تصاعد التشنج في علاقات فنزويلا وكولومبيا

وسط لغط حول «محاولة اغتيال» مادورو... ومع تسلم رئيس يميني جديد السلطة في بوغوتا

تصاعد التشنج في علاقات فنزويلا وكولومبيا
TT

تصاعد التشنج في علاقات فنزويلا وكولومبيا

تصاعد التشنج في علاقات فنزويلا وكولومبيا

مضى أسبوع على حادثة الانفجار الذي تسببت به طائرتان مسيّرتان بدون طيار (درون) قرب المنصّة الرسمية في العرض العسكري بمناسبة ذكرى تأسيس الحرس الوطني الفنزويلي وسط العاصمة كاراكاس. وليس واضحا بعد ما إذا كانت محاولة لاغتيال الرئيس نيكولاس مادورو، أو حادثا عرضيّا سارع النظام إلى استغلاله لتضييق الخناق على المعارضة التي بدأت تظهر علامات الوهن والتصدّع في صفوفها، أو أنها رسالة من الأوساط العسكرية التي يشاع الكثير أخيرا عن تنامي تيّار المعارضين للنظام فيها.
الأمر الوحيد الأكيد هو أن حملة واسعة جديدة من القمع ضد القيادات المتشدّدة في المعارضة قد بدأت، بينما دخلت العلاقات المتوترة بين فنزويلا و«جارتها» كولومبيا في نفق مظلم ومفتوح على كل الاحتمالات.
ما الذي حصل فعلا في تلك الحادثة؟ وما هي تداعياتها المحتملة على مستقبل الأزمة الفنزويلية المستفحلة على كل الجبهات؟ وكيف ستؤثر على العلاقات الثنائية بين كاراكاس وبوغوتا؟
يوم السبت الماضي، في فنزويلا، كان الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وعقيلته وأركان القيادات العسكرية يستعرضون وحدات من القوات المسلحة في الاحتفال السنوي بمناسبة تأسيس الحرس الوطني في العاصمة كاراكاس. وفجأة سُمِع دوي انفجارين على بعد أمتار من المنصّة الرئيسية حيث دبّ الذعر بين الواقفين عليها، فسارع الحرس الخاص بالرئيس لحمايته بالدروع المضادة للرصاص وإجلائه، فيما كانت الوحدات المشاركة في العرض تتفرّق في حال من الذعر والفوضى. في تلك الأثناء انقطع البثّ التلفزيوني المباشر الذي كان ينقل وقائع الاحتفال، ثم أفادت مصادر حكومية بأن الانفجارين نَجَما عن طائرتين مسيّرتين تمكّن قنّاصو الشرطة من إسقاطهما.
وبعد ساعتين من وقوع الانفجار وانفراط العرض العسكري تحدّث مادورو إلى مواطنيه عبر التلفزيون ليقول إنه نجا من «محاولة الاغتيال»، ويوّجه اتهاما مباشرا إلى الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس - الذي كان على وشك تسليم الرئاسة إلى خلفه - بأنه يقف وراء محاولة اغتياله «عن طريق قتلة مأجورين». ورغم التوتّر الذي يسود العلاقات بين فنزويلا وكولومبيا منذ سنتين، شكّلت اتهامات مادورو مفاجأة كبيرة من حيث كونها تصعيدا غير مسبوق في المواجهة الشفويّة المفتوحة بين البلدين، ولا سيّما أن الرئيس الفنزويلي لم يدعم اتهاماته بأي أدلّة قاطعة أو قرائن واضحة. وجاء في كلمته المتلفزة: «لقد حاولوا اغتيالي.. إنه اليمين المتطرف في كولومبيا وفنزويلا بتوجيه من خوان مانويل سانتوس». وأردف أن أجهزة الأمن ألقت القبض على عدد من المشتبه بهم، وجمعت كل الأدلة التي تدين من يقفون وراء المحاولة، مضيفا: «فلينسوا العفو، لأن العدالة ستُنزل بهم أشد العقاب».

