«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

خطير ويؤشر لممارسات مستقبلية فظيعة لكنه قد يساهم في تشكّل جبهة عربية ـ يهودية ضده

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص
TT

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

أحد الأسئلة التي تطرح بإلحاح في الشارع الإسرائيلي السياسي، بعد مرور نحو الشهر من قرار الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، سن «قانون القومية اليهودية في إسرائيل»، هو: لماذا؟ لماذا سن قانون كهذا، يتسبب بإثارة موجة عارمة من النقد في العالم تدور في فلك مقارنتها بنظام التفرقة العنصرية (الأبرتهايد)؟ ولماذا كان رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وحكومته، بحاجة إلى سن قانون أساس، يحمل طابعاً دستورياً، ليُعرِّف إسرائيل كـ«دولة قومية للشعب اليهودي»؟
في الوقت الذي يعلَن عن إسرائيل أنها الثامنة بين الدول العظمى في العالم (حسب التقرير السنوي لــUS News & World Report الذي نشر في مارس (آذار) الماضي في الولايات المتحدة)، ثمة من يتساءل لماذا تشعر بحاجة إلى الظهور كدولة عديمة الثقة بنفسها وبانتمائها إلى حد إصرارها على تأكيد هويتها.
ثم تطرح تساؤلات أخرى... بعدما انهارت معظم الجيوش العربية التي كانت تهدد إسرائيل مباشرة، وبات العالم العربي مشغولاً في حروبه الداخلية، لماذا تشعر القيادة الإسرائيلية أن هناك خطراً يهدد طابعها اليهودي؟ أكثر من هذا، بينما توجد «وثيقة استقلال» تحدد بشكل واضح إسرائيل كـ«دولة يهودية»، وثمة عشرات القوانين القائمة التي تتحدث عن الطابع اليهودي للدولة، لماذا هي بحاجة إلى قانون آخر؟ ثم، إذا كانت إسرائيل تحاول أن تميز نفسها عن المحيط العربي بجوارها، وتؤكد أنها تنتمي إلى «العالم الحر» مقابل دول العالم الثالث، لماذا تدخل في هذا الصدام المباشر مع العالم الحرّ الذي يدينها على «قانون القومية اليهودية»، ويعتبره تراجعاً خطيراً عن الأسس والقيم الديمقراطية، كما جاء في تصريحات وبيانات عديدة للاتحاد الأوروبي ودوله؟ وإذا كانت إسرائيل دولة الشعب اليهودي، فلماذا تسنّ قانوناً كهذا يفسخ المجتمع اليهودي داخل إسرائيل، ويشقّ صف يهود العالم، ويعمّق الهوة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة، الذين خرجوا بشبه إجماع ضد القانون؟ وفوق كل هذا، لماذا تحتاج إسرائيل إلى سن قانون تفوّق عرقي كهذا، يجعل العرق اليهودي فوق كل الأعراق الأخرى، ويتسبب في إغضاب ثلث سكان إسرائيل (العرب 18 في المائة) وجماعات القادمين الجدد من دول الاتحاد السوفياتي سابقاً الذين يعتبرون أنفسهم مسيحيين، ويؤمّون الكنائس العربية في الناصرة وحيفا (6 في المائة) والتيار الإصلاحي في اليهودية، الذي يفرض قانون القومية عليه أن يكون موالياً للتيار الديني الأرثوذكسي (7 في المائة)؟
قد لا يصدّق المراقب من بعيد، لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تعمّد افتعال هذه الأزمة بشكل محسوب، وغرضه منها شيء واحد فقط لا علاقة له باليهودية ولا بقومية إسرائيل ولا بمصالحها القومية أو الأمنية، سنشير إليه لاحقاً. وهنا يشرح الصحافي بن كسبيت، كبير المعلقين في صحيفة «معريب» اليمينية: «نتنياهو كان يعارض هذا القانون ويخاف من ردود الفعل عليه في العالم الغربي، ولذلك منع إقراره طيلة تسع سنوات. بل إنه في اللحظة التي كان فيها ممكناً إقرار هذا القانون بأصوات أكثرية الائتلاف الحكومي والمعارضة الصهيونية على السواء عام 2015، أقدم نتنياهو على حل الكنيست وتوجّه إلى انتخابات جديدة. وهكذا تم إسقاط القانون في حينه». وبالتالي، كي ندرك معنى هذا التصرف، لا بد من العودة إلى تاريخ هذا القانون.

