسنوات.

ليس من السهل نسيان «فهد القضعاني» ولا تجربة «مندوب الليل»، التي رفعت من توقعات الجمهور العربي حيال الدوخي والسينما السعودية على حدٍّ سواء. لكنّ بقاء الفيلم عالقاً في الأذهان، لا يعني بالضرورة بقاء الممثل عالقاً في وهج الشخصية خوفاً من ألّا يقدّم أفضل منها، «تفكير مثل هذا قد يدفعني إلى تقليد التجربة السابقة بدلاً من التطوّر»، يقول الدوخي. فالنجاح الحقيقي بالنسبة إليه «ليس في تكرار الفيلم نفسه، بل في تقديم شخصية مختلفة تماماً يصدّقها الجمهور أيضاً». ويضيف: «أريد أن يصبح (مندوب الليل) محطةً مهمةً في المسيرة، لا العمل الوحيد الذي يختصر المسيرة».

«أبو مرداع»

بين محمد الدوخي والمخرج السعودي علي الكلثمي شراكة استراتيجيّة أثمرت أعمالاً مميزة، وأغنَت استوديوهات «تلفاز 11» المنغمسة في الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، ذات المحتوى الدسِم والخارج عن المألوف. معاً خاضا العالميّة بوصول «مندوب الليل» و«الخلّاط» إلى «نتفليكس».

الدوخي والمخرج علي الكلثمي تحضيراً لأحد مشاهد «مندوب الليل» (صور الفنان)

عن شخصية «أبو مرداع» في «الخلّاط+»، يقول الدوخي إنها منحته «مساحة كبيرة للتجريب واللعب، لكنها في الوقت ذاته أثبتت أن الكوميديا ليست سهلة كما يبدو». وسط أجواء تمزج ما بين الغرابة والتشويق والأكشن والجريمة والكوميديا السوداء، وتحت إدارة المخرج عزيز الجسمي، تَحرَّك «أبو مرداع» بنظّارتَيه السوداوَين زارعاً مفاجأةً في كل مشهد. فهكذا هي روح «الخلّاط»، أنه «يضع الشخصيات في مواقف مألوفة، ثم يدفعها إلى أقصى الاحتمالات»، وفق الدوخي.

وهكذا يفعل كاتب العمل ومنتجُه المخرج علي الكلثمي الذي يدفع بالممثلين إلى أقصى قدُراتهم الأدائيّة. يصِف الدوخي علاقتهما بأنها أبعد من مجرّد شراكة مهنيّة وفنية، بل «رفقة عمر وأخوّة». ويضيف: «علي يعرف كيف يكتشف مساحةً مختلفةً داخل الممثل، وأحياناً يُبصر فيه ما لا يراه الممثل في نفسه». ويتوقع الدوخي لتلك العلاقة أن تستمر «ما دامت ثمة شخصيات وأفكار نستطيع من خلالها مفاجأة الجمهور». وعن ذلك الجمهور تحديداً يقول إنه صار صديقَه، بِغَضّ النظر عمّا إذا كانت هناك شخصيات وأعمال جديدة أم لا.

محمد الدوخي بشخصية «أبو مرداع» في «الخلّاط+» (صور الفنان)

مسيرة الدوخي محفوفة بالتحوّلات

لطالما سار محمد الدوخي على إيقاع التحوّلات الاستراتيجية في حياته ومهنته. لم يَكن المسار يوحي بدايةً بأنه سيخوض الفن، إلّا أنّ الشغف انتصر على سائر الاحتمالات الأخرى، فدخل الفنان السعودي عالم صناعة المحتوى من بابه العريض. تحوّل إلى نجم كوميدي أول على المنصات الرقميّة، وهو يبدو ممتنّاً لتلك المرحلة، إذ يقول: «لم أتعامل مع صناعة المحتوى على أنها جسر يأخذني إلى السينما أو التلفزيون. لكنها كانت بمثابة مدرسة وجامعة تعلمت فيها كيف أصل إلى الجمهور، وكيف أصنع الشخصية، وأفهم الإيقاع والتوقيت الكوميدي».

