كتاب وشعراء ونقاد مصريون: نحنّ إلى أجواء رمضان التراثية

يكشفون عما يفتقدونه في الشهر الفضيل

كتاب وشعراء ونقاد مصريون: نحنّ إلى أجواء رمضان التراثية
TT
20

كتاب وشعراء ونقاد مصريون: نحنّ إلى أجواء رمضان التراثية

كتاب وشعراء ونقاد مصريون: نحنّ إلى أجواء رمضان التراثية

لشهر رمضان تأثير كبير على طفولة وتشكيل كثير من الكتاب والشعراء بأجوائه التراثية، والقصص التي كانت تروى في لياليه، التي حلت محلها الآن المسلسلات التلفزيونية كالسيرة الهلالية وغيرها، قد ساهمت في تنمية تغذية الخيال، وما يثيره من تداعيات، وحببت لنا القص الجميل الذي ظل لفترة طويلة مرتبطا بطقوس شهر رمضان، وعاداته اليومية.
هنا كتاب وشعراء ونقاد مصريون يتحدثون عن تأثيرات رمضان عليهم في فترة النشأة الأولى، وما يفتقدونه الآن في شهر رمضان وطقوسهم الكتابية في هذا الشهر.

* الشعر ورمضان
الشاعر عبد الرحمن الأبنودي رجع بذاكرته إلى أيام سحيقة، كاشفا عن مشاعره في شهر رمضان بقوله: «عبر كل هذا الزمان لم أسعد إلا برمضان في طفولتي وهو صاحب الأثر الأكبر في حياتي للآن، حيث لم يكن هناك تلفزيون ولا راديو ولا حتى ساعة ولكنه كان عظيم الشأن فكنا في الطفولة ونحن في تلك القرية البعيدة في أقاصي الصعيد الأعلى بمحافظة قنا نتحلق بعد العصر في أجواء شديدة الحرارة. ولكننا لم نكن نشعر بالحر لانشغالنا باللعب واللهو مع أطفال القرية في ساحة مسجد صغير من دون مئذنة، إذ كان شيخه رجلا ليس له صوت - فقده في حادث - وهو عم الشيخ رفاعي. وكنا نذهب إليه ساعة الغروب ونلتف حول المسجد ونترقبه وهو يصعد لسطح مبنى المسجد حتى يكون بيننا وبينه مسافة ثلاثة أمتار. ونشرئب كلما أخرج ساعته من جيبه كل فترة ثم ننطوي من جديد وهو يدخلها. وعندما تحين اللحظة التي ينظر فيها لساعته ثم يضع يديه على أذنيه ندرك أنه يؤذن لصلاة المغرب وأن وقت الإفطار قد حان! ونقوم نحن بدور أجهزة الإعلام في إخبار أهل القرية بقدوم الإفطار. وكنا نسير على نور السماء فلم تكن هناك كهرباء وكنا نغنى وقتها «افطر يا صايم على الكعك العايم» أي العائم في السمن على الرغم من فقرنا الشديد وعدم وجود هذا السمن عندنا لكنها كانت أمنيات طفولية في أغنياتنا. وما زلت أفرح من كل قلبي حينما أتنسم عبير ذكريات تلك الأيام ومنها تكونت شخصيتي ونما إحساسي بالبيئة، الذي عكسته أعمالي. ولا أنسى ليالي رمضان التراثية وحكاويها الجميلة وشاعر الربابة الذي أثر كثيرا في نفسي وقد قضيت 40 عاما أجمع السيرة الهلالية من كل الأنحاء فالتراث هو أجمل ما أخذته من رمضان. الآن أصبح رمضان «حاجة تانية» وأصبح أسوأ في بلدنا بالصعيد لافتقادهم هذه النزعة التراثية بعد أن سيطر التلفزيون على الأجواء الريفية فأفسدها. وعن نفسي فللأسف الشديد لم تعد حالتي الصحية تسمح لي بأن أعيش تلك الأجواء وأصبحت أكتفي بالقراءة والكتابة وبعض اللقاءات الرمضانية مع الأصدقاء الذين أستقبلهم من حين لآخر هنا في بيتي الكائن بقرية الضبعية الموجودة على أطراف الإسماعيلية لنستحضر معا رمضان في ذلك الزمان.