لمحة تاريخية
كان أول من طرح هذا القانون بصيغته الأولى، نائبان اثنان، أحدهما كان في حزب «كديما» المعارض هو آفي ديختر، والثاني هو زئيف إلكين من «الليكود» الحاكم، وذلك عام 2009. ديختر، الذي كان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة، ويطمح للوصول إلى منصب رئيس الحكومة، قال صراحة في حينه إنه يبادر إلى هذا القانون كي يضع حداً لتفكير بعض السياسيين العرب في إسرائيل بتحويل إسرائيل إلى «دولة جميع مواطنيها». وفي حديث صحافي، أضاف: «أنا كنت منزعجاً من رفض أبو مازن (الرئيس الفلسطيني محمود عباس) الطلب الإسرائيلي الذي طرحته وزيرة الخارجية آنذاك، تسيبي ليفني، بأن يعترف الفلسطينيون ضمن التسوية النهائية للصراع، بإسرائيل دولة الشعب اليهودي. واشتبهنا بأن وراء هذا الرفض مطالب ونوايا خطيرة مستقبلاً. ولكن ما أثار قلقي بشكل كبير هو عندما أصدر العرب (وثائق التصوّر المستقبلي) (التي أعدها مجموعة من السياسيين والأكاديميين من فلسطينيي 48 الذين اعترضوا على المطلب الإسرائيلي من السلطة الفلسطينية، وحذّروا من أن الاعتراف بإسرائيل «دولة يهودية» يهدّد وجود فلسطينيي 48 في وطنهم، لذلك طرحوا مطلب «دولة جميع مواطنيها»). ولقد رأيت أن أفضل ردّ عليهم هو في سن قانون يثبت مكانة إسرائيل بالقانون كدولة الشعب اليهودي».
أما إلكين، فقد رأى أن مثل هذا المجد لسن قانون أساسي للدولة اليهودية، يجب ألا يقتصر على نائب واحد في المعارضة، فطلب أن يكون شريكاً. ولاحقاً انضم للقانون أريه الداد، وهو عضو كنيست من اليمين المتطرف. ثم قدمت كتلة «يسرائيل بيتينو» وهي كانت في المعارضة يومها، ويتزعمها أفيغدور ليبرمان، مشروع قانون آخر بالمضمون نفسه سمَّته «قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي»، وكان المبادر للقانون النائب شارون غال، ووقّع معه كمبادرين باقي النواب في الكتلة وهم: حمد عمّار وأفيغدور ليبرمان وروبرت إيلاطوف وصوفا لاندفر وأورلي ليفي أبوقسيس.
في البداية تجاهل نتنياهو هذه المشاريع، لكن حزب المستوطنين «البيت اليهودي» المتطرف برئاسة نفتالي بينيت، وضعه شرطاً لدخول الائتلاف. وتقرّر طرحه على مائدة البحث في اللجنة الوزارية لشؤون التشريع. ولكن عندما بدأ البحث فيه، تجلت خلافات عديدة بين كتل الائتلاف الحكومي. إذ ساد التوافق على كل بنود القانون العنصرية الموجهة ضد الفلسطينيين في إسرائيل والضفة الغربية، إلا أن المتباحثين اختلفوا حول بنود أخرى في القانون، أولها مكانة الشريعة اليهودية. ذلك أنه حسب عرض نتنياهو وأحزاب المستوطنين، فإن الشريعة هي مرجعية القضاء والقانون حيث وُجدت ثغرة لا تجاوب على الحالة الماثلة أمامها، إضافة إلى أن نص القانون يثبت كلياً سلسلة من قوانين الإكراه الديني. كما أن اليمين العقائدي التقليدي رفض القانون، ولم يرَ فيه حاجة، لما فيه من جوانب ستثير قلق أبناء الديانة اليهودية في العالم، مثل أن القانون سيطرح من جديد مسألة «من هو يهودي»... وهذه قضية تعلو وتخبو من حين إلى آخر، كما أن القانون بطابعه العنصري يخلق حالة حرج لليهود في أوطانهم في العالم.
