«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

خطير ويؤشر لممارسات مستقبلية فظيعة لكنه قد يساهم في تشكّل جبهة عربية ـ يهودية ضده

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص
TT

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

«قانون القومية اليهودية» الإسرائيلي... «الأبرتهايد» والفرص

أحد الأسئلة التي تطرح بإلحاح في الشارع الإسرائيلي السياسي، بعد مرور نحو الشهر من قرار الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، سن «قانون القومية اليهودية في إسرائيل»، هو: لماذا؟ لماذا سن قانون كهذا، يتسبب بإثارة موجة عارمة من النقد في العالم تدور في فلك مقارنتها بنظام التفرقة العنصرية (الأبرتهايد)؟ ولماذا كان رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وحكومته، بحاجة إلى سن قانون أساس، يحمل طابعاً دستورياً، ليُعرِّف إسرائيل كـ«دولة قومية للشعب اليهودي»؟
في الوقت الذي يعلَن عن إسرائيل أنها الثامنة بين الدول العظمى في العالم (حسب التقرير السنوي لــUS News & World Report الذي نشر في مارس (آذار) الماضي في الولايات المتحدة)، ثمة من يتساءل لماذا تشعر بحاجة إلى الظهور كدولة عديمة الثقة بنفسها وبانتمائها إلى حد إصرارها على تأكيد هويتها.
ثم تطرح تساؤلات أخرى... بعدما انهارت معظم الجيوش العربية التي كانت تهدد إسرائيل مباشرة، وبات العالم العربي مشغولاً في حروبه الداخلية، لماذا تشعر القيادة الإسرائيلية أن هناك خطراً يهدد طابعها اليهودي؟ أكثر من هذا، بينما توجد «وثيقة استقلال» تحدد بشكل واضح إسرائيل كـ«دولة يهودية»، وثمة عشرات القوانين القائمة التي تتحدث عن الطابع اليهودي للدولة، لماذا هي بحاجة إلى قانون آخر؟ ثم، إذا كانت إسرائيل تحاول أن تميز نفسها عن المحيط العربي بجوارها، وتؤكد أنها تنتمي إلى «العالم الحر» مقابل دول العالم الثالث، لماذا تدخل في هذا الصدام المباشر مع العالم الحرّ الذي يدينها على «قانون القومية اليهودية»، ويعتبره تراجعاً خطيراً عن الأسس والقيم الديمقراطية، كما جاء في تصريحات وبيانات عديدة للاتحاد الأوروبي ودوله؟ وإذا كانت إسرائيل دولة الشعب اليهودي، فلماذا تسنّ قانوناً كهذا يفسخ المجتمع اليهودي داخل إسرائيل، ويشقّ صف يهود العالم، ويعمّق الهوة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة، الذين خرجوا بشبه إجماع ضد القانون؟ وفوق كل هذا، لماذا تحتاج إسرائيل إلى سن قانون تفوّق عرقي كهذا، يجعل العرق اليهودي فوق كل الأعراق الأخرى، ويتسبب في إغضاب ثلث سكان إسرائيل (العرب 18 في المائة) وجماعات القادمين الجدد من دول الاتحاد السوفياتي سابقاً الذين يعتبرون أنفسهم مسيحيين، ويؤمّون الكنائس العربية في الناصرة وحيفا (6 في المائة) والتيار الإصلاحي في اليهودية، الذي يفرض قانون القومية عليه أن يكون موالياً للتيار الديني الأرثوذكسي (7 في المائة)؟
قد لا يصدّق المراقب من بعيد، لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تعمّد افتعال هذه الأزمة بشكل محسوب، وغرضه منها شيء واحد فقط لا علاقة له باليهودية ولا بقومية إسرائيل ولا بمصالحها القومية أو الأمنية، سنشير إليه لاحقاً. وهنا يشرح الصحافي بن كسبيت، كبير المعلقين في صحيفة «معريب» اليمينية: «نتنياهو كان يعارض هذا القانون ويخاف من ردود الفعل عليه في العالم الغربي، ولذلك منع إقراره طيلة تسع سنوات. بل إنه في اللحظة التي كان فيها ممكناً إقرار هذا القانون بأصوات أكثرية الائتلاف الحكومي والمعارضة الصهيونية على السواء عام 2015، أقدم نتنياهو على حل الكنيست وتوجّه إلى انتخابات جديدة. وهكذا تم إسقاط القانون في حينه». وبالتالي، كي ندرك معنى هذا التصرف، لا بد من العودة إلى تاريخ هذا القانون.

لمحة تاريخية
كان أول من طرح هذا القانون بصيغته الأولى، نائبان اثنان، أحدهما كان في حزب «كديما» المعارض هو آفي ديختر، والثاني هو زئيف إلكين من «الليكود» الحاكم، وذلك عام 2009. ديختر، الذي كان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة، ويطمح للوصول إلى منصب رئيس الحكومة، قال صراحة في حينه إنه يبادر إلى هذا القانون كي يضع حداً لتفكير بعض السياسيين العرب في إسرائيل بتحويل إسرائيل إلى «دولة جميع مواطنيها». وفي حديث صحافي، أضاف: «أنا كنت منزعجاً من رفض أبو مازن (الرئيس الفلسطيني محمود عباس) الطلب الإسرائيلي الذي طرحته وزيرة الخارجية آنذاك، تسيبي ليفني، بأن يعترف الفلسطينيون ضمن التسوية النهائية للصراع، بإسرائيل دولة الشعب اليهودي. واشتبهنا بأن وراء هذا الرفض مطالب ونوايا خطيرة مستقبلاً. ولكن ما أثار قلقي بشكل كبير هو عندما أصدر العرب (وثائق التصوّر المستقبلي) (التي أعدها مجموعة من السياسيين والأكاديميين من فلسطينيي 48 الذين اعترضوا على المطلب الإسرائيلي من السلطة الفلسطينية، وحذّروا من أن الاعتراف بإسرائيل «دولة يهودية» يهدّد وجود فلسطينيي 48 في وطنهم، لذلك طرحوا مطلب «دولة جميع مواطنيها»). ولقد رأيت أن أفضل ردّ عليهم هو في سن قانون يثبت مكانة إسرائيل بالقانون كدولة الشعب اليهودي».
أما إلكين، فقد رأى أن مثل هذا المجد لسن قانون أساسي للدولة اليهودية، يجب ألا يقتصر على نائب واحد في المعارضة، فطلب أن يكون شريكاً. ولاحقاً انضم للقانون أريه الداد، وهو عضو كنيست من اليمين المتطرف. ثم قدمت كتلة «يسرائيل بيتينو» وهي كانت في المعارضة يومها، ويتزعمها أفيغدور ليبرمان، مشروع قانون آخر بالمضمون نفسه سمَّته «قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي»، وكان المبادر للقانون النائب شارون غال، ووقّع معه كمبادرين باقي النواب في الكتلة وهم: حمد عمّار وأفيغدور ليبرمان وروبرت إيلاطوف وصوفا لاندفر وأورلي ليفي أبوقسيس.
في البداية تجاهل نتنياهو هذه المشاريع، لكن حزب المستوطنين «البيت اليهودي» المتطرف برئاسة نفتالي بينيت، وضعه شرطاً لدخول الائتلاف. وتقرّر طرحه على مائدة البحث في اللجنة الوزارية لشؤون التشريع. ولكن عندما بدأ البحث فيه، تجلت خلافات عديدة بين كتل الائتلاف الحكومي. إذ ساد التوافق على كل بنود القانون العنصرية الموجهة ضد الفلسطينيين في إسرائيل والضفة الغربية، إلا أن المتباحثين اختلفوا حول بنود أخرى في القانون، أولها مكانة الشريعة اليهودية. ذلك أنه حسب عرض نتنياهو وأحزاب المستوطنين، فإن الشريعة هي مرجعية القضاء والقانون حيث وُجدت ثغرة لا تجاوب على الحالة الماثلة أمامها، إضافة إلى أن نص القانون يثبت كلياً سلسلة من قوانين الإكراه الديني. كما أن اليمين العقائدي التقليدي رفض القانون، ولم يرَ فيه حاجة، لما فيه من جوانب ستثير قلق أبناء الديانة اليهودية في العالم، مثل أن القانون سيطرح من جديد مسألة «من هو يهودي»... وهذه قضية تعلو وتخبو من حين إلى آخر، كما أن القانون بطابعه العنصري يخلق حالة حرج لليهود في أوطانهم في العالم.
أيضاً، تحفّظت كتلتا المتدينين المتزمتين «الحريديم» على القانون من جوانب الشريعة اليهودية. فـ«الحريديم» يتخوفون من طابع القوانين «الدستورية»، أو تلك التي يطلق عليها مصطلح «قانون أساس». فمثلاً، يقول نص «قانون القومية اليهودية» المتداول إن الكيان الإسرائيلي الحالي هو دول اليهود في العالم، وهذا ينقض رواية «مملكة إسرائيل» التوراتية التي سيقيمها المسيح المخلص القادم حينما يأتي إلى العالم - في معتقدهم - لأول مرّة، ولكن «الحريديم» لا يجاهرون بهذا الخلاف، بل يكتفون بالقول إن مكانة الشريعة ليست بالقدر الكافي في هذا القانون.
وبعد إسقاط القانون في العام 2015، وعودة نتنياهو إلى الحكم في الانتخابات، شُكّلت لجنة وزارية مع متخصصين، للبحث في صيغة متفق عليها للقانون. وأكد مقربون من نتنياهو يومها أن مهمة هذه اللجنة ستكون «قبر القانون» والإحجام عن عرضه في الدورة البرلمانية الحالية.
وفي هذه الانتخابات نشأت «القائمة المشتركة»، التي ضمت في صفوفها جميع الأحزاب العربية الوطنية، وحظيت بـ13 مقعداً وأصبحت ثالث أكبر كتلة برلمانية. وكان من بين أهم نشاطاتها محاربة «قانون القومية»، كما قال رئيسها النائب أيمن عودة. وحسب النائب جمال زحالقة، رئيس الكتلة البرلمانية للقائمة، فإن هذه الجهود نجحت إلى حد كبير وأمكن إقناع غالبية نواب الكنيست بأن «قانون القومية» سيئ ومضر ولا حاجة إليه. وبدا فعلاً أن اللجنة ستدفنه.

مفاجأة نتنياهو
ولكن، بشكل مفاجئ صدم حتى أقرب المقربين من نتنياهو، قرر رئيس الوزراء في مايو (أيار) الماضي تسريع تشريع القانون. وقال أحد المطلعين على عمله إنه شعر بأن وجود الرئيس دونالد ترمب في البيت الأبيض كان فرصة نادرة لتمرير عدة قرارات وإجراءات لصالح الفكر اليميني العقائدي، ولذا قرّر الإسراع. وهناك، أيضاً، من رأى أن نتنياهو كان بحاجة إلى موضوع جديد يثير من حوله ضجيجاً يغطي على مسار التحقيقات ضده في الشرطة بسبب قضايا الفساد. والمؤكد هو أنه رأى في هذا القانون خطوة أخرى تعزّز مكانته لدى قاعدته الانتخابية اليمينية. فاليوم لا يزيد حجم كتلة نتنياهو النيابية عن 30 مقعداً فقط من مجموع 120، أي ربع مقاعد الكنيست، إلا أنه يكفيه لتشكيل حكومة لأنه لا يوجد أي حزب تمنحه الاستطلاعات عدداً أكبر بل عدداً قريباً من هذا العدد. من هذا التأييد يتوافر لنتنياهو اليوم قاعدة ثابتة من 24 مقعداً، ويحتاج إلى «خبطة إعلامية» تضيف له 6 مقاعد أخرى ليصل إلى 30 مقعداً. وحسب أحد المقربين منه، فإن الاستطلاعات التي أجراها خلال البحث في «قانون القومية اليهودية» دلت على أنه يمكن أن يزيد رصيده إلى 33 مقعداً.
وكما هو معروف، نتنياهو يريد تقديم موعد الانتخابات، على أمل أن يعود أقوى إلى كرسي الحكم، فيكون بذلك بمكانة أفضل أمام محققي الشرطة. فإذا كان وراء هذا القانون باحثون وعقائديون وأصحاب فكر آيديولوجي وخطط سياسية احتلالية وتوسعية واستيطانية، مثلما هو في الواقع وضع العديد من النواب المشاركين في طرح القانون، فإن هم نتنياهو الأساسي كان كرسيه الرئاسي وتحقيقات الشرطة والقضاء معه أكثر من أي شيء آخر. وهكذا، اختار موضوعاً يدغدغ غرائز أنصاره من اليمين، على الرغم من تيقنه من أن الأمر سيثير ضجة محلية وعالمية من حوله. بل ثمة من يؤكد أن مثل هذه الضجة أفادته في الماضي، وتفيده اليوم أيضاً لدى جمهوره. وأما الحرائق التي ترافق خطوة كهذه فيسعى لإطفائها لاحقاً.

الحرائق... وما بعدها
في مطلق الأحوال، أسس قانون «القومية»، بغض النظر عن أهداف نتنياهو منه، لواقع جديد في إسرائيل. فالسياسة التي اتبعتها حكومة إسرائيل خلال 70 سنة من قيامها، باتت مبلوَرة في قانون دستوري، يتيح سنّ قوانين أخرى واتباع ممارسات أخرى في التمييز ضد المواطنين غير اليهود، من جهة، ويُشرعِن سياسة تخليد الاحتلال للقدس الشرقية وغالبية أراضي الضفة الغربية. وسيتسبب لاحقاً في إشعال حرائق غير محدودة في السبيلين.
ولئن كان نتنياهو قد أراد منه أداة لتثبيت حكمه وتقوية مكانته في مواجهة ملفات الفساد، فإن اليمين الآيديولوجي والتيار الديني الصهيوني العقائدي يأخذه بجدية كمرحلة جديدة في تاريخ إسرائيل، وسيسعى لترجمته إلى مشاريع عملية لتقليص عدد الفلسطينيين في إسرائيل وفي الضفة الغربية، وتوسيع نطاق تهويد الأرض العربية، وتعزيز الاستيطان اليهودي الاستعماري. ومصير مثل هذه المشاريع تعميق الصراع وتشديد التصادم الحربي بأشكال عدة، بعضها معروف ومجرّب، وبعضها الآخر جارٍ استنباطه من طرق الكفاح الإبداعي الجديدة، وكلها تضمن استدامة الصراع الدامي.
مع ذلك، وبسبب الوعي لهذا الخطر، الذي يدركه الشارع اليهودي في إسرائيل نفسها وفي العالم اليهودي في الخارج، فإنه بمقدار ما جلبه من توتر... يفتح - في المقابل - آفاقاً جديدة للشراكة في النضال اليهودي - العربي ضد القانون ومفاهيمه وما سينجم عنه.
أولاً ليس صدفة أنه صوّت 55 نائباً في الكنيست ضد القانون. وثانياً، ليس صدفة أنه خرج إلى الشارع مائة ألف شخص، غالبيتهم الساحقة يهود، إلى مظاهرة تل أبيب الأولى في 4 أغسطس (آب) ضد القانون، قسم منهم يؤيدون قانوناً يضمن اعتبار إسرائيل دولة يهودية، لكنه يريد ألا تتحوّل إلى دولة «أبرتهايد» (فصل عنصري) فيطالبون بتعديله ليشمل قضية المساواة والديمقراطية. هؤلاء يعتبرون القانون بداية انهيار لمشروع الدولة الليبرالية ويجدون أنفسهم حلفاء مع العرب في مكافحته. وثالثاً، ليس صدفة أن المظاهرة التي دعا إليها قادة فلسطينيي 48 استقطبت نحو 20 ألف يهودي، بينهم رئيسان لجهاز الاستخبارات العامة (عامي أيلون ويوفال ديسكين). نعم، ليس بالأمر العادي أن يخرج ضد القانون عدد كبير من كبار المسؤولين أيضاً حتى في اليمين، مثل رئيس الدولة رؤوبين ريفلين ووزير الدفاع السابق موشيه آرينز والنائب الحالي والوزير الأسبق بيني بيغن، نجل مناحيم بيغن. بل، وكُشف خلال الأيام الأخيرة أن أجهزة الأمن الإسرائيلية كانت قد نصحت نتنياهو بالامتناع عن سن القانون لأنه يحمل أخطاراً غير قليلة في العلاقات بين إسرائيل ومواطنيها العرب، وبينها وبين يهود العالم. ولا يقل أهمية عن ذلك خروج رئيس المؤتمر الصهيوني العالمي، رون لاودر، ضد القانون باسم الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة والعالم.
كل هذه مواقف تبين أن شباك الفرص للتعاون اليهودي - العربي في إسرائيل ضد نهج اليمين المتطرف، الغارق في سياسة الغطرسة والشعور بغرور القوة... غدا مفتوحاً.

مرحلة مفصلية في تاريخ الدروز
- أحد أهم علامات المعركة ضد القومية تتعلق بـ«الطائفة المعروفية»، أي «الموحِّدون الدروز». فهذه الطائفة التي تشكل نسبة 10 في المائة من المواطنين العرب، كانت قد نُكِبت بقرار حكومي يفرض على شبانها الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1956. ومنذ ذلك الوقت، والموحِّدون الدروز يتعرضون لمحاولات حثيثة لسلخهم عن بقية أبناء شعبهم العربي في فلسطين، تغدقهم بالوعود بمعاملة مختلفة عن العرب. وساهم في هذا السلخ تواطؤ عدد من قادتهم مع هذا المخطّط من جهة، وخطيئة القيادات العربية الوطنية التي استثنتهم من نشاطاتها الوحدوية وساهمت في عزلهم.
على أرض الواقع، لوحظ أن البلدات العربية الدرزية تعرّضت لسياسة إهمال وتمييز عنصري أكثر من بقية البلدات العربية، فتنامى الإحباط بين صفوفهم. وفي السنوات الأخيرة أخذ التيار الحر والوطني يتنامى في صفوف الدروز. وفاز الصحافي رفيق حلبي، رئيس بلدية دالية الكرمل، بمنصبه على أساس برنامج وضع في مركزه الشعار: «عودة إلى الجذور»، وقصد الجذور العربية. رفيق حلبي هو الذي تولى عرافة مظاهرة المائة ألف في تل أبيب فصاح بملء الفم «دولة أبرتهايد»، ورددها من بعده معظم الشخصيات الدرزية، ضمن ذلك ضباط كبار سابقون في الجيش الإسرائيلي، مثل العميد أمل أسعد.
كذلك أكد الأستاذ الجامعي الدرزي البروفسور قيس فرّو في اجتماعٍ احتجاجي عقده الحزب الشيوعي الإسرائيلي يوم 29 يوليو (تموز) 2018، أن إسرائيل تعتبر العسكريين الدروز مجرد مرتزقة يقاتلون إلى جانبها، وفق ما يُفهم من قانون «الدولة القومية اليهودية»، وأن المطلوب من الدروز هو التكاتف مع سائر العرب في البلاد ومع القوى اليهودية الديمقراطية. وأردف: «أُناشد أبناء طائفتي: لا تكونوا لا مبالين بعد الآن، توقّفوا عن التملُق والمُداهنة وتبنِي سجال المُرتزقة. فقط بِالمعركة المُشتركة مع القوى الديمقراطيَة اليهودية وسائر أبناء الشعب العربي في البلاد يُمكن تحقيق النتائج المرجوَة».
