مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»

وسط حملة تغيير واسع في الثقافة الاقتصادية والاجتماعية

مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»
TT

مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»

مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»

يقود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تغييراً واسعاً في الثقافة الاقتصادية والاجتماعية. ولدى دخوله بالبلاد إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»، أشار إلى وجود العزيمة لإنجاز هذا التغيير في عدة لقاءات مع الشباب أخيراً. وقال للمصريين في مؤتمر للشباب قبل أسبوع، إن رفض الإصلاح الاقتصادي يعني أننا سنواجه معضلة كبيرة.
عدد سكان مصر يربو الآن على 100 مليون يعيشون في معاناة، منذ عقود، في قلب منطقة الشرق الأوسط التي تعج بالاضطرابات والتربص والحروب. ولكن بات من الممكن أن يرى المرء على جانبي الطرق الدولية الجديدة مشاريع ضخمة لم يُعلن عنها رسمياً بعد، مع مرونة سياسية ودبلوماسية في التعاطي مع تقاطعات تضرب منطقة الشرق الأوسط بين حين وحين. ووفق الدكتور إبراهيم عبد الله، الأستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة، المستشار الاقتصادي لوزارة الداخلية المصرية، فإن «ما يجري تطبيقه الآن من سياسات يعكس إيقاعاً هادئاً، لحقن مجموعة قرارات، في جسد الاقتصاد المصري، لتصحيح وتصويب ما ارتُكب من أخطاء في الماضي».
يتابع العديد من الخبراء والاقتصاديين ويترقبون توجهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للتغلب على الواقع الاقتصادي الصعب، ويعتبرون أن من شأن ما يقوم به تغيير وجه مصر في السنوات المقبلة، مع ملاحظة أن السيسي يفضل مكاشفة الرأي العام بما يجري. وبالفعل، دعا الشعب إلى ضرورة تحمل إجراءات الإصلاح الاقتصادي، قائلاً: «أنتم مَن سيتحمل النجاح والفشل أيضاً بجانب الدولة».
على أرض الواقع تبدو الأسعار حالياً مرتفعة، والحياة مُرَّة، لدى قطاع كبير من عامة المصريين، خصوصاً بعد ما يزيد على سنة من تحرير سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، وكان هذا قراراً لم يجرؤ أي رئيس سابق على الإقدام عليه. غير أنه تظهر اليوم، وفق محللين ومتابعين، بوادر للأمل لكي يشعر الناس بالطمأنينة. فوفقاً للمؤشرات والتقارير الاقتصادية، ومنها تقرير مؤسسة «فيتش» للتصنيف الائتماني، الأخير، تبدو معدلات الاستثمار بمصر مشجعة، وهي على ارتفاع. ويقول رجل الأعمال المصري، محمد أبو العينين: «انظر... في عامي 2011 و2012 كان المعدل صفراً في المائة. أما اليوم فأصبح يزيد على 5.2 في المائة. هذه معدلات جيدة. أقول لك إن هذا إنجاز ضخم جدا، مقارنة بالظروف التي مررنا بها». وبينما تؤكد الحكومة أنها تستهدف مواصلة زيادة معدل النمو للوصول به إلى 7 في المائة وأكثر، تتوقع «فيتش» أن يصل المعدل إلى 5.5 في المائة خلال العام الحالي (2018 - 2019).

