اليمن ومدنه الجريحة في عمل روائي يمني

اليمن ومدنه الجريحة في عمل روائي يمني
TT

اليمن ومدنه الجريحة في عمل روائي يمني

اليمن ومدنه الجريحة في عمل روائي يمني

تصدر بعد أيام رواية جديدة للأديب اليمني حبيب عبد الرب سروري تحمل عنوان «وحي». وهي تقصّ حكاية رسالة غامضة باسم مستعار تصل إلى غسان العثماني، بينما هو في طريقه إلى سورينتو لقضاء إجازته مع زوجته شهد. تثير الرسالة لديه الكثير من المخاوف والتساؤلات عبر علاقة شائكة يسرد الراوي لمخاطبه المجهول الأوضاع التي آل إليها اليمن ومدنه الجريحة، باحثاً عن أسباب هذا الخراب وجذوره في الفلسفة والتاريخ.
هنا جزء من الفصل الرابع:
في قرية ولادتي في الحواشب جامعٌ أبيض صغير، بجواره قبر ولي صالح، ينحدر بيولوجيّاً مباشرة (كما يقولون) من النبي محمد، ومن جهة البطنين معاً: الحسن والحسين.
ترعرع في هذا المسجد معظم شباب قرية ولادتي، تعلّموا فيه، وحفروا جذور ومداميك رؤيتهم للحياة ونظرتهم إلى العالَم.
هو منبع مياههم الارتوازية السفلى، ومحيط طبقاتهم الجيولوجية الأعمق.
إمام المسجد كهلٌ فخم الصوت، قوي الشخصية، مفتول الجسد. يخشاه الجميع. له بنتان وأولاد ثلاثة، أحدهم بعمري، أكبرهم يزيد عني بسنة، وأصغرهم ينقصني بسنة.
أكبرهم وأوسطهم صديقان حميمان لي، وأصغرهم صديقٌ لدودٌ لي وعدوٌّ حميم في الوقت نفسه.
في منتصف الستينات من القرن الماضي، كنت أراود العاشرة من العمر. وكانت قريتنا، طور الرعد، وكل منطقة الحواشب، تنتظر وصول ولي الله الصالح: الشيخ نور الدين القدَسي الهاشمي، ذي المقام الذي لا مقام بمقامه، لأنه «الوحيد في هذا العالَم، الذي يتكلم اللغة السريانية، لغة الملائكة»، كما علَّمنا إمام جامع العيدروس.
لهذه الكلمة السحرية الغريبة، «السريانية»، ترانيم موسيقية سرَتْ وتراقصَتْ في عروقي.
كفاني سماعها، وتعريفها بأنها لغة الملائكة (لم تكن موسوعة «الويكيبيديا» موجودة آنذاك، لأُدركَ أن معناها الحقيقي لا علاقة له بذلك)، لخلعِ أي شك في أن هناك ملائكة تملأ السماء فعلاً، لهم لغةٌ محدّدة خاصة كم أتمنى الإصغاء إليها.
ناهيك بأن ثمّة إنساناً وحيداً أوحد يتكلمها، سيترك قمم جبال قَدَس، شمالي اليمن، ليأتي إلى قريتنا في جنوب اليمن، وليزور ولي الله الشيخ عثمان العيدروس الذي لا يمرّ يوم دون أن نعبر قرب ضريحه المطلي بالنورة البيضاء، والملتصق من الخلف بجامعنا الأبيض الصغير.
(لو لم يقل الرسول محمد إنه آخر الأنبياء، ويقطع الطريق على الجميع، لتمّ اعتبار الشيخ نور الدين نبيّاً بالتأكيد، لأنه يرطن مع الملائكة بلغتهم مباشرة، ولا يحتاج، هو، أن يتحدّث جبريلُ معه بالعربية أو بالعبرية، كغيره ممن تناطقوا مع جبريل، في قديم الزمان وسالف الأوان!): بديهيّةٌ لم نحتج، نحن أطفال وشباب قرية طور الرعد، أن يُفصِح لنا بها أو يبرهنها أحد.
ولذلك كنّا جميعاً، أطفالا وشيوخاً، ننتظر قدوم مولانا الشيخ القدَسي بِلَوعَةٍ ورجفات، منذ أشهر قبل وصوله.
كنت خارج القرية مع قريب لي، يوم أطلّ مولانا عليه السلام. حالما سمعنا بخبر وصوله، هرعنا عائدَين معاً نحو القرية. فوجئنا بالجموع الغفيرة التي تحيط بجامع العيدروس من كل مكان حاملةً كل ما لديها من هدايا ومأكولات لوَلي الله الأكبر ومرافقيه...
كان محالاً رؤية الشيخ نور الدين مستلقياً على أرضية المحراب، على بُعد مترين منه، صفّان من ثلاثين رجُلاً رافقوه من جبال قدَس بثلاث سيّارات، يحرسونه ويحملونه مضطجعاً على قاعدة سرير خشبي كأنه جثّة، يدخلونه السيّارة ويخرجونه منها محمولاً على أكتافهم. لعلّه لا يستطيع المشي، كما أظن.
يبدو على رفقة الشيخ الارتياحُ من كرم الهدايا التي وصلت، وتقاسموها مع إمام المسجد، كما أظن.
بعد وجبةٍ مُثخنةٍ باللحوم، خدودُهم المتورمة بِكُراتِ القات تنتفخ بإفراط، تلمع وتتلألأ في هذا العصر الغائم اللطيف. سطْلَتُهم وسعادتُهم من بحبوحة الضيافة جَليّتانِ للعين المجردة.
هذا الصباح، أمطرت السماء التي طالما انتظرتْ قريتُنا مددَها أيضاً. أليس ذاك دليلاً آخر على معجزات الشيخ نور الدين الذي قضّيتُ أشهراً أتمنّى، بصبر فارغ وبشوقٍ ملتهب، رؤيته وسماعه يرطنُ السريانية مع الملائكة؟
كان مستحيلاً أن أشقّ طريقي وسط الجموع لأقترب من إمام جامعنا وابنه الأصغر عبد القهّار، اللذَين يلعبان دور الجسر بين ولي الله الصالح الأكبر (المحاط بسياج منيع من صفّين من الحرسِ المسطولِين بدوخة القات، وبنعمة موائد اللحم التي «تتقرقر» في البطون)، وبين جموعِ الزوار الخاشعين الآتين من كل قريتنا ونحوها في الحواشب، للتقرّبِ من الشيخ، ولمسهِ ولو بأطراف الأصابع، هو الذي رافقت طلوعَ بدرِهِ علينا تحياتٌ مباركاتٌ طيبات من السماء: ثلاثة أيام من مطرٍ لم ينقطع، زاد تفاني الناس في حبِّ مولانا وتقديسه (وإن كنّا حينذاك على حافة موسم الأمطار).
وكان من المحال أيضاً أن أطلب من معروف في الجامع أن يتوسّط لي عند عبد القهّار، الابن المدلّلِ لأبيه، ويرجو منه أن يفتح لي طريقاً للاقتراب من المحراب، لرؤية الشيخ ولو بلمحة عين فقط: عبد القهّار لا يطيقني من قريب أو بعيد، وإن كان لا يكرهني بحق بالضرورة.
وكنتُ لا أطيقه كثيراً أيضاً.
لأنه كان، على الأقل، مُخبِر أبيه، يقدِّم إليه التقارير اليومية حول كل صغيرةٍ وكبيرة، ولا سيما حول حركات وسكنات أخوتِه.
وما كنتُ لأتوسّله هذه المساعدة، لأن لي (ماءً دافقاً في الوجه)، وليس بيننا، الاثنين، غير تنافرٍ صامتٍ عتيد.
أخوه الأكبر عبد الله ليس هنا لأطلبه مساعدتي للاقتراب من المحراب داخل الجامع، كان في عدَن لقضاء أمورٍ كثيرة لِوالده.
أما أخوه الأوسط، عبد الباري، فكان غريب الأطوار، في علاقة غير سهلة أو سعيدة مع أبيه. لعلّه كان وسط الحشود يتأمل المشهد، لكن لا حول له ولا قوّة، ولن ينفعني قيد أنملة في الاقتراب من المحراب.
ثمّ تذكّرتُ أن للمحراب باباً خشبياً صغيراً جداً، يؤدي إلى خارج الجامع. مغلقٌ بقفل صدئ لم ينفتح منذ عرفتُ نفسي. وبقرب القفل ثقبٌ صغير، حفَرَه بمسمار صلب، ذات يوم، صديقٌ مشاكسٌ لم يعد يعيش في قريتنا. يسمح الثقب، من خارج الجامع، برؤية ما تيسّر من المحراب.
حفَرَهُ لـ(مراقبة أشياء خطيرة تحْدثُ في كواليس المحراب)، كما قال صديقنا المشاكس يوماً.
لعلّي لم أصوِّب نظري من ذلك الثقب، نحو مركز المحراب، منذ سنين. ولا أظن أن أحداً رأى ذلك الثقب، أو خطر بباله التلصص عبره على محراب جامعنا المتواضع، عدا صديقنا المغوار الذي لم يعد في طور الرعد.
بعد أن فقدتُ الأمل بالاقتراب من الشيخ نور الدين، وتفحُّصِ قسماته والتبرك بالنظر إليه، واستنشاقه والإصغاء إليه وهو يتحدّث بلغة الملائكة، أو حتّى رؤيته عن بعد، تركتُ مدخل الجامع.
درتُ خارجه نحو الباب الخلفي الملتصق بالمحراب، لأقرفص أمامه، لأضع عيني على الثقب، وأرى ما أستطيع إليه سبيلاً.
حدثَ شيءٌ فظيع وأنا أشاهد بأمّ عيني ما يدور أمامي، سيكون له أثر حاسمٌ فيّ، حتى لا أقول: (سيغيّر اتجاه بوصلة حياتي).
الرجل المضطجع على أرض المحراب لم يُثِر في ناظري أدنى انطباعِ تعظيمٍ أو إعجاب، اللهم إلا قليلاً من الشفقة والتعاطف، بعد ثوانٍ قليلة من التمعّن فيه.
لم أره كاملاً في الحقيقة، جزءٌ جانبي من وجهه، لا غير. بدا الشيخ منه بسيطاً جداً، نحيفاً رثّ الثياب، أشيب اللحية، شبهَ مريض، لا يتمتم بين حين وحين إلا سلسلةً من أحرف العلّة (أهذه لغة الملائكة؟) بين نفسهِ ونفسه.
عيناه زائغتان، لا يبدو غير بياض إحداهما وهو يتماوج على نحو مقلق.
رثيتُه، لا أكثر ولا أقل.
ما أثارني فعلاً هو ما يفعله إمام الجامع وسفينته الفضائية عبد القهّار: يقترب الإمام ومعه ابنه، من وجه الشيخ، يهمس له بتمتمات لا أظن أن لها دلالة ما، ثم يتظاهر بالإصغاء لما يقوله الشيخ (لا يقول هذا شيئاً، وأنا أراقب ذلك المشهد المسرحي من خلف الثقب، على بعد متر وقليل فقط).
ثم يتوجه الإمام نحو الحشد وهو ينقل لهم بصوت خاشع ما قاله حضرتُه (أو ما لم يقله قط، على الأحرى): أدعيةٌ تقليدية، أبياتُ شعر مكسّرة ركيكة، ذات خللٍ إيقاعي خطير، من تأليف إمام المسجد نفسه، الذي لم يستوعب بعدُ قوانين أوزانِ الشعر ونظام تركيب القوافي».



أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».