* فرصة لإطلاق الروح
أما الكاتبة سكينة فؤاد فستذكر، أولا، يوم العبور المصري في مثل هذه الأيام من 1973: «لازلت أستحضر تلك اللحظات الخالدة في يوم العبور العاشر من رمضان من عام 1973 وما زلت أذكر ملامح الحياة في مصر آنذاك فقد كانت الحياة كلها متوقفة انتظارا للحظة إعلان الثأر للكرامة المصرية والعربية، ولازلت أستشعر الفرحة التي انفجرت في ذلك اليوم من شهر رمضان رغم كل التحديات الكبيرة آنذاك فحدوث العبور في شهر رمضان جسد كل معاني وقيم الشهر الكريم وتجليات البطولة النادرة للشعب المصري مع خصوصية لرمضان في بورسعيد مدينتي الباسلة التي عاشت لحظات الحرب والصمود والنصر، فما زلت أذكر فيها زمن المقاومة ورائحة النصر»
أما عن تجربتها الإبداعية الخاصة، وطقوسها في هذا الشهر، فتقول: «لا أستطيع الربط المباشر بين شهر رمضان والإبداع لكنه يمثل لي نوعا من الصلابة الداخلية والتجليات الروحية واستعادتي لكثير من المكونات الأساسية لحياتي في الأيام العادية مثل حبي لمصر القديمة الذي لا أستطيع مزاولته في الأيام العادية والتجرد من الارتباطات المادية الأرضية، أي أن رمضان هو فرصة لإطلاق الروح، كما أن علاقتي بليل رمضان وطيدة، لأن أغلب حياتي ليلية من أجل القراءة والكتابة. لكنى للأسف أستشعر أن رمضان الآن افتقد كثيرا من تلك المكونات التي عشناها في الماضي ولم ننجح في إقامة جسور بين مستحدثات العصر من تقنيات وبين قدسية وجلال الشهر الكريم. فليس معقولا أن يكون شهر رمضان للمسلسلات فقط وكنت أتمنى أن نحيى فيه أيضا تاريخ النضال العربي. أنا أقدر أهمية الدراما ولكن لا يجب الإغراق فيها على حساب تلك القيم فلا شك أننا نفتقد الدراما التي تمثل فريضة إيمانية ودينية لاستعادة المكونات الأصلية لقيمنا وتراثنا ونضالنا».

* سويلم: شهر كتابة
ويتحدث الشاعر أحمد سويلم وعن انطباعاته الرمضانية: «أعتقد أن شهر رمضان اختلف فعلا عما كان عليه. وعلى المستوى الشخصي كان رمضان بالنسبة لي شهر إنتاج وكتابة بشكل جيد وإن كان هذا العام جاء صعبا لقسوة حرارة الصيف مما أوقف الاستمرار في برنامجي الإبداعي المعتاد في هذا الشهر. وللعلم فأنا كائن نهاري لا أحب السهر وحتى في رمضان أعيش حياتي بنفس طقوسي العادية. ولكنى متأثر بتقاليد الطفولة وحلقات الذكر باعتبار والدي كان أحد أكبر المشايخ الصوفية، ومن خلال هذه الحلقات عشقت شعر ابن الفارض وهو ما فتح عيني على الشعر وغرس في حبي له. ومن بين السنوات التي لا أنسى رمضانها «كانت فترة السبعينات وكنت أكتب مسرحية اسمها (الفارس) وأذكر أنني كتبت الفصل الأول ثم توقفت. وحينما جاء شهر رمضان، قلبت في أوراقي القديمة حتى وجدتها، فأكملتها حتى نهايتها بتأثير الأجواء الرمضانية».
وعما يفتقده من رمضان لرمضان عبر الزمان، قال سويلم: «اعتدت منذ عقود على زيارة المعارض الثقافية في شهر رمضان في مناطق حية من وسط القاهرة وكنت أسعد فيها جدا وأقضي أمسيات رمضانية ثقافية رائعة لكن للأسف بعد أن نقلت هذه المعارض في أماكن بعيدة افتقدت هذه المتعة ولا شك أن الحالة الثقافية كلها متأثرة سلبا وإيجابا بالمناخ العام».