انعكاسات الوضع الأمني
في السنوات الثلاث التي أعقبت إطاحة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، فقد الشارع المصري الأمن، وانتشرت أعمال السرقة والإرهاب وخطف السيارات. وصار السفر عبر الطرق السريعة محفوفاً بالمخاطر. كذلك توقفت السياحة الأجنبية المهمة لخزينة الدولة، وهجر كثير من المستثمرين البلاد. وبالتالي، حين تولى السيسي الحكم في منتصف عام 2014 وضع على رأس أولوياته تحقيق الأمن وإنعاش الاقتصاد.
وحقاً، تراجعت العمليات الإرهابية بشكل كبير، بعد اتخاذ إجراءات دقيقة ومعقدة. أما بالنسبة للاقتصاد، فالحقيقة على الأرض تقول إن الشكوى من الغلاء لم تمنع تدفق نحو 15 مليون مصري، إلى سواحل البحر للاستجمام و«التصييف» في شهور الحر الحالية، كما يقول الخبير الاقتصادي الذي يعيش في الساحل الشمالي الغربي، أيمن غازي. وأنعش هذا تجاراً ومشاريع عقارية، وقطاعات النقل السياحي. وظهرت في الخلفية مقاطع مصورة لمشاهير وهم يرقصون بجوار سياراتهم، وهي تتحرك، على أغنية «كيكي»، التي تم حظرها في عدة دول، بعدما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي. وانتشر المصريون بعائلاتهم في المصايف، خصوصاً على الشواطئ الممتدة من الإسكندرية حتى مرسى مطروح. ويقول أيمن غازي: «هؤلاء لديهم قدرة على الإنفاق... وحين تكون هناك حركة، فالكل يستفيد».
ولكن يقول محللون إن الأمر لا يتعلق فقط بإصلاح حكومة السيسي لتداعيات كارثية نتجت عن مرحلة اضطرابات كبرى من عام 2011 إلى عام 2013. ويرون أن القضية تتجاوز ذلك إلى عقود مضت، حين كانت الدولة هي من يقوم بكل شيء نيابة عن المواطن. وفي محاولة لترسيخ أوضاع جديدة، في الوقت الراهن، فإن الدولة ستظل موجودة، لكنها لن تقدم لك الطعام في ملعقة وأنت جالس في البيت؛ فقد ورث المصريون، منذ ما قبل العهد الاشتراكي، مقولة: «إن فاتك الميري (العمل الحكومي) تمرّغ في ترابه».

تركة الاشتراكية
وحاول الرئيس الأسبق أنور السادات تغيير هذا النمط، في أواخر سبعينات القرن الماضي، لكنه لم يكمل الخطة. ومن بعده حاول مبارك فعل الشيء نفسه، وألغى بنوداً اشتراكية و«اتكالية» من الدستور والقانون، وطبق برامج للإصلاح، إلا أنه لم يتمكن من الترسيخ العملي لاقتصاد السوق المتكامل. أما اليوم، حسب الدكتور رشاد عبده، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية: «من حيث المبدأ، الأوضاع تتحسن... نعم، لكن بشكل بطيء». لقد حاول مبارك لي ذراع الأدبيات الخاصة بالاشتراكية، وعلى رأسها الاعتماد على الدولة في التوظيف والسكن ودعم الخدمات والسلع، بما فيها وقود السيارات، إلا أن المقاومة كانت أكبر من إمكانيات النظام السياسي الذي ظل يحكم لمدة 30 سنة. كانت هناك عوامل أخرى، بطبيعة الحال، تحاول أن تحرك الشارع ضد مبارك، من بينها التنظيمات الاشتراكية، وجماعة «الإخوان»، وخصومه الآخرون داخلياً وخارجياً. وشارك الاشتراكيون و«الإخوان» بقوة في الحراك الذي أسقط نظامه في 2011.
وحين تولّت جماعة الإخوان الحكم، برئاسة الرئيس الأسبق محمد مرسي، حاولت أن تفعل كما فعل أتباع الإمام الخميني مع شركائهم في «الثورة الإسلامية» في إيران في 1979. وبدأ إخوان مصر في إظهار «العين الحمراء» للاشتراكيين المصريين، لدرجة أن مرسي كان يلتقي بأغلب مسؤولي الأحزاب ما عدا اليساريين. ولم يكن برنامج «الإخوان» الاقتصادي واضح المعالم. ووقفت غالبية الاشتراكيين في نهاية المطاف مع السيسي، حين وقف ضد سياسات مرسي الفوضوية. لهذا من السهل أن تفهم سبب مؤازرة كثير من اليساريين لنهج السيسي بما فيه من تحولات اقتصادية كبيرة، بشرط توفير السلع الرئيسية بأسعار مناسبة للطبقات الفقيرة. وفي اجتماع لقيادات أحد أهم الأحزاب الاشتراكية في وسط القاهرة، كانت هناك ثقة في إجراءات الرئيس.
ويقول أحد هذه القيادات: «الرئيس السيسي يقوم بالتحديث، ومحاربة الفساد، وهذا مهم بالنسبة لنا». ويضيف: «في الحقيقة نرى أنه يواجه (لوبي) يرفض تحديث المجمعات الاستهلاكية التي تبيع السلع المدعومة للفقراء، ويواجه (لوبي) يرفض عودة التصنيع الوطني (القطاع العام)». ويزيد قائلاً: «في النهاية، وجود رأسمالية وطنية، أفضل من الحكم الفاشي لجماعة الإخوان».
وفي العموم، لم يعد هناك من يقبل في مصر بأن تكون الدولة هي «ماما... وبابا». وهو مصطلح شهير ظهر في فيلم «عمارة يعقوبيان» بطولة الفنان عادل إمام. وبدأت الدولة في تقليب هذه الأرض. ويقول رجل الأعمال محمد أبو العينين: «الحقيقة هناك قرارات جريئة تم اتخاذها، من أجل توصيل الدعم لمستحقيه، ولتقليل فاتورة الدعم التي تتحملها الموازنة العامة للدولة. هذه القصة بالتأكيد تجعل الناس تشعر بالأذى. لكن هناك مزايا على الاقتصاد الكلي. وهذا مهم جداً». ويضيف «أعتقد أن (ترشيد الدعم) عالج مشكلة أساسية كنا نعاني منها خلال الثلاثين سنة الماضية، وهي عملية (ترشيد الاستهلاك). وفي الوقت الحالي أصبح كل واحد يقوم بترشيد نفسه غصباً عنه. عاداتنا وتقاليدنا في الاستهلاك كان يجب أن تتغير منذ فترة طويلة»، ثم يزيد قائلاً: «يوجد برنامج إصلاح، مضت منه سنوات وباقي سنوات. إنه دواء مرّ. ونحن نقوم بالمعالجة. نريد تصحيح سياسات أربعين سنة مضت، حتى يتم بناء مصر الحديثة، من خلال تعمير الصحراء وتدشين المدن الجديدة، وتشغيل عمالة تصل إلى 11 مليون عامل في المشاريع القومية كافة».
من جانبه، يلفت غازي الانتباه إلى طريقة الاستثمار الجديدة المرتبطة بالتحديث ومواكبة العصر، سواء في الطرق أو المنشآت. ويقول إن بعض المستثمرين من المصريين والعرب، أصبحوا يعملون بعقلية أوروبية في التخطيط وتقديم الخدمات. ويضيف: «هؤلاء لديهم خبرة. ويرون أن الأجواء الاقتصادية التي تقدمها الدولة مواتية، سواء في محور قناة السويس، أو في الساحل الشمالي.. نحن ننتقل نقلة كبيرة، لكن، أصارحك القول: هذه النقلة تحتاج إلى تنظيم محلي قادر على مواكبة مثل هذه المتغيرات، وعلى كل حال، سوف تتسبب هذه المشاريع الجديدة في طفرة إيجابية بشكل عام في اقتصاد الدولة».
وعلى كل حال يمكن أن تلمس تغير الطريقة التي أصبح يفكر بها كثير من المصريين، من خلال الدردشة مع سائقي سيارات الأجرة، وأنت تتنقل معهم في شوارع القاهرة. إنهم يشكون من ارتفاع أسعار البنزين إلى أضعاف ما كان عليه أيام مبارك، لكن يوجد تفهم للأمر مع نوع من الصبر. وفي شارع مراد في محافظة الجيزة المجاورة، على سبيل المثال، تنتظر ألوف السيارات لوقت طويل، يومياً، بسبب اختناق المرور أمام ميدان النهضة. وهذا الحال كان مستمراً لسنوات دون علاج. وتقوم الحكومة حالياً بإنشاء نفق للقضاء على مشكلة التكدّس في هذا الميدان، مما فاقم مشكلة المرور أكثر من السابق، وحوَّل السير إلى مسارات جانبية صعبة. ويقول سائق الأجرة وكأنه يحثك على الصبر: «نحن، في مصر، لدينا مشكلات كثيرة. لكننا نعلم أن كل هذا سينتهي، مثلما سينتهي هذا الزحام بمجرد افتتاح النفق قريباً». ويقع على هذا الشارع سفارات عدة. ويوجد فيه كذلك فنادق كبرى ظلت مظلمة في فترة الاضطرابات قبل تولي السيسي الحكم. والآن يمكن أن ترى طوابق بأكملها مضاءة. وهذا يعني عودة الحجوزات سواء للسياح، أو رجال الأعمال. لقد انتهت تقريباً مرحلة الترويج ضد النظام الجديد على ضفاف النيل.

بيئة آمنة للاستثمار
ويقول أبو العينين، الذي يعد قطباً سياسياً واقتصادياً في البلاد منذ عقود: «نعم... كانت هناك حملات منظمة، ومدفوعة، قام بها أهل الشر، لكي يروّجوا بأن مصر غير آمنة للاستثمار، خصوصاً الاستثمار الأجنبي. لكن أريد أن أقول لك إنه في الفترة القليلة الماضية، بدأت الأمور تتحسن بشكل كبير، مقارنة بأعوام 2012 و2013 و2014. وهذا بفضل زيارات متكررة قام بها الرئيس للخارج، وأيضاً بفضل مجهودات بعض الناس ممن جاءوا وقالوا إن الدنيا، في مصر، آمنة. والتفَّ الشعب المصري في ثورته ضد حكم «الإخوان» في 30 يونيو (حزيران) 2013، حول السيسي، حين كان وزيراً للدفاع، وانتخبه رئيساً للدولة بعد ذلك بسنة.
وقال الرئيس في كلمة له قبل شهر، بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة، إن نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه مصر، منذ ذلك الوقت، تشير إلى أننا نسير على الطريق الصحيح. فأثناء حكم «الإخوان» تراجع احتياطي النقد الأجنبي في الدولة إلى أقل من 15 مليار دولار. بينما زاد في ظل حكم السيسي إلى أكثر من 44 مليار دولار. ويهدف الرئيس المصري، في برنامجه الاقتصادي، إلى تحقيق أمرين... الأول وقف تردي الأوضاع الاقتصادية، والثاني تحقيق نهضة اقتصادية واسعة وحقيقية من خلال بنية تحتية ومشروعات عملاقة توفر ملايين فرص العمل.
ويرى الرئيس أن الإصلاح في مصر، تم تأجيله كثيراً في السابق، لكنه اليوم ضرورة وليس رفاهية. ووضع البرلمان والحكومة تشريعات مشجعة، وأسساً لمشاريع عملاقة في مناطق مختلفة من البلاد، بعضها تم افتتاحه رسمياً، وبعضها ما زال تحت الإنشاء. وبالإضافة إلى توسيع مجرى قناة السويس، تقوم ببناء ميناء ضخم في منطقة جرجوب (شمال غربي مصر)، بالإضافة إلى إنشاء أكبر مزرعة سمكية في منطقة الشرق الأوسط على البحر المتوسط، بالتعاون مع مستثمرين عرب وأجانب، إلى جانب المصريين.
أبو العينين، الحاصل على جائزة «أفضل صانع في أفريقيا لهذا العام»، يضيف: «في الحقيقة الدولة المصرية قامت بعمل قانون استثمار جديد، وهذا القانون محفِّز إلى حد كبير. ويعطي مزايا خاصة للاستثمار في بعض المناطق المعينة، وإعفاءات، وغيرها... معدلات الاستثمار في تزايد. وتوقعاتي أنها ستزداد أكثر، لأنه توجد مصداقية لدى الدولة، وجدية بأنه مطلوب مشاركة حقيقية بينها وبين القطاع الخاص؛ فالمستثمر الأجنبي، والعربي أصبح له الحقوق والمزايا ذاتها التي يحصل عليها المستثمر المصري».
وأيا ما كان الأمر، هناك شروط للسير قدماً، دون عراقيل كبيرة، أو، على الأقل، لتسريع الانتقال من حال إلى حال أفضل؛ فمن جانبه، يقول الدكتور رشاد عبده، إنه لكي تقوم بنقلة حقيقية في مصر، فأنت في حاجة لعدة نقاط... «تحتاج، أولاً، أن يكون لديك سياسات اقتصادية ثابتة ومستقرة. وهذا نفتقده. تحتاج لأن يكون هناك تحدٍ حقيقي لمواجهة الفساد والبيروقراطية والروتين، وتحتاج بشكل قوي للاستعانة بالكفاءات، بعيداً عن أهل الثقة».
ويضيف أن البرلمان كذلك «يحتاج إلى أن يقوم بدوره الحقيقي نحو تحسين بيئة ومناخ الاستثمار، وإصدار تشريعات تعمل على جذب الاستثمار، والمستثمرين، وتعطيهم ضمانات، ولا نقول حوافز... هذا كله ليس موجودا بعد. هذه مشكلة كبيرة جدّاً. خصوصاً قضية عدم الاستعانة بالكفاءات. فهذه مشكلة العالم الثالث كله. من الخطأ أن تأتي بالأقرب، لا الأكفأ».
