إسرائيل و«حماس» تبحثان عن تهدئة في مواجهة «شبح» حرب لا تريدانها

صاروخ على عسقلان و«غراد» على بئر السبع... وقصف على غزة ودبابات في محيطها

TT

إسرائيل و«حماس» تبحثان عن تهدئة في مواجهة «شبح» حرب لا تريدانها

أصيب أمس، 18 مواطنا بجروح مختلفة، إثر استهداف طائرات إسرائيلية مؤسسة سعيد المسحال الثقافية غرب مدينة غزة وتدميرها.
وكان الهدوء قد عاد إلى القطاع بشكل تدريجي، بعد يوم طويل، قصفت إسرائيل خلاله، نحو 150 هدفا تابعا لحركة حماس والفصائل الأخرى، التي ردت بنحو 180 صاروخا وقذيفة على مستوطنات ومدن إسرائيلية قريبة.
وأعلنت الفصائل الفلسطينية انتهاء جولة القتال «إذا التزمت إسرائيل». وقال مسؤول فلسطيني في بيان مقتضب، إن «الغرفة المشتركة للفصائل تعلن عن توقف جميع عمليات الرد، سواء إطلاق النار أو القصف بالصواريخ، حيث تعتبر الفصائل أن جولة التصعيد ردا على العدوان الإسرائيلي انتهت»، مضيفا: «لكن الأمر مرتبط بسلوك الاحتلال، في حال ارتكب أيا من جرائمه، ستدافع المقاومة عن شعبها ولن تقف مكتوفة الأيدي».
وأكدت مصادر فلسطينية مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن قرار وقف جولة القتال اتخذ من دون ضغوط كبيرة، لبثّ رسالتين واضحتين: الأولى أن أي قصف إسرائيلي سيقابله قصف، والثانية أن «حماس» لا تريد حربا في القطاع.
وتجنب شبح حرب محتملة يبدو قرارا إسرائيليا أيضا. وقال يوفال شتاينتز، عضو المجلس الوزاري المصغر، لراديو إسرائيل أمس: «نحن لا نتطلع للحرب، لكننا لن نقدم أي تنازلات لحماس».
وعلى الرغم من تهديد مسؤول عسكري إسرائيلي كبير، بأن إسرائيل تقترب من مواجهة عسكرية شاملة في قطاع غزة بعد إطلاق مئات الصواريخ، فإنه أكد أيضا أن «الأفضل» هو «العودة إلى التفاهم الذي تم التوصل إليه بعد عملية الجرف الصامد عام 2014 (الحرب على غزة)». وبدأت جولة التصعيد الأخيرة بعد قصف صاروخي من غزة الأربعاء، استهدف مدنا وبلدات إسرائيلية قريبة، وهجوما مسلحا على مركبة هندسية تابعة للجيش على الحدود، انتقاما من قتل إسرائيل 2 من عناصر «القسام» يوم الثلاثاء.
وكانت إسرائيل قتلت عناصر «القسام» في قصف استهدف مجموعة من مقاتلي الحركة ردا على إطلاق نار على الحدود.
ونعت كتائب القسام، أحمد مرجان وعبد الحافظ السيلاوي، اللذين قضيا في قصف مدفعي على موقع «عسقلان» التابع للحركة.
وبخلاف مرات سابقة، لم ترد «حماس» فورا، بسبب وجود وفد كبير من قادتها (من الخارج)، على رأسه نائب رئيس المكتب السياسي للحركة صالح العاروري، يقود محادثات من أجل رفع الحصار عن غزة، وحصل الوفد على ضمانات بعدم استهدافه أثناء وجوده هناك. وردت «حماس» فور مغادرة وفدها إلى القاهرة. وفوجئ الإسرائيليون بدوي صفارات الإنذار في النقب وفي عسقلان، ثم أبلغ الجيش سكان غلاف غزة بالبقاء قرب المناطق المحمية والملاجئ، وبدأ هجوما واسعا على أهداف في غزة طالت بحسب بيان للجيش «معملا لتصنيع مكونات مخصصة لإنشاء أنفاق وألواح خرسانية للأنفاق، ونفقا للإرهاب البحري في المنطقة الساحلية، وأهدافا إرهابية في عدد من المواقع العسكرية، وأسلحة وصواريخ، ومجمعا عسكريا يعمل كمستودع تسوق مركزي». واتهم الجيش الإسرائيلي حركة حماس «بمواصلة استهداف الجنود والبنى التحتية الأمنية ومحاولات إلحاق الأذى بالمواطنين الإسرائيليين».
وأضاف بيان الجيش: «إن منظمة حماس الإرهابية مسؤولة عن كل ما يحدث داخل قطاع غزة وخارجه، وستتحمل العواقب على الأعمال الإرهابية التي تنفذ ضد مواطني إسرائيل». وقال الجيش إنه قصف أكثر من 140 هدفا تابعا لـ«حماس» في قطاع غزة، وإنه تم إطلاق أكثر من 150 صاروخا وقذيفة هاون باتجاه بلدات إسرائيلية. وأدت الغارات الإسرائيلية على غزة إلى مقتل 3 فلسطينيين، بينهم سيدة حامل ورضيعتها، ومقاتل في حماس، وأصابت الصواريخ المنطلقة من غزة 7 إسرائيليين بجراح.
