النظام يمهّد لمعركة فتح طريق حمص ـ حلب وتأمين معاقله في حماة واللاذقية

عشرات الضحايا بقصف عنيف على معاقل المعارضة... وتضارُب حول موعد بدء الهجوم على ريف إدلب

رجل يتفقد ركام أبنية مدمرة بفعل قصف قوات النظام على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي ليلة الجمعة (أ.ف.ب)
رجل يتفقد ركام أبنية مدمرة بفعل قصف قوات النظام على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي ليلة الجمعة (أ.ف.ب)
TT

النظام يمهّد لمعركة فتح طريق حمص ـ حلب وتأمين معاقله في حماة واللاذقية

رجل يتفقد ركام أبنية مدمرة بفعل قصف قوات النظام على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي ليلة الجمعة (أ.ف.ب)
رجل يتفقد ركام أبنية مدمرة بفعل قصف قوات النظام على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي ليلة الجمعة (أ.ف.ب)

يمضي النظام السوري في الاستعداد لمعركة محدودة في ريف إدلب في شمال سوريا، تمكّنه من إعادة افتتاح طريق حمص - حلب الدولي، وتؤمّن مناطق حيوية في حماة واللاذقية، وسط تقديرات بأن يكون «الجيش السوري الحر» المتضرر الأكبر من «عملية إدلب»التي تتضارب المعلومات حول موعد انطلاقها.
وساد هدوء حذر في المحافظات الشمالية غداة قصف عنيف استهدف معاقل مسلحي المعارضة في ريف جنوب محافظة إدلب بشمال غربي سوريا بعد منتصف ليلة الجمعة، مما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين بينهم أطفال. وتوزعت الضربات على مدينة خان شيخون وبلدة التمانعة وبلدتي التح والدرابلة، وتلت مجزرة ارتكبها النظام في بلدة أورم الكبرى بريف حلب الغربي.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن القصف الجوي الذي استهدف ليلة الجمعة - السبت مناطق سيطرة الفصائل المعارضة في شمال سوريا، تسبب في مقتل 53 مدنياً، بينهم 26 طفلاً. وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن، لوكالة الصحافة الفرنسية: «قُتل 41 مدنياً بينهم 25 طفلاً جراء القصف الجوي ليلاً على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي»، بينما قُتل 12 آخرون بينهم طفل في الغارات على محافظة إدلب المحاذية. وكانت حصيلة سابقة قد أشارت إلى مقتل نحو 30 مدنياً.
ووصفت مصادر المعارضة في الشمال، التطورات الأخيرة بأنها «عمليات تمهيدية» عادةً ما يتبعها النظام قبل الانطلاق في حملة عسكرية واسعة، مشيرةً إلى أن المعركة «لها مبررات كافية بالنسبة إلى النظام وروسيا للمضي بها»، في إشارة إلى اتفاق غير معلن بين تركيا وروسيا على إعادة افتتاح خط حمص - حلب الدولي الخاضع في مناطق محددة لسيطرة قوات المعارضة، وتفكيك «جبهة النصرة». وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «ما يتم الآن هو عمليات تحضيرية، تسبق عملية محدودة ستكون على الأرجح قبل سبتمبر (أيلول)»، وذلك خلافاً لما قاله قائد ميداني يقاتل مع القوات النظامية عن أن معركة محافظة إدلب لن تبدأ قبل بداية شهر سبتمبر القادم. وقال القائد الميداني لوكالة الأنباء الألمانية، أمس: «تواصل القوات الحكومية إرسال تعزيزات عسكرية إلى محافظتي حماة وإدلب، وأول تلك التعزيزات توجهت أمس إلى معسكر جورين في أقصى الشمال الغربي من محافظة حماة وقرب مدينة جسر الشغور في ريف إدلب الغربي». وأكد القائد العسكري أن «تعزيزات عسكرية أخرى للقوات الحكومية وصلت إلى مواقع للقوات الحكومية شرق مدينة حماة استعداداً لمعركة ريفي حماة وإدلب».