نفي بوغوتا الاتهام
ثم بعد ساعات من توجيه مادورو التهم إلى الرئيس الكولومبي، صدر عن وزارة الخارجية الكولومبية في بوغوتا بيان ينفي بشدّة التهمة التي وجهها الرئيس الفنزويلي إلى سانتوس، ويصفها بأنها «سخيفة، ولا أساس لها من الصحة». واستطرد البيان: «لقد عوّدنا الرئيس الفنزويلي على توجيه التهم إلى كولومبيا كلّما تدهورت أوضاع نظامه وازدادت النقمة الشعبية ضده. إننا نطالب فنزويلا باحترام رئيس جمهورية كولومبيا وحكومتها وشعبها».
غير أن الحكومة الفنزويلية، من جهتها، ردّت بلسان نائب الرئيس لشؤون الثقافة والاتصالات والسياحة خورخي رودريغيز الذي قال: «بيّنت التحقيقات الأوليّة أن طائرتين مسيّرتين صغيرتين مجّهزتين بعبّوات ناسفة انفجرتا قرب المنصّة الرئاسية وبين الوحدات العسكرية التي كانت تشارك في العرض، ولقد تمكّن قنّاصو القوات الخاصة من إسقاط الطائرتين»، بيد أن وكالة «أسوشييتد بريس» للأنباء نقلت عن رجال إطفاء كانوا موجودين في مكان الحادث، أن الانفجار نجم عن قنينة غاز في إحدى الشقق القريبة من المنصّة الرسمية التي كان مادورو يتابع منها العرض. كذلك ذكرت مصادر صحافية، نقلا عن ضابط كان يقف على بعد 5 أمتار من مادورو وطلب التكتم على اسمه، أنه لم يسمع أي طلق ناري بعد وقوع الانفجار، ما يدحض البيان الرسمي الذي جاء فيه أن قنّاصي الشرطة تمكّنوا من إسقاط الطائرتين. وأضاف الضابط: «إن إصابة طائرة مسّيرة بطلق ناري خلال تحليقها شبه مستحيل».
هذا، وبينما كان مادورو يوجّه التهمة إلى الرئيس الكولومبي، كان رئيس الجمعية التأسيسية الفنزويلية - التي يسيطر عليها النظام اليساري بعد انتخابها العام الماضي ومصادرتها صلاحيات البرلمان الذي تتمتع فيه المعارضة اليمينية بالغالبية - يوجّه أصابع الاتهام إلى المعارضة في تغريدة له جاء فيها: «يصرّ اليمين الفاشي على استخدام العنف لاحتلال مواقع عجز عنها عبر صناديق الاقتراع. لن يتمكّنوا من إسقاطنا».
وفي خضّم الارتباك المحيط بملابسات الحادثة، أعلنت إحدى الحركات المعارضة المعروفة باسم «جنود فرانيلا» مسؤوليتها عن العملية، وأعلنت عبر حسابها على «تويتر»: «هدفنا كان المنصّة الرئاسية، إلا أن القنّاصين أسقطوا الطائرتين قبل وصولهما. يعرفون أنه بإمكاننا الوصول إليهم، إنها مسألة وقت لا أكثر». لكن مصادر مستقلّة تشكّك في هويّة هذه الحركة، وترجّح أنها من «فبركة» استخبارات النظام والخبراء الكوبيين الذين يسيطرون عليها.
بل تشير مصادر دبلوماسية غربية في كاراكاس إلى أنه ليس من المستبعد أن تكون العمليّة رسالة من بعض الأوساط العسكرية الموالية لخط الرئيس الراحل أوغو تشافيز والمعارضة لنظام مادورو، والتي تسري شائعات حول دعمها التحضيرات الجارية منذ أسابيع في مناطق عدة لتنظيم حركة عصيان مدني بهدف الضغط على النظام لفتح قنوات الحوار مع المعارضة السياسية وتشكيل حكومة انتقالية تنصرف إلى التهدئة الاجتماعية ومعالجة الأزمة المعيشية الخانقة ومكافحة الفساد.