ثم جاءت النقلة إلى الشاشة الواقعية وتحديداً إلى عالم السينما، فكان «التحدّي الأصعب التخلّص من بعض العادات التي اكتسبتها في المحتوى القصير وتقديم الأداء بناءً على رؤية المخرج»، وفق تعبير الدوخي.

ملصق فيلم «رهين» من بطولة الدوخي ويُعرَض حالياً على «نتفليكس» (إنستغرام)

من الكوميديا إلى الدراما والتشويق

نقلة نوعيّة أخرى سجّلتها مسيرة الدوخي الفنية، يوم خطا الممثل باتّجاه الدراما والتشويق بعد مشوار طويل في عالم الكوميديا. انطلاقاً من رغبةٍ لديه في التنويع وعدم البقاء محصوراً ضمن إطارٍ واحد، تجرّأ على نوعٍ آخر من الأداء: «الدراما والتشويق يعتمدان أكثر على الصمت والنظرة والحالة الداخلية للشخصية على غرار ما حصل في (مندوب الليل)». لا يُخفي الدوخي أنَّ ذلك الانتقال أثار قلقَه، «لكنه خوفٌ صحّي». يضيف مؤكّداً أنَّ الدراما والأكشن لن يأخذاه كُلياً من الكوميديا، لتبقى السينما هي الأساس بالنسبة إليه لأنها «تمنح الممثل فرصةً مختلفةً لبناء الشخصية وتركِ أثرٍ يبقى طويلاً في ذاكرة الجمهور».

لحظة سعوديّة استثنائيّة

يفرح محمد الدوخي لكونه جزءاً من «لحظةٍ سعوديةٍ استثنائية تشهد نهضةً» ثقافية وفنية غير مسبوقة، لكنه يتعامل بواقعيّة مع الأمر: «صحيح أنّ ما يحصل يمنحنا شعوراً بالفخر، لكنه يضع علينا مسؤولية في الوقت ذاته. لا يكفي أن نكون جزءاً من النهضة، بل يجب أن نرتقي إلى مستوى الفرصة ونصنع أعمالاً تعيش وتعبّر عن المجتمع بتنوّعه، لا مجرّد أعمال مرتبطة بحماسة المرحلة». يأتي هذا التفكير المنطقيّ نتيجةً لمعرفته بـ«الجمهور الذي أصبح أكثر وعياً وتطلّباً».

الدوخي في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» عام 2025 (إنستغرام)

الدوخي مقتنع بأنّ «النهضة لا تُقاس بعدد الأعمال، بل بجودتها وقدرتها على البقاء وصناعة هوية حقيقية للسينما السعودية». وهو مُدركٌ أنَّ أجمل ما في «التجربة السعودية الحاليّة أنها انطلقت من قصص شديدة المحَلّية، واستطاعت الوصول إلى جمهور عربي وعالمي».

بهويّتها الأصيلة ولهجتها الحقيقيّة، ومن خلال إنتاجاتٍ وحكاياتٍ تحترم عين المُشاهِد وعقلَه، سافرت السينما السعوديّة خارج المملكة. استقطبت جمهوراً غريباً عن البيئة السعودية، لكنه لم يجد صعوبةً في التماهي والتعاطف مع شخصياتٍ مثل «فهد القضعاني»، الذي أمسى بطلاً عابراً للحدود.


«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
TT

«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

عندما صعد الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1988 إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، لم يكن يعلم أنه ذاهب نحو الموت فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، ودهاليز استخباراتية حوَّلت جثته إلى لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

شبكة «نتفليكس» بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أعادت إلى الأذهان في المسلسل الدرامي القصير «تفجير بان آم 103» اسم جعفر الذي ولد في إحدى بلدات البقاع وهاجر مع عائلته بحثاً عن الأمان والفرص في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان الأميركية.

فور وقوع الكارثة، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية. هنا، برز اسم جعفر، الطالب في قسم الهندسة المعمارية بجامعة سيراكيوز، كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية، خاصة أنه كان العربي الوحيد على متن الرحلة (الراكب رقم 53). افترضوا أنه ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً قنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية.

غير أن التحقيقات أكدت خلو أمتعته اليدوية تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي. ولكن رغم هذه التبرئة القضائية، بقي اسمه راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.