الهند... منجم إلهام للغرب ورائدة التطريز اليدوي

من «زاردوسي» إلى «كانثا»... تقنيات قديمة لم تفقد توهجها وبريقها

من عرض العلامة الهندية «فالغوني أند شاين بيكوك» في أسبوع الهوت كوتير بنيودلهي مؤخراً
من عرض العلامة الهندية «فالغوني أند شاين بيكوك» في أسبوع الهوت كوتير بنيودلهي مؤخراً
TT

الهند... منجم إلهام للغرب ورائدة التطريز اليدوي

من عرض العلامة الهندية «فالغوني أند شاين بيكوك» في أسبوع الهوت كوتير بنيودلهي مؤخراً
من عرض العلامة الهندية «فالغوني أند شاين بيكوك» في أسبوع الهوت كوتير بنيودلهي مؤخراً

الكل يعرف التطريز في الهند، وأغلب المصممين العالميين تتوفر لديهم معامل أو يتعاملون مع حرفيين فيها. بالإضافة إلى غناه بالألوان يتميز بدقة لا يعلى عليها ولا يتفوق عليها إلا قلة من المتخصصين في إيطاليا وفرنسا، مثل دار «لوساج».
بدأ التطريز الهندي التقليدي يظهر على الساحة الدولية بفضل كثير من دور الأزياء الكبرى التي تحصل على قطع مطرزة حصريا، ولا يقتصر الأمر على مصممين يعشقون الألوان وصخبها، بل أيضاً على مصممين ركبوا الموجة منذ بضع سنوات بعد أن رأوا مدى قدرتها على جذب الزبونة أيا كان أسلوبها. حتى المصمم البلجيكي دريس فان نوتن بدأ منذ بضعة مواسم يتعاون مع مطرزين من مدينة كلكتا. لكن تبقى مومباي عاصمة التطريز الهندي بلا منازع.
ففيها مقر شركة التطريز «تشاناكيا» التي تتعامل مع أسماء عالمية مثل «غوتشي» و«فالنتينو» و«ألبرتا فيريتي» و«ميزون مارجيلا» و«كريستيان ديور» وغيرها، في حين يتعاون كل من «روبرتو كافالي» و«سالفاتوري فيراغامو» و«فيرساتشي» و«مايكل كورس» مع شركة «أديتي ديزاينز»، التي توجد هي الأخرى في مومباي.
ورغم أن كل ولاية ومنطقة تتميز وتفتخر بأسلوب خاص بها، فإنها كلها لا تعتبر أشغال الإبرة مجرد وسيلة للتزيين.
فالأقمشة تتداخل مع قصص المجتمع، كما مع الأشكال المستوحاة من الطبيعة من دون أن ننسى الوضع الاقتصادي، والبيئة السياسية الاجتماعية. نتيجة لذلك سافر كثير من المصممين العالميين، مثل جورجينا تشابمان، وكيرين كريغ مؤسستي دار «ماركيزا»، وفيرا فانغ وإيزابيل مارون، وستيلا جان، وأليس تامبرلي وغيرهم إلى الهند من أجل اكتشاف تلك المهارات الإبداعية ودمجها في مجموعاتهن.
من أشهر التقنيات اليدوية المستعملة في الهند، تطريز «الزاري» والـ«زاردوسي» التي تظهر في كثير من عروض الأزياء العالمية. فما يُعرف عن تلك الطريقتين المستخدمتين على أطراف وحواف الملابس أنها تضفي ثراء على أي زي، وقد تمنحه طابعاً تقليدياً.
- الـ«زاردوسي»
مع استعادة أكثر مصممي العرائس الهنود لطريقة التطريز «زاردوسي» لما يتميز به من قدرة على إضفاء الفخامة والأناقة، اكتسب شعبية كبيرة في الآونة الأخيرة، بدليل أنها ظهرت في تصميمات لـ«شانيل» و«لويس فيتون». يتطلب هذا الشكل من التطريز، الذي أدخله المغول إلى الهند، عملاً دقيقاً. هنا يتمازج الجهد، الذي يتم بذله، مع الرسوم البديعة التي تتجسد على الأقمشة. وتُستعمل فيه عادة الخيوط المعدنية الرفيعة أو الذهبية أو الفضية، وأحياناً النحاسية والصناعية في حال التصميمات منخفضة التكلفة، أو عند استعمالها على أقمشة مثل المخمل، والساتان، والحرير الثقيل.
هناك اعتقاد بأن «زاردوسي» واحدة من أقدم طرق التطريز في الهند. فهي تعتمد على الغرز اليدوية التي يحيكها رجال مسلمون بالأساس. بالطرف الأعلى للإبرة، الأداة الأساسية المستخدمة في تلك العملية. خطاف يتحرك نحو الأعلى والأسفل عبر قطعة قماش مشدودة جيداً على إطار خشبي كبير، علماًَ أن هذه الطريقة كانت حكراً على العائلات الملكية الهندية لما ترمز له من فخامة وتتطلبه من جهد ووقت. القاسم المشترك بين أشكالها أنها، سواء كانت بسيطة أو مبهرجة، مستوحاة من الطبيعة مثل الزهور وأوراق الشجر والأشجار، والحيوانات، والطيور. ولأن هذه الصور تكون قوية ودرامية غالبا، فإن الكثير من المصممين الغربيين يفضلون التطريزات البسيطة، الأمر الذي يُفسر إقبالهم أيضاً على تقنيات أخرى مثل الـ«آري» والـ«تشيكانكاري».
- الـ«تشيكانكاري»
هناك اعتقاد بأن هذه الطريقة وصلت إلى البلاط الملكي للمغول على يد نور جهان، زوجة الإمبراطور جهانكير، التي أعجبت بدقتها وألوانها الهادئة. وهي عبارة عن تقطيب غزل أبيض مفرود على أقمشة رقيقة مثل الموسلين، أو القطن، أو الفوال. ويلاحظ أنه تم استخدام هذه التقنية السنوات القليلة الماضية على أقمشة ذات درجات لونية زاهية، أو باستخدام خيوط ملونة، لأنها تُضفي على الموسلين الناعم، وأقمشة الملُّ جاذبية تلقى قبولا من قبل الغرب.
يمكن قياس شعبية هذه الطريقة في التطريز لدى من خلال قيمة الصادرات الهندية من الأعمال المصنوعة بتلك الطريقة والتي تقدّر بـ10 مليار روبية سنوياً. يمثل طلب العملاء من الطبقة الراقية من دول مثل أوروبا، وكندا، وأستراليا، وإيطاليا، والشرق الأوسط، وأفريقيا جزءا كبيرا من الطلب عليها. وقد شهد العامان الماضيان تحديدا، تزايد الطلب عليها في كل من الأسواق المحلية والدولية. ويبلغ عدد العاملين في صناعة الـ«تشيكانكاري» في الوقت الحالي نحو 250 ألف فنان بحكم أنها واحدة من أكبر المجالات الفنية في الهند. ويعمل كل من أبو جاني وسانديب كوسلا، المصممان المتميزان، في مجال التطريز بتلك الطريقة منذ نحو 20 عاماً أو يزيد، ويعود لهما الفضل في إقناع الممثلة البريطانية الشهيرة جودي دنش بارتداء واحدة من إبداعاتهما المطرزة بهذه التقنية في حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 2018.
وتستخدم الأخوات أنصاري، اللاتي يتولين إدارة متاجر في كل من مومباي وبنغالور ونيويورك، طريقة تطريز الـ«تشيكانكاري» في كل شيء من القفاطين حتى الفساتين القصيرة والأوشحة والأناركي كما على أقمشة مثل الحرير والشيفون والباشمينا. فعلامتهن «أهيلايا» تحقق نجاحاً كبيراً على المستوى التجاري، حيث تمكن من استقطاب مشاهير ظهروا بتصاميمهن مثل إيفانكا ترمب وهيلاري كلينتون، وإينريكي إغليسياس ودرو باريمور وكانغانا رانوت، وأنوشكا شارما. السبب أنهن جعلن هذه التطريزات خفيفة يمكن ارتداؤها في مناسبات الصيف والمناسبات المنطلقة.
- أعمال بطريقة الـ«آري»
