الهند... منجم إلهام للغرب ورائدة التطريز اليدوي

الهند... منجم إلهام للغرب ورائدة التطريز اليدوي

من «زاردوسي» إلى «كانثا»... تقنيات قديمة لم تفقد توهجها وبريقها
الخميس - 21 ذو القعدة 1439 هـ - 02 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [ 14492]
مومباي: براكريتي غوبتا
الكل يعرف التطريز في الهند، وأغلب المصممين العالميين تتوفر لديهم معامل أو يتعاملون مع حرفيين فيها. بالإضافة إلى غناه بالألوان يتميز بدقة لا يعلى عليها ولا يتفوق عليها إلا قلة من المتخصصين في إيطاليا وفرنسا، مثل دار «لوساج».

بدأ التطريز الهندي التقليدي يظهر على الساحة الدولية بفضل كثير من دور الأزياء الكبرى التي تحصل على قطع مطرزة حصريا، ولا يقتصر الأمر على مصممين يعشقون الألوان وصخبها، بل أيضاً على مصممين ركبوا الموجة منذ بضع سنوات بعد أن رأوا مدى قدرتها على جذب الزبونة أيا كان أسلوبها. حتى المصمم البلجيكي دريس فان نوتن بدأ منذ بضعة مواسم يتعاون مع مطرزين من مدينة كلكتا. لكن تبقى مومباي عاصمة التطريز الهندي بلا منازع.

ففيها مقر شركة التطريز «تشاناكيا» التي تتعامل مع أسماء عالمية مثل «غوتشي» و«فالنتينو» و«ألبرتا فيريتي» و«ميزون مارجيلا» و«كريستيان ديور» وغيرها، في حين يتعاون كل من «روبرتو كافالي» و«سالفاتوري فيراغامو» و«فيرساتشي» و«مايكل كورس» مع شركة «أديتي ديزاينز»، التي توجد هي الأخرى في مومباي.

ورغم أن كل ولاية ومنطقة تتميز وتفتخر بأسلوب خاص بها، فإنها كلها لا تعتبر أشغال الإبرة مجرد وسيلة للتزيين.

فالأقمشة تتداخل مع قصص المجتمع، كما مع الأشكال المستوحاة من الطبيعة من دون أن ننسى الوضع الاقتصادي، والبيئة السياسية الاجتماعية. نتيجة لذلك سافر كثير من المصممين العالميين، مثل جورجينا تشابمان، وكيرين كريغ مؤسستي دار «ماركيزا»، وفيرا فانغ وإيزابيل مارون، وستيلا جان، وأليس تامبرلي وغيرهم إلى الهند من أجل اكتشاف تلك المهارات الإبداعية ودمجها في مجموعاتهن.

من أشهر التقنيات اليدوية المستعملة في الهند، تطريز «الزاري» والـ«زاردوسي» التي تظهر في كثير من عروض الأزياء العالمية. فما يُعرف عن تلك الطريقتين المستخدمتين على أطراف وحواف الملابس أنها تضفي ثراء على أي زي، وقد تمنحه طابعاً تقليدياً.

- الـ«زاردوسي»

مع استعادة أكثر مصممي العرائس الهنود لطريقة التطريز «زاردوسي» لما يتميز به من قدرة على إضفاء الفخامة والأناقة، اكتسب شعبية كبيرة في الآونة الأخيرة، بدليل أنها ظهرت في تصميمات لـ«شانيل» و«لويس فيتون». يتطلب هذا الشكل من التطريز، الذي أدخله المغول إلى الهند، عملاً دقيقاً. هنا يتمازج الجهد، الذي يتم بذله، مع الرسوم البديعة التي تتجسد على الأقمشة. وتُستعمل فيه عادة الخيوط المعدنية الرفيعة أو الذهبية أو الفضية، وأحياناً النحاسية والصناعية في حال التصميمات منخفضة التكلفة، أو عند استعمالها على أقمشة مثل المخمل، والساتان، والحرير الثقيل.

هناك اعتقاد بأن «زاردوسي» واحدة من أقدم طرق التطريز في الهند. فهي تعتمد على الغرز اليدوية التي يحيكها رجال مسلمون بالأساس. بالطرف الأعلى للإبرة، الأداة الأساسية المستخدمة في تلك العملية. خطاف يتحرك نحو الأعلى والأسفل عبر قطعة قماش مشدودة جيداً على إطار خشبي كبير، علماًَ أن هذه الطريقة كانت حكراً على العائلات الملكية الهندية لما ترمز له من فخامة وتتطلبه من جهد ووقت. القاسم المشترك بين أشكالها أنها، سواء كانت بسيطة أو مبهرجة، مستوحاة من الطبيعة مثل الزهور وأوراق الشجر والأشجار، والحيوانات، والطيور. ولأن هذه الصور تكون قوية ودرامية غالبا، فإن الكثير من المصممين الغربيين يفضلون التطريزات البسيطة، الأمر الذي يُفسر إقبالهم أيضاً على تقنيات أخرى مثل الـ«آري» والـ«تشيكانكاري».

- الـ«تشيكانكاري»

هناك اعتقاد بأن هذه الطريقة وصلت إلى البلاط الملكي للمغول على يد نور جهان، زوجة الإمبراطور جهانكير، التي أعجبت بدقتها وألوانها الهادئة. وهي عبارة عن تقطيب غزل أبيض مفرود على أقمشة رقيقة مثل الموسلين، أو القطن، أو الفوال. ويلاحظ أنه تم استخدام هذه التقنية السنوات القليلة الماضية على أقمشة ذات درجات لونية زاهية، أو باستخدام خيوط ملونة، لأنها تُضفي على الموسلين الناعم، وأقمشة الملُّ جاذبية تلقى قبولا من قبل الغرب.

يمكن قياس شعبية هذه الطريقة في التطريز لدى من خلال قيمة الصادرات الهندية من الأعمال المصنوعة بتلك الطريقة والتي تقدّر بـ10 مليار روبية سنوياً. يمثل طلب العملاء من الطبقة الراقية من دول مثل أوروبا، وكندا، وأستراليا، وإيطاليا، والشرق الأوسط، وأفريقيا جزءا كبيرا من الطلب عليها. وقد شهد العامان الماضيان تحديدا، تزايد الطلب عليها في كل من الأسواق المحلية والدولية. ويبلغ عدد العاملين في صناعة الـ«تشيكانكاري» في الوقت الحالي نحو 250 ألف فنان بحكم أنها واحدة من أكبر المجالات الفنية في الهند. ويعمل كل من أبو جاني وسانديب كوسلا، المصممان المتميزان، في مجال التطريز بتلك الطريقة منذ نحو 20 عاماً أو يزيد، ويعود لهما الفضل في إقناع الممثلة البريطانية الشهيرة جودي دنش بارتداء واحدة من إبداعاتهما المطرزة بهذه التقنية في حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 2018.

وتستخدم الأخوات أنصاري، اللاتي يتولين إدارة متاجر في كل من مومباي وبنغالور ونيويورك، طريقة تطريز الـ«تشيكانكاري» في كل شيء من القفاطين حتى الفساتين القصيرة والأوشحة والأناركي كما على أقمشة مثل الحرير والشيفون والباشمينا. فعلامتهن «أهيلايا» تحقق نجاحاً كبيراً على المستوى التجاري، حيث تمكن من استقطاب مشاهير ظهروا بتصاميمهن مثل إيفانكا ترمب وهيلاري كلينتون، وإينريكي إغليسياس ودرو باريمور وكانغانا رانوت، وأنوشكا شارما. السبب أنهن جعلن هذه التطريزات خفيفة يمكن ارتداؤها في مناسبات الصيف والمناسبات المنطلقة.

- أعمال بطريقة الـ«آري»

تعد طريقة التطريز اليدوي الـ«آري» تقليداً ولد في قلب ولاية راجستان منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. إنه خليط من طرق الـ«زاردوسي»، والـ«زاري»، وأعمال القص والزخرفة والخرز، والترتر والخيوط والمرايا. ولا تعد تلك الطرق سوى بعض طرق التطريز التي تأتي ضمن قائمة طويلة يتخصص فيها أصحاب الحرف اليدوية. الجميل في هذه الطريقة أن لكل منطقة في البلاد تقريباً طريقة مميزة، مما يمنح المصممين العالميين تنوعا وإلهاماً لا حدود له.

