أمير تاج السر: أنتمي لعائلة من الحكائين وأحب الكتابة التي تتحرك مرتدية جنونها

قال لـ «الشرق الأوسط» إن الأديب لم يعد منارة يهتدي بها البعض

أمير تاج السر
أمير تاج السر
TT

أمير تاج السر: أنتمي لعائلة من الحكائين وأحب الكتابة التي تتحرك مرتدية جنونها

أمير تاج السر
أمير تاج السر

قد تحب روايات أمير تاج السرّ أو لا تحبها، قد تستأنس بأسلوبه في السرد أو تتعبك استطراداته، لكنك لا يمكن أن تنكر عليه هذا الدفق الجارف من الحكايات المجنونة والغرائبية التي يرويها، هذه القدرة على رسم مناخات تنقلك إلى عوالم لم تعهدها، ذاك التخييل الذي يسافر بك بعيداً، حد التساؤل عن غزارة النبع الذي يغرف منه ولا ينضب. طبيب، روائي مثابر، له كل سنة رواية، ولا تزال في نفسه الكثير من الروايات التي يتمنى أن يقصها علينا. خلال زيارة له إلى لبنان حكى لقرائه عن منابع إلهامه التي لا تجف، وفي هذه المقابلة يكشف عن طفولته، وقراءاته، وسرّ هذا الشرّ المتواصل الذي تضج بها مؤلفاته.

