موسكو تتمهل في الرد على العقوبات الأميركية الجديدة

انتقدت «الرؤوس الحامية» في الولايات المتحدة... ولندن رحبت بتدابير واشنطن

عسكريون بريطانيون يزيلون مقعداً وُجد عليه العميل الروسي سكريبال وابنته بعد تسميمهما في سالزبيري في 23 مارس الماضي (إ.ب.أ)
عسكريون بريطانيون يزيلون مقعداً وُجد عليه العميل الروسي سكريبال وابنته بعد تسميمهما في سالزبيري في 23 مارس الماضي (إ.ب.أ)
TT

موسكو تتمهل في الرد على العقوبات الأميركية الجديدة

عسكريون بريطانيون يزيلون مقعداً وُجد عليه العميل الروسي سكريبال وابنته بعد تسميمهما في سالزبيري في 23 مارس الماضي (إ.ب.أ)
عسكريون بريطانيون يزيلون مقعداً وُجد عليه العميل الروسي سكريبال وابنته بعد تسميمهما في سالزبيري في 23 مارس الماضي (إ.ب.أ)

حمل الكرملين بقوة، أمس، على أوساط أميركية قال إنها تعمل على تأجيج الخلافات بين موسكو وواشنطن، من خلال الدفع برزم عقوبات جديدة ضد روسيا بـ«ذرائع واهية». وتجنّبت موسكو التصعيد بداية، وبدا أنها لن تتسرع في إعلان تدابير جوابية على العقوبات الأميركية الجديدة، قبل أن تلوّح بتدابير انتقامية.
في غضون ذلك، سيطرت حال الترقب على الأسواق الروسية وأوساط المال والأعمال بعدما تكبدت شركات حكومية كبرى خسائر فادحة في تعاملات الأمس، بسبب الإجراءات الأميركية.
وبعد مرور يوم على إعلان وزارة الخارجية الأميركية عن رزمة عقوبات جديدة أميركية طالت شركات روسية ومؤسسات قريبة من الكرملين، عكس رد الفعل الأول للديوان الرئاسي الروسي محاولة روسية لعدم التصعيد. ورغم أن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف رفض بقوة «الذرائع غير المبررة» التي أعلنتها الإدارة الأميركية لفرض العقوبات الجديدة، التي ربطتها واشنطن بحادث محاولة اغتيال عميل الاستخبارات الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته في بريطانيا، إلا أنه عمد في الوقت نفسه إلى تخفيف الأجواء وتجنّب الإشارة إلى إجراءات جوابية من جانب موسكو.
وقال بيسكوف: «لقد سمعنا إعلاناً رسمياً بشأن العقوبات الجديدة، واستمعنا إلى مصدر رفيع المستوى تحدث عن بعض القيود ضد روسيا. وفي حين أننا لم نفهم ما هو المغزى، سيكون من الخطأ الحديث عن تدابير مضادة».
وزاد أن روسيا ترى أنّه «من غير المقبول بشكل قاطع ربط هذه القيود الجديدة، التي ما زلنا نعتبرها غير قانونية، بقضية سالزبيري. مرة أخرى، نرفض بشدة أي اتهامات بشأن تورط روسيا في هذه القضية. لم تكن لروسيا أي علاقة بحوادث استخدام الأسلحة الكيماوية. علاوة على ذلك، لا يمكننا حتى التحدث بشكل لا لبس فيه حول من وكيف تم استخدام هذه الأسلحة في المملكة المتحدة، لأننا لا نملك معلومات ولم نحصل على رد على الاقتراح المقدَّم إلى الجانب البريطاني للتحقيق المشترك في هذا الحادث الذي يسبب قلقاً خطيراً».
وفي حين أن إشارة بيسكوف ركزت على رزمة العقوبات التي طالت أربع شركات روسية كبرى هي «إيرفلوت» الناقل الجوي الحكومي الأكبر، ومصرف «في تي بي» (بنك التجارة الخارجية) الذي يدير تعاملات الحكومة الروسية التجارية، وشركة «الروسا» (أضخم شركة لإنتاج الماس الخام)، و«روسال» (مؤسسة حكومية عملاقة تسيطر على قطاع الألمنيوم في روسيا)، فإن المخاوف الروسية تزايدت بعد الإعلان عن تحضيرات جارية لفرض تدابير إضافية واسعة تُقيّد التعامل مع النظام المصرفي الروسي، والديون السيادية الروسية.
وبرزت تداعيات الإعلان عن هذه العقوبات فوراً، إذ خسرت هذه الشركات في تعاملات البورصة الروسية بين 5.5 و9 في المائة فور إعلان اللائحة، رغم أنها تدخل حيز التنفيذ عملياً بعد أسبوعين، كما هوت العملة المحلية الروبل وفقدت نحو 4 في المائة من قيمتها خلال يوم واحد.
من جانبها، قالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا خلال مؤتمر صحافي إن «الجانب الروسي سيبدأ بإعداد إجراءات انتقامية، ردّاً على هذا التحرّك الجديد غير الودّي من قبل واشنطن». وأضافت أن السلطات الأميركية اختارت «عمداً طريق المواجهة في العلاقات الثنائية التي وصلت عملياً إلى أدنى المستويات بسبب جهودهم».
وحملت التدابير أبعاداً سياسية عبر دعوة الإدارة الأميركية لوضع روسيا على لائحة الدول الداعمة للإرهاب. ورغم سيطرة أجواء ترقب وقلق على الأسواق الروسية، استبعد بيسكوف أن تكون لرزمة العقوبات الإضافية تأثير مباشر على النظام المالي الروسي، وشدّد على أن «النظام المالي للبلاد مستقر تماماً، وقد أثبت استقراره في أوقات صعبة للغاية. على خلفية استمرار عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات شركائنا في الخارج، يجب علينا الحفاظ على نظامنا المالي في حالة جيدة. هذا واضح. مثل هذه القرارات التي يتخذها الأميركيون غير ودية، ولا يمكن تفسيرها على خلفية الأجواء البناءة التي سادت في الاجتماع الأخير للرئيسين»، في إشارة إلى قمة هلسنكي التي جمعت الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين.
بدوره، قال وزير المالية أنطون سيلوانوف إن الحكومة والبنك المركزي لديهما «كل الأدوات اللازمة لضمان الاستقرار المالي»، مشيراً إلى أن الاقتصاد الروسي أصبح «في السنوات الأخيرة أكثر مرونة لمقاومة الصدمات الخارجية».
وأعلن بيسكوف أن روسيا تحتفظ بالأمل في بناء علاقات بناءة مع واشنطن، لأن هذه العلاقات ليست فقط في مصلحة شعبينا، ولكنها أيضاً مهمة للاستقرار والأمن في جميع أنحاء العالم. لكنه في مقابل الموقف المرن حيال الإدارة الأميركية، حمل بقوة على الهيئة التشريعية الأميركية التي مرَّرَت رزم العقوبات الأخيرة. ورأى أن «الكثير من الأشخاص أصحاب الرؤوس الحامية في الهيئات التشريعية يقومون أحياناً بتصرفات تتجاوز المعقول. نحن نحاول أن نفهم مدى علاقة هذا بالموقف الرسمي».
واعتبر أن فكرة إدراج روسيا ضمن الدول الداعمة للإرهاب تصبّ في هذا الاتجاه، مضيفاً أنه «بعد أن رأينا فلول المجموعات الإرهابية المتبقية في سوريا، ندرك جيداً من وكيف يرعى هذه الجماعات، يمكننا توجيه هذا السؤال لدول أخرى: من هم الرعاة الحقيقيون للإرهاب؟».
وكانت الخارجية الأميركية قد أعلنت، أول من أمس، أنها «كشفت أن الحكومة الروسية استخدمت الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية في خرق للقوانين الدولية» في عملية تسميم العميل الروسي السابق المزدوج سيرغي سكريبال وابنته يوليا، مطلع مارس (آذار)، في سالزبيري ببريطانيا. وفي أعقاب ذلك، تم تبادل طرد الدبلوماسيين بين موسكو وأبرز دول الغرب في الربيع.

وفي مؤتمر صحافي هاتفي لوزارة الخارجية الأميركية، أول من أمس، عدّ مسؤول رفيع المستوى أن العقوبات الجديدة المرتقبة تدخل في إطار قانون مكافحة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
وأوضح المسؤول الذي فضل عدم كشف اسمه، أن العقوبات تشمل حظر بيع روسيا تكنولوجيا «حساسة»، كتلك المستخدمة في الأجهزة الإلكترونية ومعدات المعايرة، وهي تكنولوجيا كان يسمح ببيعها سابقاً كل حالة على حدة. وقد تشمل هذه العقوبات، وفق المسؤول نفسه، صادرات بمئات الملايين من الدولارات إلى روسيا.
وقال إن الإدارة الأميركية أبلغت الكونغرس بالإجراءات التي ستتخذها، متوقعاً أن يتم تنفيذها بحلول 22 أغسطس (آب) الحالي. وأضاف: «نعلن اليوم أننا حددنا بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية أن حكومة الاتحاد الروسي قد استخدمت الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية بما يخالف القانون الدولي (...). هذا عامل محفز لفرض عقوبات إلزامية بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية». وتابع: «أبلغنا الكونغرس اليوم أننا ننوي أن نفرض عقوبات ضد الاتحاد الروسي في عدد من الجوانب عملا بهذا القانون، وأهمها فرض حظر على كل السلع أو التكنولوجيات الحساسة بالنسبة إلى الأمن القومي والتي تسيطر عليها وزارة التجارة وفقاً للوائح إدارة التصدير. وتخضع هذه السلع حاليا لترخيص يتم تحديده على أساس كل حالة على حدة، ولكن من الآن فصاعدا، عندما تدخل هذه العقوبات حيز التنفيذ، فسنرفض طلبات الحصول على هذه التراخيص بشكل قاطع».
إلا أن المسؤول أكد أنه ستكون هناك استثناءات لتقديم المساعدات الخارجية لروسيا وللشعب الروسي. كما أفاد بأن الولايات المتحدة الأميركية تطبق هذا القانون للمرة الثالثة؛ إذ استخدم المرة الأولى ضد كوريا الشمالية، ثم سوريا، والآن ضد روسيا. وذكر المسؤول أنه بموجب القانون، ستكون هناك متابعة من طرف السلطة التنفيذية الأميركية، للتأكد من أن روسيا استوفت سلسلة الشروط في غضون 3 أشهر من الجولة الأولى من العقوبات، ملوحا باحتمال فرض جولة ثانية من العقوبات إذا لم تلتزم موسكو بالشروط المطروحة.
وفي حال عدم احترام هذه المطالب، سيتم إصدار دفعة جديدة من العقوبات «الصارمة»، كما قال المسؤول الأميركي، حتى إنها قد تذهب إلى حد منع شركات الطيران الروسية من الهبوط في المطارات الأميركية أو حتى تعليق العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وأوضح المسؤول الأميركي أن الشروط الصعبة التي ستلتزم بها الولايات المتحدة في تقييم روسيا هي التأكد من أن موسكو لم تعد تستخدم أسلحة كيماوية أو بيولوجية، وامتثالها للقانون الدولي، وعدم استخدام أسلحة كيماوية أو بيولوجية قاتلة ضد مواطنيها. ثانياً، أن روسيا قدمت ضمانات موثوقة بأنها لن تشارك في المستقبل في مثل هذه الأنشطة، والسماح لعمليات تفتيش ميدانية يقوم بها مراقبو الأمم المتحدة أو غيرهم من المراقبين المحايدين المعترف بهم دولياً، أو وسائل أخرى موثوق بها لضمان عدم استخدام الحكومة الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية في انتهاك للقانون الدولي.
وأكد المسؤول أنه تم إخطار الروس بهذه العقوبات، وقال: «لقد بذلنا قدراً كبيراً من المشاركة الدبلوماسية قبل الإعلان عن العقوبات».
ورحَّبت لندن بالتدابير الأميركية الجديدة، وقال متحدث باسم الحكومة إن «الرد الدولي القوي على استخدام الأسلحة الكيميائية في شوارع سالزبيري يبعث لروسيا رسالة لا لبس فيها، بأن سلوكها المتهور لن يبقى دون عقاب». وكانت لندن نسبت إلى الحكومة الروسية مسؤولية تسميم سكريبال وابنته بغاز توفيتشوك الذي طور في الاتحاد السوفياتي السابق في نهاية الحرب الباردة. ونفت موسكو أي علاقة لها بالموضوع، مُطالِبة بأدلة.



قضايا توقيف الصحافيين: بين فبركة تهم التجسس وحالات الاختراق الفعلي

عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)
عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)
TT

قضايا توقيف الصحافيين: بين فبركة تهم التجسس وحالات الاختراق الفعلي

عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)
عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز)

أعاد توقيف الصحافي الياباني يوكي إيماي، الثلاثاء، في روسيا، فتح ملف قديم تتداخل فيه حرية الصحافة وأجهزة الاستخبارات والمساومات بين الدول. فبين اتهام مراسلين كيداً لتوظيفهم كأوراق ضغط، وثبوت عمل آخرين لصالح أجهزة استخبارات، تتحول هذه القضايا إلى ساحة تتداخل فيها عمليات الابتزاز السياسي للصحافيين المهنيين، مع حالات التجسس الفعلي تحت غطاء الإعلام.