أيضاً، تحفّظت كتلتا المتدينين المتزمتين «الحريديم» على القانون من جوانب الشريعة اليهودية. فـ«الحريديم» يتخوفون من طابع القوانين «الدستورية»، أو تلك التي يطلق عليها مصطلح «قانون أساس». فمثلاً، يقول نص «قانون القومية اليهودية» المتداول إن الكيان الإسرائيلي الحالي هو دول اليهود في العالم، وهذا ينقض رواية «مملكة إسرائيل» التوراتية التي سيقيمها المسيح المخلص القادم حينما يأتي إلى العالم - في معتقدهم - لأول مرّة، ولكن «الحريديم» لا يجاهرون بهذا الخلاف، بل يكتفون بالقول إن مكانة الشريعة ليست بالقدر الكافي في هذا القانون.
وبعد إسقاط القانون في العام 2015، وعودة نتنياهو إلى الحكم في الانتخابات، شُكّلت لجنة وزارية مع متخصصين، للبحث في صيغة متفق عليها للقانون. وأكد مقربون من نتنياهو يومها أن مهمة هذه اللجنة ستكون «قبر القانون» والإحجام عن عرضه في الدورة البرلمانية الحالية.
وفي هذه الانتخابات نشأت «القائمة المشتركة»، التي ضمت في صفوفها جميع الأحزاب العربية الوطنية، وحظيت بـ13 مقعداً وأصبحت ثالث أكبر كتلة برلمانية. وكان من بين أهم نشاطاتها محاربة «قانون القومية»، كما قال رئيسها النائب أيمن عودة. وحسب النائب جمال زحالقة، رئيس الكتلة البرلمانية للقائمة، فإن هذه الجهود نجحت إلى حد كبير وأمكن إقناع غالبية نواب الكنيست بأن «قانون القومية» سيئ ومضر ولا حاجة إليه. وبدا فعلاً أن اللجنة ستدفنه.

مفاجأة نتنياهو
ولكن، بشكل مفاجئ صدم حتى أقرب المقربين من نتنياهو، قرر رئيس الوزراء في مايو (أيار) الماضي تسريع تشريع القانون. وقال أحد المطلعين على عمله إنه شعر بأن وجود الرئيس دونالد ترمب في البيت الأبيض كان فرصة نادرة لتمرير عدة قرارات وإجراءات لصالح الفكر اليميني العقائدي، ولذا قرّر الإسراع. وهناك، أيضاً، من رأى أن نتنياهو كان بحاجة إلى موضوع جديد يثير من حوله ضجيجاً يغطي على مسار التحقيقات ضده في الشرطة بسبب قضايا الفساد. والمؤكد هو أنه رأى في هذا القانون خطوة أخرى تعزّز مكانته لدى قاعدته الانتخابية اليمينية. فاليوم لا يزيد حجم كتلة نتنياهو النيابية عن 30 مقعداً فقط من مجموع 120، أي ربع مقاعد الكنيست، إلا أنه يكفيه لتشكيل حكومة لأنه لا يوجد أي حزب تمنحه الاستطلاعات عدداً أكبر بل عدداً قريباً من هذا العدد. من هذا التأييد يتوافر لنتنياهو اليوم قاعدة ثابتة من 24 مقعداً، ويحتاج إلى «خبطة إعلامية» تضيف له 6 مقاعد أخرى ليصل إلى 30 مقعداً. وحسب أحد المقربين منه، فإن الاستطلاعات التي أجراها خلال البحث في «قانون القومية اليهودية» دلت على أنه يمكن أن يزيد رصيده إلى 33 مقعداً.
