أمير تاج السر: أنتمي لعائلة من الحكائين وأحب الكتابة التي تتحرك مرتدية جنونها

قال لـ «الشرق الأوسط» إن الأديب لم يعد منارة يهتدي بها البعض

أمير تاج السر
أمير تاج السر
TT

أمير تاج السر: أنتمي لعائلة من الحكائين وأحب الكتابة التي تتحرك مرتدية جنونها

أمير تاج السر
أمير تاج السر

قد تحب روايات أمير تاج السرّ أو لا تحبها، قد تستأنس بأسلوبه في السرد أو تتعبك استطراداته، لكنك لا يمكن أن تنكر عليه هذا الدفق الجارف من الحكايات المجنونة والغرائبية التي يرويها، هذه القدرة على رسم مناخات تنقلك إلى عوالم لم تعهدها، ذاك التخييل الذي يسافر بك بعيداً، حد التساؤل عن غزارة النبع الذي يغرف منه ولا ينضب. طبيب، روائي مثابر، له كل سنة رواية، ولا تزال في نفسه الكثير من الروايات التي يتمنى أن يقصها علينا. خلال زيارة له إلى لبنان حكى لقرائه عن منابع إلهامه التي لا تجف، وفي هذه المقابلة يكشف عن طفولته، وقراءاته، وسرّ هذا الشرّ المتواصل الذي تضج بها مؤلفاته.

> أول ما يخطر على البال هو السؤال التالي: أي طفولة عشت، وفي أي بيئة نشأت، لتكتب كل هذه الغرائبيات التي لا تنتهي؟ وكأنك تحتاج للمزيد من المناسبات والحكايات لتروي أكثر وأكثر...
- ولدت في شمال السودان، قريباً من النيل، وقضيت طفولتي في مدينة بورتسودان في الشرق، وجزءا من مراهقتي في غرب السودان، وعملت بعد ذلك في أقصى الشرق، في الحدود الإريترية، وتكونت لدي بالفعل حصيلة كبيرة من الحكايات والمشاهد، وسلسلة من المعارف والأصدقاء وآلاف عبروا بحياتي، وكان لمهنتي جزء كبير من منح الحكايات. ففي مهنة الطب تصادف الناس دائما، وتصادف أسرارهم، ومعاناتهم، إضافة إلى أننا في الأصل قوم حكاءون، والدي، والدتي، خالي، جدتي لأمي، هؤلاء يأتون بالحكايات من حيث لا يستطيع أحد أن يعرف، وينظمون أحياناً نثراً أشبه بالشعر في وصف مفردات الحياة اليومية، وما يمر بهم. إذن كان كل شيء مهيئاً لأستلف منه وأكتب بهذه الغرابة، وهذا الكم من النصوص.
> استكمالاً لما سبق. هل للنساء في الطفولة، والعيش بين الجدات وربما الخالات أو العمات، دور في تغذية حس الحكاية عندك؟
- نعم، كانت والدتي تحب القصص التي تأتي بها من التراث، أو حتى تؤلفها وترويها لنا. وكان ذلك بشكل يومي في الطفولة، وحين نزور قريتنا في شمال السودان، ونلتقي بأهلنا هناك، تبرز حكايات والدتها الكثيرة، والشبيهة بالأساطير، حكايات عن الجن، عن المزارعين، عن التجار، عن الأعراب الذين يعيشون حول البلدة، ويدخلونها للعمل في المزارع، وحتى في بيتنا في مدينة بورتسودان، كان الكثير من قريبات العائلة يأتين ويحكين، وكنت طفلاً شغوفاً بالاستماع، وتدريب الذاكرة على الاحتفاظ بالكثير. وحين أكتب الآن أستعيد كثيراً من تلك الحكايات، وأوظفها بما يلائم نصوصي.
> ثمة في الأسلوب، قصص تولد من رحم قصص، شيء يذكر بالـ«ماتريوشكا» أو اللعبة الروسية، حيث الدمية تخرج من الدمية، ولا نستطيع أن ندرك الفكرة بكليتها إلا عند قراءة الكلمة الأخيرة. هل هو تأثر بالقص العربي القديم؟
- أكيد ثمة تأثر بالقص العربي القديم، خاصة «ألف ليلة وليلة» التي تأثر بتقنيتها الكثيرون، الحكاية تلد الحكاية، لكن لا تتركها هكذا وتتخلى عنها، وإنما هناك الرابط، وهناك الخط الأصلي الذي يحمل على عاتقه النص. أعترف أن المحافظة على إيقاع الكتابة تبدو صعبة أحياناً، خاصة في أعمالي الكبيرة مثل «مهر الصياح» و«توترات القبطي» و«جزء مؤلم من حكاية»، لكن أبذل جهداً، وأقوم بمراجعة النص كثيراً حتى أتأكد من امتلاكه مقومات أن يقرأ بواسطة آخرين. الكتابة منهكة فعلاً، والتميز داخلها يحتاج لجهد مضاعف. وليس معنى أن الكاتب المدرب يستطيع إنتاج نصوص في فترات متقاربة، أنه يتكرر، أبداً، هو يمتلك نصوصه في الذهن ويخرجها متى ما ألحت عليه، وقد اعتدت كتابة نص كل عام مدفوعاً باستفزاز النص الموجود في الذهن.
> روايتك الأخيرة «جزء مؤلم من حكاية» فيها من الشر والبشاعة والأذى، ما يجعلنا نشعر بأننا في عالم يسكنه شياطين وأبالسة. هو جحيم مقيم على مدى أكثر من 300 صفحة. هل أنت إنسان شرير؟ كل قارئ سيطرح على نفسه هذا السؤال. من أين لك كل هذه القدرة على كتابة تفاصيل الحقد والثار والجنون واللامبالاة؟
- بالعكس أنا شخص مسالم إلى أقصى حد. ولم يعرف عني أي ميول للشر منذ طفولتي، لكن بالتدريب على محن الحياة، وما تهبه من خير وشر، أستطيع أن أصبح كل أولئك الشريرين في جزء «مؤلم من حكاية»، والشريرين في «توترات القبطي» و«مهر الصياح»، و«منتجع الساحرات» وغيرها من الأعمال التي تحتمل الخير والشر. الكاتب يستطيع في فترة كتابته أن يصبح أي شخصية، ويتوتر بها إلى أن ينتهي النص ويعود إلى حالته. وقد تحدثت بلسان فتاة هي خميلة في روايتي قبل الأخيرة «زهور تأكلها النار»، وكتبت هواجس المرأة وأدق تفاصيلها ومشاعرها وكان الأمر مستساغاً لدى القراء.
> بالمناسبة ولو باختصار ما هي قراءاتك المفضلة التي تستمد منها «زوادتك» الكتابية؟
- أقرأ كل شيء تقريباً، الأدب وغير الأدب، لكني أحب التاريخ جداً، والآداب الإسبانية واللاتينية، وأقرأ في السير وحياة الشعوب. وأسافر في كل عام إلى بلادي لأعود بحصاد جيد من الحكايات. الكتابة في الحقيقة يمكن لمّها من أي شيء، المهم أن تنضج الفكرة، ويعثر النص على سكته التي سيسير فيها.
> بطلك في «جزء مؤلم من حكاية» مهنته بكل بساطة: قاتل. والرواية كلها مروية على لسان هذا السفاح الذي لا قلب له، ولا دموع، كيف عشت هذا الدور، الذي لا بد أنك تقمصته كي تكتب؟
- كما قلت لك يمكن للكاتب تقمص أي دور أثناء الكتابة، وفي الحقيقة كنت أيام كتابتي تلك الرواية ممتلئا بالكوابيس وأستيقظ أحياناً منتصف الليل وأنا عرقان وألهث لأن ثمة ضحية في النص زارتني، لكن رغم ذلك كنت أكتب وبشكل يومي حتى انتهيت.
> هل كنت بحاجة فعلاً للعودة إلى القرن السابع عشر وبطلك مرحلي يمكن أن يترعرع في أي زمان ومكان. إذ لا نشعر أن للجغرافيا أو حتى للزمن عندك بالفعل من أهمية للقص. وهذا لا يتوقف على الرواية الأخيرة؟
- لا لم تكن ثمة ضرورة ملحة، لكن إحدى هواياتي دراسة الأزمنة التاريخية، والحصول على تفاصيلها، ويستهويني دائماً أن أكتب نصي في عصر اكتشفته، ومن ذلك أن ألقي الضوء على تفاصيل زمن ما، بما في ذلك الحياة الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية.
> قلت إنك منذ زمن بعيد كنت تريد أن تروي هذه الحكاية بالذات أي «جزء مؤلم من حكاية» لقرائك، لماذا؟ ما الذي يجعلها مهمة بالنسبة إليك إلى هذا الحد؟ هل تتقاطع في مكان ما مع أسباب شخصية؟
- قرأت كثيرا عن عالم السايكوباتيين وأحببت الروايات الأجنبية التي تتناول الخلل العقلي الذي يقود للإجرام، ووظفت ذلك في شخصية شمس العلا في روايتي المعروفة: 366، الصادرة 2013، لكن ذلك لم يكفني، أردت كتابة عالم كامل يحتوي على ذلك الخلل أو الاضطراب، ولا أنكر بأنني رغم معاناة الكوابيس والأحلام التي ذكرتها، كنت مستمتعاً حقاً بالكتابة، وسررت جداً حين اكتمل النص وشاهدته في كتاب منشور.
> أنت ابن شقيقة الطيب صالح الذي دوخ قراءه بعوالمه، وغالباً ما يأتي أدباء السودان بعوالم هي بالفعل تشبه الخرافة بأسطوريتها، وأنت بدورك تكمل هذه المهمة، لماذا يستطيع السودان كبلد أن تكون مناخاته عجائبية إلى هذا الحد؟
- السودان بلد عربي وأفريقي في الوقت نفسه، ونحن لا نبحث عن الأساطير لأنها فينا وداخلنا ومن حولنا، وامتزاج الثقافتين يؤهل الكتاب السودانيين ليكتبوا أدباً مختلفاً، حين تقرأين لأي كاتب سوداني، تحسين بطعم البيئة المختلف حتى لو كان يطرق موضوعاً مألوفاً، هذا ما أحسه على الأقل، وكذا تحسين بطعم مختلف للأدب المغاربي والأدب الذي أثرت فيه عوامل كثيرة وطازجة، مثل أدب الحرب لدى السوريين والعراقيين.
> انتقلت من الشعر إلى الرواية، وعملياً دخلت عالم الرواية متأخراً، ما الذي دفعك لخوض هذه المغامرة، وكم بقي من الشعر في نفسك، خاصة وأن روايتك «زحف النمل» هي مزج بين الشعر والنثر بعد أن جعلت إحدى الشخصيات الرئيسية مطرباً؟
- بالعكس أنا دخلت عالم الرواية مبكرا جدا، وليس لي سوى ديوان واحد منشور، وكتبت روايتي «كرمكول» وأنا لا أزال طالبا في الطب في مصر، وظنها كثير من الزملاء الشعراء بيضة الديك لكنها لم تكن كذلك. وحقيقة ما زال الشعر موجوداً بكثافة عندي وأستخدمه في لغتي السردية، وأحياناً أكتب قصائد داخل النص كما حدث في «زحف النمل» حين كتبت قصائد المغني أحمد ذهب، وفي «زهور تأكلها النار» حين كتبت قصائد الشاعر الإسباني رامونا ريماس. ويمكن القول إنني وصلت لصيغة تآخي بين الشعر والسرد في تجربتي، وأصبح لي أسلوبي الخاص.
> تقول إنك روائي، ولست معنياً بالمواقف، ولا تعتقد بأن الأديب له ذاك التأثير الريادي الذي كان ذات يوم، ومع ذلك فإن رواياتك، تحيل حتماً إلى السفك الذي نعيش وذاك الفخ الذي ينصبه القاتل لنفسه، ليسقط في شباكه. ألست في النهاية، تسعى إلى إرساء مبادئ وقيم، من خلال الأدب؟
- نعم، ما زلت مصراً على أن الأديب لم يعد تلك المنارة التي يهتدي بها البعض، وأنه فقد موقعه هذا منذ زمن، لكن لا بأس من بعض التلميحات وبعض المعالجات التي تتحدث عن زمن ما، وقد تأتي الإدانات أثناء الكتابة ووحده القارئ من يستطيع استنباطها والتفاعل معها. بطلي «مرحلي»، فعلاً كان شبيها بهذا الزمن - العار، ويمكن العثور على ذلك في النص.
> يخيل إلي أنك وراء هذه الغابة الكثيفة من الغرائبيات المجنونة إنما تنتهج مسلكاً يشبه ذلك الذي سلكه ابن المقفع في «كليلة ودمنة» سواء في مجرى الأحداث أو في اختيار الأسماء ذات الدلالات، لتقول كل ما تريد وتدعي العكس.
- أنا أحتفي بهذا النوع من القص، أحسه يشبهني وسواء أكان قناعاً أو لا، فأنا أحتفي به، لا أحب الكتابة الراكدة، وإنما تلك التي تتحرك بسرعة مرتدية جنونها، وبشرط ألا تنطمس الحكاية وسط الألاعيب المجنونة.
> في النهاية أنت روائي راهن، مواضيعك ليست بعيدة عما نعيش مهما ادعت العكس. أنت مهجوس بالجنون والفقر والتطرف والإرهاب، والبحث عن التعددية الثقافية. لهذا ما زلت أصرّ على أن ثمة ما يشبه التقية في تناول المواضيع.
- لا أعرف حقيقة موقعي، لكن بكل وضوح، أنا أعيش في زمن فيه الكثير من المواجع والأحلام الموءودة...ازداد الفقر، وكثرت الأعباء على الناس، لذلك قد تبدو كتابتي شبيهة بما يجري، وربما هي مقصرة ولم تجب عن أسئلة الراهن بما يكفي من وجع.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.