- الـ«غارا»

تُعرف أيضاً باسم «العقدة المحرمة»، أو «العقدة الفرنسية»، وهي عبارة عن غرز طويلة وقصيرة. ويتسم العمل بالدقة، حيث يتم تقطيب الغرز بأشكال قريبة من بعضها بعضا.

وتشمل «غارا» أشكالا طبيعية تركز إلى جانب الورود والليلك وغيرها، على الطيور، من الديوك والببغاوات إلى الطواويس، إلى جانب المعابد، والتنانين.

تجمع تلك الطريقة في التطريز بين عدة تأثيرات من الهند والصين وبلاد فارس وأوروبا.

ويبحث كل من مدير مؤسسة «برازور فاونديشن» التابعة لـ«يونيسكو»، والمصمم أشدين ليلاوالا في دلهي، في تاريخ وأصول الـ«غارا» منذ 12 عاماً. وتوصل إلى أن «استجلاب قماش الحرير كان من الصين كذلك المهارات المقترنة به». ويضيف بأن «طريقة التطريز هاته تأثرت بالزرادشتية الإيرانية، والثقافات الهندوسية في الهند». ومما يُذكر أن شيري بلير، المحامية وزوجة رئيس الوزراء السابق توني بلير، حصلت على إطارات الـ«غارا» من «زنوبيا»، التي تصنع تطريز الـ«غارا» منذ ما يزيد على العقد.

- الـ«كاشيدا»

طريقة التطريز «كاشيدا» هي نوع من أشغال الإبرة من إقليم كشمير في الهند. وتعد واحدة من أجمل أشكال التطريز في البلاد، حيث تتميز باستخدامها لغرزة واحدة طويلة لعمل التصميم. وهذا يعني أن عمل التصميم بالكامل يتم بغرزة واحدة أو اثنين ينفذها شخص متخصص. ويُذكر بأن هذا الفن بدأ كصناعة منزلية صغيرة في القرن الحادي عشر، وأصبح على مدى سنوات من الفنون المفضلة لدى الطبقات الأرستقراطية، ومنهم وصل إلى نبلاء المغول. ولا تزال هذه الطريقة تعتبر إلى اليوم واحدة من فنون التطريز الرائعة في العالم. وكثيراً ما يستخدمه سابياساشي موخرجي، مصمم الأزياء الهندي، الذي يشتهر بإعادة إحياء عدد من طرق التطريز الهندية القديمة، في مجموعاته. لكنه لم يقتصر على إحيائه والتخصص فيه، بل جعله جسرا يربط الحرف اليدوية الهندية بالتصاميم الغربية من خلال بنطلونات فضفاضة وسترات وقطع الساري والشرواني. دائما مستعملا طريقة الكشيده على الكادي والشبكة. وقد استخدم أيضًا تطريز الكشيده الذهبية على المخمل. في الغرب استعملت بيوت أزياء عالمية مثل «إيترو» و«بلومارين» الكشمير والكشيده في تصاميمها.

- «كانثا»

تأتي طريقة تطريز الـ«كانثا»، التي تتسم بالألوان الزاهية، من شرق الهند. وقد ظهرت منذ 500 قرن في غرب البنغال وأوريسا كطريقة لإعادة استخدام وتدوير الساري وغيرها من قطع الملابس التي كان يتردد الناس في التخلص منها. وقد تكون الأولى في إرساء مفهوم التدوير كما نعرفه اليوم، لأنها كانت وسيلة لإعادة استخدام قطع الساري القديمة المصنوعة من الموسلين والقطن الفاخر، لعمل أشياء منزلية مفيدة. وليس غريبا أن يكون هناك طلب عالمي كبير على هذه العملية لمنح أزيائهم القديمة نفسا وحياة جديدة عوض التخلص منها، لا سيما وأنها تتميز بجمال لا يعلى عليه.
الهند موضة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة