«أكواريوس» ترسو في مالطا وخمسة بلدان أوروبية تتقاسم المهاجرين

فرنسا ترفض فتح موانئها لكنها تساهم بقسطها في قبول أعداد من اللاجئين

السفينة «أكواريوس» التي تشغلها منظمة «إس أو إس» عندما كانت تبحث في المرة الأولى في يونيو عن ميناء في المتوسط (أ.ف.ب)
السفينة «أكواريوس» التي تشغلها منظمة «إس أو إس» عندما كانت تبحث في المرة الأولى في يونيو عن ميناء في المتوسط (أ.ف.ب)
TT

«أكواريوس» ترسو في مالطا وخمسة بلدان أوروبية تتقاسم المهاجرين

السفينة «أكواريوس» التي تشغلها منظمة «إس أو إس» عندما كانت تبحث في المرة الأولى في يونيو عن ميناء في المتوسط (أ.ف.ب)
السفينة «أكواريوس» التي تشغلها منظمة «إس أو إس» عندما كانت تبحث في المرة الأولى في يونيو عن ميناء في المتوسط (أ.ف.ب)

أخيراً، فرجت أزمة الباخرة الإنسانية «أكواريوس»، بعد أن قبلت مالطة استقبالها، عقب وساطات واتصالات وضغوط ساهم فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وجاء قرار حكومة لا فاليتا أمس بعد أن غيرت موقفها الرافض منذ عدة أيام فتح أحد موانئها أمام الباخرة المذكورة. وجاء قبول مالطة بعد حصولها على ضمانات من البلدان الأوروبية الشريكة بمساعدتها على استقبال المهاجرين واللاجئين الذين سينزلون على أراضي الجزيرة المتوسطية الصغيرة.
وبحسب رئيس وزرائها جوزيف موسكا، فإن خمس دول أوروبية سوف تتقاسم عبء 141 شخصاً، نصفهم من الأطفال وثلثهم من النساء وأكثريتهم الساحقة من إريتريا والصومال. وجاءت هذه الخاتمة «السعيدة» لتضع حداً للإحراج الذي يصيب الطرف الأوروبي لدى كل عملية إنزال، بعد أن أغلقت إيطاليا موانئها، والتحقت بها مالطة، فيما تكثفت عمليات الإبحار باتجاه الشواطئ الإسبانية منذ مجيء الحكومة الاشتراكية لبيدرو سانشيز. ومن بين العواصم المحرجة، تجيء باريس في المقدمة، بعد أن رفضت السلطات الإيطالية والمالطية (بداية)، كما في شهر يونيو (حزيران) الماضي، استقبال السفينة، وتحفظت تجاهها إسبانيا. وعلى الرغم من أن وضع السفينة اليوم مطابق للوضع الذي كانت فيه الشهر الماضي، عندما قررت حكومة مدريد السماح باستقبالها، ونظمت عملية واسعة لنقل السفينة إلى ميناء فالنسيا الذي لم يكن الأقرب إليها، بعد إصرار السلطات الإيطالية على رفض استقبالها.
وقد أوضحت مصادر الحكومة الإسبانية يومها أن قرار استقبال السفينة اتخذ لأسباب إنسانية، وهو «استثناء، وليس قاعدة يُبنى عليها في المستقبل». يومها، كانت تلك العملية مجزية جداً بالنسبة لرئيس الوزراء الإسباني الجديد، على الصعيدين الداخلي والخارجي، إذ حظيت بترحيب واسع من القوى الشعبية المؤيدة للحكومة، ووضعت بيدرو سانشيز تحت الأضواء الأوروبية في صورة إيجابية، لكن الرئيس الإسباني يواجه معضلة التحرك بصعوبة بين التجاوب مع مطالب ناخبيه الذين يؤيدون استقبال المهاجرين، والخشية من تنامي الاحتجاجات في الأوساط اليمينية، مما قد يؤدي إلى تكرار المشهد الانتخابي الإيطالي.
واليوم، اتجهت الأنظار مباشرة صوب فرنسا، المعنية مباشرة بمصير «أكواريوس» لأكثر من سبب. أول الأسباب أن الموانئ الفرنسية، بعد مالطة وإيطاليا، هي الأقرب أوروبياً، وبالتالي فمن الناحية النظرية، ووفقاً لما هو معمول به على المستوى الأوروبي، وبحسب قوانين البحار، يتعين على فرنسا أن تمكن السفينة من الرسو في أحد موانئها، وإنزال المهاجرين الموجودين على متنها، لكن باريس غير راغبة بالقبول لأسباب سياسية داخلية، بل إن الحكومة الفرنسية لم توافق على مقترحين: الأول جاء من جزيرة كورسيكا، والثاني من مرفأ مدينة سيت (جنوب شرقي فرنسا). وقال مدير مرفأ هذه المدينة المتوسطية الوزير الشيوعي السابق جان كلود غيسو إنه «جاهز» لاستقبال السفينة، حالما توافق السلطات الفرنسية على ذلك، مشدداً على «البعد الإنساني» الذي من المفترض أن يكون البوصلة في التعاطي مع هذه المسألة.
وثاني الأسباب أن مشغلي «أكواريوس» منظمتان إنسانيتان فرنسيتان غير حكوميتين، هما «أطباء بلا حدود» و«إس أو إس متوسط». وبعد «واقعة يونيو»، حيت أبحرت السفينة أياماً طويلة في المتوسط قبل أن تجد مرفأ إسبانياً (فالنسيا) يسمح باستقبال الـ630 مهاجراً على متنها، عادت السفينة البيضاء والحمراء إلى مرفأ مرسيليا من أجل عملية صيانة معمقة، قبل أن تعاود إبحارها في مياه المتوسط بحثاً عن مهاجرين. وحتى تكتمل الصورة، تتعين الإشارة إلى أن «أكواريوس»، المملوكة لشركة ألمانية ولكنها مسجلة في جبل طارق، وترفع بالتالي العلم البريطاني، سوف تخسر سريعاً علمها بسبب طلب من سلطات جبل طارق.
وثالث الأسباب أن الرئيس إيمانويل ماكرون هو من أشد المدافعين عن «المقاربة الأوروبية» الشاملة لمسألة الهجرات غير المشروعة، وضرورة «التضامن» مع إيطاليا واليونان وإسبانيا لمواجهة التدفق المستمر للمهاجرين على شواطئهم. وإزاء «صعوبة» أن تفتح باريس موانئها أمام «أكواريوس»، فإن الرئيس الفرنسي، بحسب مصادر الإليزيه، يجهد عبر اتصالات مع كثير من الأطراف لإيجاد المرفأ الأوروبي الموعود.
وأشارت مصادر الإليزيه إلى أن السلطات الفرنسية «منخرطة في محادثات مع البلدان المعنية (بموضوع أكواريوس)، عملاً بالدواعي الإنسانية، والاحترام التام لقانون البحار، من أجل العثور على المرفأ الأقرب» للسفينة المذكورة، مضيفة أن المرافئ الفرنسية ليست هي الأقرب، ما يعني عملياً استبعاد رسوها في أحدها.
وكما في السابق، فقد انتقدت باريس رفض روما استقبال الباخرة الإنسانية، لكن بعبارات أقل قسوة من تلك التي استخدمتها سابقاً، والتي أثارت جدلاً حامياً واتهامات متبادلة بين العاصمتين.
وأمس، يبدو أن اتصالات ماكرون، وغيره من المسؤولين، قد أثمرت، إذ نقلت صحيفة «جي دي دي» الفرنسية الأسبوعية، ظهراً، عن مصادر في القصر الرئاسي، أن ماكرون استطاع العثور على هذا المرفأ الذي يبعد أقل من خمسة أيام إبحاراً، انطلاقاً من موقع «أكواريوس» اليوم. وجاء التأكيد مباشرة من لا فاليتا ومدريد بعد ظهر اليوم نفسه، على لسان رئيس حكومتي البلدين، ما يضع حداً للاشتباك الأوروبي حول مصير «أكواريوس».
وكانت باريس قد أشادت، في يونيو الماضي، بقبول رئيس الوزراء الإسباني استقبال «أكواريوس»، ودعت إلى الوقوف إلى جانبه، من خلال إعادة توزيع المهاجرين واللاجئين، وأكثريتهم الساحقة من الأفارقة. وقامت من باب إظهار حسن النية والتضامن باستقبال 78 من بينهم. وكذلك فعلت ثلاث مرات متتالية لدى إنقاذ مهاجرين ولاجئين آخرين. وبحسب المنظمتين الإنسانيتين، فإن غالبية المهاجرين من إريتريا والصومال، ونصفهم من القاصرين، وأكثر من ثلثهم من النساء.
ومن حيث المبدأ، تقبل باريس استقبال اللاجئين، لكنها ترفض فتح أبوابها أمام المهاجرين «الاقتصاديين». وفي أي حال، فإنها سنت قانوناً جديداً أخيراً، يصعب شروط اللجوء، ويعطي الحكومة والهيئات المنبثقة عنها صلاحيات إضافية للإسراع في بت الطلبات، وترحيل من لا يحصل على حق اللجوء إلى الجهة التي أتى منها.
ومجدداً، تبرز مسألة «أكواريوس» عجز الأوروبيين عن إيجاد أجوبة ناجعة لمسألة الهجرات واللجوء، رغم القمة الأوروبية الأخيرة، وما وصلت إليه من نتائج. وبعد إيطاليا، يبدو اليوم أن إسبانيا هي الوجهة المفضلة للمهاجرين الذين يتدفقون على جيبي سبتة ومليلة، ولكن أيضاً على شواطئ الأندلس، انطلاقاً من المرافئ المغربية التي لا تبعد سوى 14 كلم عن الشواطئ الإسبانية (عرض مضيق جبل طارق).