وكما هو معروف، نتنياهو يريد تقديم موعد الانتخابات، على أمل أن يعود أقوى إلى كرسي الحكم، فيكون بذلك بمكانة أفضل أمام محققي الشرطة. فإذا كان وراء هذا القانون باحثون وعقائديون وأصحاب فكر آيديولوجي وخطط سياسية احتلالية وتوسعية واستيطانية، مثلما هو في الواقع وضع العديد من النواب المشاركين في طرح القانون، فإن هم نتنياهو الأساسي كان كرسيه الرئاسي وتحقيقات الشرطة والقضاء معه أكثر من أي شيء آخر. وهكذا، اختار موضوعاً يدغدغ غرائز أنصاره من اليمين، على الرغم من تيقنه من أن الأمر سيثير ضجة محلية وعالمية من حوله. بل ثمة من يؤكد أن مثل هذه الضجة أفادته في الماضي، وتفيده اليوم أيضاً لدى جمهوره. وأما الحرائق التي ترافق خطوة كهذه فيسعى لإطفائها لاحقاً.

الحرائق... وما بعدها
في مطلق الأحوال، أسس قانون «القومية»، بغض النظر عن أهداف نتنياهو منه، لواقع جديد في إسرائيل. فالسياسة التي اتبعتها حكومة إسرائيل خلال 70 سنة من قيامها، باتت مبلوَرة في قانون دستوري، يتيح سنّ قوانين أخرى واتباع ممارسات أخرى في التمييز ضد المواطنين غير اليهود، من جهة، ويُشرعِن سياسة تخليد الاحتلال للقدس الشرقية وغالبية أراضي الضفة الغربية. وسيتسبب لاحقاً في إشعال حرائق غير محدودة في السبيلين.
ولئن كان نتنياهو قد أراد منه أداة لتثبيت حكمه وتقوية مكانته في مواجهة ملفات الفساد، فإن اليمين الآيديولوجي والتيار الديني الصهيوني العقائدي يأخذه بجدية كمرحلة جديدة في تاريخ إسرائيل، وسيسعى لترجمته إلى مشاريع عملية لتقليص عدد الفلسطينيين في إسرائيل وفي الضفة الغربية، وتوسيع نطاق تهويد الأرض العربية، وتعزيز الاستيطان اليهودي الاستعماري. ومصير مثل هذه المشاريع تعميق الصراع وتشديد التصادم الحربي بأشكال عدة، بعضها معروف ومجرّب، وبعضها الآخر جارٍ استنباطه من طرق الكفاح الإبداعي الجديدة، وكلها تضمن استدامة الصراع الدامي.
مع ذلك، وبسبب الوعي لهذا الخطر، الذي يدركه الشارع اليهودي في إسرائيل نفسها وفي العالم اليهودي في الخارج، فإنه بمقدار ما جلبه من توتر... يفتح - في المقابل - آفاقاً جديدة للشراكة في النضال اليهودي - العربي ضد القانون ومفاهيمه وما سينجم عنه.
أولاً ليس صدفة أنه صوّت 55 نائباً في الكنيست ضد القانون. وثانياً، ليس صدفة أنه خرج إلى الشارع مائة ألف شخص، غالبيتهم الساحقة يهود، إلى مظاهرة تل أبيب الأولى في 4 أغسطس (آب) ضد القانون، قسم منهم يؤيدون قانوناً يضمن اعتبار إسرائيل دولة يهودية، لكنه يريد ألا تتحوّل إلى دولة «أبرتهايد» (فصل عنصري) فيطالبون بتعديله ليشمل قضية المساواة والديمقراطية. هؤلاء يعتبرون القانون بداية انهيار لمشروع الدولة الليبرالية ويجدون أنفسهم حلفاء مع العرب في مكافحته. وثالثاً، ليس صدفة أن المظاهرة التي دعا إليها قادة فلسطينيي 48 استقطبت نحو 20 ألف يهودي، بينهم رئيسان لجهاز الاستخبارات العامة (عامي أيلون ويوفال ديسكين). نعم، ليس بالأمر العادي أن يخرج ضد القانون عدد كبير من كبار المسؤولين أيضاً حتى في اليمين، مثل رئيس الدولة رؤوبين ريفلين ووزير الدفاع السابق موشيه آرينز والنائب الحالي والوزير الأسبق بيني بيغن، نجل مناحيم بيغن. بل، وكُشف خلال الأيام الأخيرة أن أجهزة الأمن الإسرائيلية كانت قد نصحت نتنياهو بالامتناع عن سن القانون لأنه يحمل أخطاراً غير قليلة في العلاقات بين إسرائيل ومواطنيها العرب، وبينها وبين يهود العالم. ولا يقل أهمية عن ذلك خروج رئيس المؤتمر الصهيوني العالمي، رون لاودر، ضد القانون باسم الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة والعالم.
كل هذه مواقف تبين أن شباك الفرص للتعاون اليهودي - العربي في إسرائيل ضد نهج اليمين المتطرف، الغارق في سياسة الغطرسة والشعور بغرور القوة... غدا مفتوحاً.

مرحلة مفصلية في تاريخ الدروز
- أحد أهم علامات المعركة ضد القومية تتعلق بـ«الطائفة المعروفية»، أي «الموحِّدون الدروز». فهذه الطائفة التي تشكل نسبة 10 في المائة من المواطنين العرب، كانت قد نُكِبت بقرار حكومي يفرض على شبانها الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1956. ومنذ ذلك الوقت، والموحِّدون الدروز يتعرضون لمحاولات حثيثة لسلخهم عن بقية أبناء شعبهم العربي في فلسطين، تغدقهم بالوعود بمعاملة مختلفة عن العرب. وساهم في هذا السلخ تواطؤ عدد من قادتهم مع هذا المخطّط من جهة، وخطيئة القيادات العربية الوطنية التي استثنتهم من نشاطاتها الوحدوية وساهمت في عزلهم.
على أرض الواقع، لوحظ أن البلدات العربية الدرزية تعرّضت لسياسة إهمال وتمييز عنصري أكثر من بقية البلدات العربية، فتنامى الإحباط بين صفوفهم. وفي السنوات الأخيرة أخذ التيار الحر والوطني يتنامى في صفوف الدروز. وفاز الصحافي رفيق حلبي، رئيس بلدية دالية الكرمل، بمنصبه على أساس برنامج وضع في مركزه الشعار: «عودة إلى الجذور»، وقصد الجذور العربية. رفيق حلبي هو الذي تولى عرافة مظاهرة المائة ألف في تل أبيب فصاح بملء الفم «دولة أبرتهايد»، ورددها من بعده معظم الشخصيات الدرزية، ضمن ذلك ضباط كبار سابقون في الجيش الإسرائيلي، مثل العميد أمل أسعد.
كذلك أكد الأستاذ الجامعي الدرزي البروفسور قيس فرّو في اجتماعٍ احتجاجي عقده الحزب الشيوعي الإسرائيلي يوم 29 يوليو (تموز) 2018، أن إسرائيل تعتبر العسكريين الدروز مجرد مرتزقة يقاتلون إلى جانبها، وفق ما يُفهم من قانون «الدولة القومية اليهودية»، وأن المطلوب من الدروز هو التكاتف مع سائر العرب في البلاد ومع القوى اليهودية الديمقراطية. وأردف: «أُناشد أبناء طائفتي: لا تكونوا لا مبالين بعد الآن، توقّفوا عن التملُق والمُداهنة وتبنِي سجال المُرتزقة. فقط بِالمعركة المُشتركة مع القوى الديمقراطيَة اليهودية وسائر أبناء الشعب العربي في البلاد يُمكن تحقيق النتائج المرجوَة».
وفي قرية عسفيا - ذات الغالبية الدرزية، ومسقط رأس فرّو - المطلّة على مدينة حيفا، عبّر الأهالي عن رفضهم القانون بواسطة تعليق لافتة عند مدخل المقبرة، كُتِبَ عليها «إلى شُهداء حُرُوب إسرائيل الدُرُوز: سامحونا! لم نعرف كيف نُحافظ على الكرامة التي منحتُمونا إيَاها. أرسلناكم وحوَلناكم شُهداء من الدرجة الثانية». ونادى بعض الضبّاط الدروز بوقف فرض التجنيد الإلزامي على أبناء الطائفة الدرزية، ما أثار خشية مسؤولين إسرائيليين من احتمال حصول تمردٍ دُرزي داخل الجيش وخروجٍ جماعي منه. وتأكيداً على خطورة الوضع داخل الجيش الإسرائيلي، من تململ الضبّاط والجنود الدروز، التقى رئيس أركان الجيش غادي أيزنكوت بالزعيم الروحي للطائفة، الشيخ موفق طريف في مُحاولة لامتصاص نقمة الطائفة على ذلك القانون.

«القائمة المشتركة»: قانون كولونيالي معاد للديمقراطية
- «القائمة المشتركة»، التي تضم جميع الأحزاب العربية الوطنية في فلسطين 48، اعتبرت من جهتها «قانون القومية اليهودية»، «من أخطر القوانين التي سنت في العقود الأخيرة». ورأت أنه يؤسس لنظام «أبرتايد» (فصل عنصري)، كونه يتألف من بنود تؤكد التفوق العرقي لليهود، ويجعل التمييز ضد العرب مبرراً وشرعياً، وسيطغى على أي تشريع عادي ويؤثر على تفسير القوانين في المحاكم، لأنه يحدّد الهوية الدستورية للنظام، التي تحّدد مَن هو صاحب السيادة، وتعتبر «الشعب اليهودي وحده صاحب السيادة في الدولة وفي البلاد».
وترى «القائمة المشتركة» فيه «قانوناً كولونيالياً معادياً للديمقراطية، عنصري الطابع والمضمون، ويحمل خصائص (الأبرتايد) المعروفة. وإذا كانت إسرائيل تعرّف نفسها حتى الآن كدولة يهودية وديمقراطية، فقد جاء هذا القانون لينسف أي مظهر للديمقراطية، ويحسم ما وصف بالتوتر بين الطابع اليهودي والطابع الديمقراطي للدولة، بحيث يصبح التعريف وفق القانون الجديد دولة يهودية غير ديمقراطية وخالية من المساواة. وهو بمجمله مجموعة من البنود التي تؤكّد التفوق العرقي لليهود كأفراد وكشعب في كل المجالات، وهو لا يترك مجالاً للشك بأن هناك نوعين من المواطنة: لليهود مواطنة درجة أولى وللعرب درجة ثانية».
وأكدت «القائمة المشتركة» على أن جعل حق تقرير المصير حصرياً لليهود، يعني نفي حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ويبرّر التفرقة في تحقيق الحقوق بين اليهود والعرب، ويحولها إلى تمييز شرعي على أساس عرقي عنصري. ثم إن المساواة، وفق هذا القانون، تنطبق على جميع اليهود في أي مكان، لكونهم يهوداً، أما العربي فهو مستثنى، ويصبح التمييز ضده مبرراً وشرعياً، وبحسبه يصبح الفلسطينيون غرباء في وطنهم.
وأشار البيان إلى أن البند الخاص بتشجيع الاستيطان اليهودي، يعني عملياً منح أولوية للبلدات اليهودية في مجال الخدمات والتطوير وتخصيص الأراضي والإسكان، ويبرّر التمييز ضد البلدات العربية. كما أن هذا البند يمنح شرعية للاستيطان على طرفي الخط الأخضر.



سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».