ثيري واسر: يحز في نفسي أن مصممي الأزياء لهم حظوة أكبر.. نعم أعد نفسي فنانا

عطار دار «جيرلان» يتكلم عن عطره الجديد«الرجل المثالي»

 أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي
أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي
TT

ثيري واسر: يحز في نفسي أن مصممي الأزياء لهم حظوة أكبر.. نعم أعد نفسي فنانا

 أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي
أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي

كان يوما مشمسا في باريس، ومثاليا لكي تقدم فيه شركة جيرلان الفرنسية عطرها الرجالي الجديد «لوم إيديال»، أي «الرجل المثالي». كانت الصالة التي احتضنت اللقاء مع مبتكره ثيري واسر، فخمة بنوافذها العالية وستائرها التي حجبت أشعة الشمس من الدخول لكي يبقى المكان منتعشا بروائح مكونات جرى رصها على طاولة طويلة، من لوز وبتلات ورود وجلود وغيرها من الأخشاب والبهارات التي استعملها العطار. كان كل شيء جاهزا لإقناعنا بأن الرجل المثالي موجود، ربما ليس في الواقع، بحكم أن «الحلو لا يكتمل»، لكنه حتما في قارورة عطر معبأة بوصفة تجمع الجديد بالقديم الذي استلهمه من الأرشيف وجدده في خلطة مؤثرة بعمقها وشاعريتها. يعود عمر دار «جيرلان» إلى أكثر من 186 سنة ابتكرت خلالها أكثر من 850 عطرا، كان نصيب المؤسس، جاك جيرلان، وحده منها 400 عطر أبدعها على مدى 60 سنة. لم تنجح كلها تجاريا، إلا أنها تشكل إرثا يعود إليه «أنوفها» دائما، وهو ما لا يتوافر لدى باقي المتنافسين.
أما ثيري واسر عطارها الوفي، فليس غريبا عليها، حيث التحق بها منذ ست سنوات تقريبا، وكان أول «أنف» يدخلها من خارج عائلة جيرلان التي توارثت المهنة أبا عن جد لعدة عقود. وحتى هو، لا ينكر أنه تفاجأ عندما اتصلوا به أول مرة، وتصور المسألة مجرد مزحة، لكنه سرعان ما تأكد أنه مطلوب جديا وأن جون بول جيرلان سلفه، رأى فيه شيئا لم يره في باقي العطارين الذين تزخر بهم فرنسا. لم يخيب ظن جون بول جيرلان، الذي فتح له أبواب الدار وأمنه على مفاتيحها، كما عبد له الطريق لكي يكون نجما، يتولى ابتكار عطور الدار من الألف إلى الياء من دون تدخل أي أحد، عوض أن يكون مجرد جندي مجهول يعمل في الظل.
«عندما أكون في مختبري، أكون أنا السيد»، يشرح ثيري واسر، «فأنا مثل شيف في المطبخ، يعرف كل صغيرة وكبيرة، وليس بالضرورة أن يكون مدير المطعم ملما بتفاصيل الأطباق التي أحضرها أو الطريقة التي أتبعها، مما يجعل من الصعب عليه أن يتدخل لكي يملي علي آراءه».
من يقابل ثيري يشعر بأنه ولد لكي يقوم بهذه المهمة. فهو لا يتنفس ثقافة جيرلان فحسب، بل يعيش لثقافة العطور وصناعتها ويتعامل معها بصفتها فنا أو علما. للأسف، عالم العطور ليس كعالم الأزياء، الذي يحقق للمصمم النجومية من أول تشكيلة يقدمها لدار عالمية. فالعطار، مهما أبدع تبقى شهرته محدودة، مهما بلغت شهرة الدار التي يعمل فيها وقوة تأثيرها في عالم الجمال والتجميل. أمر يحز في نفسه ويثير أعصابه، بحسب رد فعله عندما طرحت هذه المقارنة عليه.
تململ في كرسيه وهو يشمر عن ساعديه كأنه سيدخل في جدال طويل، ليقول بابتسامة تكاد تزغرد من عيونه، ونظرة فيها بعض الامتنان لإثارة الموضوع: «لم يسألني أي أحد من قبل هذا السؤال، وأنا في غاية السعادة أنك تطرحينه علي الآن، لأني بالفعل متضايق من الأمر. فالناس لا يقدرون ما نقوم به كعطارين، فالمصمم يعمل ضمن فريق عريض من المساعدين ومع ذلك يتمتع بشهرة واسعة، بينما العطار يعمل وحده لإكمال اللوحة من البداية إلى النهاية، مثل رسام في مرسمه أو عالم في مختبره، يتعامل بألوان قد لا تكون منظورة للعين، لكنها تجمل العالم». ويتابع بالحماس نفسه: «أنا لا أرسم أو أبتكر خلطات فحسب، بل أعمل كل شيء بنفسي، بدءا من البحث عن المكونات إلى انتقاء الأجود منها، فضلا عن إشرافي على عملية الإنتاج والتصوير والعرض، لهذا اعذريني إن شعرت ببعض الانزعاج والضيق عندما لا نحصل، كعطارين، على التقدير نفسه الذي يحصل عليه مصممو الأزياء. نحن فنانون، لكن بأدوات مختلفة، ثم لا تنسى أننا أيضا مطالبون بالابتكار وطرح مجموعات موسمية، ما لا يقل عن أربعة عطور في السنة... أعيد وأكرر: نعم، أنا أعد نفسي فنانا».
يعود بجسمه إلى الوراء وهو يشير إلى الطاولة، حيث كانت قارورة عطره الجديد «لوم إيديال» تتوسط بتلات ورد وبهارات ولوزا مرا، ويعرض أمامي الفيلم الترويجي له، ولسان حاله يقول: «وهذا هو الدليل». تصاب بعدوى حماسه، وتجد نفسك تتساءل: هل يا ترى توصل إلى الوصفة المثالية للرجل المثالي؟. فالاسم طموح جدا، وله إيحاءات قوية لا بد أن تثير الكثير من المشاعر بداخل الرجل والمرأة على حد سواء، كما أن الفيلم الذي صوره المخرج ميشال غوندري جاء بأسلوب مرح وشاعري، ربما للتخفيف من حدة أي جدل قد يثار حول وجود أو عدم وجود الرجل المثالي، لكن ماذا عن العطر نفسه؟ هل وفق فيه للوصفة الناجحة؟ وهل يصبح وساما على صدره أم أنه سيتبخر بعد بضعة مواسم؟
كان آخر عطر رجالي أطلقته «جيرلان» منذ عدة سنوات من إبداع جون بول، أبيه الروحي، وكان باسم «آرسين لوبين»، لهذا كان مهما أن يأتي هذا العطر بمستوى رفيع. يقول واسر: «سألت جون بول مرة ماذا تعلم من جده، مبتكر أجمل العطور، فرد علي: هل تصدق أني لم أتعلم منه الكثير؟». عندما قرأ نظرات الاستغراب في عيوني، أضاف: «ما نقوم به كعطارين لا يشرح أو يعلم، وكل ما قمت به أني كنت أراقبه من كثب». وهذا تماما ما قام به ثيري واسر مع جون بول. كان يراقبه من قرب لكي لا تفوته أي شاردة أو واردة، وبالفعل اكتشف لدهشته أنه بالإمكان ابتكار عطر رجالي، من خلاصات الياسمين والورود التي كانت حكرا على المرأة من قبل من دون أن يتعارض ذلك مع مفهوم الرجولة أو قوتها. يعلق واسر: «وجود زهرة الليمون في العطر الجديد تحية له، لأن هذه النغمات الزهرية لم تكن لتدخل عطرا رجاليا لولاه. ومنذ عام 2008 عندما أطلقت عطر «جيرلان أوم» وأنا أتعمد أن أدخل هذه الخلاصات في العطور التي أبتكرها. مثلا، عندما كنت أعمل على ابتكار عطر «لابوتيت روب نوار»، الذي استغرق سنتين، كنت أسبح في عالم المرأة وعالم الشرق، خصوصا بعد أن أتبعناه بمجموعة «صحارى الشرق، ومع ذلك كنت دائما أتعمد إضافة هذه المكونات إلى النغمات الشرقية». ربما تكون «جيرلان»، أول دار أدمنت النغمات الشرقية وقدمتها لها في عطور أيقونية مثل «شاليمار» و«سامسارا» وغيرها، إلا أن الملاحظ في هذا العطر أنه خال منها، إذ لم يكن هناك دليل فوق الطاولة يشير إلى استعمال مكونات من الشرق. يدافع واسر قائلا إنه متأكد أن العطر سيروق للرجل الشرقي، لأن «هناك خلاصات الفانيلا، إضافة إلى نوع من الإثارة الحسية والعمق. لقد شعرت بأنه حان الوقت لكي أقدم شيئا جديدا، أنيقا وغنيا، من خلال عطر قريب إلى نفسي وقلبي. وقد عوضت النغمات الشرقية بالانتعاش والعمق النابعين من الأخشاب، علما بأني لم أغير جلدي تماما، فهنا أيضا أحرص على أن أحكي قصة واقعية بمكونات جديدة ومترفة تعبر عني الآن. فكلنا نتغير ونتطور». وتابع: «أنا هنا منذ ست سنوات واكتسبت عدة خبرات، كما تشربت ثقافة (جيرلان) أكثر، ولن أقول إن هذا العطر يعبر عني تماما، لأني ما زلت ضعيفا أمام عطر (إيديل) و(جيرلان أوم)، لكني مؤمن بأن لكل مرحلة لغتها وخصوصيتها، ومن ثم لا يمكن أن يلغي ما أبتكره اليوم ما ابتكرته منذ خمس سنوات مثلا. كل ما في الأمر أنه لا بد من التطور، وأنا متأكد أني سأقدم في المستقبل عطرا مختلفا تماما،، قد لا يكون بالضرورة هو الأفضل، لكنه سيكون انعكاسا لنضجي الشخصي والمهني ولتطورات العصر».
المعروف عن واسر أنه يعشق السفر، ويمكن القول إن شهرته في صناعة العطور تكمن في بحثه الدائم عن مزارع جديدة ودعمه المزارعين الصغار الذين تربطه بهم علاقات إنسانية. في أسفاره، يتعلم الكثير أيضا، وفي كل مرة يكتشف شيئا جديدا لم يلحظه من قبل، فللبحث عن البرغموت وزهرة الليمون مثلا، يسافر إلى تونس أو إلى جنوب إيطاليا أو تركيا أو الهند أو بلغاريا: «لأن لكل مكان رائحة وخصوصية». برأيه: «في كل مكان من هذه الأمكنة، بل وحتى في المكان نفسه، تتغير الرائحة بالنسبة لي، حسب الزمان والمزاج، مما يؤثر على قدرات المبدع وعمله». ويؤكد طوال حديثه أنه في أسفاره لا يتعامل فقط مع مكونات يتطلبها عمله، سواء كانت أعشابا أو زيوتا، بل يتعامل مع الناس الذين يزرعونها وينتجونها، لهذا من الصعب عليه عدم ملاحظة التغييرات التي يعيشونها وتأثيراتها على حياتهم. «تونس أكبر دليل على هذا، فأنا أسافر إليها منذ سنوات، ورغم الثورة الأخيرة، ما زلت أشعر بأني في بلدي الثاني، لأن الناس الذين أتعامل معهم أصبحوا أصدقائي. لا يمكن أن أعيش في معزل عنهم، رغم التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في المناخ العام وفي. في هذه الأسفار، أنا أستقي الكثير من الأفكار وأستفيد من تجارب الخبراء المحليين. في بلغاريا، تعلمت الكثير عن الورد من المزارعين