خلافات «التيار الحر» و«الاشتراكي» تنغّص «مصالحة الجبل»

خلافات «التيار الحر» و«الاشتراكي» تنغّص «مصالحة الجبل»

السبت - 23 ذو القعدة 1439 هـ - 04 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [ 14494]

تدخل اليوم مصالحة الجبل التي طوت صفحة الاقتتال المسلّح بين المسيحيين والدروز عامها الثامن عشر، على وقع الخلافات المستعرة بين «التيار الوطني الحرّ» والحزب التقدمي الاشتراكي، على ملفات كثيرة وكبيرة، تبدأ بتأليف الحكومة، ولا تنتهي بالتعيينات وصفقات الكهرباء والنفط وكيفية مقاربة مكافحة الفساد، لكنّ ذلك لا يلغي اهتمام الفريقين بحماية «المصالحة التاريخية» مهما باعدت بينهما الصراعات السياسية. ولا يتخوف الطرفان من أن تقود هذه الصراعات إلى نسف المصالحة، أو تجاوزها ما دام أن القواعد الشعبية تطبّقها وتكرّسها على الأرض.
مصالحة الجبل حصلت برعاية البطريرك الماروني السابق نصرالله صفير ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وتوّجت بالزيارة التاريخية للبطريرك الماروني إلى الجبل في الثالث من أغسطس (آب) 2001، وجولته على القرى والبلدات التي تهجّر منها المسيحيون خلال الحرب الأهلية، وقد حثّ يومها المسيحيين على العودة إلى أرضهم وطي صفحة الماضي الأليم، وتكريس العيش المشترك قولاً وفعلاً مع الطوائف الأخرى.
وللمناسبة دعا جنبلاط، في تصريح إلى أنّ «تكون ذكرى المصالحة لحظة تأمّل في كيفيّة اعتماد لغة حوار عقلانية بعيداً عن لغة الغرائز التي تجرفنا جميعاً دون استثناء». وحيّا الزعيم الدرزي «كلّ شهداء الوطن دون تمييز». وقال: «كفانا تفويتاً للفرص، وآن الأوان لنظرة موحّدة إلى المستقبل تحفظ الوطن وتصونه في هذا العالم الّذي تتحكّم فيه شريعة الفوضى».
وللدلالة على أهمية المناسبة والحرص على بقائها، أكد عضو تكتل «لبنان القوي» النائب ماريو عون لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا أحد يرغب في نسف مصالحة الجبل، لا من المسيحيين ولا من الدروز ولا حتى المسلمين». وقال: «هذه المصالحة تكرست بالقول والفعل منذ زيارة البطريرك صفير الشهيرة إلى الجبل، القاعدة الشعبية عند الطرفين باتت أكثر تمسكاً بها من بعض السياسيين»، ورأى أنه «مهما حصل من تشنجات أو مواقف سياسية فإن حدودها السجال العادي، إذ لا رغبة لدى أحد بالعودة إلى الوراء»، معتبراً أن «الحفاظ على المصالحة يعني الحفاظ على لبنان وعلى العيش المشترك في جبل لبنان، وعلى خصوصية البلد الذي يحتاج إلى تضامن جميع اللبنانيين، لأن الجميع في مركب واحد».
ويبدي الحزب التقدمي الاشتراكي اهتماماً كبيراً بهذا الإنجاز، باعتبار أن رئيسه وليد جنبلاط «كان عرّابه، ولا يزال صمام أمانه»، ورأى مفوض الإعلام رامي الرئيس أن الحزب «أكثر تمسكاً بالمصالحة من أي وقت مضى». واعتبرها «أكبر الإنجازات التي تحققت بعد اتفاق الطائف، لأنها طوت صفحة الحرب الأليمة، وأسست لبناء مستقبل أفضل لأبناء الجبل»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا خوف على المصالحة مهما بلغت المناكفات، لأن معظم القوى السياسية في الجبل متفقة على أن الخلاف في الرأي لا يفسد المصالحة ولا يقوضها»، مبدياً استغرابه لأن «بعض الأطراف تعيش على نبش دفاتر الماضي وإثارة الأحقاد والغرائز الطائفية، لكننا لا نلقي لها بالاً، لأن خيار وليد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي يكمن في الحرص على المصالحة وحمايتها مهما بلغت الاختلافات».
ولا تزال خلافات «التيار الحرّ» والحزب «الاشتراكي» تتصدّر المشهد السياسي في جبل لبنان، منذ عودة رئيس الجمهورية ميشال عون من منفاه الباريسي في العام 2005، واستفحال الصراعات الانتخابية ومقاربة الملفات في الحكومة، وعبّر النائب ماريو عون عن أسفه للمواقف السياسية التي «تأتي بين الحين والآخر من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط، والتي تنطوي على تحدٍ لبعض المرجعيات المسيحية، وهذا أمر غير مقبول». ودعا إلى «العودة إلى حدود المنطق في التعاطي السياسي، والإقلاع عن المواقف المتطرفة، حتى لا تواجه بمواقف متطرفة أيضاً». ورأى عضو تكتل «لبنان القوي» أن «من يراهن على العودة إلى خلف المتاريس واهم، لأننا جميعاً تخطينا المرحلة السوداء، ولا أحد في وارد استرجاعها أو العودة إليها». انتقاد عون لمواقف جنبلاط ردّ عليها رامي الريس قائلاً: «لبنان يعيش في ظلّ نظام ديمقراطي حتى إشعار آخر، وحرية التعبير عن الرأي مصونة ويكفلها الدستور، ولن نتخلى عنها». وسأل «ما علاقة الانتقادات التي يوجهها جنبلاط لكيفية إدارة بعض المؤسسات أو كيفية مكافحة الفساد، أو صفقات الكهرباء بمصالحة الجبل؟ وهل انتقاد بعض القطاعات يمس الثوابت الوطنية؟». وختم مفوض الإعلام في الحزب الاشتراكي: «سنرفع الصوت حول إدارة بعض القطاعات، بقدر حرصنا وحمايتنا لهذه المصالحة التاريخية».
من جهته، شدّد رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، في تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي، على أنّ «المصالحة في الجبل أغلى من أن تؤثّر فيها عبارات من الماضي الّذي تخطيناه»، داعياً إلى «العودة إلى لغة العقل مهما اختلفنا في السياسة». وركّز على أنّه «لا للعودة لا للأحادية ولا للماضي ونبش الأحقاد، بل تمسّك بالشراكة الكاملة المبنية على التآخي».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة