عميل سابق متهم بالمشاركة في إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل

منفذ العملية أستاذ شريعة قريب من «الجماعة الإسلامية».. ونائب عنها ينفي علاقتها به

عميل سابق متهم بالمشاركة في إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل
TT

عميل سابق متهم بالمشاركة في إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل

عميل سابق متهم بالمشاركة في إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل

شهدت الجبهة الجنوبية للبنان، على الحدود مع إسرائيل، حالة من التوتر فجر أمس، مع إطلاق ثلاثة صواريخ من منطقة مرجعيون - حاصبيا، باتجاه إسرائيل، انفجر أحدها في مكانه، مما استدعى ردا إسرائيليا بقصف خراج بلدة كفرشوبا الحدودية بأكثر من 25 قذيفة، من دون تسجيل أي إصابات في الجهتين.
وتمكنت الأجهزة الأمنية اللبنانية للمرة الأولى في حوادث مماثلة من توقيف المتورطين بإطلاق الصواريخ في وقت قياسي، إذ أوقف فرع المعلومات التابع لقوى الأمن الداخلي، المدعو سمير حسين أبو قيس من بلدة الهبارية، وصادرت سيارته من نوع «رابيد» حمراء اللون، بعد أن عثر في داخلها على بقع دماء. وبنتيجة استكمال التحريات الأمنية وعمليات البحث التي شملت مستشفيات حاصبيا - مرجعيون، وصولا إلى منطقة البقاع المجاورة، أوقفت دورية من فرع استقصاء الجنوب منفذ عملية إطلاق الصواريخ في مستشفى في منطقة البقاع ويدعى حسين عزت عطوي، وهو مصاب بحروق بالغة في جميع أنحاء جسمه بعد أن انفجر أحد الصواريخ في المكان الذي كان يعده للانطلاق منه.
ويتحدر الموقوفان من بلدة الهبارية الحدودية في جنوب لبنان. وقالت مصادر محلية في البلدة لـ«الشرق الأوسط»، فضلت عدم كشف هويتها، إن أبو قيس «كان عميلا إسرائيليا قبل عام 2000، من خلال انتمائه إلى (جيش لبنان الجنوبي)، التابع لإسرائيل خلال احتلالها جنوب لبنان، وقضى محكوميته في سجن رومية شرق بيروت لسنوات بعد أن سلم نفسه إلى السلطات اللبنانية». وقالت إن «جملة تناقضات تحيط بشخصية أبو قيس الذي يعرف عنه في الوقت الحالي عمله لدى النائب السابق فيصل الداود (المقرب من النظام السوري) من دون معرفتها بنوع عمله تحديدا». وأشارت المصادر ذاتها إلى أن أبو قيس «كان مسجونا قبل فترة قصيرة بتهمة الإتجار بالسلاح»، لافتة إلى أن شقيقه مسؤول في «الجماعة الإسلامية».
وفيما يتعلق بعطوي، مطلق الصواريخ، والذي يعتقد أن أبو قيس ساعده في الإعداد للعملية قبل أن ينقله إلى المستشفى، ما يفسر وجود دماء في سيارته، فهو بدوره، وفق المصادر المحلية، ينتمي إلى «الجماعة الإسلامية»، وقالت إنه «يحمل شهادة دكتوراه ويدرس في كلية الدعوة الإسلامية، وهو عضو في تجمع العلماء المسلمين». في المقابل، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بانتماء عطوي «إلى جماعات أصولية» و«اعترافه بأنه كان برفقته شخصان فلسطينيان هما أيضا من الجماعات الأصولية، حيث لا يزال البحث جاريا عنهما بعدما تواريا عن الأنظار».
في موازاة ذلك، نفى النائب اللبناني عن الجماعة الإسلامية عماد الحوت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن يكون لتنظيمه أي علاقة بإطلاق الصواريخ تضامنا مع حركة حماس في غزة. وشدد على أنه «لا قرار رسميا لدى الجماعة بإطلاق الصواريخ أو غير ذلك، خصوصا في ظل الوضع الحرج الذي يمر به لبنان»، موضحا: «إننا لسنا في موقع التبني له».
وعن انتماء أحد الموقوفين للجماعة الإسلامية، قال الحوت: «لا معلومات دقيقة لديَّ والأسماء تحتاج لاستقصاء دقيق، لكن بكل الأحوال لا علاقة لنا بإطلاق الصواريخ»، مميزا بين هذا الموقف و«الموقف السياسي العام من عدوان غزة ووحشية الإسرائيلي، وما قد يثيره هذا العدوان من ردود فعل لدى الشبان العربي عموما وليس فقط اللبناني».
