لقاء لأقليات مصرية في «المعبد اليهودي» بالقاهرة يثير ضجة

أكدوا تمسكهم بمصريتهم والتنوع الثقافي للمجتمع

ماجدة هارون، رئيسة الطائفة اليهودية بمصر
ماجدة هارون، رئيسة الطائفة اليهودية بمصر
TT

لقاء لأقليات مصرية في «المعبد اليهودي» بالقاهرة يثير ضجة

ماجدة هارون، رئيسة الطائفة اليهودية بمصر
ماجدة هارون، رئيسة الطائفة اليهودية بمصر

في تجمع نادر الحدوث، التقى ممثلون لأقليات دينية وعرقية مصرية حول مائدة إفطار مساء أول من أمس، داخل المعبد اليهودي في قلب القاهرة. وأثار اللقاء الذي حضره أيضا شيخ أزهري، ضجة وانتقادات في الأوساط العامة عكسته بعض وسائل الإعلام المحلية، لأنه اقترن بالحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، لكن ماجدة هارون، رئيسة الطائفة اليهودية بمصر قالت لـ«الشرق الأوسط» إن هذا ليست له علاقة على الإطلاق، لأن فكرة عقد اللقاء بدأت قبل الحرب بوقت طويل، كما أن توجيه الدعوات على إفطار رمضان بدأ منذ أكثر من عشرة أيام.
ومن بين المشاركين في حفل الإفطار الذي جرى وسط إجراءات أمنية مشددة، بهائيون ومسيحيون ويهود وأمازيغ ونوبيون وغيرهم. وأكد المشاركون تمسكهم بمصريتهم وأرجعوا الفضل في قدرتهم على الإعلان عن ثقافاتهم الخاصة بقوة، لأول مرة منذ نحو ستين عاما، للدستور الجديد الذي وافق عليه المصريون مطلع هذه السنة. ودعا ممثلو الأقليات، وهم يوزعون التمور على الصائمين لبدء الإفطار الرمضاني، للتسامح والعيش المشترك في وطن واحد «يحترم التنوع والاختلاف ويعده ميزة لا عيبا».
ونظم اللقاء «التحالف المصري للأقليات»، الذي جرى تأسيسه لأول مرة في عام 2012. ويقول مينا ثابت، العضو المؤسس لهذا التحالف إن الغرض من التجمع على حفل الإفطار لا علاقة له بأي أغراض سياسية ولكنه دعوة للمصريين للاستفادة من التنوع الثقافي الذي لديهم. ويرفض المشاركون ربط بعض المنتقدين للإفطار بالحرب على غزة التي بدأت قبل أربعة أيام، قائلين إن اللقاء جرى الترتيب له مسبقا منذ نحو أسبوعين.
وظهر «التحالف المصري للأقليات»، بالتزامن مع صعود تيار الإسلام السياسي إلى السلطة بعد ثورة 2011. وحاول التحالف العمل على تضمين حقوق الأقليات داخل دستور 2012، دون جدوى، وهو الدستور الذي جعل العديد من الكيانات المصرية تشعر بالقلق حيث كان يهيمن على صياغته نواب «الإسلام السياسي» وفي القلب منه جماعة الإخوان المسلمين. وارتبط بتلك الفترة خطاب متشدد أثار الرعب في قلوب البعض حيث وقعت اعتداءات على مسيحيين وشيعة كان أشهرها قتل وسحل رموز شيعية مصرية في محافظة الجيزة وقطع أذن أحد المواطنين المسيحيين في الصعيد، إضافة لاعتداءات على كنائس قتل فيها مواطنون آخرون.
ويوضح مينا ثابت قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «كنا أول كيان يخرج لرفض دستور الإخوان لأنه لم يراع التمثيل لكل المصريين في بنود الدستور، أما حين بدأ تعديل الدستور وفقا لخارطة الطريق، بعد الإطاحة بحكم الإخوان، فقد تقدمنا لرئيس لجنة الخمسين، عمرو موسى، بوثيقة تحت اسم (الحقوق والحريات المصرية) وتضمنت 30 مادة مقترحة، جرت الموافقة على خمس منها، والحمد لله يوجد رضا عن الدستور الجديد إلى حد ما، لكن ما زال النضال مستمرا خاصة في المادة الخاصة بالاعتقاد».