> أول ما يخطر على البال هو السؤال التالي: أي طفولة عشت، وفي أي بيئة نشأت، لتكتب كل هذه الغرائبيات التي لا تنتهي؟ وكأنك تحتاج للمزيد من المناسبات والحكايات لتروي أكثر وأكثر...
- ولدت في شمال السودان، قريباً من النيل، وقضيت طفولتي في مدينة بورتسودان في الشرق، وجزءا من مراهقتي في غرب السودان، وعملت بعد ذلك في أقصى الشرق، في الحدود الإريترية، وتكونت لدي بالفعل حصيلة كبيرة من الحكايات والمشاهد، وسلسلة من المعارف والأصدقاء وآلاف عبروا بحياتي، وكان لمهنتي جزء كبير من منح الحكايات. ففي مهنة الطب تصادف الناس دائما، وتصادف أسرارهم، ومعاناتهم، إضافة إلى أننا في الأصل قوم حكاءون، والدي، والدتي، خالي، جدتي لأمي، هؤلاء يأتون بالحكايات من حيث لا يستطيع أحد أن يعرف، وينظمون أحياناً نثراً أشبه بالشعر في وصف مفردات الحياة اليومية، وما يمر بهم. إذن كان كل شيء مهيئاً لأستلف منه وأكتب بهذه الغرابة، وهذا الكم من النصوص.
> استكمالاً لما سبق. هل للنساء في الطفولة، والعيش بين الجدات وربما الخالات أو العمات، دور في تغذية حس الحكاية عندك؟
- نعم، كانت والدتي تحب القصص التي تأتي بها من التراث، أو حتى تؤلفها وترويها لنا. وكان ذلك بشكل يومي في الطفولة، وحين نزور قريتنا في شمال السودان، ونلتقي بأهلنا هناك، تبرز حكايات والدتها الكثيرة، والشبيهة بالأساطير، حكايات عن الجن، عن المزارعين، عن التجار، عن الأعراب الذين يعيشون حول البلدة، ويدخلونها للعمل في المزارع، وحتى في بيتنا في مدينة بورتسودان، كان الكثير من قريبات العائلة يأتين ويحكين، وكنت طفلاً شغوفاً بالاستماع، وتدريب الذاكرة على الاحتفاظ بالكثير. وحين أكتب الآن أستعيد كثيراً من تلك الحكايات، وأوظفها بما يلائم نصوصي.
> ثمة في الأسلوب، قصص تولد من رحم قصص، شيء يذكر بالـ«ماتريوشكا» أو اللعبة الروسية، حيث الدمية تخرج من الدمية، ولا نستطيع أن ندرك الفكرة بكليتها إلا عند قراءة الكلمة الأخيرة. هل هو تأثر بالقص العربي القديم؟
- أكيد ثمة تأثر بالقص العربي القديم، خاصة «ألف ليلة وليلة» التي تأثر بتقنيتها الكثيرون، الحكاية تلد الحكاية، لكن لا تتركها هكذا وتتخلى عنها، وإنما هناك الرابط، وهناك الخط الأصلي الذي يحمل على عاتقه النص. أعترف أن المحافظة على إيقاع الكتابة تبدو صعبة أحياناً، خاصة في أعمالي الكبيرة مثل «مهر الصياح» و«توترات القبطي» و«جزء مؤلم من حكاية»، لكن أبذل جهداً، وأقوم بمراجعة النص كثيراً حتى أتأكد من امتلاكه مقومات أن يقرأ بواسطة آخرين. الكتابة منهكة فعلاً، والتميز داخلها يحتاج لجهد مضاعف. وليس معنى أن الكاتب المدرب يستطيع إنتاج نصوص في فترات متقاربة، أنه يتكرر، أبداً، هو يمتلك نصوصه في الذهن ويخرجها متى ما ألحت عليه، وقد اعتدت كتابة نص كل عام مدفوعاً باستفزاز النص الموجود في الذهن.
> روايتك الأخيرة «جزء مؤلم من حكاية» فيها من الشر والبشاعة والأذى، ما يجعلنا نشعر بأننا في عالم يسكنه شياطين وأبالسة. هو جحيم مقيم على مدى أكثر من 300 صفحة. هل أنت إنسان شرير؟ كل قارئ سيطرح على نفسه هذا السؤال. من أين لك كل هذه القدرة على كتابة تفاصيل الحقد والثار والجنون واللامبالاة؟
- بالعكس أنا شخص مسالم إلى أقصى حد. ولم يعرف عني أي ميول للشر منذ طفولتي، لكن بالتدريب على محن الحياة، وما تهبه من خير وشر، أستطيع أن أصبح كل أولئك الشريرين في جزء «مؤلم من حكاية»، والشريرين في «توترات القبطي» و«مهر الصياح»، و«منتجع الساحرات» وغيرها من الأعمال التي تحتمل الخير والشر. الكاتب يستطيع في فترة كتابته أن يصبح أي شخصية، ويتوتر بها إلى أن ينتهي النص ويعود إلى حالته. وقد تحدثت بلسان فتاة هي خميلة في روايتي قبل الأخيرة «زهور تأكلها النار»، وكتبت هواجس المرأة وأدق تفاصيلها ومشاعرها وكان الأمر مستساغاً لدى القراء.
> بالمناسبة ولو باختصار ما هي قراءاتك المفضلة التي تستمد منها «زوادتك» الكتابية؟
- أقرأ كل شيء تقريباً، الأدب وغير الأدب، لكني أحب التاريخ جداً، والآداب الإسبانية واللاتينية، وأقرأ في السير وحياة الشعوب. وأسافر في كل عام إلى بلادي لأعود بحصاد جيد من الحكايات. الكتابة في الحقيقة يمكن لمّها من أي شيء، المهم أن تنضج الفكرة، ويعثر النص على سكته التي سيسير فيها.
> بطلك في «جزء مؤلم من حكاية» مهنته بكل بساطة: قاتل. والرواية كلها مروية على لسان هذا السفاح الذي لا قلب له، ولا دموع، كيف عشت هذا الدور، الذي لا بد أنك تقمصته كي تكتب؟
- كما قلت لك يمكن للكاتب تقمص أي دور أثناء الكتابة، وفي الحقيقة كنت أيام كتابتي تلك الرواية ممتلئا بالكوابيس وأستيقظ أحياناً منتصف الليل وأنا عرقان وألهث لأن ثمة ضحية في النص زارتني، لكن رغم ذلك كنت أكتب وبشكل يومي حتى انتهيت.
