حركات الإسلام السياسي... النص والممارسة

الباحث الفرنسي بورغا يعتمد المنهج المقارن في تفسير الاختلافات بين تجاربها

حركات الإسلام السياسي... النص والممارسة
TT

حركات الإسلام السياسي... النص والممارسة

حركات الإسلام السياسي... النص والممارسة

على عكس ما توحي به المقدمة النظرية لكتاب فرنسوا بورغا «فهم الإسلام السياسي» - ترجمة جلال بدلة، دار الساقي، 2018 - فيما صدرت النسخة الفرنسية عام 2016، وعنوانه أيضاً، يحفل الكتاب بكثير من ملاح السيرة الذاتية والفكرية للباحث الفرنسي الذي جال في العالم العربي منذ ستينات القرن الماضي، كطالب ثم باحث ثم مدير لمراكز ثقافية وعلمية فرنسية في المنطقة.
ولا يبخل بورغا على قارئه بتفاصيل عمله، وإقامته في الجزائر وتونس ومصر واليمن، مع لمحات أقل تفصيلاً عن عمله في سوريا ولبنان، حتى ليخال المرء أنه أمام مؤلف في المذكرات عن أوضاع البلدان التي زارها، والمسؤولين العرب الذين التقى بهم. وبعد بضع عشرات الصفحات، تكاد تغيب عن الذاكرة المقدمة الغنية التي يبدو كأن بورغا قد تخلى عن تجهمها، واختار الانصراف إلى سرد لذكريات شبابه ودراسته، وكيف انتقل من التجول في الشرق الأوسط في أثناء إجازاته الصيفية إلى واحد من الباحثين المتفرغين لشؤون الإسلام السياسي، خصوصاً في البلدان العربية، حيث يشير في أكثر من مكان إلى الفوارق بين الإسلام السياسي عند العرب ونظيره عند المسلمين غير العرب.
لكن بورغا سرعان ما يكشف عن خدعته الأدبية، فمن بين سطور الذكريات في الجزائر، على سبيل المثال، تبرز ملاحظات أكثر جدية عن دور الإسلام في البلاد منذ استعمرها الفرنسيون في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وعن آراء المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي في مجتمع بلاده، ومواجهته لأنواع الهيمنة المختلفة التي سعى الفرنسيون إلى فرضها على الجزائر، ما أدى إلى تغييرها تغييراً أعمق بكثير من ذلك الذي تركه الاستعمار على الجارتين القريبتين، تونس والمغرب.
تسفر هذه الطريقة في السرد عن هدف يتجاوز «أدب الرحلات» ليصل إلى شرح، من خلال الأمثلة، للمنهج الذي يعتبره المؤلف الأهم في تفسير ظواهر العالم العربي، ومنها الإسلام السياسي، وهو المنهج المقارن، والتركيز على الاختلافات بين التجارب السياسية للحركات الإسلامية، وظهورها، وردود الفعل على محاولتها نشر رؤاها إلى العالم. فيصر في كثير من الفصول على الأساس السياسي للتوترات التي تطال علاقة العالم العربي بالغرب، وبكون الأساس هذا هو ما يتعين النظر إليه، وليس الاقتصار على محاولة تفسير الحركات الإسلامية من خلال المؤلفات البرنامجية، أو حتى النصوص الدينية الإسلامية، ليميز في هذا المجال بين النص والممارسة السياسية. ويقف بورغا في صف القائلين إن الإسلام السياسي نشأ مع تمدد الاستعمار الغربي إلى المنطقة العربية، وليس مع نشوء حركة «الإخوان المسلمين» في مصر، وهذا ما يمثل عنصراً إضافياً في التميز عن الإسلام السياسي في إيران أو أفغانستان، حيث كان الأثر الاستعماري أضعف مما شهدته المجتمعات العربية.
أفضى الأثر هذا إلى وسم ردود الفعل العربية بقدر من الانفعال الذي يسهل انقلابه عنفاً مؤسساً للراديكالية الإسلامية. لم يكن العنف والانفعال مجانيين، على ما يرغب عدد من الباحثين الغربيين في القول، بل رمياً إلى إنهاء الهيمنة الرمزية الأوروبية، ثم الأميركية، على المسلمين الذين بدورهم سعوا إلى صوغ لغة جديدة يرون أنها تتلاءم مع تاريخهم وثقافتهم. هو صراع على المصطلح، على ما يقول المؤلف، لكن المصطلح الإسلامي ذاته وجد من يستخدمه استخدامات متباينة. فخطاب «خليفة» تنظيم داعش، أبي بكر البغدادي، وخطاب زعيم حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، قد يتألفان من المصطلحات ذاتها، بيد أن لكل من الخطابين سياقه السياسي الذي يجعله شديد الاختلاف عن الآخر. يترك تباين السياقين، المرتبط بتباين الموقع السياسي لكل من «داعش» و«النهضة»، ارتباكاً عند الدارسين الغربيين للإسلام السياسي. فعند هؤلاء، لا بد للخطاب والمصطلح الواحد أن يعنيا الشيء ذاته في كل مكان. بذلك، جرى تعميم النظرة إلى الحركات الإسلامية كمنتج واحد لخطاب واحد من دون إبداء الاهتمام الكافي بالخلفيات السياسية لكل واحدة من هذه الحركات.
