مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (6): حكم عليّ بـ16 سنة سجنا في قضية «براكة الساحل» التي لم أكن أعرف عنها شيئا

كنا الطرف الأقوى شعبيا وتنظيميا وقياديا في انتخابات 1989 وفزنا بالأغلبية

حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (6): حكم عليّ بـ16 سنة سجنا في قضية «براكة الساحل» التي لم أكن أعرف عنها شيئا

حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988

لعبت الانتخابات التي انتظمت في تونس 1989 دورا حاسما في تحديد مستقبل البلاد وكذلك العلاقة بين حركة النهضة والسلطة ، فقد منحهم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي فرصة المشاركة في الانتخابات لكن كانت مشروطة، أي أنه لا تتعدى مشاركتهم الست دوائر، لكن الحماس أخذ القياديين وخاصة بعد النتائج التي رأوا أنها إيجابية لصالحهم، فوسعوا نشاطهم، وسعوا إلى تحالفات مع الأحزاب المعارضة في تونس وقتها في تحد واضح لبن علي رغم تحذيراته المباشرة.
ونتائج الانتخابات وقتها كانت جرس الإنذار الذي قرر بعده نظام بن علي التخلص من الحركة كليا، بعد ما أبداه من انفتاح على التعامل معها منذ وصوله إلى الحكم سنة 1987 فتغيرت السياسة وكثفت الاعتقالات، وصدرت بحق الكثير من الأسماء فيها أحكام تراوحت بين السجن لسنوات طويلة أو الإعدام والقضية الأساسية وقتها كانت قضية «براكة الساحل» التي حوكم فيها الجبالي بـ16 عاما.

دولة المجتمع أو مجتمع الدولة قرروا إجراء انتخابات سنة 1989. ونحن كنا شاركنا فيها بصفة جزئية، في خمس أو ست ولايات (محافظات) فقط فبالتالي من المفترض أننا لم نكن مصدر خوف أو قلق، وطلبنا أن نتعامل ونتعاون مع المعارضة ومن طرفه رحب أحمد المستيري بالفكرة.
رغم ذلك كانت هناك مخاوف من مشاركتنا خاصة من طرف الحزب الحاكم الذي كانت شعبيته ضعيفة ، وبمثابة هيكل بلا روح أو جيش بلا جنود ، ووكذلك هناك جهات أجنبية، وكنا على علم بهذا لذلك لم نحاول الدخول بقوة.
وهنا بدأ الجدل ووصلنا نوع من التحذير أو كان تهديدا بأنه إذا تحالفنا مع المعارضة ودخلنا بقوة فإن هذا يهدد التوازنات في البلاد، وسيعد بمثابة إعلان حرب وأننا سنواجه ما لا يعجبنا وكان هذا الكلام من حامد القروي، الذي قال: إن هذا الكلام ليس منه شخصيا بل من الرآسة وقال محذرا: أنتم تلعبون بالنار.
نحن رفضنا هذه التهديدات وكنا وقتها متحمسين جدا لكن في نفس الوقت كنا متخوفين من الخطر، لم يكن خطر الاعتقالات هو الذي يخيفنا، لكن كنا نعتقد أن ما نقوم به سابق لأوانه وأنه من الأفضل لنا أن نسير بأقل سرعة، وبما أن فرصة الانتخابات موجودة كنا نريد المحافظة على الحريات ونندمج أكثر في العمل السياسي، لأنه حقيقة ومن دون غرور كنا الطرف الأقوى على كل المستويات الشعبية والتنظيمية والقيادية، وكنا على قناعة أن الحزب الدستوري والتجمع (الحزب الحاكم) كان أكذوبة كبيرة وليس لديه أي شعبية، كانوا عبارة عن ميليشيا في صورة أداة ادارية أمنية، مالية ، تخدم مصالهم الشخصية ، فكانت اجتماعاتهم الإنتخابية لا تجمع أكثر من بضع ميئات ، في حين تشهد اجتماعات «القائمات المستقلة» الآلاف.
شعرنا بنوع من الغرور السياسي والحماس الجماهيري، أو يمكن أن تعديه البهتة السياسية وقتها، حقيقة غامرنا وبدأنا نتقدم بكفاءات شبابية جديدة ليس على المستوى القيادي أي مستوى الصف الأول بل على مستوى الصف الثاني والثالث، ومتعاطفين وقدمنا ما يسمى بالقائمات البنفسجية المستقلة.
كانت انتخابات 1989 مرحلة حاسمة ومنعطفا خطيرا في مستقبل تونس، وأتحدث إليك وأنا على علم بتفاصيل الأمور وأعطيك مثالا لنتائج محافظة سوسة وقتها كانت نتائج قوائمنا البنفسجية 62 في المائة، وسأشرح لك مراحل التزوير كيف جرت، بعد الاقتراع يجري فتح الصناديق بعد طرد الجميع من مراكز الاقتراع وتستبدل الأوراق البنفسجية بالحمراء، وأخبرني بهذا الأمر أحد أقربائي الذي شاركهم العمل وهو لم يكن من المنتمين للحزب فقط كان مهاجرا في فرنسا وعاد إلى تونس راغبا في فتح «مغازة» لبيع المواد الغذائية ووعدوه بالحصول على ترخيص إذا كان من المتعاونين في هذه الأعمال وبما أنه لا توجهات سياسية له لم ير ضررا في الموضوع.
وأكد أننا حصلنا على 75 في المائة في منطقة خزامة الشمالية وهي من الضواحي الراقية التابعة لمحافظة سوسة، ويمكن القياس على ذلك في بقية مناطق الجمهورية، وكانت الانتخابات يوم الأحد ومن المفترض إعلان النتائج يوم الاثنين، وقدمت وزارة الداخلية النتائج لابن علي وكانت رهيبة وكارثية بالنسبة له فجمع المقربين منه فجر الاثنين وبقوا يفكرون في حل للموضوع.
أبلغني وقتها صديق لي وهو صحافي يعمل مراسلا لصحيفة «لوموند» الفرنسية اسمه ميشال دوري، وأنا كنت أشك أنه يعمل مع الاستخبارات الفرنسية .
في ذلك الوقت قرر نظام بن علي أن تنتهي النهضة ولا يبقى لها وجود في البلاد، انه قرار تصفية الحركة، وكانت ثائرتهما تثور خاصة عندما نتحدث عن التزييف وعن مسألة طرد الملاحظين وفتح الصناديق. وقتها فقط فهمت قيمة كلام مراسل «لوموند» ميشال وتذكرت جملته: حمادي أنتم تخيفونهم هل أنتم على وعي بهذا؟

* صحيفة «الفجر».. وقرار الإيقاف
* علمنا أنه يجري الترتيب لاعتقال راشد الغنوشي الذي ذهب وقتها إلى لندن للمشاركة في مؤتمر وقرر البقاء هناك، وفي ذلك الوقت تقرر تعويضه بقيادة مشتركة، وكان معنا عبد الفتاح مورو الذي شغل بعد فترة بوظيفته (المحاماة)، وبقي في القيادة علي العريض وزياد الدولاتي وأنا.
وقرر نظام بن علي أن يبدأ بسجن هذه القيادات فبدأوا بزياد وعلي قبلي، ثم قبضوا علي بتهمة المقال الذي كتبته وقتها.
وبالنسبة لعلي العريض والدولاتي كانت تهمهما التحريض على الاحتجاجات وتنظيم مظاهرات وأنا كانت الحجة ضدي المقال الذي كتبته.
تم إيقافي في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1989. وفي شهر مارس (آذار) 2000 جاءت الحادثة الشهيرة التي عرفت بـ«حادثة باب سويقة»، وباب سويقة حي في قلب تونس العاصمة اتهم عناصر من النهضة بالتهجم عليه وحرق حارسه وهو عجوز، وصلتنا معلومات بعدها أنهم امتنعوا عن إسعافه وتركوه يموت ووظفوا الحادثة إعلاميا بشكل كبير جدا، ونجحوا حتى في الوصول إلى توظيف الأطراف المعارضة الأخرى في البلاد التي استنكرت العملية والعنف بصفة عامة ، منهم أحمد المستيري، ومحمد مواعدة، ونجيب الشابي، إلا منصف المرزوقي الذي كان وقتها يشغل منصب رئيس رابطة حقوق الإنسان.
كان موقف نجيب الشابي وقتها: التبرؤ من مثل هذه الأعمال وقال: إن النهضة تجاوزت الحد «كثرتلها»، ومواعدة كان موقفه أن لا للعنف، أما الحزب الشيوعي فطالب باشد العقاب.
النظام ركز في عمله وقتها على حشد الرأي العام والسياسي داخليا وخارجيا وتحريك الآلة الإعلامية، ثم جاءت قضية «براكة الساحل» التي كانت حول أن كولونيلات من الجيش يعملون بالتعاون مع «النهضة» يخططون لانقلاب، وأوقف 12 كولونيلا وقتها، ومنهم أخو أحمد نجيب الشابي وصنفت القضية على أنها قضية أمن دولة، وعدها قضية أمن الدولة تشمل أربع تهم كبرى هي: نية القتل، التطاحن، استعمال السلاح، وتهديد أمن الدولة ووحدة الوطن.
راشد الغنوشي كان في لندن وحكم عليه غيابيا، كما حكم علي أيضا في نفس القضية بتهمة التدبير باعتباري قياديا في الحركة.
وحوكمت بهذه التهمة في المحكمة العسكرية، وكانت محاكمة رائعة أعدها ملحمة.
كانت رائعة في تصرفنا كمتهمين ومداخلات المحامين، وتورط القضاة، كانت التهم واهية، وفي ذلك الوقت كانوا يقرأون علي التهم حول «براكة الساحل» وأجيب بأني لم أسمع عنها في حياتي من قبل، وكنت أسأل ما هي هل هي مكان أم مقر؟ وكشف المحامون زيف المدعي العام وهو كولونيل عينه بن علي وبعد القضية حصل على رتبة جنرال، وكانت المحاكمة رغم أنها عسكرية سياسية، وحتى الأسلحة التي زعموا أنهم وجدوها عندنا كانت عبارة عن عصي وآلات حادة ومسدسات «من عهد هتلر» ضحك المحامون وقتها، وقلت لهم بأننا لو كنا سنقوم بانقلاب عسكري بهذه الأسلحة فبئس الانقلاب.
وصدرت أحكام قاسية على مجموعة من المتهمين في القضية لكن الحكم علي كان السجن 16 عاما.

