مذكرات بسيوني الحلقة (9): وضعت النظام الأساسي لمحكمة صدام حسين بتكليف من الإدارة الأميركية

جرائم الرئيس العراقي السابق شملت إبادة الجنس البشري وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب

بسيوني خلال حفل مع محافظ ولاية إلينوي لتكريمه بمناسبة تقلده وسام لينكون الأميركي وهو ثالث أعلى وسام
بسيوني خلال حفل مع محافظ ولاية إلينوي لتكريمه بمناسبة تقلده وسام لينكون الأميركي وهو ثالث أعلى وسام
TT

مذكرات بسيوني الحلقة (9): وضعت النظام الأساسي لمحكمة صدام حسين بتكليف من الإدارة الأميركية

بسيوني خلال حفل مع محافظ ولاية إلينوي لتكريمه بمناسبة تقلده وسام لينكون الأميركي وهو ثالث أعلى وسام
بسيوني خلال حفل مع محافظ ولاية إلينوي لتكريمه بمناسبة تقلده وسام لينكون الأميركي وهو ثالث أعلى وسام

قبل أن يصدر جورج بوش الأبن قراره بدخول القوات الأميركية إلى العراق، جرت هناك حركة سياسية من شخص يدعى أحمد الجلبي. كان الجلبي قد أتى إلى أميركا وقتذاك، وبدأ العمل مع الجمهوريين. حاول في بداية عمله، أن يجعل من شخصه رمزا للمقاومة الشعبية ضد نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وحظي بتأييد حكومة الولايات المتحدة. من جانبي، كنت ممن يريدون أن تبتعد أميركا عن أحمد الجلبي، ومن دعاة أن يكون لها سياسة مستقلة وليست منقادة له.
كنت في اتجاه مضاد له، على أساس أنه لا توجد حركة مستقلة في العراق، لأن نظام صدام حسين لم يكن يسمح بهذا، فكان لا بد أن تدخل أميركا وتستقر وتتحمل عبء إدارة البلاد لفترة معينة. قلت للأميركيين: لا يمكنكم التنصل من تحمل هذه المسؤولية، إذ لا توجد جهة أخرى تتحملها. الأمر ليس كما كانت عليه فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية. لن تتمكنوا من جلب شخص مثل ديغول يدير البلاد وينتهي الموضوع. في العراق النظام الداخلي انهار تماما، وليس هناك معارضة لصدام. وأنتم يجب أن تتحملوا هذه المسؤولية إلى حين استتباب الأمن. لكنهم لم يرغبوا في ذلك، وهذا ما جعل لشخص مثل أحمد الجلبي أهمية بالنسبة لهم.
في الحلقة هذه، يروي بسيوني تفاصيل تكليفه وضع النظام الأساسي لمحكمة صدام حسين.
أسندت الإدارة الأميركية إليّ، مهمة وضع النظام الأساسي لمحكمة خاصة لمحاكمة صدام حسين وعناصر آخرى في نظامه. وأنجزت ذلك، وضمنته الجرائم، وكانت من ثلاثة أصناف: إبادة الجنس البشري، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. ووضعت لها التعريف نفسه الموجود في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ حيث كنت رئيس لجنة الصياغة. وبالنسبة للمحكمة الخاصة بصدام حسين، فقد حررت كذلك الإجراءات لها وحماية حقوق المتهم. قبلت وزارة العدل الأميركية هذا المشروع، ثم وزارتا الدفاع والخارجية. عرضته على الجهات العراقية التي قبلته بدورها، وصدر به قانون وأنشئت هذه المحكمة. وقد اختاروا أعضاء المحكمة ليس فقط من القضاة ولكن من محامين وغيرهم، فكانت مكونة من 26 قاضيا، من خلفيات مختلفة، وكان هذا مخالفا للنظام القضائي في العراق، وهي أن يأتي على المناصب شخص لا يكون قاضيا، وهذا ما أنشأ خلافا شديدا بين القضاة في العراق.