غير أن سياق المعركة، لن يكون واسعاً، حسب ما يقول الباحث السياسي السوري والخبير في شؤون الجماعات المتشددة عبد الرحمن الحاج، الذي أعرب عن اقتناعه بأنه «إذا ما باشر النظام بالمعركة الآن، فإنه لن يذهب إلى اجتياح كامل، إذ ستكون المعركة محدودة بالسيطرة على طريق حمص - حلب الدولي، وستطال جنوب المحافظة المرتبطة بشمال محافظة حماة بغرض تأمين منطقة وسط سوريا الخاضعة لسيطرته، إضافة إلى السيطرة على جسر الشغور بهدف إبعاد المعارضة عن اللاذقية وتأمين المحافظة الحيوية» التي تعد معقلاً للنظام، وتقيم فيها روسيا قاعدتها العسكرية الأكبر في سوريا.
وقال الحاج: «سيحاول النظام اللجوء إلى المصالحات لتخفيف الخسائر، لكنه في المقابل لن يمضي في عملية واسعة لأسباب عدة أهمها أن هناك مئات الآلاف من اللاجئين الذين قد يتدفقون إلى تركيا، ولا تستطيع تركيا استيعابهم بأكملهم إذا ما اتخذ القرار العسكري بالسيطرة على كامل المحافظة، فضلاً عن أن مشكلة جبهة النصرة لم تُحل بعد»، ما يعني أن جزءاً من المحافظة سيبقى متاحاً لقوات المعارضة، بسبب قضية اللاجئين.
ويقول مطلعون على الملف إن الاتفاق الروسي - التركي الذي تم التوصل إليه في آستانة العام الماضي يتضمن شقين لم يتم تنفيذهما، وسيكونان «ذريعة للنظام للهجوم على إدلب» بعد أن صفّى مناطق سيطرة المعارضة تدريجياً بأرياف دمشق ودرعا والقنيطرة وحمص، وهما ملف طريق حمص - حلب الدولي، وملف إنهاء «النصرة» وتفكيكها، والتوصل إلى حل كامل لمسألة الجماعات المتشددة، وهو ما عملت عليه تركيا منذ أكثر من عام. وقال الحاج: «قطعت تركيا شوطاً كبيراً في جهود تفكيك (النصرة) وإعادة دمج عناصرها، لكنها لم تستطع إنهاء هذا الملف بعد. نحن أمام وضع جديد لـ(النصرة)، بعد انسحابها من أكثر من 400 قرية في وقت سابق، وتركز وجودها في شمال المحافظة، لكنه ليس الوضع المثالي بعد، بالنظر إلى أن عملية تكييفها ودمج عناصرها هي الحلقة الأصعب كونها مرتبطة بملف الأجانب وحل التنظيم نهائياً». لكنه أشار إلى أن التنظيم المتشدد «لن يحل كيانه إلا إذا أحس بأنه معرّض للفناء بالكامل». وقال: «إنجاز عملية كاملة في هذا الوقت غير متاح وغير ممكن، ما يعني أن (النصرة) ستكون لديها قدرة على البقاء، حتى أشهر إلى الأمام على الأقل، ولن تكون معرضة لهجمات كون عملية النظام بعيدة عن مواقع وجودها في الشمال، بينما سيكون (الجيش الحر) وتحديداً (جيش العزة) هو الأكثر تضرراً من العملية المزمع القيام بها، لأنه يوجد في مناطق جنوب المحافظة».
وقال قائد عسكري في «جيش العزة» التابع لـ«الجيش الحر» إن فصائل المعارضة المشاركة في «الجبهة الوطنية للتحرير» تستعد لمعارك محافظة إدلب وريفي حماة الغربي والشرقي، وإن عدد مقاتلي الفصائل أكثر من مائة ألف مقاتل بقيادة فضل الله الحجي على جبهات ريف حلب الجنوبي وجبهات إدلب وريفي حماة الشرقي والغربي وريف اللاذقية.
من جانبه، كشف مصدر رفيع المستوى في المعارضة السورية عن أن تركيا أبلغت فصائل المعارضة في شمال سوريا بضرورة الاستعداد للمعركة وقالت لهم: «استعدوا للمعركة ونحن نتدخل في الوقت المناسب». وأكد المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، لوكالة الأنباء الألمانية: «لن تترك تركيا فصائل المعارضة كما حصل في غوطة دمشق ودرعا، بل سيكون لها وجود قوي في شمال سوريا من خلال الفصائل المرتبطة بها، وتقوم تركيا حالياً بتقديم خدمات من مستشفيات ومعاهد وجامعات واتصالات في مناطق إدلب وريف حلب الشمالي وحماة، لذلك لن تترك الفصائل وحدها بمواجهة القوات الحكومية المدعومة بغطاء جوي روسي». وأشار إلى أن هناك توافقاً روسياً - تركياً على فتح الطرق الدولية في محافظة حلب إن كان لجهة دمشق - حلب أو لجهة حلب والحدود التركية عبر معبري باب السلامة وباب الهوى.
ميدانياً، رصد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» استهداف قوات النظام بمزيد من القذائف المدفعية والصاروخية، لمناطق في قرى الأربعين والزكاة ومعركبة، الواقعة في القطاع الشمالي لحماة، ليرتفع إلى أكثر من 1914 عدد القذائف المدفعية والصاروخية التي أطلقتها قوات النظام مستهدفة مناطق في القطاع الشمالي من ريف حماة والقطاعين الشمالي الغربي والشمالي الشرقي، خلال الأيام الـ35 الأخيرة.
ونقلت وكالة «رويترز» عن «أبو البراء الحموي» وهو من قادة المعارضة المسلحة في شمال حماة، أن الضربات على بلدة أورم الكبرى غرب حلب تسببت في ما وصفه بالمذبحة. وذكرت قناة «أورينت» التلفزيونية المؤيدة للمعارضة أن 20 شخصاً قُتلوا، بينما قال «المرصد» إن 18 شخصاً على الأقل قُتلوا. وكان الجيش السوري قد ألقى منشورات، الخميس، فوق محافظة إدلب تدعو الناس إلى الموافقة على عودة حكم الدولة وتبلغهم بأن الحرب شارفت على نهايتها.
وقال الحموي إن هجمات، أول من أمس (الجمعة)، وهي الأعنف منذ أشهر، بدت جزءاً مما وصفه بالحرب النفسية على السكان. وأضاف لـ«رويترز» أن مقاتلي المعارضة مستعدون لصد أي هجوم محتمل مع قوات الحكومة، مشيراً إلى أن إدلب مختلفة عن بقية المناطق.
وقال محمد رشيد، وهو متحدث باسم «جيش النصر» في محافظة حماة، إن القوات الموالية للحكومة السورية لم تتقدم بعد براً، وإن الهجمات تعتمد على القصف والغارات الجوية.
وذكرت جماعة الخوذ البيضاء للإغاثة التي تعمل في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، على حسابها على «تويتر»، أن براميل متفجرة استُخدمت في القصف.
ونقلت «رويترز» عن الوكالة العربية السورية للأنباء السورية الرسمية، أن الجيش السوري نفّذ عمليات ضد ما وصفها بـ«الجماعات الإرهابية» في ريف حماة الشمالي ودمر عدداً من مقراتها وقتل وأصاب عدداً غير محدد من أفرادها.
وعقب حملة القصف الجوي والمدفعي ليلة الجمعة، ساد هدوء حذر في شمال سوريا، أمس. وتزامن هذا الهدوء مع إدخال القوات التركية شحنة جديدة من الكتل الإسمنتية والجدران مسبقة الصنع، حيث تستخدمها القوات التركية في تحصين نقاطها العسكرية.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».