ثيري واسر: يحز في نفسي أن مصممي الأزياء لهم حظوة أكبر.. نعم أعد نفسي فنانا

عطار دار «جيرلان» يتكلم عن عطره الجديد«الرجل المثالي»

 أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي
أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي
TT

ثيري واسر: يحز في نفسي أن مصممي الأزياء لهم حظوة أكبر.. نعم أعد نفسي فنانا

 أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي
أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي

كان يوما مشمسا في باريس، ومثاليا لكي تقدم فيه شركة جيرلان الفرنسية عطرها الرجالي الجديد «لوم إيديال»، أي «الرجل المثالي». كانت الصالة التي احتضنت اللقاء مع مبتكره ثيري واسر، فخمة بنوافذها العالية وستائرها التي حجبت أشعة الشمس من الدخول لكي يبقى المكان منتعشا بروائح مكونات جرى رصها على طاولة طويلة، من لوز وبتلات ورود وجلود وغيرها من الأخشاب والبهارات التي استعملها العطار. كان كل شيء جاهزا لإقناعنا بأن الرجل المثالي موجود، ربما ليس في الواقع، بحكم أن «الحلو لا يكتمل»، لكنه حتما في قارورة عطر معبأة بوصفة تجمع الجديد بالقديم الذي استلهمه من الأرشيف وجدده في خلطة مؤثرة بعمقها وشاعريتها. يعود عمر دار «جيرلان» إلى أكثر من 186 سنة ابتكرت خلالها أكثر من 850 عطرا، كان نصيب المؤسس، جاك جيرلان، وحده منها 400 عطر أبدعها على مدى 60 سنة. لم تنجح كلها تجاريا، إلا أنها تشكل إرثا يعود إليه «أنوفها» دائما، وهو ما لا يتوافر لدى باقي المتنافسين.
أما ثيري واسر عطارها الوفي، فليس غريبا عليها، حيث التحق بها منذ ست سنوات تقريبا، وكان أول «أنف» يدخلها من خارج عائلة جيرلان التي توارثت المهنة أبا عن جد لعدة عقود. وحتى هو، لا ينكر أنه تفاجأ عندما اتصلوا به أول مرة، وتصور المسألة مجرد مزحة، لكنه سرعان ما تأكد أنه مطلوب جديا وأن جون بول جيرلان سلفه، رأى فيه شيئا لم يره في باقي العطارين الذين تزخر بهم فرنسا. لم يخيب ظن جون بول جيرلان، الذي فتح له أبواب الدار وأمنه على مفاتيحها، كما عبد له الطريق لكي يكون نجما، يتولى ابتكار عطور الدار من الألف إلى الياء من دون تدخل أي أحد، عوض أن يكون مجرد جندي مجهول يعمل في الظل.
«عندما أكون في مختبري، أكون أنا السيد»، يشرح ثيري واسر، «فأنا مثل شيف في المطبخ، يعرف كل صغيرة وكبيرة، وليس بالضرورة أن يكون مدير المطعم ملما بتفاصيل الأطباق التي أحضرها أو الطريقة التي أتبعها، مما يجعل من الصعب عليه أن يتدخل لكي يملي علي آراءه».
من يقابل ثيري يشعر بأنه ولد لكي يقوم بهذه المهمة. فهو لا يتنفس ثقافة جيرلان فحسب، بل يعيش لثقافة العطور وصناعتها ويتعامل معها بصفتها فنا أو علما. للأسف، عالم العطور ليس كعالم الأزياء، الذي يحقق للمصمم النجومية من أول تشكيلة يقدمها لدار عالمية. فالعطار، مهما أبدع تبقى شهرته محدودة، مهما بلغت شهرة الدار التي يعمل فيها وقوة تأثيرها في عالم الجمال والتجميل. أمر يحز في نفسه ويثير أعصابه، بحسب رد فعله عندما طرحت هذه المقارنة عليه.
تململ في كرسيه وهو يشمر عن ساعديه كأنه سيدخل في جدال طويل، ليقول بابتسامة تكاد تزغرد من عيونه، ونظرة فيها بعض الامتنان لإثارة الموضوع: «لم يسألني أي أحد من قبل هذا السؤال، وأنا في غاية السعادة أنك تطرحينه علي الآن، لأني بالفعل متضايق من الأمر. فالناس لا يقدرون ما نقوم به كعطارين، فالمصمم يعمل ضمن فريق عريض من المساعدين ومع ذلك يتمتع بشهرة واسعة، بينما العطار يعمل وحده لإكمال اللوحة من البداية إلى النهاية، مثل رسام في مرسمه أو عالم في مختبره، يتعامل بألوان قد لا تكون منظورة للعين، لكنها تجمل العالم». ويتابع بالحماس نفسه: «أنا لا أرسم أو أبتكر خلطات فحسب، بل أعمل كل شيء بنفسي، بدءا من البحث عن المكونات إلى انتقاء الأجود منها، فضلا عن إشرافي على عملية الإنتاج والتصوير والعرض، لهذا اعذريني إن شعرت ببعض الانزعاج والضيق عندما لا نحصل، كعطارين، على التقدير نفسه الذي يحصل عليه مصممو الأزياء. نحن فنانون، لكن بأدوات مختلفة، ثم لا تنسى أننا أيضا مطالبون بالابتكار وطرح مجموعات موسمية، ما لا يقل عن أربعة عطور في السنة... أعيد وأكرر: نعم، أنا أعد نفسي فنانا».
يعود بجسمه إلى الوراء وهو يشير إلى الطاولة، حيث كانت قارورة عطره الجديد «لوم إيديال» تتوسط بتلات ورد وبهارات ولوزا مرا، ويعرض أمامي الفيلم الترويجي له، ولسان حاله يقول: «وهذا هو الدليل». تصاب بعدوى حماسه، وتجد نفسك تتساءل: هل يا ترى توصل إلى الوصفة المثالية للرجل المثالي؟. فالاسم طموح جدا، وله إيحاءات قوية لا بد أن تثير الكثير من المشاعر بداخل الرجل والمرأة على حد سواء، كما أن الفيلم الذي صوره المخرج ميشال غوندري جاء بأسلوب مرح وشاعري، ربما للتخفيف من حدة أي جدل قد يثار حول وجود أو عدم وجود الرجل المثالي، لكن ماذا عن العطر نفسه؟ هل وفق فيه للوصفة الناجحة؟ وهل يصبح وساما على صدره أم أنه سيتبخر بعد بضعة مواسم؟
كان آخر عطر رجالي أطلقته «جيرلان» منذ عدة سنوات من إبداع جون بول، أبيه الروحي، وكان باسم «آرسين لوبين»، لهذا كان مهما أن يأتي هذا العطر بمستوى رفيع. يقول واسر: «سألت جون بول مرة ماذا تعلم من جده، مبتكر أجمل العطور، فرد علي: هل تصدق أني لم أتعلم منه الكثير؟». عندما قرأ نظرات الاستغراب في عيوني، أضاف: «ما نقوم به كعطارين لا يشرح أو يعلم، وكل ما قمت به أني كنت أراقبه من كثب». وهذا تماما ما قام به ثيري واسر مع جون بول. كان يراقبه من قرب لكي لا تفوته أي شاردة أو واردة، وبالفعل اكتشف لدهشته أنه بالإمكان ابتكار عطر رجالي، من خلاصات الياسمين والورود التي كانت حكرا على المرأة من قبل من دون أن يتعارض ذلك مع مفهوم الرجولة أو قوتها. يعلق واسر: «وجود زهرة الليمون في العطر الجديد تحية له، لأن هذه النغمات الزهرية لم تكن لتدخل عطرا رجاليا لولاه. ومنذ عام 2008 عندما أطلقت عطر «جيرلان أوم» وأنا أتعمد أن أدخل هذه الخلاصات في العطور التي أبتكرها. مثلا، عندما كنت أعمل على ابتكار عطر «لابوتيت روب نوار»، الذي استغرق سنتين، كنت أسبح في عالم المرأة وعالم الشرق، خصوصا بعد أن أتبعناه بمجموعة «صحارى الشرق، ومع ذلك كنت دائما أتعمد إضافة هذه المكونات إلى النغمات الشرقية». ربما تكون «جيرلان»، أول دار أدمنت النغمات الشرقية وقدمتها لها في عطور أيقونية مثل «شاليمار» و«سامسارا» وغيرها، إلا أن الملاحظ في هذا العطر أنه خال منها، إذ لم يكن هناك دليل فوق الطاولة يشير إلى استعمال مكونات من الشرق. يدافع واسر قائلا إنه متأكد أن العطر سيروق للرجل الشرقي، لأن «هناك خلاصات الفانيلا، إضافة إلى نوع من الإثارة الحسية والعمق. لقد شعرت بأنه حان الوقت لكي أقدم شيئا جديدا، أنيقا وغنيا، من خلال عطر قريب إلى نفسي وقلبي. وقد عوضت النغمات الشرقية بالانتعاش والعمق النابعين من الأخشاب، علما بأني لم أغير جلدي تماما، فهنا أيضا أحرص على أن أحكي قصة واقعية بمكونات جديدة ومترفة تعبر عني الآن. فكلنا نتغير ونتطور». وتابع: «أنا هنا منذ ست سنوات واكتسبت عدة خبرات، كما تشربت ثقافة (جيرلان) أكثر، ولن أقول إن هذا العطر يعبر عني تماما، لأني ما زلت ضعيفا أمام عطر (إيديل) و(جيرلان أوم)، لكني مؤمن بأن لكل مرحلة لغتها وخصوصيتها، ومن ثم لا يمكن أن يلغي ما أبتكره اليوم ما ابتكرته منذ خمس سنوات مثلا. كل ما في الأمر أنه لا بد من التطور، وأنا متأكد أني سأقدم في المستقبل عطرا مختلفا تماما،، قد لا يكون بالضرورة هو الأفضل، لكنه سيكون انعكاسا لنضجي الشخصي والمهني ولتطورات العصر».
المعروف عن واسر أنه يعشق السفر، ويمكن القول إن شهرته في صناعة العطور تكمن في بحثه الدائم عن مزارع جديدة ودعمه المزارعين الصغار الذين تربطه بهم علاقات إنسانية. في أسفاره، يتعلم الكثير أيضا، وفي كل مرة يكتشف شيئا جديدا لم يلحظه من قبل، فللبحث عن البرغموت وزهرة الليمون مثلا، يسافر إلى تونس أو إلى جنوب إيطاليا أو تركيا أو الهند أو بلغاريا: «لأن لكل مكان رائحة وخصوصية». برأيه: «في كل مكان من هذه الأمكنة، بل وحتى في المكان نفسه، تتغير الرائحة بالنسبة لي، حسب الزمان والمزاج، مما يؤثر على قدرات المبدع وعمله». ويؤكد طوال حديثه أنه في أسفاره لا يتعامل فقط مع مكونات يتطلبها عمله، سواء كانت أعشابا أو زيوتا، بل يتعامل مع الناس الذين يزرعونها وينتجونها، لهذا من الصعب عليه عدم ملاحظة التغييرات التي يعيشونها وتأثيراتها على حياتهم. «تونس أكبر دليل على هذا، فأنا أسافر إليها منذ سنوات، ورغم الثورة الأخيرة، ما زلت أشعر بأني في بلدي الثاني، لأن الناس الذين أتعامل معهم أصبحوا أصدقائي. لا يمكن أن أعيش في معزل عنهم، رغم التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في المناخ العام وفي. في هذه الأسفار، أنا أستقي الكثير من الأفكار وأستفيد من تجارب الخبراء المحليين. في بلغاريا، تعلمت الكثير عن الورد من المزارعين البسطاء، مما ساعدني في رحلاتي إلى إيران، حيث علمت المزارعين فيها طرقا وتقنيات جديدة. لاحظت أنك عندما تتبرع بهذه الأفكار تكسب صداقات متينة، لأن الناس يقدرون أهمية أن تعلمهم أمرا في صالحهم. لا أريد القول إني أنديانا جونز، أبحث عن كنوز مخفية أو ذهب لم يستطع أحد غيري أن يجده، لكن يمكنني القول إني أعرف أماكن هذه الكنوز، ولن أبالغ عندما أقول إنها توجد في قلوب الناس». أسأله عن الإرث الذي يحلم بتركه لنا، فيرد ببطء: «أبلغ 53 من العمر، أي إني صغير على أن أخلف أي تركة، لكن في الوقت ذاته أحرص على أن أراعي ظروف من أتعامل معهم من باب قناعتي بأنك تحصد ما تزرع، والعلاقات الإنسانية مهمة في عملنا، لأنها هي التي تبقى. هؤلاء المزارعون يعرفون الكثير عن حصادهم ومنهم تعلمت الكثير عن خشب الصندل والياسمين وزهرة الليمون وغيرها، لهذا لا يمكن أن أتنكر لهم إذا تغيرت ظروفهم. الأمر نفسه ينطبق على حياتي الشخصية، فأنا أهوى الفن المعاصر، لكني لا أشتري أي لوحة إلا إذا تعرفت على الفنان شخصيا، لأن أفضل شخص يشرح لك عن زيت أو وردة أو لوحة هو الشخص الذي زرعها وحرثها أو رسمها. سأسوق لك مثالا على هذا أني عندما كنت أعيش في نيويورك، وقعت عيني صدفة على لوحة شدتني حين كنت أتفصح مجلة فنية. اتصلت بالمتحف الذي كانت تعرض فيه وكان في لوس أنجليس، لم أتردد وتوجهت إلى هناك، لأنه كان مهما بالنسبة لي مقابلة مبدع اللوحة قبل أن أشتريها».
كانت مدة اللقاء 30 دقيقة تقريبا، ولاحظت أنه كرر فيه اسم «جيكي» أول عطر رجالي أطلقته الدار منذ نحو قرن، أكثر من عشر مرات، ربما لأنه هو ما ألهمه وعاد إليه عندما فكر في ابتكار عطره الجديد؟ لا ينكر ويقول بأنه لو لم يصنع السيد جيرلان «جيكي» لما اكتشف أهمية اللوز المر كمكون أساسي في العطور الرجالية، لأنه ليس معمولا به في عطور باقي الشركات. لكنه يستطرد: «هذا لا يعني أن (جيكي) هو الذي ألهمني، بل جزئية بسيطة فيه، تتمثل في اللوز المر الذي أعطاني الفكرة وشرارة الانطلاق. فأنا أعود إلى الأرشيف وأدرسه لكني لا أترجمه حرفيا أو أغرف منه بشراهة، لا سيما مع توافر عدد كبير من المكونات حاليا مقارنة بالماضي، إضافة إلى تطور التقنيات التي تساعد على المزيد من الابتكار والتميز». لكن اللوز المر أثاره وأصبح مدمنا له، أو بالأحرى «نغمات الكرز الأسود التي تتكون من اللوز المر والتوت، وهي خلطة موجودة في عطر (جيكي) الذي أطلق في عام 1889 للمرأة، لكنه لقي حفاوة كبيرة من قبل الرجل أيضا. وربما يكون هو أول عطر للجنسين. هذا الإحساس بالذكورة الذي تمتع به دفعني لأخذ اللوز المر والتلاعب فيه، مما أثمر عن عطر «لوم إيديال» الجديد، مع العلم أن هذه الخلطة خاصة بـ«جيرلان»، وليس هناك من يستعملها غيرنا منذ العصر التاسع عشر، من عطر «جيكي» إلى «لابوتيت روب نوار».



كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.


باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
TT

باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)

 

للموضة قدرة عجيبة على توقع الألوان، والتصاميم بسنوات، لكنها للأسف تفقد السيطرة أمام التحولات الاقتصادية، والسياسية، رغم أن تأثيراتها عليها تكون مباشرة، وأحياناً قاتلة.

اليوم تواجه صناعة الموضة تحديات خارجية متزايدة تفرض إعادة رسم قواعد اللعبة، بدءاً من التوترات التجارية، وارتفاع الرسوم الجمركية، إلى اضطراب سلاسل التوريد. حتى المستهلك أصبح يفرض شروطه الخاصة. المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير عكس هذا المزاج القلق، والمعطيات التي خرج بها ستُترجم، عاجلاً أو آجلاً، إلى تكاليف أعلى، أو تأخير في الإنتاج، وتغيير في خريطة الأسواق.

في هذا المناخ المرتبك لم يعد النجاح مرهوناً بحجم الإبداع، أو التوسع وحدهما وفق ما قاله باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة «مجموعة شلهوب»، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تقرأ الحاضر، وتستبق المستقبل رغم ضبابية اللحظة.

مايكل شلهوب، الابن، والذي تولى حديثاً منصبه باعتبار أنه رئيس تنفيذي لـ«مجموعة شلهوب» شرح أن الأوضاع الحالية تتطلب تغيير الأولويات: «يجب أن نضع المستهلك في المقدمة... ننصت له، ونفهم متطلباته، حتى نستطيع أن نقدم له منتجات تناسبه، وتلبي تطلعاته»، وهذا تحديداً ما تقوم به منطقة الشرق الأوسط حالياً، وتعلِّمه للغرب.

الشرق الأوسط... الأمل

تأسّست «ويلي شافاريا» عام 2015 على يد ويلي شافاريا وديفيد راميريز وتحوَلت سريعاً إلى واحدة من أكثر الأصوات أصالة في عالم الموضة (ويلي شافاريا)

فهذه المنطقة تبقى ضمن هذا المشهد، حسب الخبراء واستطلاعاتهم، بقعة ضوء، وملاذاً آمناً لصناع الموضة العالمية. دراسة أجرتها شركة «يورومونيتور إنترناشيونال» مثلاً تفيد بأن سوق الأزياء في المنطقة تواصل نموها بمعدل سنوي مستقر، فيما تظهر استطلاعات أخرى متخصصة مثل Bof Insightsأن شريحة واسعة من أصحاب الدخل المرتفع في الخليج لا تزال تنفق بسخاء على الموضة.

هذه القوة التي تتمتع بها الشرق الأوسط حالياً لم تأتِ صدفة، ولم تكن نتاج طفرة عابرة. هي نتاج مشروع طويل بُني على أسس واضحة، وشراكات مدروسة تقوم بها المملكة العربية السعودية في مجالات الترفيه، والثقافة، والإبداع، ودولة الإمارات، وغيرهما من دول الخليج في مجال الموضة.

نجاح من رحم الأزمات

صورة أرشيفية للأخوين باتريك وأنطوني شلهوب (مجموعة شلهوب)

هذا المشروع كانت «مجموعة شلهوب» طرفاً أساسياً فيه منذ سبعين عاماً. يمكن قراءة هذا المشروع لا بوصفه قصة نجاح تقليدية، بل إنه حالة تشكّلت أساساً في بيئات غير مستقرة سياسياً واقتصادياً، وتكيَفت معها. بدأت في دمشق عندما افتتح ميشال شلهوب، الأب، أول متجر لعلامة «كريستوفل» عام 1955. وفي عام 1965، اضطرت العائلة لنقل أنشطتها إلى بيروت بسبب الأحوال الاقتصادية المتذبذبة في سوريا، وفي عام 1975 وبعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، اضطرت المجموعة إلى الانتقال إلى الكويت. في عام 1990 أدى غزو الكويت إلى انتقالها من جديد إلى دبي. يقول باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي للمجموعة، إن هذا الانتقال كان مخططاً له مسبقاً، وكل ما في الأمر أن الغزو سرَّعه.

جاءت شراكة المجموعة مع ويلي شافاريا للتوسع في منطقة الشرق الأوسط (مجموعة شلهوب)

بحس تجاري، تحوّلت هذه التنقلات المفروضة إلى خبرة، واستراتيجيات عمل قائمة على استباق الأحداث، وترسيخ رؤى استشرافية لا تزال المجموعة تتمتع بها إلى اليوم. فالاستقرار بالنسبة لها ليس شرطاً للنجاح.

باتريك شلهوب واستراتيجيات توسعية

بالنسبة لباتريك شلهوب، الذي انضم إلى العمل العائلي أواخر السبعينات، لم تكن الموضة من أولوياته، ولم يفكر في دخولها قبل ذلك. كان شغوفاً بالرياضيات. لكن الحرب غيَرت اتجاهه، وأدخلته هذا العالم من بوابة الإدارة. كان طموحه كبيراً، إذ وضع نصب عينيه ألا تبقى المجموعة في موقع المتلقي، أو ردّ الفعل. سرعان ما حوّلها من مجرد موزع محلي إلى لاعب إقليمي بثقل دولي، حيث فتح مرحلة الشراكات الكبرى، والمشاريع المشتركة مع علامات كبيرة، مثل «لوي فويتون»، «ديور»، «فيرساتشي»، «فندي»، «جيمي تشو»، «جاكيموس»، «لوبوتان»، «بيرلوتي».

باتريك شلهوب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة في حذاء من «ليفل شوز» (ليفل شوز)

بعدها بدأ استراتيجية امتلاك وإطلاق علامات حصرية، أبرزها «ليفل شوز» و«ووجوه». هذا التوسع استدعى الاستثمار في الجانب الإنساني لأهميته. استثمر مبكراً في التعليم، والتدريب عبر إنشاء أكاديمية تحمل اسم العائلة لتنمية المواهب الشابة، والتعاون الأكاديمي مع الجامعة الأميركية في الشارقة.

السوق السعودية

مؤخراً فتح باتريك أبواب هذه الأكاديمية في السعودية. لم تفُته أهمية هذه السوق. صحيح أن علاقته بها بدأت منذ عقود بافتتاح أولى متاجرها عام 1991، لعلامات تجارية مثل «فيسز» و«تاناغرا» و«كريستوفل» و«غوالي»، لكنه طوَرها مؤخراً، تطوّرت، وافتتح محلات جديدة على شكل وجهات توفر تجارب غامرة. والأهم من هذا تأخذ بعين الاعتبار أن مستهلك اليوم مختلف. هو أكثر وعياً وانتقائية، وحساسية تجاه القيم التي تمثلها العلامات، وعلى رأسها الاستدامة.

تطمح «ويلي شافاريا» نحو التوسّع الدولي ودخول الأسواق الجديدة وتحقيق القيمة المستدامة (مجموعة شلهوب)

هذا المستهلك يُقسِمه باتريك شلهوب إلى ثلاث فئات رمزية تعكس اختلاف الدوافع والتطلعات. ما أسماه بالخيول وهم فئة تعشق الموضة وتبحث عن الاعتراف والمكانة الاجتماعية. وفئة الغزلان التي تتعامل معها كامتداد طبيعي لهويتهم، فيما تتميز فئة الصقور، بكونها أكثر جرأة، لأنها تبتعد عن المفهوم التقليدي وتبحث عن التجربة والتفرد والحرفية.

خلف هذا التصنيف تبرز حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن هذا المستهلك أصبح مُتطلَبا لا يتغاضى عن الاخطاء مهما كانت صغيرة، وأي قراءة خاطئة للسياق الثقافي قد تتحول إلى خسارة يصعب تعويضها.

من عرض ويلي شافاريا لربيع وصيف 2026 الذي قدم لأول مرة في باريس (مجموعة شلهوب)

وهذا ما أشار إليه في مؤتمر BoF VOICES 2025 السنوي، موضحاً أن لكل منطقة في العالم خصوصيتها الثقافية، والسيكولوجية، وبالتالي لا يمكن استنساخ تجربة معينة خارج هذا السياق. لا بد من ترجمتها بحس يُراعي البيئة، والجوهر، حتى لا تصطدم بحساسية المكان.

 

 

لم يكن حضور باتريك شلهوب في هذا المؤتمر إلى جانب قادة صناعة الرفاهية من مختلف أنحاء العالم شكلياً، أو لمجرد استكمال التمثيل، بل مشاركة فكرية حقيقية، تعكس التحول اللافت لمنطقة الشرق الأوسط باعتبار أنها لاعب مؤثر على الساحة.

ومع ذلك لا يتجاهل باتريك أن التباطؤ العالمي على صناعة الترف عموماً له تأثيرات قد تكون أقل على منطقة الشرق الأوسط عموماً، والسعودية خصوصاً، لكنها لا تعني انعدامها تماماً. فالقوة الشرائية وحدها لا تُفسر الاستقرار، والنمو. يقول في هذا الصدد: «إن دورنا يكمن في تكريم إرثنا، من خلال إعادة تصوّره بما ينسجم مع آفاق الغد. وهذا هو جوهر رؤية 2033: بوصلتنا الطموحة للعقد المقبل. رؤية تقوم على الانتقال من دور الشريك إلى تأسيس دار العلامات التجارية، لنصوغ وننمّي إبداعاتنا الخاصة، مع استمرارنا في تمثيل أكثر العلامات التجارية رفاهية، وإلهاماً في العالم. ومن هنا، نرسّخ جذورنا في الشرق الأوسط، موطننا، وننطلق للتوسّع عالمياً نحو أميركا اللاتينية، وأوروبا، والولايات المتحدة».

استحواذ واستثمار

ضمن هذا السياق، اتجهت مجموعة شلهوب تدريجياً إلى تنويع أدوارها. فإلى جانب الشراكات مع علامات عالمية كبيرة، كان آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، باستحواذها على حصة استراتيجية في دار الأزياء الأميركية «ويلي شافاريا»، بدأت تستثمر أيضاً في علامات خاصة، وإطلاقها، بهدف الانتقال من دور الوسيط إلى دور مؤثر في صناعة الموضة.

باتريك شلهوب وابنه مايكل الذي تسلم المشغل منه ليستمر إرث العائلة (ليفل شوز)

من هذه الرؤية وُلدت تجربة «ليفل شوز» التي انطلقت في دبي، وتستعد اليوم لدخول السوق الأميركية في إشارة إلى قدرة أول علامة تنشأ في المنطقة أن تنطلق إلى العالمية «ما دامت تستند إلى ثلاثة عوامل محورية هي: الذكاء الاصطناعي، والمواهب، والتميّز التشغيلي» وفق رأي باتريك.

هذه العوامل وفق رأيه لا تنسلخ عن التحولات البنيوية التي تشهدها المنطقة في السنوات الأخيرة، وتتجلى في الاستثمار في الصناعات الإبداعية، وفي مستهلك أصبح أكثر اطلاعاً، وتطلعاً للأحسن.