نايبول... البحث المسعور عن الخلاص الفردي

نايبول... البحث المسعور  عن الخلاص الفردي
TT

نايبول... البحث المسعور عن الخلاص الفردي

نايبول... البحث المسعور  عن الخلاص الفردي

من يحب إف. إس. نايبول الإنسان، ذا اللسان السليط، الذي رحل أول أمس عن 85 عاماً؟ قليلون. فقد دخل في معارك «أدبية» حتى مع أصدقائه المقربين، ومنهم الإنسان الذي كان الأقرب إليه، الشاعر ديريك والكوت، النوبلي مثله، وابن بلده، ترينيداد؟ ولم يترك بلداً وجنساً إلا هجاه، حتى أسرته، البلد الذي آواه، بريطانيا، لم يسلم من لسانه، رغم أنه تصالح معه أخيراً. رجل ساخط، متبرم من كل شيء، حتى من نفسه، ربما بسبب ذلك الخليط العجيب، الذي ولّده: الهند، الجزيرة الكاريبية، وأخيراً الجزيرة الإنجليزية.
ولكن من لا يحترم نايبول أديباً وكاتباً وروائياً وناثراً؟ قليلون. وقد أشار إدوارد سعيد لذلك، حين انتقد رؤية نايبول الاستشراقية في كتاباته ورواياته، لكنه اعترف أنه ككاتب يفرض عليه احترامه وتقديره.
وإدوارد سعيد ليس وحيداً في ذلك. لقد فرض نايبول احترامه على الجميع تقريباً، حتى أعدائه وهم كثر، رغم أن آراءه عن شعوب، وأمم، وأديان، وحضارات صادرة عن هوى ذاتي، وليست موضوعية إطلاقاً، وقراءاته للتاريخ يصيبها التعسف، وسوء النية، وعدم الحياد في مواضع كثيرة. الأكاديمية السويدية لم تكن على صواب قط حين ذكرت في حيثيات منحه جائزة نوبل عام 2001 أنه «يملك رؤية متكاملة في رواياته، ويمتلك أيضاً وجهة نظر محايدة ونزيهة في الأعمال التي تتناول التواريخ والحضارات الأخرى».
كلا، لم يكن الأمر كذلك. ربما يحترم الكثيرون نايبول لسبب واحد: صدقه. وهذا الصدق لا يعني أنه على صواب. لكننا نشعر أنه على صواب داخل النص، وليس خارجه، وأن دعواه تنتقل إلينا، بالرغم منا. وهذا ما يفعله كل أدب عظيم. أن يأخذك النص إليه، ويأسرك، ويجمد عقلك وأحاسيسك الأولى، ليحل فيك ما يريده هو، قبل أن تعود لعالمك الأول، وذاتك، وعقلك... وقد لا تعود. يشعر القارئ أن هناك شيئاً يعذب نايبول، وهو يصدر عن هذا العذاب، وأن هناك ميلاً، يقترب من درجة الهوس، لرؤية الأشياء كما يريد. لقد هجا ترينيداد، الغارقة في الجهل والتخلف، كما يقول، ولكنك تشعر أن وراء هذا الهجاء الذي يقترب من البغض، رغبةً في أن يراها كما ينبغي أن تكون. هجاء دافعه الحب العميق الذي قد لا يبين.
لم يعرف نايبول ذاته إلا أخيراً. ولعله لهذا السبب أعلن أنه سيعتزل الكتابة قبل نحو عشر سنوات. لم يبق سوط هناك يجلده. لقد شعر، في سنواته الأخيرة في بريطانيا، أنه تصالح مع نفسه، وماضيه، وانتمائه، وما عاد يبحث عن شيء، أو يسعى لدمج الوطن الجديد بالوطن القديم، والثقافة القديمة بالثقافة الجديدة, على عكس والكوت, الأكثر أصالة.
ربما كان نايبول صادقاً حين كتب عام 1990: «إن رحلتي من ترينيداد إلى إنجلترا هي رحلة من الخارج إلى المركز، من الأطراف إلى القلب، قلب الحضارة الغربية، التي هي المركز، وكل ما عداها هي أطراف ولا بد لها أن تنضوي تحت لواء الغرب». وكان قد كتب عندما وصل إلى هذا البلد وهو في الثامنة عشرة من عمره: «عندما وصلت إلى بريطانيا شعرت أنني بلا ملابس، وأنني شخص قبيح أسود». لقد حل «لغز الوصول». كفّ عن البحث عن جذوره، وانطفأت جذوة الكتابة، التي أعطتنا روايات ليس من السهل أن ننساها كـ«منطقة مظلمة» و«في بلد حر» و«منعطف النهر»، و«وهم الظلام»، وخصوصاً «منزل السيد بسواس»، الذي لم يكن سوى نايبول، المتأرجح، شبه الضائع، المقذوف في الهواء، الباحث دائماً عن خلاصه الفردي.



نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.


فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»
TT

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

يتناول كتاب «فتحي عبد السميع... شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة» تجربة الشاعر والباحث فتحي عبد السميع، ويضيء جوانب متعددة من مشروعه الشعري والفكري الممتد عبر ما يقرب من ربع قرن، ويضم عدداً كبيراً من المقالات والدراسات والشهادات التي كتبها عنه شعراء من جيله أو الأجيال السابقة عليه أو اللاحقة، في تجربة تحتفي بالممارسة النقدية للشعراء، تماماً كما تحتفي بتجربة الشاعر نفسه ودواوينه المختلفة.

الكتاب صدر أخيراً عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» بالقاهرة، بتحرير الشاعر أحمد المريخي، وتقديم الناقد الدكتور محمد فكري الجزار، وهو عمل نقدي وتوثيقي يطرح رؤية تتجاوز التعريف التقليدي بالشاعر، مقدماً فتحي عبد السميع بوصفه صوتاً إنسانياً خاصاً، تشكلت تجربته بعيداً عن ضجيج العاصمة ومركزيتها الثقافية، إذ ظل مقيماً في قنا بجنوب الصعيد، يعمل على مشروعه الشعري والبحثي بهدوء ومثابرة، بعيداً عن الصخب الإعلامي.

في تصديره للكتاب، يقول المريخي: «هنا نلتقي بمجموعة من القراءات النقدية التي تناولت تجربة الشاعر فتحي عبد السميع على مدار ربع قرن تقريباً، وهي ليست كل ما كُتب عن فتحي عبد السميع، بل هي الكتابات التي كتبها الشعراء فقط، رغبة في تعويض غياب النقد عن مواكبة التجارب الشعرية الجديدة، أي أننا لا نتناول في هذا الكتاب تجربة الشاعر بقدر ما نتناول قضية (نقد الشعراء) كموضوع يثير الكثير من الأسئلة. ويستحق هو الآخر دراسة نقدية كاشفة لقيمته ودوره في فك الحصار الذهني عن التجارب الجديدة التي تختلف فيها صورة الشعر، عن ملامحها الراسخة في ذاكرة الناس»، ويؤكد المريخي أن تجربة عبد السميع نحتت لنفسها مساراً متفرداً داخل قصيدة النثر المصرية، بعيداً عن التصنيفات الجاهزة أو الألقاب الشكلية.

ويستعرض الكتاب المسار الإبداعي للشاعر عبر دواوينه الشعرية، بدايةً من «الخيط في يدي» الصادر عام 1997، وصولاً إلى «أحد عشر ظلاً للحجر»، فضلاً عن مختاراته الشعرية «عظامي شفافة وهذا يكفي»، مع التوقف أمام السمات الأساسية في تجربته، ومنها التماهي مع معاناة الناس والانشغال بالهامش الإنساني العميق.

ولا يقتصر الكتاب على الجانب الشعري فقط، بل يسلط الضوء كذلك على مشروع فتحي عبد السميع البحثي حول ظاهرة الثأر في صعيد مصر، باعتباره أحد أبرز مشروعاته الفكرية والاجتماعية. ويشير المريخي إلى أن الشاعر لم يكتفِ بدور المبدع المنعزل، بل انخرط في دراسة الظاهرة الثأرية بوصفها خطراً يهدد المجتمع المصري بأكمله، فأنجز مشروعاً بحثياً مهماً صدر منه كتاب «القربان البديل... طقوس المصالحات الثأرية في جنوب مصر»، الذي نال عنه جائزة الدولة في العلوم الاجتماعية عام 2016، ووصل إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد.

ويبرز الكتاب أهمية المزج بين الحس الشعري والرؤية البحثية لدى عبد السميع، معتبراً أن تجربته تمثل نموذجاً نادراً للمثقف المنخرط في قضايا مجتمعه، والساعي إلى تفكيك البنية الثقافية للعنف والثأر عبر أدوات الفن والمعرفة معاً. كما يتناول قصيدة «قاطع الطريق الذي صار شاعراً» بوصفها نموذجاً دالاً على قدرة الشاعر على تفكيك السياق الاجتماعي والنفسي للعنف، وتحويله إلى سؤال شعري وإنساني مفتوح، في محاولة للكشف عن التحولات الداخلية للذات الإنسانية، لا مجرد سرد واقعة أو حدث.

ويقدم الكتاب قضية «النقد الشاعري» باعتبارها إحدى القضايا المركزية التي يدور حولها العمل، إذ يضم مجموعة من القراءات النقدية التي كتبها شعراء عن تجربة عبد السميع، في محاولة لتعويض غياب النقد الأكاديمي عن مواكبة كثير من التجارب الشعرية الجديدة.

وفي مقدمته المعنونة بـ«النقد الشاعري»، يناقش الدكتور محمد فكري الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمي والنقد الذي يكتبه الشعراء، معتبراً أن الشاعر يمتلك حساسية خاصة تجاه التجربة الشعرية، تجعله أكثر قدرة على النفاذ إلى روح النص، بعيداً عن الصرامة المنهجية التي قد تحاصر النص داخل قوالب نظرية جامدة.

ويؤكد الجزار أن تجربة فتحي عبد السميع تستحق مزيداً من الدراسات والقراءات، ليس فقط باعتبارها تجربة شعرية مميزة، إنما أيضاً بوصفها نموذجاً للمثقف الذي جمع بين الإبداع الشعري والانشغال الحقيقي بقضايا المجتمع، وبين الحس الجمالي والرؤية البحثية العميقة.