وفي قرية عسفيا - ذات الغالبية الدرزية، ومسقط رأس فرّو - المطلّة على مدينة حيفا، عبّر الأهالي عن رفضهم القانون بواسطة تعليق لافتة عند مدخل المقبرة، كُتِبَ عليها «إلى شُهداء حُرُوب إسرائيل الدُرُوز: سامحونا! لم نعرف كيف نُحافظ على الكرامة التي منحتُمونا إيَاها. أرسلناكم وحوَلناكم شُهداء من الدرجة الثانية». ونادى بعض الضبّاط الدروز بوقف فرض التجنيد الإلزامي على أبناء الطائفة الدرزية، ما أثار خشية مسؤولين إسرائيليين من احتمال حصول تمردٍ دُرزي داخل الجيش وخروجٍ جماعي منه. وتأكيداً على خطورة الوضع داخل الجيش الإسرائيلي، من تململ الضبّاط والجنود الدروز، التقى رئيس أركان الجيش غادي أيزنكوت بالزعيم الروحي للطائفة، الشيخ موفق طريف في مُحاولة لامتصاص نقمة الطائفة على ذلك القانون.

«القائمة المشتركة»: قانون كولونيالي معاد للديمقراطية
- «القائمة المشتركة»، التي تضم جميع الأحزاب العربية الوطنية في فلسطين 48، اعتبرت من جهتها «قانون القومية اليهودية»، «من أخطر القوانين التي سنت في العقود الأخيرة». ورأت أنه يؤسس لنظام «أبرتايد» (فصل عنصري)، كونه يتألف من بنود تؤكد التفوق العرقي لليهود، ويجعل التمييز ضد العرب مبرراً وشرعياً، وسيطغى على أي تشريع عادي ويؤثر على تفسير القوانين في المحاكم، لأنه يحدّد الهوية الدستورية للنظام، التي تحّدد مَن هو صاحب السيادة، وتعتبر «الشعب اليهودي وحده صاحب السيادة في الدولة وفي البلاد».
وترى «القائمة المشتركة» فيه «قانوناً كولونيالياً معادياً للديمقراطية، عنصري الطابع والمضمون، ويحمل خصائص (الأبرتايد) المعروفة. وإذا كانت إسرائيل تعرّف نفسها حتى الآن كدولة يهودية وديمقراطية، فقد جاء هذا القانون لينسف أي مظهر للديمقراطية، ويحسم ما وصف بالتوتر بين الطابع اليهودي والطابع الديمقراطي للدولة، بحيث يصبح التعريف وفق القانون الجديد دولة يهودية غير ديمقراطية وخالية من المساواة. وهو بمجمله مجموعة من البنود التي تؤكّد التفوق العرقي لليهود كأفراد وكشعب في كل المجالات، وهو لا يترك مجالاً للشك بأن هناك نوعين من المواطنة: لليهود مواطنة درجة أولى وللعرب درجة ثانية».
وأكدت «القائمة المشتركة» على أن جعل حق تقرير المصير حصرياً لليهود، يعني نفي حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ويبرّر التفرقة في تحقيق الحقوق بين اليهود والعرب، ويحولها إلى تمييز شرعي على أساس عرقي عنصري. ثم إن المساواة، وفق هذا القانون، تنطبق على جميع اليهود في أي مكان، لكونهم يهوداً، أما العربي فهو مستثنى، ويصبح التمييز ضده مبرراً وشرعياً، وبحسبه يصبح الفلسطينيون غرباء في وطنهم.
وأشار البيان إلى أن البند الخاص بتشجيع الاستيطان اليهودي، يعني عملياً منح أولوية للبلدات اليهودية في مجال الخدمات والتطوير وتخصيص الأراضي والإسكان، ويبرّر التمييز ضد البلدات العربية. كما أن هذا البند يمنح شرعية للاستيطان على طرفي الخط الأخضر.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.