مزيد من الغموض واللغط
ما يزيد من الغموض المخيّم على حادثة الانفجار التي يقال إن النظام يسعى إلى استغلالها بهدف التصعيد على كل الجبهات، أن أجهزة الأمن بادرت بعيد وقوع الحادثة إلى مصادرة أجهزة التسجيل وأشرطة الفيديو التابعة لشركة التلفزيون الرقمي الخاصة التي كانت تنقل وقائع العرض العسكري، واحتجزت طاقم الصحافيين والفنيين الذين كانوا يغطّون الاحتفال، والذين لا يُعرف شيء عن مكان وجودهم حتى اليوم. وتوقّف مراقبون دبلوماسيون في كاراكاس عند مظاهر الهلع التي تملّكت وجوه القيادات السياسية والعسكرية للنظام، وفي طليعتهم مادورو، عند سماع دوي الانفجار، وتفرّق الجنود المشاركين في العرض باتجاهات مختلفة.
وبررّت الحكومة هذه المشاهد - التي كانت آخر ما نقله التلفزيون قبل انقطاع البثّ - بأن الجنود كانوا من المتطوعين والمتدربين، مع العلم أن الحرس الوطني يشكّل سلاح النخبة في الجيش الفنزويلي، وهو الذي تولّى قمع المظاهرات الحاشدة في البلاد منذ مطلع العام الماضي، ما أدى إلى وقوع أكثر من 100 قتيل مدني ووقوع آلاف الجرحى. وكان الرئيس السابق أوغو تشافيز قد أمر بتسميته «الحرس الوطني البوليفاري» بعدما غيّر الاسم الرسمي للدولة ليصبح «جمهورية فنزويلا البوليفارية» نسبة لمحرر أميركا الجنوبية سيمون بوليفار.
المؤشرات الأولى على تصعيد حملات القمع ضد المعارضة السياسية ظهرت بعد الساعات الأولى من وقوع حادثة الانفجار عبر التصريحات والبيانات الرسمية التي صدرت عن كبار المسؤولين وفي طليعتهم الرئيس مادورو. كذلك أصدرت المحكمة العليا يوم الأربعاء الماضي مذكّرة توقيف غيابيّة بحق النائب المعارض والرئيس السابق لمجلس النواب خوليو بورخيس بتهمة «القتل المتعمّد» بصفته مسؤولا عن محاولة الاغتيال. وافقت الجمعية التأسيسية خلال أقل من نصف ساعة على طلب النيابة العامة رفع الحصانة البرلمانية عن بورخيس وعن نائب آخر معارض هو خوان ريكيسنس، الذي يقود التحركات الطلابية، وألقي القبض عليه في اليوم التالي ولا يُعرف شيء عن وضعه. ويُعتبر بورخيس من المرشحين لقيادة المرحلة الانتقالية في حال سقوط مادورو، وهو يقوم بجولة في عدد من البلدان الأميركية اللاتينية والأوروبية يدعو فيها «الحكومات الديمقراطية إلى دعم المعارضة وعزل نظام مادورو».
ولقد تبلغ بورخيس قرار رفع الحصانة البرلمانية عنه عندما كان في العاصمة الكولومبية بوغوتا، حيث يقيم منذ أشهر، مجتمعا برئيس مجلس الشيوخ هناك، فعلّق قائلا: «منذ سنوات والنظام يوجّه إلينا كل أنواع التهم... من التواطؤ في محاولات انقلابية إلى التخطيط لقصف العاصمة بالطيران إلى تجارة الرقيق والإرهاب. لقد فقد النظام كل صدقيته في الداخل كما في الخارج». وفي جلسة عقدتها الجمعية التأسيسية في اليوم التالي تقرر رفع الحصانة البرلمانية عن 5 نواب آخرين من المعارضة متهمين بالتواطؤ في حادثة الانفجار، على أن تنظر الجمعية خلال جلسة لاحقة في 7 طلبات أخرى مشابهة.
ومن جهته، أعلن المدّعي العام للدولة طارق صعب أن أجهزة الأمن قد ألقت القبض على الأشخاص الأربعة الذين كانوا يتولّون تشغيل الطائرتين المسّيرتين، ووعد بكشف مزيد مما وصفه «بالأدلّة الدامغة التي تدين مسؤولين في المعارضة».
ومن بوغوتا، في طريقه إلى الولايات المتحدة للاجتماع بالأمين العام لمنظمة الدول الأميركية في واشنطن ثم بالأمين العام للأمم المتحدة في نيويورك، وجّه بورخيس تحذيرا إلى مادورو جاء فيه: «إن أيامك في السلطة معدودة، ولن يكون بوسعك الإفلات من العقاب لانتهاكك حقوق الإنسان وتدمير الديمقراطية». وتابع: «لا أحد يريد العنف في فنزويلا. وحده مادورو هو الذي يحرّض على العنف، لذلك نحن بحاجة إلى التغيير والحرية بالوسائل السلمية وعن طريق الديمقراطية بأسرع وقت».

