منصات عربية في مهمة تقييم مصداقية الخبر

من بينها «أكيد» الأردنية و«ده بجد» المصرية و«تأكد» السورية

«ده بجد» من أبرز منصات تقييم مصداقية الأخبار المنشورة في المواقع الإخبارية
«ده بجد» من أبرز منصات تقييم مصداقية الأخبار المنشورة في المواقع الإخبارية
TT

منصات عربية في مهمة تقييم مصداقية الخبر

«ده بجد» من أبرز منصات تقييم مصداقية الأخبار المنشورة في المواقع الإخبارية
«ده بجد» من أبرز منصات تقييم مصداقية الأخبار المنشورة في المواقع الإخبارية

دور مهم تؤديه منصات تقييم مصداقية الإعلام في الوطن العربي، لتشجيع المؤسسات الإعلامية على الالتزام بمبادئ العمل الصحافي، عبر التحقق من المواد الصحافية باستخدام أداة البحث العكسي الموجودة في «غوغل» لتدقيق الصور والمعلومات.
خبراء في الإعلام قالوا، إن «جميع منصات تقييم مصداقية الإعلام في الوطن العربي تجارب رائدة لأنها تعمل وفق منهجية علمية في تصحيح الأخبار المغلوطة». لكن طالبوا بدعمها لأنها تعتمد على جهود الشباب الذين يعملون طواعية لإيمانهم بأهمية مكافحة الشائعات.
ويشار إلى أن هناك الكثير من التجارب العربية الرائدة في التحقق من صحة الأخبار، وتقييم مصداقية الوسائل الإعلامية، مثل: مرصد «الإعلام الأردني (أكيد)»، وموقع «فتبينوا» الأردني، ومنصة «تأكد» السورية، وموقع «ده بجد»، وموقع «أخبار ميتر»... فضلاً عن التجارب الدولية ومن أهمها، صفحة Check News التي أطلقها موقع «ليبراسيون»، وصفحة «لي ديكودور» على موقع «لوموند»، وقد استخدمت «لوموند» أساليب تقنية، ويعمل في الموقع فريق لتقصي أصل الخبر، وأعلنت «بي بي سي» في يناير (كانون الثاني) 2017، تشكيل فريق للتدقيق في الوقائع، وفضح زيف الأخبار المضللة، وذلك من خلال قسم Reality Check.
ويقول أحمد بريمو، مدير منصة «تأكد» السورية، «تأسست (تأكد) في مارس (آذار) 2016، بثلاث لغات هي «العربية، والإنجليزية، والتركية»، وذلك للحد من انتشار الأخبار المغلوطة والمعلومات المضللة التي تستخدمها الأطراف المتنازعة في سوريا منذ بداية الثورة السورية وحتى الآن، ولتشجيع المؤسسات الإعلامية على الالتزام بمبادئ العمل الصحافي، وخلال فترة عملنا استقبلنا من المتابعين مواد صحافية مشكوك في صحتها عبر البريد الإلكتروني والرسائل الواردة إلينا من صفحة «فيسبوك»، والتي نتحقق منها من خلال 8 صحافيين، وشبكة من المراسلين المنتشرين داخل معظم المناطق السورية.
وأضاف بريمو لـ«الشرق الأوسط»: «تقوم منهجية التقييم على التحقق من المواد الصحافية بمختلف أنواعها، وذلك باستخدام أداة البحث العكسي الموجودة في «غوغل» من أجل التحقق من مصداقية الصور والمعلومات المرفقة، في حين نعتمد على المراسلين للتحقق من المعلومات المقدمة على شكل أخبار أو تقارير، ويتم تقييم المواد الإعلامية المشكوك في صحتها بالتشارك بين العاملين في المنصة، وأحيانا نتواصل مع الأشخاص الذين يتم اجتزاء تصريحاتهم أو تترجم بشكل خاطئ من أجل الوصول إلى الحقيقة». موضحاً: «خصصنا في الموقع أقساماً للأخبار الخاطئة التي تبثها أو تنشرها وسائل إعلام عربية وآخر للعالمية... فالكثيرون يقعون في (فخ) الترويج الإعلامي لطرف على حساب آخر من خلال نشر معلومات خاطئة بقصد أو دون قصد، وبالتالي نتابع الأخبار المتعلقة بالشأن السوري، والأخبار التي يتداولها السوريون».
وقال مدير منصة «تأكد»، من أبرز الفيديوهات التي تم التحقق من مصداقيتها وحققت أكثر من 12 ألف مشاهدة على مواقع التواصل، فيديو تمثيلي لموالين للأسد يروجونه على أنه في الغوطة، وخلال بحث عكسي أجرته المنصة، تبين أن الفيديو عبارة عن تقرير مصور أعده موقع فلسطيني، ونشر على «اليوتيوب» من قبل بعنوان «الخدع السينمائية فن ينقل غزة بصورة مغايرة للعالم».
أما أسامة الرواجفة، مدير تحرير مرصد «مصداقية الإعلام الأردني (أكيد)»، فقال لـ«الشرق الأوسط»، «أدت كثرة المواقع الإخبارية في الأردن إلى تزايد الطلب على الصحافيين الذين تم توظيف بعضهم قبل تأهيلهم جيداً، بالإضافة إلى تركيز الوسائل الإعلامية على عنصر الإثارة وجذب أعداد كبيرة من المشاهدين على حساب عنصر الدقة، وهذه الأسباب دفعت معهد (الإعلام الأردني) في عام 2014 إلى إنشاء مرصد (الإعلام الأردني) بدعم من صندوق الملك (عبد الله للتنمية)، ورئاسة باسم الطويسي عميد معهد الإعلام الأردني، وذلك من أجل دعم حق المجتمع في المعرفة، ومساعدة وسائل الإعلام على تحسين جودة محتواها، إلى جانب تطوير قدرات الصحافيين في الوصول إلى المعلومات من مصادرها، والكشف عن الأخبار الكاذبة»، والمضللة. مضيفاً: «يضم فريق المرصد مدير تحرير، و5 صحافيين متخصصين في رصد محتوى وسائل الإعلام المختلفة ومتابعة قضايا الرأي العام في منصات التواصل الاجتماعي».