البسطاء، مما ساعدني في رحلاتي إلى إيران، حيث علمت المزارعين فيها طرقا وتقنيات جديدة. لاحظت أنك عندما تتبرع بهذه الأفكار تكسب صداقات متينة، لأن الناس يقدرون أهمية أن تعلمهم أمرا في صالحهم. لا أريد القول إني أنديانا جونز، أبحث عن كنوز مخفية أو ذهب لم يستطع أحد غيري أن يجده، لكن يمكنني القول إني أعرف أماكن هذه الكنوز، ولن أبالغ عندما أقول إنها توجد في قلوب الناس». أسأله عن الإرث الذي يحلم بتركه لنا، فيرد ببطء: «أبلغ 53 من العمر، أي إني صغير على أن أخلف أي تركة، لكن في الوقت ذاته أحرص على أن أراعي ظروف من أتعامل معهم من باب قناعتي بأنك تحصد ما تزرع، والعلاقات الإنسانية مهمة في عملنا، لأنها هي التي تبقى. هؤلاء المزارعون يعرفون الكثير عن حصادهم ومنهم تعلمت الكثير عن خشب الصندل والياسمين وزهرة الليمون وغيرها، لهذا لا يمكن أن أتنكر لهم إذا تغيرت ظروفهم. الأمر نفسه ينطبق على حياتي الشخصية، فأنا أهوى الفن المعاصر، لكني لا أشتري أي لوحة إلا إذا تعرفت على الفنان شخصيا، لأن أفضل شخص يشرح لك عن زيت أو وردة أو لوحة هو الشخص الذي زرعها وحرثها أو رسمها. سأسوق لك مثالا على هذا أني عندما كنت أعيش في نيويورك، وقعت عيني صدفة على لوحة شدتني حين كنت أتفصح مجلة فنية. اتصلت بالمتحف الذي كانت تعرض فيه وكان في لوس أنجليس، لم أتردد وتوجهت إلى هناك، لأنه كان مهما بالنسبة لي مقابلة مبدع اللوحة قبل أن أشتريها».
كانت مدة اللقاء 30 دقيقة تقريبا، ولاحظت أنه كرر فيه اسم «جيكي» أول عطر رجالي أطلقته الدار منذ نحو قرن، أكثر من عشر مرات، ربما لأنه هو ما ألهمه وعاد إليه عندما فكر في ابتكار عطره الجديد؟ لا ينكر ويقول بأنه لو لم يصنع السيد جيرلان «جيكي» لما اكتشف أهمية اللوز المر كمكون أساسي في العطور الرجالية، لأنه ليس معمولا به في عطور باقي الشركات. لكنه يستطرد: «هذا لا يعني أن (جيكي) هو الذي ألهمني، بل جزئية بسيطة فيه، تتمثل في اللوز المر الذي أعطاني الفكرة وشرارة الانطلاق. فأنا أعود إلى الأرشيف وأدرسه لكني لا أترجمه حرفيا أو أغرف منه بشراهة، لا سيما مع توافر عدد كبير من المكونات حاليا مقارنة بالماضي، إضافة إلى تطور التقنيات التي تساعد على المزيد من الابتكار والتميز». لكن اللوز المر أثاره وأصبح مدمنا له، أو بالأحرى «نغمات الكرز الأسود التي تتكون من اللوز المر والتوت، وهي خلطة موجودة في عطر (جيكي) الذي أطلق في عام 1889 للمرأة، لكنه لقي حفاوة كبيرة من قبل الرجل أيضا. وربما يكون هو أول عطر للجنسين. هذا الإحساس بالذكورة الذي تمتع به دفعني لأخذ اللوز المر والتلاعب فيه، مما أثمر عن عطر «لوم إيديال» الجديد، مع العلم أن هذه الخلطة خاصة بـ«جيرلان»، وليس هناك من يستعملها غيرنا منذ العصر التاسع عشر، من عطر «جيكي» إلى «لابوتيت روب نوار».



كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.


خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.