* تفسيرا الطبري والزمخشري
أما الناقد الدكتور عبد المنعم تليمة أستاذ علم الجمال الأدبي بجامعة القاهرة فلا يشعر بأي اختلاف بين رمضان ورمضان، ويرى نفسه مستمتعا بالعادات الرمضانية وأجوائها القديمة نفسها. يقول: «إن شهر رمضان في نظري كما كل المسلمين له خصوصية سواء في بهجته أو في التضييق على بعض العادات المتاحة باقي أوقات السنة. وقد ساهمت ظروفي الشخصية في خصوصية أكبر نابعة من قسمين أحدهما نابع من الأسرة والآخر نابع من طبيعة عملي، فقد ولدت لأسرة أقرب للفقر منها لليسر لكنها عرفت في القرية ببيت العلم. وقد نشأت في بيت جدي لأبي عبد الباقي في ظل ثلاثة كتب كبيرة كانت موجودة على رف صغير أمام عيني دائما أولها كتاب القرآن الكريم والثاني في فقه المذاهب الأربعة والثالث صحيح البخاري. وكان جدي متدينا، التدين السهل اللين الحازم في الحق والمتسامح في الأمور الأخرى. وعندما جئت القاهرة كان مسكني في منطقة مجمع الأديان التي كنت أطل فيها من شرفتي على مسجد عمرو بن العاص والكنيسة المعلقة والمعبد اليهودي وهو ما ساهم في تشكيل وجداني الرمضاني. ففي المسجد كنا نصلى العشاء والتراويح في المساء أما فترات النهار فكنا نقضيها تحت أشعة الشمس الجميلة بالكنيسة المعلقة أو المعبد اليهودي مع أصدقائنا، حيث لم تكن هناك أية فوارق. وعندما تخصصت في علم الجمال الأدبي أحد أفرع النقد الأدبي تواصلت دراستي للقرآن تحت إشراف الدكتورة سهير القلماوي فساهم تخصصي أيضا في تشكيل رؤياي لشهر رمضان الكريم وحدث الانسجام بين دراستي العلمية ونشأتي العائلية. وأصبحت في كل رمضان أحرص على قراءة كتابين أساسيين عندي هما تفسير الطبري و تفسير الزمخشري، وهي طقوس لازلت أمارسها حتى اللحظة الحالية وبالتالي لم أفتقد لشيء من عاداتي في الشهر الكريم ولا أجوائه وساهم في الحفاظ على تلك الأجواء الرمضانية عبر الزمان كوني أعيش وحيدا طول عمري وزياراتي للآخرين قليلة.