* قضية «براكة الساحل»
* أعلن وزير الداخلية التونسي مطلع التسعينات عبد الله القلال في مؤتمر صحافي كبير عقده في مايو 1991 عن مؤامرة كبرى لتغيير نظام الحكم بالقوة من قبل «جناح سري» تابع لحركة النهضة من بين عناصره عدد من الأمنيين والعسكريين.
وأورد عبد الله القلال وقتها عن كون قيادات عسكرية وأمنية قريبة من زعامة حركة النهضة المحظورة عقدت اجتماعا سريا في مسكن خاص في قرية «براكة الساحل» ـ بالقرب من مدينة الحمامات السياحية 50 كلم جنوب العاصمة تونس ـ واتفقت على الانقلاب على بن علي وناقشت سيناريوهات لقتله وإبعاده عن الحكم.
وقد قامت قوات الأمن وقتها باعتقال مئات الأمنيين والعسكريين والمدنيين المتهمين بالانتماء إلى تلك «المؤامرة الكبيرة جدا».
لكن لما توسعت دائرة الإيقافات بناء على اعترافات أخذت من المتهمين تحت التعذيب شكت مصالح الأمن والحكومة في جدية تلك المؤامرة.. وتبين أن غالبية الموقوفين من بين العسكريين من بين الليبراليين والمدنيين الموالين للسلطة الذين وقع إقحام أسمائهم في ملفات التحقيق بهدف «إرباك النظام».
فوقع الإفراج عن الغالبية الساحقة من العسكريين المتهمين في تلك القضية والاعتذار لهم بعد تغيير وزير الدفاع الوطني صلاح الدين بالي بعبد العزيز بن ضياء. في المقابل حوكم عشرات من الأمنيين والعسكريين والمدنيين المتهمين بالانتماء إلى حركة النهضة أمام المحكمة العسكرية العليا بتهمة التآمر على أمن الدولة وأمام محاكم حق عام عادية بتهم متفرقة صدرت ضدهم في أعقابها أحكام تراوحت بين البراءة والسجن المؤبد. وكان بينهم حمادي الجبالي وعلي العريض حضوريا وراشد الغنوشي وعشرات من رفاقه في المنفى غيابيا.