عليه، لا يكون العنف ناتجاً عن الإسلام، بل عن التاريخ الحديث للمسلمين، الذي يحدد أكثر من الآيات القرآنية والكتب الدينية طبيعة الصراعات التي تخوضها الحركات الإسلامية. ويقدم بورغا ما جرى بعد فوز حركة حماس الفلسطينية في الانتخابات التشريعية سنة 2006، إذ فازت «حماس» فوزاً واضحاً، ما أغضب إسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة وحركة فتح، على الرغم من أن هذه الأخيرة كانت قد تعرضت لمحنة مشابهة، عندما أرغم رئيسها ياسر عرفات على الإتيان بفريق اختاره الآخرون إلى القيادة، بعد اتهامات بفساد عرفات وعدم كفاءته. ويعيد بورغا إلى الذاكرة أيضاً انتخابات الجزائر في 1991، وكيف وقف الغرب إلى جانب المجلس العسكري ضد «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» الفائزة. وفي ذلك، يظهر الرياء الأوروبي والغربي في أجلى صوره، حيث إنه يصر على العلمانية والديمقراطية، لكن إذا جاءت نتيجة الاقتراع على غير ما يتلاءم مع تصوراته المسبقة عن شكل الحكم الذي يجب أن يحكم هذه البلاد، لا يشعر بأدنى خجل من دعم الديكتاتوريات العسكرية، أو العناصر الأشد فساداً.
أما في سوريا، فقد امتنع العالم عن الرد على قصف النظام لمواطنيه بالأسلحة الكيماوية في 2013، ما شجعه على التصعيد والتمادي في العنف، وعزز مقولات جماعات مثل «داعش» و«النصرة» عن عدم المساومة، لكن هذه تخلت عن فكرة إسقاط النظام بطرحها مشروع يوتوبيا عالمياً، يتجاوز سوريا والحكم فيها.
وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى تشريح علاقة المسلمين الفرنسيين بدولتهم، وبنظامها العلماني الذي يحصر فكرة الاندماج بتخلي المسلم عن إسلامه، كحاجز أمام اقتحام ثقافة الآخر للفضاء العام «الوطني»، وكرفض لتكدير عيش الأوروبيين من خلال تذكيرهم تذكيراً ملحاً بنهاية الحلم الإمبريالي، وبنهاية احتكار إنتاج الغرب للقيم الكونية. ويطرح الكتاب الغربيون، في هذا السياق، دعوات إلى الإصلاح الديني على نحو يجعل الإسلام يخضع للنمطية، ويقربه من صورة الغربيين، يضاف إلى ذلك أن الإشكالات التي تنشأ في الغرب، المتعلقة بالإصلاح الديني، تسهم على نحو مؤذٍ في إعطاء مظهر ثقافي لمشكلات هي في أساسها سياسية. وينتقد بورغا الانحياز الغربي إلى مسيحيي الشرق، وزرع أوهام التميز عندهم، ملاحظاً أن عدداً لا بأس به منهم كان يمكن أن يتموضع إلى جانب أكثر التيارات اليمينية المتطرفة في فرنسا، في حال انتقاله للإقامة هناك. ويخلص إلى القول إن الدفاع عن مسيحيي الشرق يتغذى في الأصل من العداء إزاء الحضور المسلم في الغرب.
وقد يكون تناول الكتاب لموقف الغرب من القضايا النسوية في العالم العربي من بين الفصول الأدق في وصف الانفصام الغربي عند تعامله مع شؤون المسلمين والعرب. وإذ يقدم بورغا تفصيلاً لسبب الاهتمام بـ«تحرير نساء الآخر»، كنوع من استمرار السياسة الانتقائية، وكغطاء لاستخدام القضية النسوية من قبل الأنظمة الاستبدادية في صراعها السياسي مع مجتمعاتها، يرى أن تأييد أي قضية يصدر أولاً من أجل توكيد الذات، فيما يصعب تأييد أي قضية لا تساهم في هذا التوكيد. فنحن نؤيد ما يشبهنا، وما نرى أنه يعزز شعورنا بالإخلاص لقيمنا. فالمرأة المسلمة تحتاج إلى تأييدنا لأننا نؤيد الضعفاء والمهمشين في وجه الأقوياء والظالمين.
هذه الممارسة التي استطالت لتشمل رفض كل مظهر لا تستطيع جماعات السياسيين ومثقفي المسار العريض في الغرب تنميطه وإدراجه في ثنائيات تبسيطية، عثرت على كثير من المؤيدين المحليين من اليساريين والأقليات، بحيث بات أسهل عليهم اللجوء إلى أحضان الثورة المضادة من القبول بحكم الأكثريات في بلدانهم.
وفي الفصول الأخيرة، يستعرض الكاتب السجال بين الباحثين الفرنسيين الشهيرين في الشؤون الإسلامية جيل كيبيل وأوليفيه روا، الذي تكثف بعد هجمات «داعش» في فرنسا في يناير (كانون الثاني)، ثم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، حيث يرفض وجهتي نظر الرجلين. فتغليب كيبيل للعامل الثقافي، وتحميل الإسلام ككل مسؤولية الإرهاب، يخفي الجانب السياسي من الموضوع، فالغرب لم يتوقف يوماً عن أن يكون جزءاً من النزاعات المحلية، مؤيداً الطرف المفيد لمصالحه، وإن عليه أن يعي هذه المسألة قبل لوم الثقافة الإسلامية، في حين أن تناول روا للقضية من منظور اجتماعي ونفسي، وإن كان أقرب إلى الواقع من التناول الثقافي لكيبيل، يطرح أسئلة عدة عن الخلفيات الاجتماعية والنفسية لكثير من الصراعات في العالم، وعن السبب الذي يضع الإرهابيين على طاولة التشريح الاجتماعي والنفسي، ويعفي خصومهم من الخضوع للعملية ذاتها.
ولعل الخاتمة الأنسب تكون مع تذكير بورغا بأن الإسلام السياسي في نهاية المطاف هو سيرورة تملك ثقافي للحداثة، وأن الإسلام هو ما تريد غالبية المسلمين اليوم له أن يكون.

* كاتب لبناني



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).