وتولى ممثلو الطوائف دعوة من يعرفونهم لأول إفطار من نوعه، وتقرر أن يكون داخل المعبد اليهودي الذي يقع في منطقة تجارية وإدارية كبيرة في وسط العاصمة المصرية. وعن السبب في ذلك تقول أماني الوشاحي، مستشارة رئيس منظمة الكونغرس العالمي الأمازيغي لملف أمازيغ مصر: «قررنا أن نبدأ بالأقلية اليهودية نظرا لأنهم الآن أقل الأقليات عددا في مصر، وعددهم أصبح لا يزيد على 19 فردا لا غير، بعد أن كانوا بالآلاف، وهم في طريقهم للانقراض الآن، حيث إن أقلهم سنا فوق سن الستين عاما.. أي أنه بعد عشر أو عشرين سنة على الأكثر لن يكون هناك أي يهود مصريين في مصر.. نحن تقريبا اليوم نودع واحدة من أقدم الأقليات في البلاد».
وتضيف الوشاحي قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن هذا أول حفل إفطار لأقليات مصر، وكل سنة ستستضيف مثل هذا الإفطار أقلية معينة. وشددت على أن تنفيذ فكرة إفطار الأقليات تعني أن مصر تغيرت، «ولو كنا طرحنا مثل هذه الفكرة من ثلاث أو أربع سنوات مضت، لكان قد قُضي علينا». وتقول الوشاحي إن مصر «دولة مركزية؛ عبارة عن شعب واحد لكن فيه أقليات، وليس طوائف.. مجموعات من المواطنين المختلفين.. البعض مختلف ثقافيا والبعض دينيا ومذهبيا والبعض الآخر عرقيا. والغرض من اللقاء هو إعطاء قيمة للتعايش السلمي والتسامح وقبول الآخر».
ومن جانبها ترفض ماجدة هارون ربط المناسبة بأي نزاع سياسي محلي أو إقليمي. وتضيف بقولها: «أنا دعوت من أعرفهم من أصدقائي المصريين لحفل الإفطار. وزملائي الآخرون من المسلمين والمسيحيين وغيرهم، دعوا من يعرفونهم، بهدف أن نتجمع، وأن نظهر للعالم أننا أبناء وطن واحد، وأن نقول إن اختلافنا مذهبيا أو دينيا، ليس له دخل بأي شيء آخر. وهذه أول مرة يكون فيها مثل هذا التجمع على حفل إفطار في المعبد اليهودي».
وعما إذا كانت لديها أي مخاوف من أن تفسر بعض الأطراف اللقاء تفسيرا آخر، تجيب السيدة هارون موضحة: «نعم كان هناك من لديه تحفظ، خاصة حين علموا أن الإفطار في المعبد اليهودي، حيث رفض البعض الحضور والمشاركة». وتزيد قائلة: «أنا تألمت لهذا، لأن المعبد اليهودي ليس مستوطنة، ولكنه جزء من شارع عدلي.. جزء من مصر، وموجود منذ أكثر من 100 سنة هنا، ومن بناه هم المصريون». ويوجد في مصر نحو 12 معبدا يهوديا آخر.
وعما إذا كان اختيار المعبد اليهودي له علاقة بما يحدث بين إسرائيل وقطاع غزة في الأيام الأخيرة، تقول هارون إن هذا ليست له علاقة بالأمر على الإطلاق، لأن فكرة الإفطار بدأت قبل الحرب بوقت طويل، كما أن توجيه الدعوات بدأ منذ أكثر من عشرة أيام. وتأمل هارون في أن يعقد مثل هذا الإفطار كل سنة؛ مرة في مسجد ومرة في كنيسة وغيرها. وتستدرك قائلة: «أنا لم أشعر أبدا أنني أقلية. أنا في بيتي.. مصر، والاجتماع لا يسلط الضوء على الأقليات لأي سبب آخر، أكثر من كونه تعريف الناس ببعضهم بعضا وأن يحترم كل منهم الآخر، لأن التنوع عبارة عن ثراء للتراث المصري في اللغة والثقافة والفن والعمارة وغيرها».
وأغلقت قوات الأمن محيط المعبد اليهودي وشارع عدلي الشهير الذي يوجد فيه، مستخدمة المئات من جنود الأمن المركزي وضباط الشرطة والسيارات المدرعة، إضافة للتفتيش الذاتي للحضور والكشف عن هوياتهم قبل الدخول للمعبد. وكان من بين الجلوس على مائدة الإفطار ممثلون لعدة حركات نوبية، وفي الجانب الآخر كانت هناك كريمة كمال، وهي قيادية نسائية مسيحية، وباسمة موسى، وهي قيادية بهائية، والكاتبة اليسارية أمينة شفيق، والمخرج السينمائي داود عبد السيد، والممثل كريم قاسم، وآخرون من الأمازيغ، بينما كان الشيخ الأزهري محمد عبد الله نصر، الملقب بـ«خطيب ميدان التحرير»، والمنسق لجبهة «أزهريون مع الدولة المدنية»، يشارك في وضع أكواب المرطبات أمام الحضور، قبيل آذان المغرب، وهو يستعد لإمامة المصلين لصلاة المغرب على سجادة كبيرة في بهو المعبد اليهودي.
ومثل غالبية الحاضرين لحفل الإفطار هنا، لا يميل الدكتور رؤوف هندي، الممثل عن البهائيين المصريين، استخدام تعبير «الأقليات المصرية»، قائلا لـ«الشرق الأوسط» إنه مع استخدام مصطلح «المواطنون المصريون». والدكتور رؤوف هندي هو المدعي في القضية البهائية الشهيرة التي كان يطالب فيها الدولة بكتابة كلمة «بهائي» في خانة الديانة في الأوراق الرسمية وبطاقات الهوية الثبوتية للبهائيين، على غرار كلمتي «مسلم» أو «مسيحي» بالنسبة لباقي المصريين. واستمرت هذه القضية في المحاكم منذ عام 2001 إلى عام 2009، وحظيت باهتمام واسع من جانب الرأي العام. وبسببها صدر حكم من المحكمة الإدارية العليا بعدم إرغام أي مواطن مصري على كتابة عقيدته غير التي يدين بها.
ويقول هندي إنه لبى الدعوة لحضور الإفطار الرمضاني. ويضيف: «أفطرنا مع يهود وشيعة وسنة ومسيحيين أرثوذكس وكاثوليك إضافة للبهائيين. كما أفطرنا مع أقليات عرقية مصرية من أهل النوبة والأمازيغ.. أنا سعيد بهذا التجمع المصري رغم عدم إدراك بعض المنتقدين لفائدته على وحدة الأمة».
وعدد البهائيين في مصر غير معروف، وفقا للدكتور هندي، وذلك بعد أن أغلقت المحافل البهائية في مصر عام 1960 حيث كانت هي الجهة الإدارية المنوط بها إحصاء عدد المنتمين لهذه الطائفة، وإن كان البعض يقدره ببضعة ألوف. كما كان عدد اليهود المصريين يقدر بالألوف حتى ستينات القرن الماضي، رغم الإعلان عن قيام دولة إسرائيل عام 1948. وخرجت أعداد ضخمة من اليهود المصريين إلى إسرائيل ودول غربية عقب حرب يونيو (حزيران) عام 1967.
ويبلغ عدد النوبيين بضعة ملايين، وكانوا حتى ستينات القرن الماضي يتركزون في جنوب البلاد، لكن مشروع بناء خزان السد العالي أجبر قطاعات واسعة منهم على الهجرة لمحافظات أخرى والبعض هاجر خارج البلاد. وفي كل محافظة مصرية تقريبا يوجد «ناد نوبي» يرعى شؤون أبناء النوبة. ونص الدستور الجديد على ضرورة حل مشاكل النوبة المتراكمة منذ أكثر من نصف قرن، كما نص على حقوق الأقليات والأعراق والثقافات المتنوعة بمصر على أساس أنها إضافة للدولة العربية السنية ذات الامتداد الأفريقي والآسيوي والمنتمية في الوقت نفسه لحوض البحر المتوسط.
ويقول رؤوف هندي: «لا توجد في الإحصاءات الرسمية بمصر تصنيفات بأعداد كل عرق أو طائفة.. لكن البهائيين مثل غيرهم، موجودون في مصر من الصعيد (جنوبا) حتى الإسكندرية (شمالا) وهم مواطنون مصريون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم».
وشارك في حفل الإفطار ممثلا عن الأمازيغ المصريين، إدريس حبون، وهو من واحة سيوة، التي تقع وسط الصحراء في غرب القاهرة بنحو 500 كيلومترا، ويبلغ عدد سكان سيوة نحو خمسين ألف نسمة. ويقول حبون لـ«الشرق الأوسط» عن علاقة سيوة بالأمازيغ: «الرطانة والكلام السيوي منسوب للغة الأمازيغية.. يوجد سكان في مدينة فاس المغربية يتحدثون نفس اللهجة التي نتحدث بها، وهم يزوروننا في بعض المناسبات الاجتماعية. هذا على سبيل المثال دليل على أنه يوجد في سيوة من هم من أصول أمازيغية»، مشيرا إلى أن التجمع في الإفطار الرمضاني مع أقليات أخرى «لفتة نقول فيها إننا، في النهاية، مصريون، رغم اختلاف الأعراق والأديان».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.