وحول آلية تقييم مصداقية وسائل الإعلام، أشار الرواجفة إلى أن المرصد وضع مجموعة من المعايير القابلة للقياس الكيفي والكمي لرصد مصداقية الأخبار المنشورة بالوسائل الإعلامية وهي: «الدقة، والموضوعية، والتوازن، والحياد»، وهذه المعايير خاضعة دوماً للتطوير والتعديل.
في السياق ذاته، وتحت شعار «نحو محتوى عربي خال من الخرافة»، دشن معاذ الظاهر حملة «فتبينوا» الأردنية تحت رعاية شبكة «زدني للتعليم»، وهي عبارة عن منصة تثقيفية وتوعوية لمحاربة الخرافات والشائعات، وبدأ مشروعه بإطلاق قناة على «يوتيوب» عام 2015 لمحاربة الإشاعات المنتشرة على الإنترنت، ثم قام بتدشين صفحة على «فيسبوك»، وقد وصل عدد المتابعين للصفحة 446.208 مُتابع، وبعد ذلك، تم إنشاء الموقع الإلكتروني لحملة «فتبينوا».
ويقول مصطفى محمود، مدير موقع «فتبينوا»، إن «موقعه إلى مكافحة الخرافات المنتشرة على الإنترنت بكل أنواعها لإيصال الحقيقة للجمهور، ويحتوي الموقع أنواعا مختلفة من الخرافات التي قمنا بتصحيحها، مثل: خرافات (إلكترونية، واجتماعية، ورياضية، وطبية)، وتمكنا من الرد على قرابة 650 خرافة تم نشرها في الموقع».
وفي مصر، تعتبر «أخبار ميتر»، و«ده بجد» من أبرز منصات تقييم مصداقية الأخبار المنشورة في المواقع الإخبارية، ويقول هيثم عاطف، مؤسس مبادرة «أخبار ميتر» لـ«الشرق الأوسط»، «انطلقت المبادرة عام 2016، من أجل تشجيع الصحافيين على الالتزام بالمعايير الدولية في الكتابة الخبرية، ويقوم فريق العمل بإدارة حسابات المبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب رصد 24 خبراً بصفة يومية في عدد من المواقع الإخبارية المصرية.
وأضاف: «تقوم منهجية التقييم على مؤشرات الاحترافية، والمهنية، ونسبة الانتهاكات القانونية، والتضليل ونشر الشائعات... ومن أبرز الأسئلة المستخدمة في التقييم، هل المصادر حديثة ومناسبة للموضوع؟، وهل المحتوى مقتبس من المواقع الأخرى؟، وهل الصحافي منحاز لجهة سياسية أثناء كتابة الخبر؟، وهل يحتوي الخبر على معلومات خاطئة؟، وهل هناك أي محاولة للتلاعب بالأوراق أو الإحصائيات أو الأرقام؟».
وأوضح محمد حسنين، عضو فريق منصة «ده بجد»، أن فريق العمل يتكون من ستة أشخاص تحت إشراف هاني بهجت. مؤكداً لـ«الشرق الأوسط»: «تقوم منهجية عملنا على التحقق من صحة الأخبار بأكثر من طريقة، فمثلاً نستعين بتصريح الشخص نفسه، أو الأخبار الواردة من وكالات الأنباء العالمية، والحسابات الرسمية للأشخاص على (فيسبوك) للتأكد من صحة الآراء المنسوبة إليهم».
من جانبه، قال الدكتور محمود علم الدين، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «يعتبر مرصد (الإعلام الأردني) أفضل المنصات الإعلامية التي تُقيم مصداقية الوسائل الإعلامية، لأنه أعد مقياساً يتسم بالشمول والاحترافية، وفي هذا الصدد يجب على المبرمجين والمطورين إنشاء برامج وأدوات تكنولوجية لمساعدتنا في التحقق من صحة الأخبار، والصور، والفيديوهات، لأننا نتعرض لموجة كبيرة من الأخبار الكاذبة والشائعات».
ويرى أحمد عصمت، المدير التنفيذي لمنتدى الإسكندرية للإعلام، أن «جميع منصات تقييم مصداقية الإعلام في الوطن العربي تجارب رائدة، ونحن في أمس الحاجة إليها، وقد كرمنا في الدورة السادسة من منتدى (الإسكندرية للإعلام) الذي عقد في أبريل (نيسان) الماضي موقعي (أخبار ميتر)، و(ده بجد)، بصفتهما من المنصات التي تعمل وفق منهجية علمية في تصحيح الأخبار المغلوطة».
وقال عصمت لـ«الشرق الأوسط»: «أرى أن المنصات العربية يجب أن تقتدي بالتجارب العالمية في التحقق من صحة الأخبار؛ لكن لا ينبغي أن نحملها فوق طاقتها، لأنها معتمدة على جهود الشباب الذين يعملون طواعية لإيمانهم بأهمية مكافحة الشائعات والأخبار المضللة التي تعد من آفات العصر الحديث».