وفي تطور لاحق، وصل صاروخ غراد إلى مدينة بئر السبع، وهي أبعد منطقة يصلها صاروخ من غزة منذ حرب 2014. وقال الجيش الإسرائيلي إن صفارات الإنذار انطلقت في مدينة بئر السبع، وهي أكبر مدن جنوب إسرائيل، وتقع على بعد نحو 40 كيلومترا من قطاع غزة.
وسمع دوي انفجارات في ضواحي المدينة التي يعيش بها 200 ألف شخص، ولكن من دون إصابات، فقد سقط الصاروخ في منطقة مفتوحة. وردت إسرائيل بعدها بغارات لم توقع إصابات كذلك، وحشدت دبابات في محيط القطاع. وجاء هذا التصعيد في خضم جهود تبذلها مصر والأمم المتحدة للتوسط في هدنة طويلة نسبيا.
وحذر مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، في بيان، من نشوب صراع قد يدمر كل الجهود، وقال: «أشعر بقلق عميق إزاء التصعيد الأخير للعنف بين غزة وإسرائيل، ولا سيما من خلال إطلاق الصواريخ المتكرر باتجاه التجمعات السكانية في جنوب إسرائيل».
وأضاف: «أن الأمم المتحدة تشارك مصر في جهود غير مسبوقة لتجنب نشوب صراع خطير». وبذل ميلادينوف اتصالات مكثفة للوصول إلى فترة هدوء جديدة إلى جانب مصر، التي كثفت اتصالاتها بـ«حماس» وإسرائيل كذلك.
كما أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أنه أجرى اتصالات دولية مكثفة على المستويات كافة لوقف التصعيد الإسرائيلي على أهلنا في قطاع غزة. ونبّه عباس إلى خطورة هذا التصعيد، داعيا المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري والعاجل لوقفه، وعدم جر المنطقة إلى مزيد من الدمار وعدم الاستقرار.
وفي إسرائيل، أكدت مصادر سياسية، أن طرفي الصراع، الحكومة الإسرائيلية من جهة وقيادة حماس من جهة ثانية، قد يتهوران إلى عملية حربية كبيرة، رغما عنهما، فكلتاهما غير معنيتين بهذه الحرب بتاتا. وأضافت هذه المصادر، أن الاشتباك الحالي مصطنع ولن يجدي نفعا لتحقيق أي مكسب سياسي أو غيره. لكن صراعات داخلية في كل طرف، وشعور الأنانية والغرور لدى القيادات العليا، هي التي تتحكم بالقرار. وكما حصل في الماضي، يمكن أن يتم التدهور إلى حرب لا يرغب أي طرف بها.
ويشعر نتنياهو بأن اليمين المتطرف في حكومته، يحاول إظهاره ضيفا ومترددا، ويدعوه إلى الامتناع عن التهدئة وتوجيه ضربات أقسى إلى «حماس»، وأيضا تطالبه عائلات الجنديين القتيلين المحتجزة جثتاهما لدى «حماس» بعدم التوصل إلى تهدئة قبل أن تتم معرفة مصير ولديهما والاتفاق على إعادتهما إلى إسرائيل. ويجابه نتنياهو من جهة أخرى موقف قيادة الجيش، التي لا تؤيد الدخول في حرب في هذه المرحلة، وتقول: إنه يفضل الانتظار حتى تتضح الأوضاع على الجبهة السورية، وكذلك حتى ينتهي الجيش من بناء الجدار تحت الأرض على طول الحدود مع قطاع غزة. ويعتقد الإسرائيليون أن «حماس» تواجه وضعا شبيها، حيث إن هناك خلافات بين الذراع العسكرية وحليفها في القيادة السياسية يحيى السنوار، وبين القيادات الأخرى. فالسنوار يريد التوصل إلى اتفاق التهدئة بشرط أن يحقق انتصارا ما. ولذلك أطلقوا الصاروخ نحو بئر السبع، وتحدوا بذلك إسرائيل، لكن بقية القيادة تريد انتهاز فرصة التوصل إلى اتفاق تهدئة طويلة المدى، مع استبعاد السلطة الفلسطينية، والتعامل مع غزة على أنها دولة قائمة بحد ذاتها.
يذكر أن القصف الفلسطيني على البلدات الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة، تسبب في مغادرة مئات العائلات بيوتها، والانتقال للسكنى لدى أصدقاء وأقارب في الشمال، بينما يمضي بقية السكان أوقاتهم في الملاجئ أو قرب المناطق المحمية.
ومع استمرار القصف المتبادل، يتم إرسال حشود كبيرة إلى الجنوب، بينها أرتال الدبابات. وأصدر رئيس الوزراء نتنياهو بيانا، أعلن فيه أنه أعطى أوامره للجيش بأن يستعد لكل الاحتمالات.



تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
TT

تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)

كثّفت «اللجنة المصرية في قطاع غزة» من تحركاتها مع تردي الأوضاع الإنسانية، وتوالي الشكاوى من شح الغذاء والسلع الرئيسية في ظل تضييق إسرائيلي مستمر على دخول المساعدات وتراجع التمويل الإغاثي الدولي.

وأكدت «اللجنة المصرية»، في بيان لها، السبت، أن «القيادة المصرية وجهت بضخ كميات كبيرة من الدقيق إلى قطاع غزة لتعزيز الإمدادات ودعم المخابز والعمل على حل أزمة الدقيق والخبز التي يعاني منها أبناء شعبنا الفلسطيني، وذلك ابتداءً من الأحد، وبشكل يومي في إطار الجهود المصرية المتواصلة لدعم أهلنا في القطاع وتخفيف معاناتهم».

وكانت اللجنة قد أكدت، مساء الجمعة، أنها بدأت بتسيير شاحنات محمّلة بكميات من الطحين إلى قطاع غزة بهدف دعم المخابز وتعزيز قدرتها على مواصلة العمل والمساهمة في توفير الخبز للمواطنين بأسعار مناسبة.

وأشار المتحدث باسم اللجنة، محمد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المخابز عادت للعمل في القطاع، السبت، بعد ثلاثة أيام من توقف عدد كبير منها، وهو ما كان مثار قلق الكثير من العائلات الفلسطينية التي باتت تتساءل عما إذا كانت الأزمة مقدمة لعودة المجاعة مرة أخرى، مشيراً إلى أن «اللجنة المصرية» بالتعاون مع المنظمات الإنسانية العاملة في القطاع ساهمت في عودة عمل 20 مخبزاً، واختفت الطوابير التي كانت معتادة أمامها مع توفير كميات إضافية من الدقيق.

وأضاف «أن مصر استجابت سريعاً لنداءات الفلسطينيين خلال الأيام الماضية، وقامت بإدخال قوافل تحمل على متنها عشرات الآلاف من أطنان الدقيق التي تدفقت خلال الساعات الماضية»، مشيراً إلى أن القاهرة «مستمرة في تقديم الدعم اللازم بما يضمن تحسين الأوضاع الإنسانية».

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، في تقرير لها، مساء الجمعة، إلى أن «اللجنة المصرية» بالشراكة مع مؤسسة «المطبخ المركزي العالمي»، توزع عشرات الآلاف من أرغفة الخبز يومياً على الأسر الفلسطينية في شمال القطاع ووسطه وجنوبه، بما يسهم في تخفيف جانب من الأعباء اليومية عن السكان.

حملة توعوية نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» هذا الشهر للتوعية من مرض سرطان الثدي (صفحة اللجنة المصرية على «فيسبوك»)

ويعاني قطاع غزة من أزمة جراء النقص الحاد في مادة الطحين وارتفاع أسعار الخبز. وحذرت وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع «من تداعيات إنسانية كارثية، في أعقاب التوقف القسري لعدد كبير من المخابز، بسبب نقص الدقيق والمواد التشغيلية اللازمة لاستمرار عملها».

وأكدت الوزارة «أن منع دخول شحنات الطحين والإمدادات الغذائية يهدد بتقويض قدرة الأسر النازحة والأشد فقراً على الحصول على الخبز، الذي يشكل أحد أهم مصادر الغذاء اليومية لكثير من العائلات».

وأشارت «اللجنة المصرية» إلى أنها «تواصل جهودها الحثيثة للتخفيف من معاناة المواطنين والوقوف إلى جانب العائلات الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة، بما يحد من تداعيات الأزمة ويمنع استغلال حاجة المواطنين ورفع الأسعار بصورة غير مبررة».

وأوضح محمد منصور في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن اللجنة «تعمل على قدم وساق للاستعداد لفصل الشتاء وتعمل بشكل يومي على تركيب 3 آلاف خيمة مجهزة لاستقبال العائلات الأكثر احتياجاً، بخاصة من هم بالقرب من الخط الأصفر»، والذين تعرضت خيامهم للتلف ويقيمون في خيام مهترئة ومراكز إيواء غير مؤهلة، وأكد أن الحملة تنظم «حملة شتاء دافئ عبر تقديم الخيام وتجهيزها وتقديم المساعدات الصحية والغذائية».

وتتفاقم أزمة الغذاء في قطاع غزة مع تقليص المساعدات بسبب تراجع التمويل الدولي، وسط استمرار القيود الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ففي 19 أكتوبر الحالي، أعلن «برنامج الأغذية العالمي» تقليص مساعداته الغذائية، ما أدى إلى انخفاض عدد المستفيدين بنحو نصف مليون شخص.

وعلى المستوى السياسي، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، «على أهمية مواصلة الجهود المبذولة للتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي ترمب الشاملة للسلام في قطاع غزة».

كما حذر من خطورة الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض الأمر الواقع، مشيراً إلى تداعياته السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما طالب وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماعهم الجمعة في إسطنبول، بضرورة استمرار تدفق المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة دون انقطاع، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني يعاني من كارثة إنسانية مستمرة تتطلب تدخلاً دولياً فورياً.


جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

تصطدم هجمات الجماعة الحوثية على جبهات مدينة تعز اليمنية بمقاومة شرسة رغم القصف والحصار والتعزيزات المتواصلة، في وقت تكثف فيه القوات الحكومية هجماتها المضادة وتوسع الطائرات الحربية ضرباتها على مواقع الجماعة في ريف المحافظة وأطراف المدينة المحاصرة، بالتزامن مع إحباط هجمات حوثية في جبهة كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، والتصدي لمحاولة تمدد الجماعة في مديرية المقاطرة باتجاه لحج جنوباً.

وتحاول الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، التي سيطرت على أجزاء واسعة من ريف تعز، توسيع مكاسبها الميدانية والضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواجه مقاومة من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، مع امتداد الاشتباكات إلى جبهات الأقروض والشقب وكحلان، وتصاعد المواجهات في مناطق المقاطرة بمحافظة لحج، حيث تسعى الجماعة إلى التقدم نحو مناطق جديدة جنوباً.

وفي أحدث التطورات، استهدفت القوات الحكومية مركز قيادة وسيطرة ودبابتين داخل فندق سوفتيل المهجور في تعز، وفق ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الذي قال إن الحوثيين اتخذوا المبنى منطلقاً لاستهداف المدنيين في المدينة، وإن الضربة استهدفت تعطيل هذا النشاط وحماية السكان.

مقاتل في الجيش اليمني يصوّب سلاحه الرشاش خلال معارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وعلى الجبهة الجنوبية لمدينة تعز، أفادت القوات الحكومية بتحقيق تقدم في جبهة الأقروض، وتنفيذ هجمات مضادة على مواقع الحوثيين، بالتزامن مع اشتباكات متقطعة في الشقب وكحلان بمديريتي صبر والمسراخ، وسط أنباء عن دفع الجماعة بتعزيزات بشرية نحو خطوط التماس.

وفي الجبهة الغربية، أفادت مصادر يمنية محلية بمقتل القيادي الحوثي محمد قيران، المعروف بكنية «أبو هاشم»، مع سبعة من مرافقيه، خلال مواجهات الجمعة. كما أُعلن مقتل القيادي محمد إسماعيل الدرب، الذي قالت مصادر عسكرية إنه كان يشرف على العمليات الرامية إلى اجتياح تعز، مع عدد من مرافقيه في جبهة الأقروض.

وامتدت الضربات الجوية إلى مناطق عدة في ريف المحافظة، بينها مديرية الشمايتين، حيث استهدفت مقاتلات مواقع للحوثيين في برج المنة ووادي الفجر وبرح الحداد وجبل جربب. وأفادت مصادر ميدانية بمقتل عشرة مسلحين على الأقل وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية.

قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)

وفي جبهة كهبوب، تمكنت قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن من صد هجمات حوثية، وفق بيانات عسكرية. وقالت قوات درع الوطن إن اللواء السابع في الفرقة الأولى تصدى لهجوم استمر نحو 30 ساعة، وحافظ على مواقعه وأفشل محاولة التقدم، فيما تحدثت قوات العمالقة عن اشتباكات عنيفة انتهت بتراجع المهاجمين وتكبيدهم خسائر بشرية ومادية.

وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها الاستراتيجي قرب مضيق باب المندب، حيث يتقاطع القتال البري مع المخاوف المتعلقة بأمن الممرات البحرية. وفي المقاطرة بمحافظة لحج، تحدثت إفادات ميدانية عن كمين مسلح في منطقة هيجة العبد، أوقع عشرات الحوثيين بين قتيل وجريح، وأوقف محاولة للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة.

صواريخ منفلتة

بالتوازي مع القتال البري، تضع القوات الحكومية اليمنية القدرات الصاروخية الحوثية في صلب روايتها للتطورات الأخيرة. وقال النزيلي إن الجيش رصد خلال الأيام الماضية حالات فشل في إطلاق صواريخ باليستية، أو انحرافها وسقوطها في مناطق مأهولة، محذراً من مخاطرها على المدنيين، فضلاً عن تهديد الملاحة والتجارة الدوليتين.

واستشهد الناطق العسكري بصاروخ قال إن الحوثيين أطلقوه من منطقة عيال صياد في مديرية نهم، الجمعة، قبل أن يسقط على منزل المواطن محمد أحمد القشعة أثناء اجتماع أفراد أسرته، ما أدى، حسب روايته، إلى مقتل جميع الموجودين داخله وتضرر منزل مجاور. وأضاف أن حوادث مماثلة وقعت في صنعاء وتعز وإب وصعدة.

مقاتل في القوات الحكومية اليمنية يشير بيده خلال معارك ضد الحوثيين غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

وعزا النزيلي تراجع أداء المنظومات الصاروخية، وفق تقدير الجيش، إلى ضربات استهدفت خلال الأسابيع الماضية مخازن الصواريخ ومنصات إطلاقها، بالتزامن مع عمليات جوية للتحالف استهدفت أهدافاً عسكرية في صعدة، قال إنها أسفرت عن تحييد خبراء وقيادات متخصصة في تشغيل الصواريخ وإطلاقها. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الحصيلة أو من تقديرات الجيش بشأن حجم التراجع في القدرات الصاروخية.

مئات الضربات

في مؤشر آخر على اتساع العمليات، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ 1392 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية التي شملها بيانها، ترافقت مع غارات جوية وهجمات أرضية وضربات نيرانية على امتداد الجبهات. وقالت إن العمليات طالت تجمعات وتعزيزات ومصادر نيران وتحصينات وآليات عسكرية، وإنها أدت، وفق الحصر الميداني الأولي، إلى تحييد نحو 620 عنصراً وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية ومدرعة ووسيلة نقل، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

مقاتلون من قوات الحكومة اليمنية على ظهر شاحنة خلال المعارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وتشمل الحصيلة، حسب البيان، العمليات التي نفذتها القوات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين وتعطيل خطوط إمدادهم. كما أعلن الجيش دخول منظومات نوعية جديدة إلى الخدمة لدى قواته الجوية، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعتها.

وفي جبهتي مأرب والجوف، أفادت مصادر ميدانية بمقتل محمد يحيى الديلمي، الذي وصفته بأنه قائد ما تسمى «مجاميع كتائب الحسين»، مع عشرة من عناصر مجموعته، خلال المعارك على الجبهة الرابطة بين المحافظتين. كما تحدثت المصادر عن مقتل محمد الحوثي، المعروف باسم «زين العابدين»، والمسؤول عن التدريب فيما تسمى «ألوية الأنصار»، خلال معارك الجوف في وقت سابق.


حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
TT

حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)

تواجه محافظة تعز اليمنية تصعيداً عسكرياً حوثياً متواصلاً يفاقم معاناة سكانها، مع استمرار القصف على الأحياء والقرى السكنية، وتشديد القيود على حركة المدنيين ووصول الإمدادات الأساسية، وسط تقارير حقوقية توثق مقتل مئات المدنيين وإصابة آخرين، واختطاف مئات الأشخاص، وتضرر مئات المنازل والمركبات.

ووثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 1891 جريمة وانتهاكاً قالت إن جماعة الحوثيين ارتكبتها بحق المدنيين والأعيان المدنية في المحافظة، خلال الفترة من الأول من سبتمبر (أيلول) حتى 22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في تقرير حمل عنوان «تعز... الاجتياح الدامي والقتل الممنهج».

جاءت هذه الحصيلة بالتزامن مع رصد الشبكة 21 جريمة وانتهاكاً إضافياً خلال 24 ساعة، إلى جانب إطلاق نحو 213 مقذوفاً على مناطق سكنية.

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي على تعز (أ.ب)

وحسب التقرير الممتد على 52 يوماً، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 212 مدنياً، بينهم 38 طفلاً، من ضمنهم سبعة رُضّع، و27 امرأة، وإصابة 319 مدنياً، بينهم 29 طفلاً و46 امرأة. كما وثَّق 23 حالة تصفية ميدانية، وخمس مجازر جماعية، و314 حالة اختطاف وإخفاء قسري، بينها 14 طفلاً احتُجزوا رهائن للضغط على ذويهم، إضافةً إلى مداهمة 516 منزلاً بحثاً عن أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بالقوات الحكومية.

أضرار واسعة

تشير الأرقام التي أوردتها الشبكة الحقوقية إلى اتساع نطاق الأضرار التي طالت الممتلكات المدنية؛ إذ تضرر 356 منزلاً جراء القصف، بينها 98 منزلاً دُمرت كلياً، وفُجرت ثلاثة منازل أخرى، فيما لحقت أضرار بـ131 مركبة مدنية، ونُهبت 36 مركبة ووسيلة نقل خاصة بالمواطنين.

وفي أحدث الوقائع التي وثقتها الشبكة، قُتل طفلان وأصيب ثلاثة مدنيين، بينهم امرأتان، كما اختُطف أربعة أشخاص ونُقلوا إلى جهات مجهولة، وتعرضت ثلاثة منازل للمداهمة والنهب، وتضررت سبعة منازل، بينها منزلان دُمرا كلياً. ومن بين القتلى الطفل عمار ياسر الشريحي، الذي قالت الشبكة إن الحوثيين اختطفوه من منزله في قرية الأكمة بمنطقة صبر، قبل العثور عليه مقتولاً.

سكان في مدينة تعز يرددون بعد صلاة الجمعة هتافات ضد الحوثيين (رويترز)

وامتد القصف والقنص، وفق التقرير، إلى قرى كحلان والشقب، وحي المطار القديم، ومناطق الضباب وميهال ونجد قسيم. وفي قرية كحلان بمديرية صبر الموادم، أصابت قذائف هاون منزلين، وألحقت أضراراً بمحتوياتهما، ونفقت ماشية، دون تسجيل إصابات بين أفراد إحدى الأسر المستهدفة.

استهداف شامل

لا تقتصر التداعيات على الخسائر البشرية والدمار؛ إذ قالت الشبكة إن الحوثيين أطلقوا نحو 9876 مقذوفاً خلال الفترة التي يغطيها تقريرها، وشددوا الحصار على المحافظة منذ الثالث من سبتمبر، واستحدثوا 26 نقطة وحاجز تفتيش خارج إطار القانون. كما أشارت إلى تفجير عبّارة في طريق هيجة العبد وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين تعز ومحافظة لحج وصولاً إلى عدن.

واتهم التقرير الجماعة بعرقلة دخول الغذاء والدواء والوقود وأسطوانات الأكسجين ومياه الشرب، وعرقلة قوافل الإغاثة والإمدادات التجارية، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة ولقاحات الأطفال. وحذرت الشبكة من أن منع الوقود اللازم لتشغيل مولدات المستشفيات ومراكز علاج السرطان وغسيل الكلى يهدد حياة المرضى، في وقت قالت فيه إن التصعيد تسبب في نزوح نحو 280 ألف شخص من المحافظة.

عربة إسعاف في تعز تعرضت لهجوم حوثي (أ.ف.ب)

ووثقت الشبكة أيضاً تحويل خمس مدارس؛ أربع حكومية وأخرى أهلية، إلى غرف عمليات ومخازن أسلحة وسجون، إلى جانب استهداف ثلاث سيارات إسعاف وثلاثة مرافق صحية ومستشفيات، ومقتل خمسة من أفراد الطواقم الطبية، وفق التقرير.

وفي جانب آخر، قالت الشبكة إن الحوثيين استقطبوا شباناً من فئة المهمشين في منطقة السامقة بمديرية المعافر، لإلحاقهم بدورات ثقافية وتدريبية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال جنوبي المحافظة، محذرةً من تجنيد الأطفال واستغلال الفئات الأكثر هشاشة.

وطالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بإعلان تعز مدينة منكوبة، ووقف القصف ورفع الحصار وفتح الطرق وضمان وصول المساعدات، فيما دعت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية إلى حماية النساء والأطفال والطواقم الطبية، وإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.