> هل كنت بحاجة فعلاً للعودة إلى القرن السابع عشر وبطلك مرحلي يمكن أن يترعرع في أي زمان ومكان. إذ لا نشعر أن للجغرافيا أو حتى للزمن عندك بالفعل من أهمية للقص. وهذا لا يتوقف على الرواية الأخيرة؟
- لا لم تكن ثمة ضرورة ملحة، لكن إحدى هواياتي دراسة الأزمنة التاريخية، والحصول على تفاصيلها، ويستهويني دائماً أن أكتب نصي في عصر اكتشفته، ومن ذلك أن ألقي الضوء على تفاصيل زمن ما، بما في ذلك الحياة الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية.
> قلت إنك منذ زمن بعيد كنت تريد أن تروي هذه الحكاية بالذات أي «جزء مؤلم من حكاية» لقرائك، لماذا؟ ما الذي يجعلها مهمة بالنسبة إليك إلى هذا الحد؟ هل تتقاطع في مكان ما مع أسباب شخصية؟
- قرأت كثيرا عن عالم السايكوباتيين وأحببت الروايات الأجنبية التي تتناول الخلل العقلي الذي يقود للإجرام، ووظفت ذلك في شخصية شمس العلا في روايتي المعروفة: 366، الصادرة 2013، لكن ذلك لم يكفني، أردت كتابة عالم كامل يحتوي على ذلك الخلل أو الاضطراب، ولا أنكر بأنني رغم معاناة الكوابيس والأحلام التي ذكرتها، كنت مستمتعاً حقاً بالكتابة، وسررت جداً حين اكتمل النص وشاهدته في كتاب منشور.
> أنت ابن شقيقة الطيب صالح الذي دوخ قراءه بعوالمه، وغالباً ما يأتي أدباء السودان بعوالم هي بالفعل تشبه الخرافة بأسطوريتها، وأنت بدورك تكمل هذه المهمة، لماذا يستطيع السودان كبلد أن تكون مناخاته عجائبية إلى هذا الحد؟
- السودان بلد عربي وأفريقي في الوقت نفسه، ونحن لا نبحث عن الأساطير لأنها فينا وداخلنا ومن حولنا، وامتزاج الثقافتين يؤهل الكتاب السودانيين ليكتبوا أدباً مختلفاً، حين تقرأين لأي كاتب سوداني، تحسين بطعم البيئة المختلف حتى لو كان يطرق موضوعاً مألوفاً، هذا ما أحسه على الأقل، وكذا تحسين بطعم مختلف للأدب المغاربي والأدب الذي أثرت فيه عوامل كثيرة وطازجة، مثل أدب الحرب لدى السوريين والعراقيين.
> انتقلت من الشعر إلى الرواية، وعملياً دخلت عالم الرواية متأخراً، ما الذي دفعك لخوض هذه المغامرة، وكم بقي من الشعر في نفسك، خاصة وأن روايتك «زحف النمل» هي مزج بين الشعر والنثر بعد أن جعلت إحدى الشخصيات الرئيسية مطرباً؟
- بالعكس أنا دخلت عالم الرواية مبكرا جدا، وليس لي سوى ديوان واحد منشور، وكتبت روايتي «كرمكول» وأنا لا أزال طالبا في الطب في مصر، وظنها كثير من الزملاء الشعراء بيضة الديك لكنها لم تكن كذلك. وحقيقة ما زال الشعر موجوداً بكثافة عندي وأستخدمه في لغتي السردية، وأحياناً أكتب قصائد داخل النص كما حدث في «زحف النمل» حين كتبت قصائد المغني أحمد ذهب، وفي «زهور تأكلها النار» حين كتبت قصائد الشاعر الإسباني رامونا ريماس. ويمكن القول إنني وصلت لصيغة تآخي بين الشعر والسرد في تجربتي، وأصبح لي أسلوبي الخاص.
> تقول إنك روائي، ولست معنياً بالمواقف، ولا تعتقد بأن الأديب له ذاك التأثير الريادي الذي كان ذات يوم، ومع ذلك فإن رواياتك، تحيل حتماً إلى السفك الذي نعيش وذاك الفخ الذي ينصبه القاتل لنفسه، ليسقط في شباكه. ألست في النهاية، تسعى إلى إرساء مبادئ وقيم، من خلال الأدب؟
- نعم، ما زلت مصراً على أن الأديب لم يعد تلك المنارة التي يهتدي بها البعض، وأنه فقد موقعه هذا منذ زمن، لكن لا بأس من بعض التلميحات وبعض المعالجات التي تتحدث عن زمن ما، وقد تأتي الإدانات أثناء الكتابة ووحده القارئ من يستطيع استنباطها والتفاعل معها. بطلي «مرحلي»، فعلاً كان شبيها بهذا الزمن - العار، ويمكن العثور على ذلك في النص.
> يخيل إلي أنك وراء هذه الغابة الكثيفة من الغرائبيات المجنونة إنما تنتهج مسلكاً يشبه ذلك الذي سلكه ابن المقفع في «كليلة ودمنة» سواء في مجرى الأحداث أو في اختيار الأسماء ذات الدلالات، لتقول كل ما تريد وتدعي العكس.
- أنا أحتفي بهذا النوع من القص، أحسه يشبهني وسواء أكان قناعاً أو لا، فأنا أحتفي به، لا أحب الكتابة الراكدة، وإنما تلك التي تتحرك بسرعة مرتدية جنونها، وبشرط ألا تنطمس الحكاية وسط الألاعيب المجنونة.
> في النهاية أنت روائي راهن، مواضيعك ليست بعيدة عما نعيش مهما ادعت العكس. أنت مهجوس بالجنون والفقر والتطرف والإرهاب، والبحث عن التعددية الثقافية. لهذا ما زلت أصرّ على أن ثمة ما يشبه التقية في تناول المواضيع.
- لا أعرف حقيقة موقعي، لكن بكل وضوح، أنا أعيش في زمن فيه الكثير من المواجع والأحلام الموءودة...ازداد الفقر، وكثرت الأعباء على الناس، لذلك قد تبدو كتابتي شبيهة بما يجري، وربما هي مقصرة ولم تجب عن أسئلة الراهن بما يكفي من وجع.



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».