في الوقت نفسه، وعن طريق معهد سيراكوزا، كنت أدير تدريب القضاة في العراق بالتشاور مع رئيس المجلس الأعلى للقضاة. وكان هناك عقد موقع بين معهد حقوق الإنسان في جامعة دي بول في شيكاغو، الذي كنت أترأسه ووزارة الخارجية الأميركية، لإعادة فتح ثلاث كليات للحقوق، في بغداد والبصرة والسليمانية. وقد أشرفت عن طريق معهد دي بول، على إعادة فتح هذه الكليات وإعادة بنائها وبناء المكتبات، وإعادة تأهيل وتدريب الأساتذة. ثم فتحت الأبواب، وفي فترة عامين، فتحنا ثلاث كليات حقوق، انضم إليها في العام الثالث نحو 4500 طالب. وخلال ثلاث سنوات فتحنا أبواب التعليم وأنشأنا الكليات العراقية للحقوق.
اخترنا المناطق طبعا حسب مختلف الطوائف، لأن بغداد كانت سنية، والبصرة شيعية، والسليمانية من الأكراد. وفي الوقت نفسه، كنا ندرب القضاة للمحكمة الخاصة في معهد سيراكوزا، وفي إنشاء هذه المحكمة الخاصة، واستمر التدريب والعمل عن طريق معهد سيراكوزا والقضاء العراقي، لوضع خطة لتنمية القضاء العراقي مستقبلا، وعملنا عليها لمدة ثلاثة أعوام بالتعاون مع العراق.
وحصلنا في هذا الوقت، على منحة من وزارة الدفاع الأميركية لأخذ التقرير الشفوي لضحايا صدام حسين، فأخذنا أقوال أكثر من خمسة آلاف شخص وجمعناها، وللأسف المنحة لم تتضمن نشر هذه الأقوال، ولذلك لم تصل النتيجة النهائية إلى الأجيال التالية في العراق.
وحسب قراءتي الشخصية لروايات بعض الأشخاص عن الصراع في العراق، يتضح لي أن انتهاكات حقوق الإنسان، وبالأخص فيما يتعلق بالتعذيب والممارسات المشابهة، كالاغتصاب، تُرتكب بالطريقة نفسها، وبواسطة النوعية نفسها من الأشخاص، بغض النظر عن اختلاف الأنظمة الحاكمة التي تتورط في تلك الممارسات. في نهاية المطاف، الأمر يتعلق بالصراع بين الخير والشر، وبسوء استخدام السلطة الذي يؤدي إلى نزع صفة الإنسانية عن الآخر. ما حدث أثناء فترة حكم صدام حسين، يختلف تماما عما اختبرته في يوغوسلافيا السابقة، وكذلك في أماكن أخرى مثل ليبيا.
حرب النجوم وإفلاس موسكو
هناك مثال آخر أود ذكره: كنت أعرف مستشار الأمن القومي لريغان، وكان اسمه روبرت ماكفرلن، كنت أعرفه جيدا وعلى صلة طيبة به. روى لي مرة قصة عن ريغان تعبر عن إدارة ريغان في فترة حكومته. قال لي: ذات يوم كان عقد اجتماع صباحي وقت الإفطار مع رئيس الأركان العسكري ورئيس أركان الطيران، وهو ضابط بدرجة فريق طيار مسؤول عما يسمى «حرب النجوم» وقتها، بحضور وزير الخارجية. وكان ريغان قد أعلن عن برنامج «حرب النجوم» في أميركا، وهي وضع صواريخ في الفضاء الجوي لها القدرة على اعتراض صواريخ سوفياتية، تضربها من الفضاء الجوي. ولأن برنامج تلفزيونية عدة وأفلاما تناولت موضوعا كهذا، فقد اعتبر كثيرون البرنامج خياليا وغير قابل للتحقيق؛ فكيف يوضع قمر صناعي يحمل صواريخ قادرة على قصف صاروخ آخر؟
أثناء الحديث، أراد ريغان تقريرا من الجنرال المسؤول عن البرنامج. فقال له: البرنامج حسب تقديرنا سيتكلف خمسة مليارات دولار. وكان مبلغا ضخما جدا في الثمانينات. وقال له أيضا: إنه لا ضمانات لتحقيقه خلال الأربع أو خمس سنوات المقبلة. فقال ريغان يعني نحن سننفق هذا المبلغ من غير ضمانات؟ أجاب المسؤول: نعم هذا وارد.
كان ريغان شخصية عادية جدا، لم يكن مفكرا كبيرا لكنه كان يتصرف بالبداهة والواقعية. سأل من حوله: هل سيقف الروس مكتوفي الأيدي ونحن نقوم بهذا؟ لأننا إذا نجحنا فهذا يعني أن قوتهم النووية لم تعد تساوي شيئا، وسنتحكم بهم. فرد: لا لن يقفوا.. سيفعلون الشيء نفسه. فقال ريغان: إذا كنا نحن المتقدمين عنهم علما لسنا ضامنين فكيف سيضمنون هم؟ قال: هم غير ضامنين أيضا. ففكر وقال: نحن غير ضامنين وهم كذلك، لكننا نستطيع الإنفاق على المشروع، فهل سيتمكنون من ذلك؟ ثم قال لوزير الخارجية: هل يمتلكون المال اللازم؟ أجابه: لا، حالتهم الاقتصادية متعبة. فقال ريغان: إذن هذا عظيم وسيساعدنا على إفلاسهم. وفعلا كان هو البرنامج الذي جعل الاتحاد السوفياتي ينهار في 1989 نتيجة لإفلاسه. وهذا ما أنهى الحرب الباردة. هذه القصة حكاها لي مكفرلن.
وقد رشحني ريغان لأن أكون المستشار القانوني لوزارة الخارجية، لكن اليهود أبلغوا ألكسندر هيغ، الذي كان وزيرا للخارجية، وأحدث أزمة بينه وبين البيت الأبيض في تلك المرحلة.
أستحضر الآن قصة أخرى عن صديق عزيز اسمه إبراهيم أبو لغد الذي كان أستاذا في جامعة نورثويسترن في شيكاغو، وكان فلسطينيا من القياديين في أميركا وفي فلسطين، وكان رجلا وطنيا. في هذه الفترة كان ابو لغد متواجدا في لبنان مع أبو عمار الذي كان محاصرا من قبل قوات شارون (1982). كانت معركة لبنان جارية، واستطاع أبو لغد الاتصال بزوجته من داخل بيروت، واتصلت هي بدورها بي بعد منتصف الليل، لتقول إن إبراهيم يبلغني أن هذه الساعات هي آخر ساعات لنا؛ لأننا محاصرون ونضرب بالمدافع باستمرار، وشارون سيقضي علينا كما فعلوا في تل الزعتر. قال لها قولي لشريف أمامنا ساعات قبل الإبادة، وكأننا في تل الزعتر. انتظرت حتى السادسة والنصف صباحا لأني كنت أعلم أن مكفرلن يبدأ عمله في هذا الوقت، لكنه وصل السابعة إلا ربعا. قال إنه يعلم ويتابع الموضوع ويقومون بالتفاوض. فقلت رجاء أريد أن أقابلك. قال: حسنا لكن لا وقت كثيرا لمقابلتك. ذهبت إلى واشنطن جوا، وكنت في مكتبه بعد الثالثة بعد الظهر. فقال إنهم وصلوا لمرحلة من التفاوض ستسمح لأبو عمار ومن معه من القياديين بالخروج على ظهر البواخر من لبنان متجهين نحو تونس، ونحن في المراحل النهائية من التفاوض. وحين كنت في مكتبه، أذكر أن السفير السعودي أتى لزيارته، لا أذكر اسمه، وأصبح بعدها وزيرا للصحة. دخل عليه وأبلغه أن المملكة والملك مهتمان جدا بالموضوع. وقال ستكون النتائج صعبة؛ بما معناه أنه قد يعاد الحظر على البترول كما حدث سنة 1973.
وتحدث بطريقة دبلوماسية وليس يستخدم لهجة تهديد. لكن كان واضحا ومفهوما ليس فقط وقف البترول، بل قد يصل الأمر إلى سحب أموال سعودية من أميركا ونقلها إلى وروبا.
وهنا نشير إلى أهمية الدور الذي لعبته السعودية في إخراج أبو عمار من لبنان نحو تونس. ولم يقلق السفير السعودي ولا المستشار من وجودي بل على العكس كانا سعيدين بي كشاهد، فالهدف كان إنسانيا وسياسيا، لأن الشعب الفلسطيني والعربي كان سيثور لو أن شارون أباد الآلاف.

المحكمة الخاصة بملاحقة صدام حسين وكبار المسؤولين في نظامه

بعد الغزو الأميركي للعراق، أخذت وزارة العدل الأميركية على عاتقها تنفيذ برنامج يهدف إلى إنشاء محكمة خاصة لملاحقة صدام حسين والمسؤولين الكبار في نظامه، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من البرامج المتعلقة باستعادة دور دولة القانون وإنشاء سجل بانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها النظام العراقي، إلا أن ملف محاكمة صدام حسين وكبار مسؤوليه هو الذي حظي باهتمام الولايات المتحدة.
أُسندت إلى بسيوني مهمة تحضير مسودة لائحة لإنشاء ما بات يُعرف بالمحكمة الجنائية العراقية العليا (IST) التي حاكمت في النهاية، صدام حسين وكبار المسؤولين في نظامه وأدانتهم. وقد قام بسيوني بتحضير مسودة اللائحة. وبما أنه كان يعمل في ذلك الوقت، على إنشاء محكمة جنائية دولية اعتمادا على عمله السابق على تحضير لائحة المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة بوصفه رئيس لجنة الخبراء ليوغوسلافيا السابقة، فقرر أن يضم ثلاثة جرائم منصوصا عليها في تلك الهيئات الدولية، وهي الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. وحيث إن مسودة لائحة المحكمة الجنائية الدولية لم تكن قد تمت الموافقة عليها بعد، فلم يكن تعريف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي تعاقب عليها المحكمة الجنائية العراقية العليا هو التعريف نفسه بالكامل للجرائم الذي جرى الموافقة عليه في روما. وكانت تعريفات الجرائم التي تعاقب عليها المحكمة العراقية أقرب إلى تلك الجرائم المنصوص عليها في لوائح محكمة يوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا. لكن هذا لم يحل دون استكمال دوره في محكمة العراق.
ومن خلال المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية، كلف بسيوني بتدريب جميع قضاة المحكمة الجنائية العراقية العليا، وكان بعض هؤلاء الذين جرى اختيارهم على أسس سياسية لا يمتلكون خبرة قضائية سابقة. لكن حتى أولئك الذي لم تكن لديهم خبرة سابقة بالقانون الجنائي الدولي، وكان عليهم بالتالي أن يفهموا الأسباب الجنائية التي يجب تحققها لإثبات الجرائم الثلاث المذكورة آنفا، إلى جانب القدر الأدنى من معايير العدل والإنصاف. جرى التدريب الأولي في مقر المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية في مدينة سرقوسة الإيطالية، وتبعته حلقات تدريب أخرى في العراق.
واصل اﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن بكلية اﻟﺤﻘوق ﺒﺠﺎﻤﻌﺔ دي ﺒول الأميركية، الذي شارك بسيوني في تأسيسه عام 1990، والمعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية، الذي كان يديره في ذلك الوقت، واصلا العمل معا للاضطلاع بعدد من الأنشطة. وقام اﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن بعمل جزء من الأنشطة منفردا، بينما قام المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية منفردا بعمل جزء آخر من تلك الأنشطة. كان اﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن يتلقى تمويله من وزارة الخارجية الأميركية، وتضمن مجال نشاطه إعادة تشغيل ثلاث كليات للحقوق في بغداد والبصرة والسليمانية في كردستان. وقد أشرف على إعادة تشغيل كليات الحقوق الثلاث تلك وإعادة بناء مرافق التربية البدنية والمكتبات القانونية وتطوير المناهج، وأخيرا عندما أُنجزت كل تلك المهام كنت سعيدا برؤية 4500 طالب يلتحقون بالثلاث كليات التي تعمل تحت إشراف اﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن.
في غضون ذلك، كان المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية مشاركا المجلس الأعلى للقضاة في العراق في مشروع كبير، كان يهدف إلى تطوير السياسات والمناهج المعدة لتدريب القضاة، ووضع قواعد السلوك الأخلاقية للقضاة ووكلاء النيابة، وكذلك أساليب وطرق الإدارة القضائية. وفي هذا السياق عمل المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية في العراق منذ عام 2002 حيث قام بإعداد 12 برنامجا للمساعدة الفنية في مجال حقوق الإنسان، مبدأ سيادة القانون وتحقيق العدالة في فترة ما بعد الصراعات. وقد شارك في تلك البرامج 725 شخصا ما بين فقهاء قانون وموظفين مسؤولين عن تطبيق القانون وفني عدالة ومسؤولين في الحكومة العراقية، بالإضافة إلى 195 خبيرا دوليا. وكان من بين ثمار تلك البرامج إصدار 10 إصدارات قانونية. وقد عمل المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية على ربط حقوق الإنسان ومبدأ سيادة القانون وتحقيق العدالة في فترة ما بعد الصراعات بالعملية الوطنية الشاملة لإعادة إعمار العراق. وقد نسق المعهد جهوده مع جهود المحكمة العراقية العليا والحكومة العراقية وكليات الحقوق والجهات الأخرى التي تدعم بناء دولة سيادة القانون. وكانت هناك مساهمات محددة في مجالات أهمها إصلاح التعليم القانوني، والتدريب في مجال العدالة، وتطوير مؤسسات قانونية جديدة، وتدعيم المساواة بين الجنسين، بالإضافة إلى توفير المساعدة للمحكمة العليا ووزارة العدل في تطوير خطة شاملة لإصلاح قطاع العدالة. عمل المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية على ترويج فكرة تبني أسلوب أكثر شمولية لمبدأ سيادة القانون كمكون محوري في عملية إعادة الإعمار الوطنية. وقام مستشارو المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية بعمل أبحاث وتدريب لفكرة تحقيق العدالة والترويج لها في فترة ما بعد الصراعات، كما قاموا بابتكار عدد من المؤتمرات بشأن قضايا الحوكمة مثل الفيدرالية والأمن الداخلي وإدارتها، وتوفير دورات تدريبية وبرامج بناء القدرات لأعضاء المحكمة الجنائية الخاصة بالعراق (المحكمة الجنائية العراقية العليا الآن)، كما ساعدوا في تطوير برنامج شامل عن مبدأ سيادة القانون لنظام العدالة العراقي. جرى تنفيذ برامج المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية للمساعدة الفنية بالتعاون مع والدعم المالي المقدم من وزارة الخارجية الأميركية، والمحكمة الخاصة بالعراق، ومكتب الاتصال الخاص بجرائم النظام، ووزارة العدل الأميركية، واﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن، ووزارة الخارجية الإيطالية، ووزارة شؤون حقوق الإنسان العراقية، ومصلحة إدارة الجرائم الخطيرة، ووزارة العدل الإيطالية، وﺒﻌﺜﺔ الاﺘﺤﺎد اﻷوروبي ﻟدﻋم ﺴﻴﺎدة اﻟﻘﺎﻨون ﻓﻲ اﻟﻌراق، والبعثة الأوروبية في العراق، وبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ووزارة الداخلية العراقية، ووزارة الداخلية المصرية، ووزارة التنمية الدولية البريطانية، والحكومة البريطانية، ووزارة الأمن العام ووزارة الداخلية الإيطالية.
وقد حصل اﻟﻤﻌﻬد اﻟدوﻟﻲ ﻟﻘﺎﻨون ﺤﻘوق الإﻨﺴﺎن على عدد من المنح من وزارة الخارجية الأميركية، واحدة منها في إطار التحقيقات، وهو مشروع عمل تسجيلات للتأريخ الشفهي لضحايا نظام صدام حسين. وقد نفذ هذا البرنامج تحت الإشراف المباشر لدانيال روزنبرغ، الذي كان يشغل منصب مدير مجلس إدارة المعهد في ذلك الوقت. تولى المشروع عمل لقاءات مع 5000 شخص من ضحايا نظام صدام حسين وسجل تجاربهم. ولم يكتمل المشروع بعد أن تركت رئاسة المعهد الدولي لقانون حقوق الإنسان، ولم تُنشر نتائجه أيضا.
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (8)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)

 



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.