الفنزويليون والمعاناة اليومية
في غضون ذلك يواصل الفنزويليون مسلسل العذابات اليومية لتوفير الطعام ومستلزمات الحياة الأساسية في ظروف مأساوية على كل الأصعدة. «التغيير» Cambio تعبير على كل شفة ولسان. البعض يرى فيه نهاية نظام مادورو الذي جعل الدولة التي تملك أكبر مخزون للنفط في العالم تستجدي الطعام والدواء، والبعض الآخر يرى فيه منعطفا جذريا في حياة مجبولة بالمشقّات، لكن الجميع يتملكّهم شعور بالإحباط من احتمالات حدوثه في القريب المنظور.
القمع الذي بلغ مستويات غير مسبوقة، والتضخّم الجامح الذي أفقد العملة الوطنية «البوليفار» قيمتها التداولية، يرسّخان الشعور بنقمة عميقة يحول دون انفجارها إمساك النظام بالمعونات الأساسية التي يقدمها للطبقات الشعبية التي باتت حياتها مجرد كفاح من أجل البقاء أو زوال الشقاء.
المطالبة بالتغيير لم تعد مقصورة على المعارضة، بل غدت منتشرة على نطاق واسع بين الأوساط الشعبية المؤيدة لحركة الرئيس السابق تشافيز Chavismo، لكن الغالبية العظمى فقدت الرغبة في مواصلة النضال والإيمان بإمكانية التغيير، ما يتيح لنظام مادورو أن يستمرّ فوق أهرام العذاب والإحباط التي ترتفع في هذه الكارثة الاجتماعية.
أكثر من مليون مواطن في العاصمة كاراكاس يبحثون عن قوتهم كل يوم بين أكوام القمامة، ومعظم المستشفيات الحكومية تفتقر إلى أدوية أساسية مثل المُسكّنات والمُضادات الحيوية والضمادات. المواصلات العامة شبه مشلولة، وخدمات المياه والكهرباء تنقطع ساعات يومياً، بينما بلغ معدّل انهيار «البوليفار» مستوى بات معه الحد الأدنى للأجور لا يكفي لشراء كيلوغرام من الأرز أو علبة من سمك التونة. الطحين والملح والسكر والحليب هي المواد التي «يشتري» بها مادورو صمت الطبقة الشعبية المغلوبة على أمرها، أو أصواتها في الانتخابات، ويتحصّن وراء «الميليشيا» التي تضمّ 400 ألف مدني من الشرائح الاجتماعية الفقيرة التي وزّع عليها النظام الأراضي وأغرقها بالإعانات ودجّجها بالسلاح «لدعم الجيش في الدفاع عن الثورة».
منذ أشهر والحكومة تلزم الصمت التام حول فضائح الفساد الضخمة التي طالت مسؤولين كبارا في شركة النفط الوطنية والقطاع المصرفي العام والإدارة العسكرية. أكثر من 1200 مليون دولار تبخّرت بين عامي 2014 و2015 من خزينة شركة النفط التي توفـّر 96 في المائة من العملة الصعبة للبلاد، في حين تتحدث وزارة العدل الأميركية عن استثمارات بمئات ملايين الدولارات يملكها أنسباء مسؤولين فنزويليين كبار في قطاع العقارات والملاهي وإسطبلات الخيول الأصيلة في ولاية فلوريدا الأميركية.
كل هذا لم يكفِ حتى الآن لدفع مادورو إلى إجراء مراجعة حسابات أو نقد ذاتي، حتى للقيام بخطوة ولو خجولة باتجاه المعارضة. لم يتغيّر شيء في خطابه الشعبوي الطالع من ستينات وسبعينات القرن الماضي، ماضيا في مواجهة وهمية مع طواحين الهواء، ورافضا الاتعاظ حتى بأشلاء ثورة باتت عاجزة عن إطعام أبنائها في البلد الذي أطلق عليه المستعمرون الإسبان عندما نزلوا على شاطئه في مطلع القرن السادس عشر اسم «الأندلس الجديدة».

فنزويلا وكولومبيا... «جارتان» جغرافياً و«عدوتان» آيديولوجياً
- لم تشهد الحدود البريّة الفاصلة بين الجمهوريتين الأميركيتين الجنوبيتين «الجارتين» فنزويلا وكولومبيا، والتي تمتدّ على ما يزيد عن 2200 كلم، توترا مثل التوتر المتصاعد الذي تشهده منذ منتصف العام الماضي عندما بدأ المهاجرون واللاجئون الفنزويليون يتدفقون بالآلاف إلى المناطق الكولومبية القريبة من الحدود. وحدثت هذه الموجات من الهجرة الاقتصادية والأمنية بالتزامن مع اشتداد الأزمة السياسية والاجتماعية في فنزويلا، واحتدام المواجهات بين نظام الرئيس اليساري نيكولاس مادورو والمعارضة الفنزويلية اليمينية، والتي أوقعت مئات القتلى والجرحى.
يقدَّر عدد اللاجئين الفنزويليين في كولومبيا حاليا بمليون شخص، استنادا إلى إحصاءات حكومة بوغوتا ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية في أميركا اللاتينية، وهو واقع يشكّل عبئا كبيرا على الحكومة الكولومبية على صعيد الخدمات الصحية والتعليمية والمعيشية والأمنية التي تقدّمها لهؤلاء اللاجئين والمهاجرين.
والاتهامات التي وجّهها أخيرا الرئيس الفنزويلي إلى نظيره الكولومبي خوان مانويل سانتوس، رغم خطورتها، تندرج - وفق محللين - ضمن الضائقة التي يعاني منها نظام مادورو في الداخل، حيث يتنامى التململ من سياسته في الأوساط العسكرية والمدنية المحسوبة على خط الرئيس اليساري السابق أوغو تشافيز، وإزاء العزلة التي يواجهها في محيطه الخارجي، والتي يتوقع أن تتفاقم مع وصول المرشّح اليميني إيفان دوكيه إلى سدّة الرئاسة في كولومبيا. ولقد تزامن تسلّم دوكيه مهام منصبه مع إطلاق مادورو الاتهامات ضد سلفه سانتوس.
يذكر أن دوكيه كان قد أعلن إبان حملته الانتخابية، ثم بعد انتخابه، أنه لن يرسل سفيرا لبلاده إلى فنزويلا. وزاد بأنه سيسعى لدى المحكمة الجنائية الدولية لتسريع إجراءات مثول مادورو أمامها بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وأعلن أيضا أنه سينسحب من منظمة «أوناسور» UNASUR التي تضمّ الدول الـ12 في أميركا الجنوبية.
وهنا يجدر التذكير بأن مادورو سبق له أن وجّه اتهامات إلى كولومبيا ورئيسها (المغادر) خوان مانويل سانتوس منتصف شهر يونيو (حزيران) الماضي بالتخطيط لعمليات عسكرية على الحدود بهدف افتعال مواجهة مسلّحة بين البلدين «خدمة للإمبريالية الأميركية»، حسب تعبيره. وادعى أنه يملك أدلة على تلك الاتهامات لكنه لم يكشف عنها حتى الآن. وعليه، من المتوقّع أن ترتفع حدة التوتر بين البلدين الجارين في الأشهر المقبلة، رغم استبعاد المراقبين أن يـؤدي هذا التشنج إلى مواجهة مسلحة بين الدولتين.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.