وكان الجيش اللبناني الذي سير دوريات ونفذت وحداته حملة تفتيش واسعة فجر أمس، تمكن من العثور على منصتي إطلاق الصواريخ مع صاروخين مجهزين للإطلاق، وفق ما أفاد به في بيان أصدره أمس، لافتا إلى أن خبيرا عسكريا عطل المنصتين اللتين كانتا مزروعتين في خراج بلدة الماري الحدودية. وذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام»، الرسمية في لبنان، أن «الجيش عثر على حقيبة تحتوي على أجهزة اتصال وبوصلة وخارطة لمكان تركيز الصواريخ، إضافة إلى معدات استعملها المنفذون، وقد عملت عناصر من الأدلة الجنائية على أخذ البصمات وبقايا نقاط دم وجدت في المكان».
وتكررت في الأعوام الماضية حوادث إطلاق صواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل، في عمليات تبنت بعضها مجموعات متطرفة. وكان آخرها في 14 مارس (آذار) الماضي، حينما انفجرت عبوة ناسفة بدورية عسكرية إسرائيلية على الحدود، مما دفع إسرائيل إلى الرد بقصف مدفعي على مناطق في جنوب لبنان. وتبنى الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله في مقابلة صحافية في شهر أبريل (نيسان) الماضي هذه العملية التي أتت بعد أقل من شهر على قصف الطيران الإسرائيلي موقعا للحزب الحليف لدمشق، على الحدود اللبنانية - السورية.
لكنَّ مسؤولين عسكريين إسرائيليين استبعدوا قبل توقيف المتورطين أمس أن يكون «حزب الله» مسؤولا عن إطلاق الصواريخ، فيما قالت الإذاعة الإسرائيلية، إنه «لا بد أنها منظمة فلسطينية صغيرة تريد إبداء تضامنها مع حماس التي يهاجمها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة»، في إشارة إلى العملية العسكرية التي تشنها إسرائيل منذ مطلع الأسبوع ضد حركة حماس في قطاع غزة، والتي أدت إلى مقتل أكثر من مائة شخص.
وفي حين عززت قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) من دورياتها على جانبي الحدود اللبنانية - الإسرائيلية أمس، قال الناطق باسم اليونيفيل أندريا تننتي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه «نحو السادسة من فجر أمس، التقطت رادارات اليونيفيل إطلاق ثلاثة صواريخ باتجاه إسرائيل من منطقة عين عرب في جنوب لبنان»، لافتا إلى أن «السلطات الإسرائيلية أعلمت (اليونيفيل) بسقوط صاروخ واحد في شمال إسرائيل». وأشار إلى أن «إسرائيل ردت بقصف المنطقة العامة التي انطلقت منها الصواريخ»، من دون تقارير عن إصابات.
ونقل تننتي عن قائد «اليونيفيل» في جنوب لبنان الجنرال باولو سييرا قوله، إن إطلاق الصواريخ «يمثل حادثا خطيرا وخرقا لقرار مجلس الأمن الرقم 1701، ويهدف بشكل واضح إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة»، مقدرا الاستجابة السريعة للجيش اللبناني من أجل تعزيز الأمن في المنطقة ومنع وقوع حوادث أخرى مشابهة. وأكد سيرا الحاجة لضبط الأمن وممارسة أقصى درجات ضبط النفس ضد أي استفزاز.
وكان القرار الدولي 1701 وضع حدا للعدوان الإسرائيلي على لبنان في شهر أغسطس (آب) 2006، والذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص في لبنان غالبيتهم من المدنيين، ونحو 160 إسرائيليا غالبيتهم من الجنود.
وقال الناطق باسم «اليونيفيل» في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، إن «اليونيفيل تجري تحقيقات ميدانية بالتعاون مع الأطراف المعنية لتحديد الوقائع وملابسات الحادث»، مؤكدا أن «قيادة بعثة اليونيفيل على اتصال وثيق مع الأطراف وتحثها على اتخاذ أقصى درجات ضبط النفس من أجل منع أي تصعيد للوضع».
من الجانب الإسرائيلي، أعلن الجيش الإسرائيلي أن مدفعيته ردت بقصف مناطق في جنوب لبنان، بعد سقوط صاروخ في شمال إسرائيل من دون أن يؤدي إلى إصابات أو أضرار. وفي حين نقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي قولها، إن «صاروخا سقط في حقل قرب كفر يوفال بين مدينتي المطلة وكريات شمونة»، ذكرت الإذاعة العامة أن صاروخي كاتيوشا سقطا في منطقة تقع إلى شمال كريات شمونة وأصاب أحدهما طريقا في وقت لم تكن تعبر فيه أي سيارة». وأفادت بأن إسرائيل تقدمت بشكوى إلى قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل).



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.