الهند... منجم إلهام للغرب ورائدة التطريز اليدوي

من «زاردوسي» إلى «كانثا»... تقنيات قديمة لم تفقد توهجها وبريقها

من عرض العلامة الهندية «فالغوني أند شاين بيكوك» في أسبوع الهوت كوتير بنيودلهي مؤخراً
من عرض العلامة الهندية «فالغوني أند شاين بيكوك» في أسبوع الهوت كوتير بنيودلهي مؤخراً
TT

الهند... منجم إلهام للغرب ورائدة التطريز اليدوي

من عرض العلامة الهندية «فالغوني أند شاين بيكوك» في أسبوع الهوت كوتير بنيودلهي مؤخراً
من عرض العلامة الهندية «فالغوني أند شاين بيكوك» في أسبوع الهوت كوتير بنيودلهي مؤخراً

الكل يعرف التطريز في الهند، وأغلب المصممين العالميين تتوفر لديهم معامل أو يتعاملون مع حرفيين فيها. بالإضافة إلى غناه بالألوان يتميز بدقة لا يعلى عليها ولا يتفوق عليها إلا قلة من المتخصصين في إيطاليا وفرنسا، مثل دار «لوساج».
بدأ التطريز الهندي التقليدي يظهر على الساحة الدولية بفضل كثير من دور الأزياء الكبرى التي تحصل على قطع مطرزة حصريا، ولا يقتصر الأمر على مصممين يعشقون الألوان وصخبها، بل أيضاً على مصممين ركبوا الموجة منذ بضع سنوات بعد أن رأوا مدى قدرتها على جذب الزبونة أيا كان أسلوبها. حتى المصمم البلجيكي دريس فان نوتن بدأ منذ بضعة مواسم يتعاون مع مطرزين من مدينة كلكتا. لكن تبقى مومباي عاصمة التطريز الهندي بلا منازع.
ففيها مقر شركة التطريز «تشاناكيا» التي تتعامل مع أسماء عالمية مثل «غوتشي» و«فالنتينو» و«ألبرتا فيريتي» و«ميزون مارجيلا» و«كريستيان ديور» وغيرها، في حين يتعاون كل من «روبرتو كافالي» و«سالفاتوري فيراغامو» و«فيرساتشي» و«مايكل كورس» مع شركة «أديتي ديزاينز»، التي توجد هي الأخرى في مومباي.
ورغم أن كل ولاية ومنطقة تتميز وتفتخر بأسلوب خاص بها، فإنها كلها لا تعتبر أشغال الإبرة مجرد وسيلة للتزيين.
فالأقمشة تتداخل مع قصص المجتمع، كما مع الأشكال المستوحاة من الطبيعة من دون أن ننسى الوضع الاقتصادي، والبيئة السياسية الاجتماعية. نتيجة لذلك سافر كثير من المصممين العالميين، مثل جورجينا تشابمان، وكيرين كريغ مؤسستي دار «ماركيزا»، وفيرا فانغ وإيزابيل مارون، وستيلا جان، وأليس تامبرلي وغيرهم إلى الهند من أجل اكتشاف تلك المهارات الإبداعية ودمجها في مجموعاتهن.
من أشهر التقنيات اليدوية المستعملة في الهند، تطريز «الزاري» والـ«زاردوسي» التي تظهر في كثير من عروض الأزياء العالمية. فما يُعرف عن تلك الطريقتين المستخدمتين على أطراف وحواف الملابس أنها تضفي ثراء على أي زي، وقد تمنحه طابعاً تقليدياً.
- الـ«زاردوسي»
مع استعادة أكثر مصممي العرائس الهنود لطريقة التطريز «زاردوسي» لما يتميز به من قدرة على إضفاء الفخامة والأناقة، اكتسب شعبية كبيرة في الآونة الأخيرة، بدليل أنها ظهرت في تصميمات لـ«شانيل» و«لويس فيتون». يتطلب هذا الشكل من التطريز، الذي أدخله المغول إلى الهند، عملاً دقيقاً. هنا يتمازج الجهد، الذي يتم بذله، مع الرسوم البديعة التي تتجسد على الأقمشة. وتُستعمل فيه عادة الخيوط المعدنية الرفيعة أو الذهبية أو الفضية، وأحياناً النحاسية والصناعية في حال التصميمات منخفضة التكلفة، أو عند استعمالها على أقمشة مثل المخمل، والساتان، والحرير الثقيل.