* الليل للقراءة
ومن أجواء رمضان القاهرية يصحبنا الأديب النوبي حجاج أدول إلى أعماق الجنوب في النوبة ليكشف لنا طقوس الإبداع النوبي الرمضانية. يقول: «رمضان عندنا له خصوصية مكان وزمان في آن فقبل التهجير ارتبطنا بالبيئة النهرية بكل تضاريسها وأجوائها وكانت احتفالاتنا كلها لا تنفصل عن كوننا كائنات نهرية. وفى رمضان أتذكر الموائد الكبيرة أمام البيوت بحيث لا يمكن أن يأكل فرد بمفرده أبدا وكانت توجد مضيفة كبيرة عليها صوان مغطاة ومصنوعة من خوص النخيل ليجلس الجميع أمامها في صفوف يتناولون الطعام دون أي تمييز وكان نفس الأمر داخل البيوت بالنسبة للنساء، وفى الليل كانت جلسات السمر والذكر والمديح بينما كان يلعب الأطفال «الهانداكية» وهى لعبة تشبه الحجلة. وللأسف الشديد افتقدنا هذه الطقوس بعد تهجيرنا من منطقة النيل وافتقدنا معها رائحة ذلك الزمان في رمضان وأتمنى العودة ثانية لبيئتنا الأصلية من جديد. وأنا أديب نهاري الكتابة أما الليل فهو للقراءة فيما عدا الأيام الثلاثة الأولى من رمضان لأنها تكون صعبة على كل النوبيين الذين اعتادوا تناول كوب الشاي بالحليب مع كل صباح وهو ما نحرم منه في الصيام ونستغرق وقتا حتى نعتاد اليوم من دون الشاي بالحليب».



«أغالب مجرى النهر» تؤرّخ لنصف قرنٍ من تاريخ الجزائر

«أغالب مجرى النهر» تؤرّخ لنصف قرنٍ من تاريخ الجزائر
TT
20

«أغالب مجرى النهر» تؤرّخ لنصف قرنٍ من تاريخ الجزائر

«أغالب مجرى النهر» تؤرّخ لنصف قرنٍ من تاريخ الجزائر

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «أغالب مجرى النهر» للكاتب الجزائري سعيد خطيبي. وفيها يصوّر الكاتب أناساً انتهتْ بهم الحياة أسرى أقدارهم.

في «أغالب مجرى النهر» التي تقع في 288 صفحة، مشرحة، وعيادة، وغرفة تحقيق تُستجوَب فيها امرأةٌ متّهمةٌ بمقتل زوجها. وفي الطرف الآخر من المدينة، مناضلون قدامى يرجون رفع تهمة العمالة التي لُفّقَت لهم.

حدثان مختلفان تتكشّف العلاقة بينهما مع تقدّم الرواية التي تؤرّخ لنصف قرنٍ من تاريخ الجزائر؛ من الحرب العالميّة الثانية حتّى مطلع التسعينات، مروراً بحرب التحرير وما تلاها.

أما صاحب الرواية الجزائري سعيد خطيبي، فهو من مواليد عام 1984، صدرتْ له خمس روايات، آخرها «نهاية الصحراء» (نوفل، 2022) التي حازت «جائزة الشيخ زايد للكتاب» (دورة 2023).

وتنشر «الشرق الأوسط» هنا مقتطفاً من «أغالب مجرى النهر» قبل أيام من صدورها:

نويتُ قطع أنفاسِه، لكنْ لم أتخيّل نفسي محتجَزةً في هذا المكان، الذي لا تتعدّى مِساحته خمس خطواتٍ طولاً ومثلها عرضاً، وأنا أقاوم خفَقات قلبي بمناجاة ربّي، راجيةً ألّا يخيِّبني. أشعر بانقباضٍ في معِدتي، وأمتنع عن مدّ يدي إلى صحنٍ معدِنيٍّ، قدّمه إليّ شرطي من كوّة الباب، يمتلئ نِصفه أرزّاً وتمرح فيهِ نملتان. أضغط على أسناني كي لا أبكي، مع أنّ لساني يرغب في الصراخ. لكن لن يبالي أحد بحالي، مثلما لم يبالِ أحد بصُراخات امرأةٍ تقبع في المَحبس المجاور، قضتْ ليلَها تطلب رؤية شخصٍ يُدعى هلالي، وهي تطرق بابَها وتستغيث بأن يُفرجوا عنها، فسددتُ أذنيَّ بكفَّيَّ إلى أن خمد صوتها. ظنّي أنّه قد أُغمي عليها. فآثرتُ الصبرَ مع أنّ أعصابي لا تحتمل طولَ انتظار.

أمسكتُ شعري بيديَّ، أرغب في نتفه. ورغبتُ في التمدّدِ، لكنّني لم أُطق صلابة الأسمنت، في هذا المَحبس الواقع في مخفرٍ، لا وسادة فيه ولا فراش.

لطمتُ خدَّيّ، اللذَيْن رشَحا بدمعٍ ممزوجٍ بعرقٍ، من شدّةِ الحرِّ: يا ربّي، فرّج عنّي!

أُحدّق في الحيطان التي تطوّقني، ولا تفارق مِنخريّ رائحة زنخة فاحت مِنْ مغسلةٍ، مصنوعةٍ من خزفٍ، تشقّق حوضها، وقد نضب الماء من صنبورِها. مثلما نضب من بيوت الناس، فصاروا يشربون ماء الوادي، بعد تصفيته من دود العَلَق.

أحسستُ بصعوبةٍ في التنفس، وخشيتُ أن يطول مكوثي في هذا المكان، فلا أرى أبي مرةً أخرى. أمّا أمّي، فرجّحتُ ألّا يهمّها أمري. قد يحوّلونني إلى سجنٍ بعيدٍ، فلا يتاح لأحدٍ من أهلي زيارتي. وأقبح ما جال في خاطري أن أفقد ابنتي. سوف يسخر منها الأطفال: «أمّكِ في الحبسِ»، وتلوذ بالبكاء كعادتها كلّما سمعتْ ما لا يسرّها. وعندما يُفرج عنّي، بعد أن تتساقط أسناني ويبيضّ شعري، لن تتعرّف إليّ. لن أرافقها إلى المدرسة عندما تكبر، ولن أحضر عرسها. لقد أنجبتُها كي أخسرها.

تلاطمتْ تلك الأفكار في بالي، ورغبتُ في التخلّص من خوفي مثلما رغبتُ في العودة إلى عملي. حياتي بين بيتٍ وعيادةٍ لا في محبس. علّمَني الطبّ كبت قلقي وتحمّل المشقّات. لكنّني نسيتُ كلَّ ما تعلّمتُه، مُصرّةً على أنّ خطأً قد وقع، فأنا لم أفعل شيئاً يستحقّ سَجني. لكن مَن يصدّق كلامي!

شعرتُ كأنّني جروٌ يحاصره أطفال بالركل، وأنا أجول ببصري بحثاً عن حبلٍ أُعلّق عليه رقَبتي، أو آلةٍ حادّةٍ أفتح بها شراييني، فلم أعثر على مُرادي. غطّتْ عينَيّ غِشاوة من كثرة الدمع، وقمتُ زامّةً شفتيَّ كي تكفّا عن ارتجاجهما. تكوي يديَّ حرارةٌ. أرغب في التعاركِ مع أحدهم، أن أهشّم رأس تلك الشرطيّة، التي تفوقني وزناً وتقلّ عنّي طولاً، والتي أودعتني، في اليوم السابق، هذا المكان.

«اقلعي حوايجك!». حال وصولي أمرتْني بعينَيْنِ صارمتَيْنِ أن أتجرّد من ثيابي، فلسعتْ وجنتَيَّ حرارةٌ من شدّة الخجل، وأنا التي لا أتعرّى أمام أقرب الناس إليّ. لكنّني امتثلتُ، وساورني شعور بأنّني أتعرّى من روحي لا ثيابي. أغمضتُ عينَيّ، وهي تجسّ بدني بيدَيها الخشنتَيْن.

«افتحي فمكِ». تفقّدتْ أسناني، ثمّ أمرتني أن أُخرج لساني ففعلتُ. قولي: «عاآآآ». كأنّني شاة يتفحّصها زَبون، عاريةً رحتُ أتساءل في نفسي: علامَ توقّعَتْ أن تعثر؟ مخدّرات أم سلاح؟

أمسكتُ لساني عن نعتها ﺑ«خامجة»، فالغضب حجّة الضعفاء، كما سمعتُ من أبي. لم تعثر على شيءٍ، فأمرتني بنظرةٍ هازئةٍ أن أُعيد ارتداء ملابسي، بعدما حجزتْ خاتَمي وساعة معصمي، ثمّ أغلقتِ الباب بعارضةٍ حديديّةٍ وانصرفتْ. ليتها تعود فأطرق جبهتها الناتئة، لكنّني طرقتُ الباب براحة يدي، مرّة، مرّتَيْن، وثلاثاً: «افتحوا... افتحوا!».

لم أسمع سوى صدى طَرْقي، ثمّ دهمني ارتخاء في يدي وبلعْتُ ريقي. أعدتُ صُراخي وتخيّلتُ ابنتي تدسّ رأسَها في حجري. أظنّني سمعتُ همسَها في أذنيَّ: «ما تخافيش ماما». بل أنا خائفة وأخمّن ما تفعله في غيابي. هل تشتاق إليّ؟ طفَتْ في ذهني صورتها وهي تضحك عندما أشتري لها لعبةً، ثمّ تحدّق إليّ شاكرةً بعينَيْها السوداوَيْن، أو ابتهاجها وهي تلبس ثوباً جديداً. هل بكت في غيابي؟ هل نامت بينما أنا مسجونة؟ خالجني شعور بأنّني أخطأتُ في إنجابها وأذنبتُ في حقّها.

عدتُ إلى الأدعية وتكرار قِصار السور، ثمّ سمعتُ أذانَ الظهر، ما يعني أنّني قضيتُ يوماً كاملاً في هذا المكان. واصلتُ قرع الباب، متجاهلةً الارتخاء الذي اكتسح يدي، عندما أطلّ عليّ شرطيّ من الكوّة، بحاجبَيْن كثيفَيْنِ:

– اصبري... حتى يوصل لَمْعلّمْ.

سألتُ من يكون هذا «لَمْعلّمْ»، من غير أن أُبلَّغ إجابة:

– متى يصل؟

– الله أعلم.

ردّ عليّ ذو الحاجبَيْن الكثيفَيْن، كاشفاً عن أسنانه العلويّة المعوجّة. ثمّ انصرف كمَنْ أسعده ما حلّ بي، غيرَ راغبٍ في سماع أسئلةٍ أخرى، فشتمتُ والديه في سرّي. إنّه من نوع الرجال الذين نستثقل روحهم، دائماً ما أفرض على أمثاله تسعيرة أعلى من غيرهم حين يأتون إلى عيادتي. وقد حفِظتُ ملامحَه، فإن أُفرج عنّي وجاء يشتكي ضرراً في عينَيْه، فسأمتنع عن مداواته.

حضنتُ ساقيّ بين ذراعيّ، كي أُخمد رغبتي في ركل الحائط. قبل أن أسمع وقع خطواتٍ، فاستقمتُ وعدّلتُ تنّورتي. عادتِ المرأة التي تقبع في المحبس المجاور إلى صراخها، وعاد ذو الحاجبَيْنِ الكثيفَيْنِ وفتح بابي: «اتبعيني عند لمْعلّمْ».

عرَفتُ أنّ تلك الكلمة يقصدون بها المحقّقَ، الذي أمرني بالجلوس قُبالته، على كرسيٍّ خشبيٍّ برِجْلٍ أقصر من نظيراتها، في غرفةٍ تتوسّطها طاولة يعلوها هاتف، آلة كاتبة، رزمة أوراقٍ، وكوب قهوةٍ فارغ، يستعمله كمنفضة سجائر، فيما السّاعة المثبّتة على الحائط تجاور عقاربها الواحدة زوالاً.

ظلّ بدني يترنّح وأنا أردّ على أسئلته، التي جعلتْني أندم على ما عشتُه.