إسبانيا نقطة الجذب الجديدة للمهاجرين غير الشرعيين
> أفادت مصادر المنظمة العالمية للهجرة بأنه منذ مطلع هذا العام، وصل إلى سواحل الجنوب الإسباني ما يزيد على الـ22 ألف مهاجر غير شرعي، أي ثلاثة أضعاف الذين وصلوا خلال الفترة نفسها من العام الماضي. ويشكّل هذا العدد 40 في المائة من مجموع المهاجرين غير الشرعيين الذين يدخلون الأراضي الأوروبية من البوابة المتوسطية.
وقد بلغ عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى أوروبا هذا العام 55 ألفاً، أي ما يعادل تقريباً نصف العدد الذي وصل في الفترة نفسها من عام 2017. ويعود السبب في ذلك إلى الانخفاض الكبير في عدد الذين يسلكون «الطريق الإيطالية»، إذ تراجع من 95 ألفاً في العام الماضي إلى 18 ألفاً هذا العام.
وقد أدى انخفاض عدد المهاجرين الذين يصلون لإيطاليا إلى ارتفاع كبير في عدد الذين يسلكون الطرق غير الشرعية للوصول إلى إسبانيا، التي تقدمت على إيطاليا من حيث عدد المهاجرين الواصلين إليها.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...