هناك اعتقاد بأن «زاردوسي» واحدة من أقدم طرق التطريز في الهند. فهي تعتمد على الغرز اليدوية التي يحيكها رجال مسلمون بالأساس. بالطرف الأعلى للإبرة، الأداة الأساسية المستخدمة في تلك العملية. خطاف يتحرك نحو الأعلى والأسفل عبر قطعة قماش مشدودة جيداً على إطار خشبي كبير، علماًَ أن هذه الطريقة كانت حكراً على العائلات الملكية الهندية لما ترمز له من فخامة وتتطلبه من جهد ووقت. القاسم المشترك بين أشكالها أنها، سواء كانت بسيطة أو مبهرجة، مستوحاة من الطبيعة مثل الزهور وأوراق الشجر والأشجار، والحيوانات، والطيور. ولأن هذه الصور تكون قوية ودرامية غالبا، فإن الكثير من المصممين الغربيين يفضلون التطريزات البسيطة، الأمر الذي يُفسر إقبالهم أيضاً على تقنيات أخرى مثل الـ«آري» والـ«تشيكانكاري».
- الـ«تشيكانكاري»
هناك اعتقاد بأن هذه الطريقة وصلت إلى البلاط الملكي للمغول على يد نور جهان، زوجة الإمبراطور جهانكير، التي أعجبت بدقتها وألوانها الهادئة. وهي عبارة عن تقطيب غزل أبيض مفرود على أقمشة رقيقة مثل الموسلين، أو القطن، أو الفوال. ويلاحظ أنه تم استخدام هذه التقنية السنوات القليلة الماضية على أقمشة ذات درجات لونية زاهية، أو باستخدام خيوط ملونة، لأنها تُضفي على الموسلين الناعم، وأقمشة الملُّ جاذبية تلقى قبولا من قبل الغرب.
يمكن قياس شعبية هذه الطريقة في التطريز لدى من خلال قيمة الصادرات الهندية من الأعمال المصنوعة بتلك الطريقة والتي تقدّر بـ10 مليار روبية سنوياً. يمثل طلب العملاء من الطبقة الراقية من دول مثل أوروبا، وكندا، وأستراليا، وإيطاليا، والشرق الأوسط، وأفريقيا جزءا كبيرا من الطلب عليها. وقد شهد العامان الماضيان تحديدا، تزايد الطلب عليها في كل من الأسواق المحلية والدولية. ويبلغ عدد العاملين في صناعة الـ«تشيكانكاري» في الوقت الحالي نحو 250 ألف فنان بحكم أنها واحدة من أكبر المجالات الفنية في الهند. ويعمل كل من أبو جاني وسانديب كوسلا، المصممان المتميزان، في مجال التطريز بتلك الطريقة منذ نحو 20 عاماً أو يزيد، ويعود لهما الفضل في إقناع الممثلة البريطانية الشهيرة جودي دنش بارتداء واحدة من إبداعاتهما المطرزة بهذه التقنية في حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 2018.
وتستخدم الأخوات أنصاري، اللاتي يتولين إدارة متاجر في كل من مومباي وبنغالور ونيويورك، طريقة تطريز الـ«تشيكانكاري» في كل شيء من القفاطين حتى الفساتين القصيرة والأوشحة والأناركي كما على أقمشة مثل الحرير والشيفون والباشمينا. فعلامتهن «أهيلايا» تحقق نجاحاً كبيراً على المستوى التجاري، حيث تمكن من استقطاب مشاهير ظهروا بتصاميمهن مثل إيفانكا ترمب وهيلاري كلينتون، وإينريكي إغليسياس ودرو باريمور وكانغانا رانوت، وأنوشكا شارما. السبب أنهن جعلن هذه التطريزات خفيفة يمكن ارتداؤها في مناسبات الصيف والمناسبات المنطلقة.
- أعمال بطريقة الـ«آري»
تعد طريقة التطريز اليدوي الـ«آري» تقليداً ولد في قلب ولاية راجستان منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. إنه خليط من طرق الـ«زاردوسي»، والـ«زاري»، وأعمال القص والزخرفة والخرز، والترتر والخيوط والمرايا. ولا تعد تلك الطرق سوى بعض طرق التطريز التي تأتي ضمن قائمة طويلة يتخصص فيها أصحاب الحرف اليدوية. الجميل في هذه الطريقة أن لكل منطقة في البلاد تقريباً طريقة مميزة، مما يمنح المصممين العالميين تنوعا وإلهاماً لا حدود له.
- الـ«غارا»
تُعرف أيضاً باسم «العقدة المحرمة»، أو «العقدة الفرنسية»، وهي عبارة عن غرز طويلة وقصيرة. ويتسم العمل بالدقة، حيث يتم تقطيب الغرز بأشكال قريبة من بعضها بعضا.
وتشمل «غارا» أشكالا طبيعية تركز إلى جانب الورود والليلك وغيرها، على الطيور، من الديوك والببغاوات إلى الطواويس، إلى جانب المعابد، والتنانين.
تجمع تلك الطريقة في التطريز بين عدة تأثيرات من الهند والصين وبلاد فارس وأوروبا.
ويبحث كل من مدير مؤسسة «برازور فاونديشن» التابعة لـ«يونيسكو»، والمصمم أشدين ليلاوالا في دلهي، في تاريخ وأصول الـ«غارا» منذ 12 عاماً. وتوصل إلى أن «استجلاب قماش الحرير كان من الصين كذلك المهارات المقترنة به». ويضيف بأن «طريقة التطريز هاته تأثرت بالزرادشتية الإيرانية، والثقافات الهندوسية في الهند». ومما يُذكر أن شيري بلير، المحامية وزوجة رئيس الوزراء السابق توني بلير، حصلت على إطارات الـ«غارا» من «زنوبيا»، التي تصنع تطريز الـ«غارا» منذ ما يزيد على العقد.
- الـ«كاشيدا»
طريقة التطريز «كاشيدا» هي نوع من أشغال الإبرة من إقليم كشمير في الهند. وتعد واحدة من أجمل أشكال التطريز في البلاد، حيث تتميز باستخدامها لغرزة واحدة طويلة لعمل التصميم. وهذا يعني أن عمل التصميم بالكامل يتم بغرزة واحدة أو اثنين ينفذها شخص متخصص. ويُذكر بأن هذا الفن بدأ كصناعة منزلية صغيرة في القرن الحادي عشر، وأصبح على مدى سنوات من الفنون المفضلة لدى الطبقات الأرستقراطية، ومنهم وصل إلى نبلاء المغول. ولا تزال هذه الطريقة تعتبر إلى اليوم واحدة من فنون التطريز الرائعة في العالم. وكثيراً ما يستخدمه سابياساشي موخرجي، مصمم الأزياء الهندي، الذي يشتهر بإعادة إحياء عدد من طرق التطريز الهندية القديمة، في مجموعاته. لكنه لم يقتصر على إحيائه والتخصص فيه، بل جعله جسرا يربط الحرف اليدوية الهندية بالتصاميم الغربية من خلال بنطلونات فضفاضة وسترات وقطع الساري والشرواني. دائما مستعملا طريقة الكشيده على الكادي والشبكة. وقد استخدم أيضًا تطريز الكشيده الذهبية على المخمل. في الغرب استعملت بيوت أزياء عالمية مثل «إيترو» و«بلومارين» الكشمير والكشيده في تصاميمها.
- «كانثا»
تأتي طريقة تطريز الـ«كانثا»، التي تتسم بالألوان الزاهية، من شرق الهند. وقد ظهرت منذ 500 قرن في غرب البنغال وأوريسا كطريقة لإعادة استخدام وتدوير الساري وغيرها من قطع الملابس التي كان يتردد الناس في التخلص منها. وقد تكون الأولى في إرساء مفهوم التدوير كما نعرفه اليوم، لأنها كانت وسيلة لإعادة استخدام قطع الساري القديمة المصنوعة من الموسلين والقطن الفاخر، لعمل أشياء منزلية مفيدة. وليس غريبا أن يكون هناك طلب عالمي كبير على هذه العملية لمنح أزيائهم القديمة نفسا وحياة جديدة عوض التخلص منها، لا سيما وأنها تتميز بجمال لا يعلى عليه.


مقالات ذات صلة

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

المنصات الكبيرة قد توفر دفعة هائلة للمصممين الناشئين وتُلمّعهم، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو علاماتهم.

جميلة حلفيشي (لندن)

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.