موجات اللجوء إلى لبنان تعالج بـ«الرهاب» و«الوسواس»

لقمان سليم ومونيكا بورغمان في البحث عن القطب المخفية
الخميس - 21 ذو القعدة 1439 هـ - 02 أغسطس 2018 مـ Issue Number [14492]
بيروت: سوسن الأبطح

في الوقت الذي يشتد فيه النقاش في لبنان حول سبل إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وهل آن الوقت أم لا يزال مبكراً، وكيف لهذه العودة أن تتم، أهو من خلال التنسيق مع النظام السوري، أم أن ذلك يجب أن يتم تحت مظلة دولية؟ يأتي كتاب «لاجئون أقل، لجوء أكثر» باللغتين العربية والإنجليزية، ليقرأ ظاهرة اللجوء إلى لبنان برؤيا بانورامية، ومن خلال تتبع مسارها التاريخي الشيق فعلاً. إذ يعتبر الكتاب الذي قام بتحريره والإشراف عليه كل من لقمان سليم ومونيكا بورغمان أن اللجوء هو قضية لبنانية مركزية، بل يكاد يكون جزءاً أساسياً من تاريخ لبنان الحديث وتشكيل التركيبة المجتمعية. لكن المثير في الأمر، أن اللبنانيين - وبحسب الكتاب - تعاملوا باستمرار مع هذه المسألة، على مركزيتها، بالإنكار بدل الاعتراف، والتعامل بـ«القطعة» أو «التجزئة» والاستجابة الموضعية بدل وضع خطط مستدامة. ويطرح الكاتبان سؤالاً حول إذا ما كان «غياب السياسة والاكتفاء بالمواقف العنجهية حيناً وبالصمت الثقيل أحياناً أخرى هو السياسة؟».
يعود المؤلفان بالمسار التاريخي للجوء في لبنان، إلى وصول الأرمن ومن بعدهم الفلسطينيون عام 1948، وصولاً إلى آخر تدفق بشري حمل السوريين الهاربين من نيران حرب وبطش وعسف. نقرأ عن كل واحدة من هذه الموجات المتتالية، وما بينها من موجات أصغر، وردود الفعل التي رافقتها، لنخلص إلى نتيجة مفادها أن اللجوء لم ينظر إليه من قبل اللبنانيين، على أنه يحتاج إلى رؤية وطنية، بقدر ما كان باستمرار مؤرقاً لهم من وجهة نظر طائفية. ثمة أمثلة كثيرة على ذلك، منها، ما حدث في خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث اكتسب الآلاف من الفلسطينيين المسيحيين ومن أثرياء بينهم الجنسية اللبنانية. مثل آخر هو أن الدولة اللبنانية بعد اعتمادها عام 2015 ما أسمته «سياسة صفر لجوء»، سمح باستثناءات لها دلالاتها. فقد تم استقبال عائلات مسيحية آشورية آتية من الحسكة، وأواخر السنة نفسها وفي إطار اتفاق وقف إطلاق النار بين الزبداني في ريف دمشق وبين كفريا والفوعة الشيعيتين في ريف إدلب، تم استقبال ما يزيد على ثلاثمائة شخص من كفريا والفوعة في لبنان. وبالتالي، فإن طائفة اللاجئ، كانت في كثير من الأحيان هي التي تحدد طريقة التعامل معه، وليست سياسة عامة تطبق على الجميع.
ويفتح الكتاب صفحاته على أرقام رسمية تم الإعلان عنها مؤخراً تخص الفلسطينيين والسوريين. فعدد اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والتجمعات هو 174.422 فرداً يعيشون في 12 مخيماً و156 تجمعاً فلسطينياً في المحافظات الخمس في لبنان، وليس نصف مليون. أما المعلومة الثانية، فهي أن عدد اللاجئين السوريين انخفض للمرة الأولى منذ عام 2014 إلى ما دون المليون فرد، ويقصَد هنا اللاجئون المسجلون، ومع ذلك لا يبدو أن هذه الأرقام حركت مياهاً راكدة، أو غيرت مسار الجدال رغم أنها تأتي دون ما يروج له، بل وكأنما لا شيء بمقدوره أن يغير ما يرسخ في الأذهان.
ويرى الكتاب أنه على أهمية مسألة اللجوء، بعد ما يقارب مائة سنة على قيام لبنان كدولة لم نر ما يستحق الذكر من تشريعات تنظمه. ولبنان ليس موقّعاً على المواثيق الدولية ذات الصلة بالموضوع. «بناءً عليه، وحتى إشعار آخر، يحكم لبنان على نفسه، كلما امتحن بلجوء ما، أن يستقبل هذا اللجوء كما لو أنه أول تجربة له». وهو ما كان له من انعكاسات سلبية.
ولهذا؛ فقبل أن ينقضي النزال حول اللجوء الفلسطيني نشب آخر حول اللجوء السوري، ومع استمرار الانقسام اللبناني، لعل الأمر الوحيد الذي تحقق، ربما، هو تأليف حكومة لأول مرة تضم وزارة دولة لشؤون النازحين، حيث يؤمل أن تكون بداية صحوة لرسم سياسات تأخذ بعين الاعتبار كثير من العوامل والعناصر التي بقيت مهمشة، عن قصد أو من غيره.
«الرهاب» اللبناني في مواجهة اللجوء، تجلى في كثير من المواقف والكثير من المصطلحات، بحسب الكتاب. ولهذا السبب؛ فإن اللاجئين السوريين، دفعوا ثمن ترسبات اللجوء الفلسطيني في الذاكرة اللبنانية. ورغم الحماس لاستقبال السوريين مع بداية الثورة، فإن تحولاً سريعاً طرأ على الرأي العام عابراً إلى حد بعيد للطوائف والمناطق يرى إليهم كمزاحم ليس فقط في فرص العمل، لكن أيضاً في البنية التحتية والكهرباء وأنابيب الصرف الصحي. والجدال الذي دار حول أولوية إقامة مخيمات من عدمها عند بدء وصول السوريين مع اندلاع الثورة عام 2011، ورفض البعض استقبالهم في مخيمات على غرار ما حصل في تركيا والأردن، لم يكن صدفة. «فمجرد الهمس في أذن لبنانية بلفظة (مخيمات) هو كالحك على جرح ملتهب» جراء التجارب السابقة مع الفلسطينيين.
يحمّل الكتاب المسؤولية للبنانيين الذين لا يسعون إلى رؤية موضوعية بقدر ما يتعاملون مع موجات اللجوء بالقصور ذاته في كل مرة. وإذا كان اللبنانيون يعانون من «رهاب المخيمات» فهم مصابون أيضاً بما يطلق عليه الكتاب «وسواس التوطين» الذي يحيل في العامية السياسية اللبنانية إلى «مجموعة من النوايا السيئة يبيتها للبنان أعداؤه. ومآل التوطين هو إرغام اللبنانيين على القبول بأن تشاطرهم وطنهم جماعة من اللاجئين». وهو «وسواس» عاشه اللبنانيون مع الفلسطينيين ويسمع في الخطابات السياسية فيما يخص اللاجئين السوريين. وإن كان الكثير مما جاء في الكتاب معتمداً على وثائق وصحف وأرشيف قديم، لا يجانب الصواب، فإن الكاتبين يذهبان في معرض النقد لغياب النقد الداخلي اللبناني، إلى شيء من التطرف، حين يحمّلان اللبنانيين المسؤوليات كلها عن مخاوفهم من المخيمات والتوطين ووساوسهم في بلد صغير، دائماً ما أحاطته النيران من كل جانب، أو استقوى عليه الجيران. يبقى أن مسألة الرؤية من منظار طائفي التي يتم التركيز عليها باعتبارها المعطل الرئيسي لحلول موضوعية، فهي مما لا جدال فيه ولا مجال لنكرانه.
والإصدار على النحو الذي هو عليه جاء «مخاصمة لـ(ثقافة الإنكار)»، وهو جزء من برنامج توثيقي بحثي تحت عنوان «على الرحب والسعة؟ لبنان في لاجئه» أطلقته «أمم للتوثيق والأبحاث» عام 2017 بدعم من «معهد العلاقات الثقافية الخارجية» الممول من وزارة الخارجية الألمانية، ويتضمن مجموعة من الأنشطة الفكرية والحوارية.

إقرأ أيضاً ...