«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».


إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
TT

إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

بينما يبرز الإعلام لاعباً أساسياً في ساحات الحروب، ينقل الأحداث ويؤطر سردياتها، وسط اتهامات بتأجيجه للنزاع في حين، ومساهمته في إشعاله بآخر، فإن دوره بعد أن تضع الحرب أوزارها ويخفت ضجيج القنابل والمدافع يظل محل تساؤل؛ ولا سيما مع ما يلاحَظ من هدوء -وربما تراجع - الاهتمام بمناطق نزاعات عدة مع أولى إشارات السلام.

وشدد خبراء على «أهمية دور الإعلام في بناء رأي عام لإنهاء النزاع»، ولكن هذا الدور «يجب ألا ينتهي بوقف الحرب»، وأشاروا إلى «دور إنساني في كشف حجم الكارثة، ومساعدة الفئات المهمشة حتى لا تتكرر النزاعات مرة أخرى».

هذا الدور أشارت له دراسات عدة، قالت إن «الإعلام الذي لعب دوراً في تأجيج العنف أحياناً، يُفترض أن يتحول إلى أداة للسلام بعد وقف الحرب، ويقدم محتوى يعزز التفاهم المتبادل»، حسب دراسة نشرها موقع «PolSci Institute» في سبتمبر (أيلول) الماضي.

أستاذة الإعلام في مصر، الدكتورة حنان الجندي، قالت إن «وسائل الإعلام تلعب دوراً مهماً في فترات الحروب والنزاعات وما بعدها»، موضحة لـ«الشرق الأوسط» أن «الإعلام مهم في نقل الأحداث على الأرض، وإبراز تداعيات الحرب على الإنسان، لربط الجمهور بما يحدث، وتكوين رأي عام يسهم في وضع حد لتلك النزاعات».

وأشارت إلى أنه «في ظل كثرة المخاطر التي يتعرض لها الصحافيون في مناطق النزاع، اتجهت وسائل إعلام عدة للاعتماد على المواطنين الصحافيين في التغطية الميدانية بديلاً عن الصحافي المحترف، ما أثَّر على جودة التغطية».

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ولفتت أستاذة الإعلام إلى «تراجع التغطية الإعلامية للوضع في غزة، بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رغم أن المعاناة في غزة لم تنتهِ، ما يثير تساؤلات بشأن أسباب تراجع الاهتمام، هل رغبةً في التعتيم؟ أم نقلاً لاهتمام الجماهير إلى مناطق نزاع أخرى؟».