* النهضة وبن علي.. بعد 1989
* كان السماح لقيادة حركة النهضة ـ التسمية الجديدة لحركة الاتجاه الإسلامي منذ فبراير (شباط) 1989 - بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية العامة في أبريل (نيسان) من نفس السنة سلاحا ذا حدين.
فقد مكنت تلك المشاركة آلافا من مناضلي الحركة من الانتقال من السرية إلى العلنية وتنظيم آلاف التظاهرات الثقافية والسياسية الشعبية دون التخوف من التبعات الأمنية والقانونية التي أنهكتهم منذ بدء مسلسل المحاكمات السياسية للقيادة التاريخية في صائفة 1981.
ومكن انفراج العلاقة بين السلطة وقيادة النهضة من انفتاح وسائل الإعلام التونسية ومؤسسات رسمية في الدولة على قياديين في النهضة مثل عبد الفتاح مورو وراشد الغنوشي وحمادي الجبالي والفاضل البلدي وعلي العريض.. وعلى بعض قياداتها التي ظلت في «المنفى الاختياري».
وسمح لعدد من قادة الحركة ورموزها بالتنقل الحر بين تونس والخارج والبروز في المحافل العامة وحفلات الاستقبال التي تقيمها السفارات العربية والغربية.
لكن تلك المشاركة في الانتخابات أثارت مخاوف المؤسسات الأمنية والسياسية للنظام وحلفائه داخل «الأحزاب العلمانية» ومنظمات «المجتمع المدني» الذين تخوفوا من «تغول الإسلاميين» في مرحلة أثبتت فيها نتائج الانتخابات ضعف تلك الأحزاب والمنظمات وهشاشتها وقلة إشعاعها.
ودخلت تونس منعرجا جديدا بعد عملية تزييف نتائج تلك الانتخابات وعدم الاعتراف بفوز أي من القائمات التي رشحتها المعارضة عموما وحركة النهضة خاصة.
ودفعت العلاقة مجددا بين السلطة والنهضة نحو التوتر. فهم بن علي وأنصاره أن «استعراض القوة الشعبي» الذي قام به أنصار حركة النهضة في تلك الانتخابات يوحي بكونهم لا يريدون المشاركة في الحكم بل وراثته.. وأنهم أصروا على تقديم مرشحين في كل الدوائر الانتخابية وأنزلوا آلاف الأنصار إلى الشوارع لدعمهم للبرهنة على كونهم «القوة السياسية» الأكبر في البلاد..
وتحدث قياديون من النهضة لاحقا عن كون بن علي فهم أن حركتهم قامت بخطأ سياسي فادح عندما رفضت أن تترشح في 4 أو 5 دوائر لا غير «حتى لا تحدث اختلالا فجا في التوازنات السياسية في البلاد».
واتهم هؤلاء القياديون بعض رفاقهم بـ«حرق المراحل» وبـ«القفز على الواقع».. وبالخلط بين المشاركة في انتخابات تعددية لأول مرة والقيام بـ«انقلاب انتخابي سياسي» من خلال محاولة «تغيير النظام فجأة» عبر صناديق الاقتراع.. عوض الاكتفاء بالمكاسب التي تحققت للحركة بعد الإطاحة بحكم بورقيبة وبينها تحسن هامش الحريات العامة والفردية وأوضاع حقوق الإنسان.
لذلك قرر بن علي أن يزيح المعارضة الإسلامية من طريقه قبل أن «يشتد عودها» أكثر.. فكانت المواجهات الدامية والدرامية انطلاقا من عامي 1990 و1991.
بدأت الاعتقالات جزئية لشخصيات مثل القياديين صالح البوغانمي وعلي العريض وحمادي الجبالي ثم تطورت إلى حملة واسعة شملت آلاف المنتمين للحركة وعشرات الآلاف من المتعاطفين معها وبينهم من دعموا قائماتها الانتخابية في 1989.
وبلغت حملة الاعتقالات أوجها في 1992 بعد الكشف عن «أجنحة سرية» للحركة تضم أمنيين وعسكريين ومدنيين مدربين على العنف وحمل السلاح كانوا يعدون للإطاحة بحكم بن علي وتنظيم «ثورة شعبية شاملة» ضده تشمل اغتياله وإحداث «فراغ دستوري» في أعلى هرم السلطة تستغله قيادة الحركة لتسلم الحكم.

* حامد القروي
* حامد القروي من دعائم نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، فقد اعتمد على حنكته السياسية في إدارة البلاد خلال قرابة عشر سنوات هي الأصعب في إرساء «التغيير» الذي وعد به التونسيين من خلال بيان السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987.
من مواليد مدينة سوسة الساحلية في 30 ديسمبر (كانون الأول) من سنة 1927 شغل منصب الوزير الأول (رئيس الحكومة التونسية) بين 27 سبتمبر (أيلول) 1989 و17 نوفمبر 1999 وهي الفترة التي شهدت استئصال التيارات الإسلامية التونسية ممثلة بالأساس في حركة النهضة من الحياة السياسية والزج بقياداتها في السجون. درس القروي الطب في فرنسا وتخصص في الأمراض الصدرية. انتخب بمجلس النواب (البرلمان التونسي) خلال فترة النظام البورقيبي وذلك إبان سنوات 1981 و1986 و1989.
عين وزيرا للشباب والرياضة بين شهر أبريل 1986 و27 أكتوبر (تشرين الأول) 1987 ثم مديرا للحزب الاشتراكي الدستوري في أواخر عهد الرئيس بورقيبة.
كان من بين مهندسي تغيير 1987 نظرا للقرابة العائلية التي تربطه بالرئيس التونسي الأسبق بن علي. عين سنة 1988 وزيرا للعدل. وفي سنة 1989 وإثر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أصبح رئيسا للحكومة التي أمنت التغيير السياسي وأرست دعائم الدولة وأخرجت معظم المنافسين السياسيين لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي (وريث الحزب الاشتراكي الدستوري) من الحياة السياسية.
لم يلعب حامد القروي دورا سياسيا قويا أثناء فترة حكم بن علي، واقتصر أساسا على التنسيق الحكومي. خلفه محمد الغنوشي في رئاسة الحكومة، وبعد مغادرته الوزارة الأولى بقي نائبا أول لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب الحاكم) وهو يأتي في المرتبة الثانية في الترتيب البروتوكولي بعد رئيس الدولة.

* أحمد المستيري
* أحمد المستيري من أبرز معارضي نظام بورقيبة وكان من بين الأوائل الذين وقفوا في صفوف المعارضة ومن داخل نظام الحكم البورقيبي نفسه. أسس نهاية عقد الثمانينات حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وهو أول حزب سياسي معارض يشارك في الانتخابات البرلمانية التي عرفتها تونس سنة 1981.
ولد المستيري بالضاحية الشمالية للعاصمة المرسى في 2 يوليو (تموز) 1925 وانضم في شهر يناير (كانون الثاني) 1952 إلى الديوان السياسي السري للحزب الاشتراكي الدستوري الذي أصبح يقوده فرحات حشاد والصادق المقدم.
دافع كمحام عن المناضلين الوطنيين أمام المحاكم المدنية والعسكرية الفرنسية، وتعرض لمحاولة اغتيال من قبل المنظمة الإرهابية المسماة «اليد الحمراء».
شغل حقيبة وزارة العدل خلال السنوات الأولى للاستقلال وساهم في إصلاح الجهاز القضائي وكتابة قانون الأحوال الشخصية الذي مكن المرأة التونسية من الحرية. كما سمي على رأس وزارات الدفاع والمالية والتجارة في عهد بورقيبة، قبل أن تسوء العلاقة بينهما بفعل المعارضة العلنية لتجربة التعاضد التي قادها أحمد بن صالح في تونس.
طُرد من الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في 29 يناير 1968 لكن فشل تجربة التعاضد ومحاكمة بن صالح أعادته من جديد إلى وزارة الداخلية سنة 1970. غير أنه استقال في 21 يونيو (حزيران) 1971 نظرا لعدم الوفاء بالوعود التي قطعها الرئيس بورقيبة بخصوص الانفتاح السياسي.
علق بورقيبة نشاط أحمد المستيري من الحزب الحاكم، ثم طرده نهائيا في 21 يناير 1972. وفي 20 يوليو 1973 طُرد من البرلمان الذي حافظ على عضويته منذ الاستقلال.
انسحب سنة 1986 من الأمانة العامة لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي أسسها سنة 1978. ووضع حدا لكل نشاط سياسي.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

 

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (4): بن علي كان يدعي أنه من أنقذنا من الإعدام

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (5): غادرت تونس عبر البحر ولقيت ترحيبا من الحكومة الإسبانية



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.