واعتُقل إيماي، مراسل «هوكايدو شيمبون»، في سخالين، واتهمته السلطات الروسية بالتجسس، بحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية. ولا تثبت المعلومات المتاحة حتى الآن ارتباط قضيته بصفقة. غير أن توقيفه يستدعي سوابق خرج فيها صحافيون من السجون عبر مبادلات، إلى جانب حالات أخرى ثبت فيها تعاون أشخاص عملوا بالإعلام مع الاستخبارات.

قضية غيرشكوفيتش: صحافيون على طاولة المساومات الدولية

تُقدّم قضية الأميركي إيفان غيرشكوفيتش نموذجاً واضحاً لانتقال ملف صحافي إلى طاولة التفاوض. أُوقف مراسل «وول ستريت جورنال» في روسيا في مارس (آذار) 2023، واتُّهم بالتجسس لصالح «وكالة الاستخبارات المركزية» الأميركية (سي آي إيه) لجمع معلومات عن شركة أسلحة روسية، وهو اتهام نفاه الصحافي وصحيفته والحكومة الأميركية. وفي يوليو (تموز) 2024، صدر بحقه حكم بالسجن 16 عاماً.

وبحسب إذاعة «أوروبا الحرة/راديو ليبرتي»، أُطلق سراح غيرشكوفيتش في الأول من أغسطس (آب) 2024، ضمن مبادلة شملت أيضاً صحافيتها الروسية - الأميركية ألسو كورماشيفا، التي كانت قد حُكم عليها بالسجن ست سنوات ونصف سنة بتهمة نشر معلومات «كاذبة» عن الجيش الروسي.

وكان بين العائدين إلى روسيا فاديم كراسيكوف، الذي وصفته السلطات التركية بأنه عقيد في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وكان يقضي حكماً بالسجن المؤبد في ألمانيا لإدانته بقتل القائد الشيشاني السابق زليمخان خانغوشفيلي في برلين عام 2019.

وجاء الإفراج عبر مفاوضات حصلت موسكو بموجبها على أشخاص أرادت استعادتهم، وهو ما يجعل قضية غيرشكوفيتش مرجعاً أساسياً في نقاش استخدام المحتجزين للضغط السياسي، والخيارات الصعبة التي تواجه الحكومات الساعية إلى تحريرهم.

غونزاليس: من الاحتجاز في بولندا إلى الاستقبال في روسيا

في الصفقة نفسها، عاد إلى روسيا بابلو غونزاليس، المعروف أيضاً باسم بافيل روبتسوف، بعدما احتجزته بولندا في فبراير (شباط) 2022 للاشتباه في تجسسه لحساب موسكو. وكان يعمل صحافياً لوسائل إعلام إسبانية، بينها صحيفة «بوبليكو» وقناة «لا سيكستا».

وتناولت «الغارديان» قضيته في تحقيق عن الشبهات المحيطة بعلاقاته بالاستخبارات العسكرية الروسية، واستقبال فلاديمير بوتين له عند عودته. لكن هذه القرائن لا تقوم مقام حكم قضائي، وغونزاليس يرفض اتهامات التجسس.

مطرقة القضاء في لحظة النطق بالحكم... حكم فيدرالي أميركي قضى بسجن توماس باوكن سنتين بعد إقراره بالعمل لصالح بكين تحت غطاء إعلامي (بيكسلز)

باوكن: العمل لحساب الحكومة الصينية

أقرّ الأميركي توماس باوكن الثاني، في يونيو (حزيران) 2026، بالعمل لحساب حكومة أجنبية داخل الولايات المتحدة، وصدر بحقه في الأول من سبتمبر (أيلول) حكم بالسجن سنتين، وفق وزارة العدل الأميركية. وكان باوكن قد عمل صحافياً لدى وسائل إعلام حكومية صينية، بحسب مجلة «بيبول» الأميركية.

وبحسب وثائق القضية التي عرضتها وزارة العدل، عمل باوكن بتوجيه أشخاص يعلم ارتباطهم بالحكومة الصينية، وسهّل اتصالات مع مصادر محتملة، وزوّدها بأجهزة للتواصل، ونقل تقارير إلى امرأة كانت تتولى توجيه نشاطه، لقاء مبالغ بلغت مائة ألف دولار على الأقل.

صفقة أميركية إيرانية تنهي احتجاز رضائيان

وفي إيران، يقدّم جيسون رضائيان، مراسل صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، مثالاً آخر على ارتباط مصير الصحافي بالتفاوض بين الدول. فقد اعتُقل في يوليو 2014، وواجه اتهامات شملت التجسس والتعاون مع حكومات معادية، وخضع لمحاكمة مغلقة.

وتوثق «لجنة حماية الصحافيين» - وهي منظمة مستقلة مقرها نيويورك تدافع عن حرية الصحافة حول العالم - قول محاميته إن ملف القضية لم يتضمن أدلة تبرر الاتهامات، وتم الإفراج عنه في يناير (كانون الثاني) 2016 ضمن اتفاق لتبادل السجناء بين واشنطن وطهران.

الصحافي جيسون رضائيان بعد الإفراج عنه من السجون الإيرانية في يناير 2016 (أ.ب)

فبركة تهم التجسس في إطار الحرب الباردة

تعود سوابق توقيف الصحافيين بتهم التجسس بشكل خاص إلى الحرب الباردة. ففي تشيكوسلوفاكيا، اعتُقل ويليام أوتيس، رئيس مكتب وكالة «أسوشييتد برس» في براغ، في أبريل (نيسان) 1951، وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات. وبحسب تقرير نشرته الوكالة عام 2012، تعرّض أوتيس للعزل والحرمان من النوم والطعام لإجباره على الاعتراف، فيما كانت شهادات المحاكمة ونتيجتها معدّة سلفاً.

وأثار اعتقاله أزمة مع واشنطن، التي فرضت قيوداً تجارية وعلى السفر ضد تشيكوسلوفاكيا. وبعد ضغوط دبلوماسية واقتصادية، صدر عفو عنه في مايو (أيار) 1953، فعاد إلى الولايات المتحدة واستأنف عمله لدى الوكالة في تغطية الأمم المتحدة.

وفي موسكو عام 1986، اعتُقل نيكولاس دانيلوف، مراسل مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت»، بعدما سلّمه أحد مصادره الصحافية، الذي كان يعرفه منذ سنوات، حزمة تبيّن أنها تحتوي على خرائط وصور عسكرية تحمل تصنيفاً سرياً. وجاء توقيفه عقب اعتقال عميل سوفياتي في نيويورك، وانتهت الأزمة بترتيبات أفضت إلى الإفراج عن الرجلين وعودتهما إلى بلديهما.

الاستخبارات تحت غطاء الصحافة

جمع البريطاني كيم فيلبي بين العمل الصحافي والنشاط الاستخباري؛ إذ عمل في جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني «إم آي 6»، ونقل معلومات إلى الاتحاد السوفياتي. وخلال إقامته في بيروت، عمل مراسلاً لـ«الأوبزرفر» و«الإيكونوميست» البريطانيتين. وتوثّق ملفات الأرشيف الوطني البريطاني مواجهته بأدلة عمالته في يناير (كانون الثاني) 1963، وتقديمه اعترافاً جزئياً، قبل فراره إلى موسكو في العام نفسه، بحسب الأرشيف الوطني البريطاني.

الدبلوماسي والصحافي البريطاني السابق كيم فيلبي خلال مؤتمر صحافي في منزل والديه بلندن - نوفمبر 1955 (أ.ب)

وفي ديسمبر (كانون الأول) 1968، نشرت صحيفة «إزفيستيا» السوفياتية وثائق قالت إنها تكشف عن صلات صحافيين ومحررين بريطانيين بـ«إم آي 6»، وهي اتهامات قوبلت بالنفي آنذاك. وبعد عقود، أعاد تحقيق أعدّه الكاتب جيريمي دانز لـ«بي بي سي»، ونُشر عام 2013، فحص تلك الوثائق، ونقل عن مؤرخين وصحافيين سابقين تأكيدهم صحتها. وأقرّ المؤرخ أليستير هورن للبرنامج بأنه أدار ثلاثة عملاء لحساب الاستخبارات البريطانية في أثناء عمله مراسلاً لـ«ديلي تلغراف» في ألمانيا خلال الخمسينات. ورجّح الباحث في تاريخ الاستخبارات ستيفن دوريل أن يكون العميل المزدوج جورج بليك قد نقل الوثائق إلى السوفيات.

وفي الولايات المتحدة، عمل الكاتب والصحافي ويتاكر تشامبرز ضمن شبكة تجسس سوفياتية خلال الثلاثينات، ثم انفصل عنها عام 1938. وفي العام التالي، التحق بمجلة «تايم» الأميركية، حيث تولّى لاحقاً منصب محرر بارز، وفق السيرة المنشورة على الموقع المخصص له.

بين تهم التجسس المفبركة وحالات الاختراق الفعلي

تؤكد الشواهد التاريخية أن العلاقة بين عالم الصحافة وأروقة الاستخبارات تظل واحدة من أكثر ملفات العلاقات الدولية تعقيداً وحساسية. فمن جهة، يدفع صحافيون مهنيون أثماناً باهظة نتيجة تهم تجسس باطلة تُفبركها بعض الأنظمة لتوظيفهم كرهائن استراتيجيين وأوراق ضغط على طاولة المفاوضات والمبادلات السياسية. ومن جهة أخرى، تثبت الشواهد التاريخية والأحكام القضائية أن أجهزة مخابرات استخدمت بالفعل، في حالات معيّنة، غطاء الصحافة وبطاقاتها لتمرير أنشطة سرية. وبين فبركة الاتهامات بغرض الابتزاز السياسي وحالات العمالة الفعلية، تظل قضايا توقيف الصحافيين ملفات معقّدة تتداخل فيها حسابات الأمن القومي مع تكتيكات الدبلوماسية الدولية.


بيل غيتس: الهجمات الإلكترونية المدعّمة بالذكاء الاصطناعي أخطر تهديد وشيك

بيل غيتس (د.ب.أ)
بيل غيتس (د.ب.أ)
TT

بيل غيتس: الهجمات الإلكترونية المدعّمة بالذكاء الاصطناعي أخطر تهديد وشيك

بيل غيتس (د.ب.أ)
بيل غيتس (د.ب.أ)

حذّر المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، بيل غيتس، اليوم الأحد، من أن الذكاء الاصطناعي غير المنظم يشكل تهديداً متزايداً، متوقعاً تصاعد الهجمات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال العام المقبل.

وقال الملياردير الأميركي إن خطر خروج الذكاء الاصطناعي «عن السيطرة» لا يزال أمراً يلوح في أفق سنوات مقبلة، مؤكداً أن مصدر القلق الفوري يتمثل في «الأشخاص السيئين» الذين يستخدمون الأنظمة الحالية من دون ضوابط أو إجراءات حماية.

وقال غيتس في مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز» إن «الجبهة التي سنشهد على الأرجح تأثيرها الأكبر خلال العام المقبل هي الهجمات الإلكترونية».

وقال: «الخطر الحقيقي في الوقت الراهن لا يتمثل في خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة. صحيح أننا بحاجة إلى العمل على هذه المسألة، لكن تأثيرها الكبير المحتمل لا يزال على بُعد سنوات».

وأضاف: «إن المشكلة الحقيقية تتمثل في استخدام أشخاص سيئي النية للذكاء الاصطناعي، ولا سيما عندما يكون بالإمكان إزالة جميع الضوابط وإجراءات الحماية المدمجة فيه».

وقال أيضاً: «لكن في الوقت الراهن، يُسمح بإزالة جميع هذه الضوابط وإجراءات الحماية. وعندما يجتمع أشخاص سيئو النية، ومن دون أي ضمانات، مع أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي، فهنا تحديداً سنواجه، خلال العام المقبل، الكثير من المفاجآت السلبية، لا سيما في مجال الهجمات الإلكترونية».

وينضم غيتس بذلك إلى رواد آخرين في قطاع التكنولوجيا يدقّون ناقوس الخطر بشأن التهديدات التي تطرحها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وكان قد حذّر في تدوينة مطوّلة نشرها في أغسطس (آب) من أن العالم غير مستعد بشكل خطير للاضطرابات التي قد يُحدثها الذكاء الاصطناعي، لا سيما في سوق العمل.

وفي مقابلته، رفض فكرة أن التنظيم الذاتي من جانب شركات الذكاء الاصطناعي هو أمر كافٍ للحفاظ على سلامة العالم، وهي الفكرة التي يدافع عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال غيتس إن «فكرة أن التكنولوجيا الأكثر خطورة التي ابتكرها البشر على الإطلاق يمكن ضبطها من خلال التنظيم الذاتي فقط، وأن الشركات نفسها هي الجهة الوحيدة التي تراقبها نيابة عن المجتمع... تعكس أننا لا نبذل ما يكفي من الجهد».


ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.