لكن الدكتور عبده يعود ويقول إنه «بلا جدال، المؤشرات الدولية والوكالات العالمية، والمنظمات الدولية، سعيدة بما يتم في مصر... نعم، لأن المؤشرات جيدة، ولأن معدل النمو، بالفعل، يرتفع، ومعدل البطالة ينخفض، وكل شيء جيد»، إلا أنه، مع هذا كله، لديك مشكلة كبيرة، وهي المواطن. ويستطرد: «المواطن يعاني بشدة نتيجة لما سُمِّي بالإصلاح، لأن هناك ضغوطاً عليه من غلاء في الأسعار، ثم هو غير قادر على أن يعيش حياة كريمة. وما إلى ذلك. أعتقد أن هذا هو التحدي».
ويوضح الدكتور عبده أن إقامة «الطرق، وغيرها من المشاريع القومية، هي بلا جدال شيء جيد، لأنها خلقت فرص عمل كثيفة وسريعة... لكن ضخّ الأموال في الخزينة العامة للدولة، معظمها قروض وسندات، بينما المطلوب أن يكون ضخ الأموال في الخزينة العامة من نتاج عمل الشعب المصري». ويزيد قائلاً: «إن شروط إنجاح نظام اقتصاد السوق في مصر، مثلما هو الحال في بيئات رأسمالية كثيرة كدول أوروبا وأميركا، يتطلب (سوق المنافسة الكاملة)»، مضيفاً: «في مصر، للأسف، لدينا سوق احتكار القلة.. عدد محدود يحتكرون السلع، ويتحكمون في الاستيراد، ويتفقون مع بعضهم بعضاً على تحديد الأسعار، بما يفوق طاقة المستهلكين».
أما الدكتور عبد الله، الأستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة، فيقول إن الوضع الاقتصادي في مصر يتلخص في «بضع نقاط، بعيداً عن المبالغات، وبعيداً عن النفاق». ويضيف: «رأس المال، بطبيعته، جبان. ولن يأتي لك أحد للمخاطرة برأسماله في بيئة استثمارية ملتهبة، ما لم تكن هذه البيئة فيها مزايا تنافسية أفضل من بيئات أخرى منافسة لك في منطقة البحر المتوسط».
ويشير عبد الله إلى ارتفاع معدلات الإقبال على الاستثمار في مصر في الفترة الأخيرة بشكل غير مسبوق، «لدرجة أنك حين تذهب إلى مقر هيئة الاستثمار، تجدها تعمل على مدار اليوم، وبسبب الزحام تضطر للانتظار إلى أن يأتي دورك». ويوضح قائلاً أن «هذا دليل على وجود إقبال كبير في هيئة الاستثمار. ووجود رؤوس أموال، وإيداعات في البنوك، وقيد شركات. نعم... هذا دليل على أن بيئة الاستثمار المصرية أصبحت بيئة جاذبة»، ويضيف أن «كل هذا يعكس أمرين... استقرار في الحالة الاقتصادية، خصوصاً بعد تعويم الجنيه، ووصوله لقيمته الحقيقية أمام كل العملات. والأمر الثاني صدور مجموعة من التسهيلات، لا يختلف عليها اثنان. وعلى رأسها المنفذ الواحد في هيئة الاستثمار».
وعن شكوى البعض من عدم شعور طبقات فقيرة بالانتعاشة الاقتصادية بعد، يقول إن «الرضا الحقيقي لا يقاس بالأكل والشرب فقط، ولكن بالوئام العام في حياة المواطنين، مثل توفير رعاية صحية وتعليم ومواصلات وبنية تحتية. وهذا ما تقوم به الدولة في الوقت الراهن، مع توفير الحماية الحقيقية للطبقات الفقيرة. ويدرك السيسي، من خلال أقواله وأحاديثه المفتوحة، أن غالبية المصريين يتحملون معه المصاعب الاقتصادية، وينتظرون العبور من عنق الزجاجة.

السيسي متفائل... والرهان على الإصلاح الاقتصادي
> خلال كلمة للرئيس عبد الفتاح السيسي أمام مؤتمر الشباب، توجه بالتحية إلى «كل رب أسرة، ولكل ربة أسرة، يتحملون، في كبرياء وشموخ، مشاق توفير الحياة الكريمة لأبنائهم... أؤكد لهم أن المستقبل أفضل لهم ولأبنائهم، وأنهم بوعيهم الحقيقي بمتطلبات إصلاح وطنهم، يضربون المثل والقدوة ويثبتون مجدداً مدى حكمة وعبقرية هذا الشعب».
وبين حين وآخر يستخدم الرئيس السيسي روح الفكاهة في مؤتمرات مذاعة على التلفزيون، لتلطيف أجواء الإصلاحات الصعبة؛ فبعد نحو شهرين من زيادة سعر الوقود، في مؤتمر الشباب، تحدث مداعباً الحضور: «تركبون السيارات وتقولون كيكي، وما كيكي»، في إشارة إلى تلك الرقصة. ثم التفت إلى وزير البترول، طارق الملا، قائلاً له: «زوّد البنزين... لا تقلق». وضجّت القاعة بالتصفيق.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.