وأشارت دراسة نشرتها جامعة كولومبيا الأميركية عام 2000 إلى «ما تكتسبه الحروب من قيمة إخبارية بالنسبة لوسائل الإعلام، بسبب آثارها الأمنية على الجمهور»، وقالت إن «الصراع بمثابة (الأدرينالين) في وسائل الإعلام. ويتم تدريب الصحافيين على البحث عن الخلافات، والعثور على الحرب التي لا تقاوَم الرغبة في متابعتها. وإذا صادف أن كانت الحرب مرتبطة بهم، فإن الحماس يزداد لتغطيتها».

من جهته، أكد عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، خالد القضاة: «أهمية الإعلام في تغطية الحروب والنزاعات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الصحافي هو أول من يدخل ساحة النزاع وآخر من يخرج منها»؛ مشيراً إلى أن «دوره لا ينتهي بوقف الحرب».

وأوضح أن «الإعلام بعد الحرب يلعب دوراً مهماً في كشف حقيقة ما جرى، والانتصار للفئات الضعيفة والمهمشة، وتوفير بيئة مناصرة لهم، وضمان عدم تكرار النزاع مرة أخرى»، إضافة إلى «دوره في إبراز حجم الجرائم التي وقعت خلال النزاع، والمساهمة في عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب». وقال: «للإعلام دور مهم في الانتصار للإنسان بعد وقف النزاعات».

وهنا تبرز «صحافة السلام» التي يعرِّفها العالمان جيك لينش وآنابيل ماكغولدريك، بأنها «عندما ينتقي المحررون والمراسلون ما تجب الكتابة عنه، وكيفية ذلك، ما يخلق فرصاً للمجتمع كله للنظر في الأمور وتقييمها، وتجنب اتخاذ ردود فعل عنيفة تجاه الصراعات، وذلك اعتماداً على تحليل النزاعات لتحديث مفاهيم التوازن والعدالة، والدقة في إعداد التقارير».

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

وفعلاً، أكد الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، أن «أحد الأدوار الرئيسية لوسائل الإعلام في مراحل ما بعد وقف النزاعات، هو الإسهام في المصالحة، وتحقيق العدالة الانتقالية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن من واجب وسائل الإعلام العمل على تحديد ودعم قوى وأنصار السلام، بدل تأجيج نيران الانقسام بين أطراف النزاع».

وأضاف أن «دور الإعلام في عملية التعافي بعد الحروب يُمكن أن يكون أكثر نجاحاً إذا تحلَّى بعض الصحافيين بمزيد من الدقة، والحذر في اختيار مفرداتهم، مع مراعاة الحساسية العالية للقضايا الجوهرية التي كانت -أصلاً- من أسباب اندلاع النزاع».

ووفق مركز «صحافة السلام العالمي» في جامعة بارك بولاية ميزوري الأميركية، فإن دور الإعلام بعد الحروب يتركز في «خلق جو يفضي إلى السلام، ويدعم مبادرات السلام وصانعيها، من دون المساس بالمبادئ الأساسية للصحافة الجيدة؛ حيث تمنح صحافة السلام صانعي السلام صوتاً، وتجعل مبادرات السلام وحلول اللاعنف أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق».

من جانبه، أشار الصحافي المصري، المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، إلى «هدوء التغطية الإعلامية بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحروب»، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز على مناطق النزاع يتراجع بمجرد انتهاء الأحداث الساخنة، أو تحوُّل النزاع إلى مرحلة طويلة الأمد أو مُجمَّدة؛ حيث يُظهر هذا التباين أن التغطية لا ترتبط بالضرورة بحجم الكارثة إنسانياً؛ بل تتأثر بالجاذبية الجيوسياسية للنزاع، مما يؤدي إلى تضاؤل سريع في الاهتمام بعد انتهاء مرحلة القتال النشط، كذلك ينتقل الاهتمام لملفات أخرى قد تستجد على الساحة، وهي التي بدورها تأخذ اهتمام الجمهور أكثر، أو ما يعرف بـ(الترند الجديد) وهكذا».

وأكد أن «دور الإعلام بعد وقف النزاعات لا بد من أن يركز على الإجابة عن أسئلة تتعلق أكثر بما وراء الأحداث، والحل السياسي، والمستقبل، ومحاولة معرفة ما سيحدث، مع الاهتمام بالجوانب الإنسانية لنقل حجم الكارثة، ودعم جهود التعافي، وبناء السلام»؛ مشيراً إلى أن «الصحافي دوره عادة ما يكون محفوفاً بالمخاطر والتحديات؛ لكنه دور لا غنى عنه في الموازنة بين التراجع الطبيعي في الاهتمام والضرورة الإنسانية والمجتمعية».