تعد طريقة التطريز اليدوي الـ«آري» تقليداً ولد في قلب ولاية راجستان منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. إنه خليط من طرق الـ«زاردوسي»، والـ«زاري»، وأعمال القص والزخرفة والخرز، والترتر والخيوط والمرايا. ولا تعد تلك الطرق سوى بعض طرق التطريز التي تأتي ضمن قائمة طويلة يتخصص فيها أصحاب الحرف اليدوية. الجميل في هذه الطريقة أن لكل منطقة في البلاد تقريباً طريقة مميزة، مما يمنح المصممين العالميين تنوعا وإلهاماً لا حدود له.
- الـ«غارا»
تُعرف أيضاً باسم «العقدة المحرمة»، أو «العقدة الفرنسية»، وهي عبارة عن غرز طويلة وقصيرة. ويتسم العمل بالدقة، حيث يتم تقطيب الغرز بأشكال قريبة من بعضها بعضا.
وتشمل «غارا» أشكالا طبيعية تركز إلى جانب الورود والليلك وغيرها، على الطيور، من الديوك والببغاوات إلى الطواويس، إلى جانب المعابد، والتنانين.
تجمع تلك الطريقة في التطريز بين عدة تأثيرات من الهند والصين وبلاد فارس وأوروبا.
ويبحث كل من مدير مؤسسة «برازور فاونديشن» التابعة لـ«يونيسكو»، والمصمم أشدين ليلاوالا في دلهي، في تاريخ وأصول الـ«غارا» منذ 12 عاماً. وتوصل إلى أن «استجلاب قماش الحرير كان من الصين كذلك المهارات المقترنة به». ويضيف بأن «طريقة التطريز هاته تأثرت بالزرادشتية الإيرانية، والثقافات الهندوسية في الهند». ومما يُذكر أن شيري بلير، المحامية وزوجة رئيس الوزراء السابق توني بلير، حصلت على إطارات الـ«غارا» من «زنوبيا»، التي تصنع تطريز الـ«غارا» منذ ما يزيد على العقد.
- الـ«كاشيدا»
طريقة التطريز «كاشيدا» هي نوع من أشغال الإبرة من إقليم كشمير في الهند. وتعد واحدة من أجمل أشكال التطريز في البلاد، حيث تتميز باستخدامها لغرزة واحدة طويلة لعمل التصميم. وهذا يعني أن عمل التصميم بالكامل يتم بغرزة واحدة أو اثنين ينفذها شخص متخصص. ويُذكر بأن هذا الفن بدأ كصناعة منزلية صغيرة في القرن الحادي عشر، وأصبح على مدى سنوات من الفنون المفضلة لدى الطبقات الأرستقراطية، ومنهم وصل إلى نبلاء المغول. ولا تزال هذه الطريقة تعتبر إلى اليوم واحدة من فنون التطريز الرائعة في العالم. وكثيراً ما يستخدمه سابياساشي موخرجي، مصمم الأزياء الهندي، الذي يشتهر بإعادة إحياء عدد من طرق التطريز الهندية القديمة، في مجموعاته. لكنه لم يقتصر على إحيائه والتخصص فيه، بل جعله جسرا يربط الحرف اليدوية الهندية بالتصاميم الغربية من خلال بنطلونات فضفاضة وسترات وقطع الساري والشرواني. دائما مستعملا طريقة الكشيده على الكادي والشبكة. وقد استخدم أيضًا تطريز الكشيده الذهبية على المخمل. في الغرب استعملت بيوت أزياء عالمية مثل «إيترو» و«بلومارين» الكشمير والكشيده في تصاميمها.
- «كانثا»
تأتي طريقة تطريز الـ«كانثا»، التي تتسم بالألوان الزاهية، من شرق الهند. وقد ظهرت منذ 500 قرن في غرب البنغال وأوريسا كطريقة لإعادة استخدام وتدوير الساري وغيرها من قطع الملابس التي كان يتردد الناس في التخلص منها. وقد تكون الأولى في إرساء مفهوم التدوير كما نعرفه اليوم، لأنها كانت وسيلة لإعادة استخدام قطع الساري القديمة المصنوعة من الموسلين والقطن الفاخر، لعمل أشياء منزلية مفيدة. وليس غريبا أن يكون هناك طلب عالمي كبير على هذه العملية لمنح أزيائهم القديمة نفسا وحياة جديدة عوض التخلص منها، لا سيما وأنها تتميز بجمال لا يعلى عليه.


مقالات ذات صلة

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.